759
محاضرات وندوات مصورة - الأردن - جامع التقوى – الحلقة 148 : ما هو القانون؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-04-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تعريف القانون :

 أيها الأخوة الكرام، ماذا توحي لكم كلمة قانون؟ كلمة قانون تعني علاقة ثابتة بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل.
 مثلاً تقول: المعادن تتمدد بالحرارة، هذا قانون فيزيائي، علاقة ثابتة، أي معدن على الإطلاق بل أي عنصر، الهواء يتمدد، والسوائل تتمدد، والمعادن كذلك، أي عنصر في الأرض بالحرارة يزداد حجمه، وبالبرودة ينكمش، فكلمة قانون تعني علاقة ثابتة بين متغيرين.
 لو أن الإنسان قرأ القرآن قال تعالى:

﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبديلًا﴾

[ سورة الفتح: ٢٣]

 كلمة سنة الله تعني القانون، يوجد قوانين وهذه القوانين فوق الزمان والمكان، هذه القوانين حتمية النتائج أصل في حياتنا، أنا أقول: البطل الذي يكتشف قوانين القرآن الكريم، مثلاً من القوانين قال تعالى:

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: ٩٧]

 هذا قانون، هذا فوق الزمان والمكان، فوق الظروف، فوق المصاعب، يقول لك: الظروف صعبة، بلد يعاني ما يعاني، هذا القانون فوق القوانين، فوق ما تتوهمه قانوناً، فلذلك عندما تقرأ القرآن إذا وجدت مثلاً آية تشف عن قانون مثلاً:

﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا ﴾

[ سورة طه: ١٢٤]

 هذا قانون، وقد تكون أقوى الأقوياء، وقد تكون أغنى الأغنياء، وقد أوتيت من حظوظ الدنيا ما أوتيت، هذا القانون فوق المكان والزمان، وفوق كل التفاصيل، فأنا عندما أقرأ القرآن، وأكتشف تفاصيل القرآن الكريم، أحاول أن أتوافق معها.

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :

 مرة عندنا دكتور في الجامعة من كبار علماء النفس، أتى موضوع الذكاء، أي بكتابه المقرر كان الموضوع عن الذكاء، قال: هذا الموضوع من ثمانين صفحة، هل تحبون أن ألخصه بكلمة واحدة؟ قال: الذكاء هو التكيف، تتكيف.
 يوجد موت، من هو الأحمق؟ الذي لم يدخل الموت في حسابه إطلاقاً، يعيش صحته طيبة، بيته كبير، دخله كبير، كل يوم سهرة، لقاء، حفلة، سفر، سياحة، هذه ساعة الموت سوف يترك هذا البيت الضخم إلى قبر، وسوف يترك الزوجة والأولاد والأصهار والكنائن والأعمام إلى القبر، فأنا أقول: البطولة أن تعيش المستقبل، هذه بطولة في الإنسان، دائماً نحن نصف واقعنا، مثلاً: أنا مهندس، درست بالقاهرة، تتكلم عن واقعك، وعن ماضيك، أما المستقبل فلا أحد يفكر فيه إطلاقاً، لماذا؟ لأنه يوجد حدث خطير في المستقبل، يوجد رحمة الله عليه، كان شخصاً ملء السمع والبصر، له مكانة، وعلم، وهيمنة، وسلطة، بتوقيع يحل مشكلة، أصبح مرحوماً، هذه الساعة نقلت الإنسان من حياة الدنيا إلى الآخرة، من بيت إلى قبر، من منصب رفيع إلى قبر، من صحة طيبة إلى قبر، من زوجة وأولاد وبنات وأصهار إلى قبر، من من من إلى قبر، هذا القبر نهاية كل حي، قد يكون الشخص ملكاً إلى القبر، قد يكون أغنى الأغنياء إلى القبر، أقوى الأقوياء إلى القبر، هذا الموت نهاية كل حي.
 أنا لا أعتقد أنه يوجد شيء قطعي وحتمي ويقيني مثل الموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***
و كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــــــــــــور جنـــــــــازة  فاعلم بأنك بعدهـــــــــا محمول
***

 واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
 كل بلد لها ترتيب، عندنا بالشام يوجد نعوات، يومياً يوجد خمسون نعوة، لأني سألت شخصاً يعمل بمصلحة الموتى، قال لي يوجد مئة وفاة بدمشق يومياً، خمسون وفاة فيها نعوة، ورقة كبيرة إلى رحمته تعالى ابن المرحوم، ابن أخيه، عمه، أخوه، كل أقربائه، ينعون إليكم وفاة فقيدهم الغالي، فلان سيشيع جثمانه إلى مثواه الأخير، معنى هذا أن البيت الذي تسكن فيه ما اسمه؟ مثوى مؤقت، بيت كبير، صغير، فخم جداً، رخيص، غال، بأرقى الأحياء، بآخر الأحياء، هذا مثوى مؤقت.
 أنا أقول كلمة: أنت بالبيت تدخل إلى البيت خمساً و ثمانين سنة بشكل قائم، لكن مرة واحدة ستدخل بشكل أفقي، البطولة أن تحسب حساباً لهذا الخروج، تخرج لا تعود، يموت الشخص الساعة الثانية عشرة لم يأت، سوف لن يأتي، انتهى، أما الشخص الحي إذا تأخر تقزل: لم يخبرنا، مادام حياً، إذا شيعوه إلى القبر سوف لن يعود أبداً.
 أول شيء يخافون من ألبسته، يتذكرونه من ألبسته، يوزعون كل ألبسته، حتى لا يتذكرونه، بعد فترة ينسونه، يسهرون وحفلات و سهرات.
 فالإنسان عندما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، عند الوفاة كل من حوله يبكي فإذا كان بطلاً يضحك وحده:

﴿قيلَ ادخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ﴾

[ سورة يس: ٢٦]

الموت عرس المؤمن :

 يوجد حديثان دقيقان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( الموت تحفة المؤمن))

[الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

((الموت عرس المؤمن))

 للتقريب، شخص شاب فقير جداً لكنه ذكي جداً، يوجد جهة تبرعت له أن يذهب لبلد أجنبي، وينال دكتوراه منها، ويعود بأعلى منصب، من شخص فقير لا يوجد عنده منزل، ولا شيء إطلاقاً لكنه ذكي، إن أحضرت دكتوراه في الطب نعينك وزير صحة، كلمة وزير تعني بيتاً فخماً جداً، وبيتاً بالمصيف، وسيارتين، ودخلاً كبيراً، ولقاءات، وحفلات، وسهرات، وسفريات، هذا عندما يقدم الفحص الآخير وينجح، ويأخذ وثيقة الشهادة ويصدقها بالسفارة، يضعها بجيبه، يصعد إلى الطائرة يضع قدمه على سلم الطائرة، عندلما وضع قدمه على أول درجة من سلم الطائرة انتقل من حياة التعب، والدراسة، والسهر، والقلق، والخوف، وينجح ولا ينجح، وأستاذه كان يهودياً لا يريد أن ينجحه مثلاً هذه المتاعب إلى المنصب الرفيع، والدخل الكبير، والزوجة الرائعة، والمكانة الاجتماعية، والأناقة، والترتيب، هذه النقلة من حياة التعب والجهد والنصب والقلق والألم لحياة الراحة والتمتع، هذه النقلة عند الموت، لذلك:

(( الموت تحفة المؤمن))

 الموت عرس المؤمن، فكل بطولتك وذكائك وعقلك وتفوقك وتوفيقك أن تجعل من الموت عرساً لا من الموت مصيبة، قال الله: مصيبة الموت، فالموت عند الناس مصيبة كبيرة جداً.
 مرة أذكر شخصاً عمل في التجارة، وربح أرباحاً طائلة، بعدما ربح أرباحاً طائلة اشترى بيتاً واسعاً جداً، وكساه كسوة درجة أولى، والأثاث درجة أولى، يبدو أنه أصبح معه أزمة قلبية، فقال لصديق له- هو صديقي- قال له: هذه بنت الحرام - قصد امرأته - بعدما أموت سوف تتزوج شخصاً يأتي إلى هذا البيت جاهزاً، أنا تعبت واشتريته وكسوته وأسسته، يأتي شخص غريب تتزوجه ويجلس في المنزل.
 شيء صعب جداً، موضوع الموت شيء غير سهل إطلاقاً، والإنسان عندما يتجاوز سناً معينة أي بالأربعينات لا يأتي بباله الموت، لكن بعد الأربعين هل بقي بقدر ما مضى؟ هذا سؤال محرج، يا ترى هذا الشخص تجاوز الأربعين هل بقي بقدر ما مضى أم أقل؟ تسعون بالمئة الذين بقوا أقل من أربعين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين ))

[أبو يعلى وابن حبان في صحيحه]

 خمسة بالمئة يعيشون ثمانين عاماً، فالإنسان سوف يموت، والذي بقي أقل من الذي مضى، والذي مضى مضى بأقل من لمح البصر، والباقي يمضون كلمح البصر، يكون البيت فخماً جداً لم يعد له.
 لذلك يوجد حالة أنه يخاف أن يترك شيئاً للصهر، يقول لك: هذا الصهر غريب، يحاول أن يترك المال كله بالأسرة نفسها.

خيار الإنسان مع الموت خيار وقت فقط :

 على كلّ أنا أرى هذه الأشياء ليست سهلة، تعيش مستقبلك ليست سهلة، أي إذا الشخص استقام على أمر الله، وطلب العلم، وكان بيته إسلامياً، وعمله إسلامياً، وإنفاقه إسلامياً، ودخله إسلامياً، هذا من نعم الله الكبرى، ترى نفسك جاهزاً للقاء الله عز وجل، والجهوزية ليست سهله، عبدي رجعوا وتركوك، وبالتراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 أنا أذكر شخصاً اعتنق مذهب الشيوعية – أي الإلحاد - يوجد قرابة ولكن بعيدة جداً، له مكانة وصحة، وله مركز قيادي في الحزب، أصبح معه أزمة قلبية، الآن أخذوه للمستشفى، أنا لا أنسى ما قال، قال لأولاده وهو بالنقالة: كل شيء أقنعتكم به بحياتي غلط، الصح هو الدين، متى قالها؟ بعد فوات الأوان.
 هل تصدق أنك تملك مليار خيار رفض بحياتك، هذا البيت لم يعجبك لا تأخذه، هذه الفتاة أخلاقها لم تعجبك لم تتزوجها، تملك مليار خيار رفض، إلا مع الموت تملك خيار وقت، لماذا؟ لأن أكفر كفار الأرض الذي قال:

﴿ أَنا رَبُّكُمُ الأَعلى﴾

[ سورة النازعات: ٢٤]

 والذي قال:

﴿ ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري ﴾

[ سورة القصص: ٣٨]

 حينما أدركه الغرق فرعون قال:

﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ ﴾

[ سورة يونس: ٩٠]

 معنى هذا أن الكافر بلحظة معينة، قال تعالى:

﴿ فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديدٌ﴾

[ سورة ق: ٢٢]

 الحقائق التي جاء بها الأنبياء جميعاً يؤمن بها الملحدون عند الموت:

﴿ فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَديدٌ﴾

[ سورة ق: ٢٢]

 لكن يومها.. قال تعالى:

﴿ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا ﴾

[ سورة الأنعام: ١٥٨]

الوقت أثمن شيء يملكه الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام، هذا الوقت الذي تعيشه أثمن شيء تملكه، هذا الوقت هو أنت، أنت وقت، أنت بضعة أيام، وهذا اليوم إذا مضى مضى.
 يوجد شيء دقيق ممكن أن تفعل في اليوم الذي سيمضي عملاً ينفعك بعد مضي الوقت، أما إذا استهلكناه، إذا الإنسان دعي إلى مئة دعوة سابقاً والآن جائع، إذا تذكر أي دعوة، وتذكر الطعام الطيب، يشبع الآن؟ لا يشبع، قال تعالى:

﴿ مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ ﴾

[ سورة النساء: ٧٧]

 قال تعالى:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا ما لَكُم إِذا قيلَ لَكُمُ انفِروا في سَبيلِ اللَّهِ اثّاقَلتُم إِلَى الأَرضِ أَرَضيتُم بِالحَياةِ الدُّنيا مِنَ الآخِرَةِ ﴾

[ سورة التوبة: ٣٨]

 أي أنت تقبل بها:

﴿ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَليلٌ﴾

 يوجد آية أخرى:

﴿ مَتاعُ الدُّنيا قَليلٌ ﴾

  إله، الذي خلقك ينصحك، لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله". أعرف أخاً من إخواني الكرام له قريب، بلغني عنه من كبار المحسنين، وضعه المادي جيد جداً، لا يوجد شاب يلوذ به بقرابة ولو بعيدة جداً إلا زوجه واشترى له منزلاً، عاش للناس، مات ليلة القدر وهو يقرأ القرآن، وصل للثامنة و التسعين، ويوجد إنسان يموت بالمرحاض.
 أحياناً هذا الموت يلخص كل حياتك السابقة.

العاقل من يدخل الموت في حساباته اليومية :

 أنا أقول: هذا المستقبل فيه موت، والموت قريب منا كلنا، من معه ضمانة أن يعيش بعد ساعة؟ الآن حالات موت مفاجئ، بصحة جيدة يموت.
 أحد أخواننا الكرام إمام في مسجد كبير في دمشق، صلى الظهر والعصر صلوا عليه في المسجد.
 قال مرة أحد الصالحين: رأى في المنام ملك الموت، قال: يا ملك الموت كم بقي لي؟ قال له: هكذا، استيقظ ما هذه؟ هذه خمسة، أي خمس سنوات أم خمسة أشهر أم خمسة أسابيع أم خمسة أيام أم خمس ساعات، فاحتار سأل وصل لعند ابن سيرين هذا كان يؤول الرؤيا، قال له: ليس كما تصورت، يقول لك ملك الموت: هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله.
 لا أحد يعلم متى يموت، يكون ملء السمع والبصر، يكون بأوج قوته، فانا أقول: التفكر في الموت، وإدخال الموت في حساباتك اليومية أمر مهم، دخلت إلى بيتك فخم جداً قد تعبت عليه، هذا البيت ليس ملكي، هذا ملك الورثة أنا سوف أموت، انظر كل أملاكك عندنا مصطلح جديد المنقولة وغير المنقولة، المنقولة مال، وغير المنقولة أراض وبيوت وعمارات، كلها تخسرها بثانية واحدة، كل أموالك على دقة القلب وقفت، انتهى أصبح المرحوم، أصبح الآن الورثة.
 شخص بخيل جداً، أنا أرى البخيل مبغوض، عندما توفي أتى المعزون، بعض المعزين صديق ابنه، قال له: تهانينا، لم يقل له: عظّم الله أجركم، هذا الواقع، أحياناً الإنسان يكون بخيلاً، يعيش حياة النكد.
 أنا سأنصحكم نصيحة: إذا معك مال دع أولادك يسعدون به وأنت حي، حتى يتمنوا طول عمرك، أي إذا كان الشخص مريضاً، وأصبح معه مرض، أحضروا الطبيب، طمئنا دكتور، يقول لهم: عرضية، كيف عرضية؟ ينزعجون كثيراً، اعتقدنا أنه انتهى، البخيل يتمنون موته، والكريم يتمنون حياته، فأنا أقول: بطولتك أن يتمنى من حولك بقاءك، لا يتمنى موتك، المؤمن الكريم الحليم اللطيف يتمنى من حوله بقاءه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS