4289
خطبة الجمعة - الخطبة 1201ض : خ 1- أصل الدين معرفة الله ، خ2- الإعجاز العلمي في ذبح الدابة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-09-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أصل الدين معرفة الله :

أيها الأخوة الكرام؛ أيها الأخوة الأحباب؛ قيل: من عرف نفسه عرف ربه. فمن أنت أيها الإنسان؟ يجب أن تعلم علم اليقين أنك المخلوق الأول عند الله، الأول رتبة لأن الله عز وجل في عالم الأزل عالم الذر عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان، ولأنه قبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة عندئذ قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

الآن هذا التسخير تسخير تعريف وتسخير تكريم، أي شيء تقع عينك عليه، أي شيء في الكون له وظيفتان؛ وظيفة إرشادية ووظيفة نفعية، أخذ هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى الهلال قال:

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ رواه أبو داود عن قتادة ]

فالبطولة أن ننتفع من هذا الشيء الذي سخر لنا، وأن نشكر الله عليه، وأن يكون طريقاً لمعرفة الله، فأصل الدين معرفة الله، إنك إن عرفت الله تفانيت في طاعته، إنك إن عرفت الله ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في معصيته، فأصل الدين معرفة الله.

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة و المكلف و المكرم عند الله :

أيها الأخوة الكرام؛ الآيات المكية في معظمها آيات توحيد، والدار الآخرة والآيات المدنية جاء فيها التشريع، فمرحلة مكة مهمة جداً في الدعوة إلى الله، إنك إن عرفت الله ثم عرفت أمره تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في معصيته، فلذلك الإنسان هو المخلوق الأول عند الله رتبة، والمخلوق المكرم، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 70 ]

أنت المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف، مكلف أن تعبد الله.

الإسلام منهج تفصيلي :

والعبادة من مفهوم غير عميق ان تؤدي الصلوات الخمس، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت، وأن تؤدي الزكاة، هذه عبادات شعائرية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((بني الإسلام على خمس))

[ البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر]

هذه قواعد، دعائم، مرتكزات، أما الإسلام فمنهج تفصيلي يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، حينما نفهم الدين عبادات شعائرية هناك نصوص دقيقة جداً يجب أن نعلمها:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

هذه الصلاة، الصوم:

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[ البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

الحج:

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

الزكاة، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 53 ]

الأوامر والنواهي ضمان لسلامة الإنسان لأنها من عند الخبير :

ذكرت هذا الموضوع القصير انطلاقاً من أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، قد يسأل سائل: وعود الله عز وجل معظمها غير محقق، و زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الكرة في ملعبنا، الخلل عندنا، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

كلمة واحدة، قال تعالى:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

فإذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة.
أيها الأخوة الكرام؛ الآن الإنسان هو المخلوق الأول، في الأرض الآن سبعة مليارات ومئتا مليون، ما منهم واحد إلا وهو حريص على سلامته، من يحب المرض؟ من يحب القهر؟ من يحب الفقر؟ حريص على سلامته، وما من واحد من هؤلاء إلا وهو حريص على سعادته، وما منهم واحد إلا حريص على استمراره، السلامة والسعادة والاستمرار، السلامة أنت أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولك صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصك على سلامتك، ومن حرصك على سعادتك، ومن حرصك على استمرارك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع.
أنت حينما ترى لوحة في الفلاة كتب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، بربكم جميعاً هل تعد هذه اللوحة حدّاً لحريتنا أم ضماناً لسلامتنا؟ هذا هو الفهم العميق للدين، الأوامر والنواهي ضمان لسلامتنا لأنها من عند الخبير، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

.

[ سورة فاطر : 14 ]

فالإنسان حريص على سلامته، وسلامته في استقامته، افعل ولا تفعل، شرع حكيم، شرع تفصيلي، شرع يغطي كل جوانب الحياة، شرع يدور مع الإنسان في سره وجهره، في خلوته وجلوته، في غناه وفقره، في قوته وضعفه، فحينما تطبق تعليمات الصانع ضمنت السلامة، ولكن هذا الكون طافح بأشياء جميلة جداً؛ فيه جبال خضراء، فيه بحار زرقاء، فيه وجه طفل يأخذ بالألباب، فيه جمال، أصل الجمال هو الله، والإنسان جبل على حبّ الجمال والكمال والنوال، الكمال سلوكي، والجمال حسي، والنوال العطاء، فإذا علمت علم اليقين أنك إذا اتصلت بالله حصلت السعادة الكبرى، قال بعض العارفين:

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا
ولو ذقت من طعم المحبــــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لــمت غريباً واشتياقــــــــــــاً لقربنــــا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائـــح تــركت جميع الكائنـــات لأجلنـــــــــا
فما حبنا سهل و كل من ادعـى سهولته قلنا له: قـــــــــد جهلتنــــــــا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***

حرص الإنسان على سلامته و سعادته و استمرار وجوده :

أيها الأخوة الكرام؛ معظم الناس ذاقوا الطعام والشراب، وذاقوا طعم السكنى في بيت مريح، وذاقوا طعم الزواج، وذاقوا، وذاقوا، هل فكر احدنا أن يذوق فعلاً طعم القرب من الله؟ قال عالم جليل: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟
سعادتك بيدك، التوفيق بيدك، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، فالإنسان حريص على سلامته، السلامة بالاستقامة، وحريص على سعادته، السعادة بالإقبال على الله، لأنه أصل الجمال والكمال والنوال، وحريص على استمرار وجوده، وقد تكون الثالثة خطيرة جداً، الثالثة استمرار وجودك بالذرية الطيبة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

جميع أعمال الذرية الصالحة في صحيفتك، وهذه أكبر تجارة مع الله، خير كسب الرجل ولده، كنت مرة في أمريكا قلت لهم: لو بلغت أعلى منصباً في الأرض، وجمعت أكبر ثروة فيها، وارتقيت إلى أعلى مكانة، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس. لذلك استنبط بعضهم من قوله تعالى:

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 117]

ولم يقل فتشقيا، مع أن الصياغة اللغوية تقتضي أن تكون فتشقيا، لكن العلماء قالوا: شقاء الأزواج شقاء حكمي لزوجاتهم، ويقاس على ذلك أن شقاء الأولاد شقاء حكمي لآبائهم وأمهاتهم. من أراد أن تقر عينه بأولاده فليسع إلى التربية، وفي أحدث النظريات التربوية أن الطفل يتعلم ما تتمناه له من عادات، من فهم، من مهارات إلى آخره من الولادة إلى سن السابعة، فإذا أهملنا هذه المرحلة من حياة الطفل وقعنا في إشكال كبير، وقعنا أمام مشكلة يصعب حلها.
أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان حريص على سلامته، وعلى سعادته، وحريص على استمراره، سلامته بالاستقامة، وسعادته بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

واستمراره بتربية أولاده، وهذا شيء يعانيه أي إنسان في العالم، سلامته باستقامته، والاستقامة اتباع تعليمات الصانع، والصانع هو الخبير، والآية تقول:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14 ]

وسعادته بالإقبال على الله، واستمرار حياته بتربية أولاده.

لذلك أيها الأخوة الكرام؛ حينما نعتني بأولادنا نعتني بأنفسنا، حينما نراهم صالحين يشعر الأب شعوراً لا يوصف، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾

[سورة الفرقان : 74 ]

قرة العين لا يعرفها إلا من ذاقها.

الحبّ في الله و الحبّ مع الله :

أيها الأخوة الكرام؛ من التعريفات الدقيقة للإنسان؛ الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فلا بد من أن تغذي عقلك بالعلم الصحيح من عالم رباني، ولا بد من أن تغذي قلبك بالحب الذي يسمو بك، هناك حبّ مع الله وهو عين الشرك، وهناك حبّ في الله وهو عين التوحيد، أنت كما تحب الله تحب أنبياءه ورسله، وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، تحب المؤمنين، تحب المساجد، تحب العمل الصالح، هذا كله حبّ في الله، وأما الحب مع الله فهو عين الشرك، أن تحب شيئاً يبعدك عن الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فمن لبى حاجة عقله بالعلم، وحاجة قلبه بالحب، وحاجة جسمه بالطعام والشراب، تفوق، ومن اكتفى بواحدة تطرف، وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.

الإنسان زمن و أثمن شيء يملكه هو الزمن :

أيها الأخوة الكرام؛ ما قرأت تعريفاً جامعاً رائعاً حاسماً للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري، قال في تعريف الإنسان: هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. فأنت زمن أو رأس مالك هو الزمن، أو أثمن شيء تملكه هو الزمن، ولأنك زمن أو لأن رأس مالك هو الزمن، أو لأن أثمن شيء تملكه هو الزمن أقسم الله لك بمطلق الزمن، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1]

العصر مطلق الزمن.
بالمناسبة الأشياء المادية لها وزن، ولها حجم، ولها أبعادٌ ثلاثة، وتشغل حيزاً في الفراغ، لكن النبات شيء مادي له وزن، ويشغل حيزاً، وله أبعادٌ ثلاثة، لكنه ينمو، بينما الحيوان كائن يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعادٌ ثلاثة، وله وزن وينمو كالنبات، ويمتاز عن النبات أنه يتحرك، الهرة تمشي النبات لا يمشي، أما الإنسان فمعقد الأمل، شيء مادي يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعادٌ ثلاثة، وله وزن، وينمو كالنبات، ويتحرك كبقية المخلوقات، لكنه يفكر، ميّز الله الإنسان بأنه أودع فيه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية يتميز بها على بقية المخلوقات، أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية إن لم يستعملها - أنا أسميها الحاجة العليا في الإنسان - إن عزف عن طلب العلم، إن انشغل بغرائزه وشهواته ومصالحه هبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به.

صفات من شردوا عن الله و انشغلوا بشهواتهم و نزواتهم :

استمعوا إلى القرآن الكريم قال تعالى عن هؤلاء الذين شردوا عنه، وابتعدوا عن دينه، وانشغلوا بنزواتهم وشهواتهم ومصالحهم وغرائزهم، قال الله عز وجل عنهم:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[سورة النحل: 21]

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
***

وقال الله عز وجل عنهم:

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

الأنعام ليست مكلفة حتى تحاسب، فالإنسان إذا عزف عن طلب العلم هو كالأنعام بل أضل لأنه سيحاسب، الآية الثالثة قال الله عز وجل عنهم:

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

[ سورة المنافقون: 4 ]

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

هذه أوصاف القرآن لمن عزف عن طلب العلم، فلا بد من طلب العلم، طلب العلم فريضة على كل مسلم، قال شراح الحديث: على كل شخص مسلم. أي مسلم ومسلمة.

الإنسان خاسر إلا إن أنفق وقته استثماراً :

أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان يغذي عقله بالعلم، ويغذي قلبه بالحب، الحب الذي يسمو به ويغذي جسمه بالطعام والشراب، فإذا اكتفى بواحدة تطرف، فرق كبير بين التفوق وبين التطرف، إذاً أقسم الله بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، أقسم له فقال:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

لماذا يا رب هذا خاسر؟ قيل: لأن مضي الزمن وحده يستهلكه، قبل أن نقول: مؤمن وغير مؤمن، صالح أو طالح، قبل كل ذلك مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، فأنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، لذلك أقسم الله بالعصر قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

ما بعد هذه الآية هناك أربعة أشياء قال عنها الإمام الشافعي: هذه أركان النجاة:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

عرفوا الحقيقة، عرفوا الله عز وجل موجوداً وواحداً وكاملاً، عرفوا أسماءه الحسنى وصفاته العلا، عرفوا قيومته على الخلق، عرفوا وجوده، لذلك من عرف الله عرف كل شيء، ومن غابت عنه معرفة الله لم يصب شيئاً.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان رأس ماله الوقت- الزمن- هذا الزمن ينفق استهلاكاً أو استثماراً، هنا البطولة، الاستهلاك نأكل ونشرب ونسمر وننام ونستيقظ ونأكل ونشرب حتى نفاجأ بمرض خطير ينهي حياتنا، بوابة خروج، ولكن المؤمن يسعد إن عمل في الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعه بعد انقضاء الزمن، إلا الذين آمنوا، وبحثوا عن الحقيقة، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

تحركوا وفقها:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 3]

نصحوا، هذه الدعوة إلى الله كفرض عين، وتواصوا بالصبر في البحث عن الحقيقة، والعمل وفقها، والدعوة إلى الله، هذه السورة جامعة مانعة، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يتفرقون إلا على هذه السورة.

البشر نموذجان لا ثالث لهما :

لذلك نستنتج أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

سبعة مليارات ومئتا مليون، كل واحد بذهنه هدف يتحرك نحوه، ولكن الله جلّ في علاه جعل هذه الحركات المتنوعة والتي لا تعد ولا تحصى في حقلين اثنين ونرجو الله أن نكون جميعاً في الحقل الأول، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

صدَّق أنه مخلوق للجنة، بعد هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، هذه الزمرة الأولى، الرد الإلهي قال تعالى:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :7 ]

أعطى واتقى وصدق بالحسنى، الترتيب معكوس لحكمة بالغة تحتاج إلى شرح، صدق بالحسنى، صدَّق أنه مخلوق للجنة، النتيجة الأولى اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، يعطي من وقته، من ماله، من علمه، من جاهه، يسعده العطاء، لذلك قالوا: يقع على رأس الهرم البشري زمرتان هم الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم، كل البشر تبع لقوي أو نبي.
أيها الأخوة الكرام؛ البطولة أن تكون من أتباع الأنبياء، أن تسعد بالعطاء لا بالأخذ، أن تعطي من وقتك، من مالك، من جاهك، من علمك، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

والشيء الثاني قبل يوم القيامة حينما يشارف الإنسان على الموت لا يندم إلا على عمل صالح فاته، قال تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

نستنبط أن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح.
أيها الأخوة الكرام؛ إن الذين آمنوا بحثوا عن الحقيقة، وعملوا الصالحات تحركوا وفقها، وتواصوا بالحق دعوا إليها، وتواصوا بالصبر صبروا عن البحث عنها، والعمل وفقها، والدعوة إليها.
أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5-6]

الرد الإلهي قال تعالى:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل :7 ]

قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 8-9 ]

لأنه كذب بالحسنى- بالجنة- استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ، فلذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، ولأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، والبطولة أن نكون جميعاً إن شاء الله من أتباع الأنبياء، حتى نسعد بقربنا من الله عز وجل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً.

الإعجاز العلمي في ذبح الدابة :

أيها الأخوة الكرام؛ الإنسان يمشي في الطريق في بستان رأى أفعى، ما الذي يحصل؟ تنطبع صورة هذه الأفعى على شبكية العين إحساساً لا إدراكاً، فتنتقل هذه الصورة إلى الدماغ إلى مكان الرؤية في الدماغ، ملف الأفعى ناتجة من تجاربه وخبراته وعلمه، هذه الأفعى لدغتها قاتلة، فالدماغ يرسل هذه الصورة إلى الغدة النخامية، ترسل هذه الرسالة الهرمونية إلى غدة فوق الكظر، هذه الغدة ترسل خمسة أوامر، أول أمر: رفع نبض القلب، فالخائف يزداد نبضه ليصل إلى مئة وستين حتى يؤمن دماً، والأمر الثاني إلى الرئتين ليرتفع وجيبهما، والأمر الثالث للكبد من أجل إطلاق كمية سكر إضافية، الخائف سكره بمئة وستين أحياناً، وهناك أمر آخر للكبد لإرسال هرمون التجلط حتى لا يصفى دمه كله، شيء لا يصدق بثانية تتم هذه كلها، فلذلك نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الدابة بقطع رأسها، إذا قطع رأسها تعطلت هذه المنظومة من الأوامر، أمرنا بقطع أوداجها فقط كي يرتفع نبض القلب إلى مئة وثمانين نبضة حتى يخرج الدم كله من الدابة فتصبح دابة مزكاة، هذا العلم مبني على حقائق دقيقة جداً.
أيها الأخوة الكرام؛ إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم صن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى، و ذم من منع، اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحب وترضى، اجمع بينهم على خير، هيء لهم بطانة صالحة تدلهم على الخير وتعينهم عليه، والحمد لله رب العالمين.
كلمة لا بد أن أقولها لكم أنا نيابة عن جميع الأخوة السوريين الذين قدموا إلى هذه البلد، واستقبلوا ورحب بهم، وأعينوا على ما يحتاجونه، أشكر المسؤولين في هذا البلد الطيب من أعلى قمة، وكل المسؤولين على هذه الاستضافة والإكرام والحفظ، وأرجو الله عز وجل أن يحفظ لكم بلادكم، ويحفظ لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS