19899
العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (08-36) مقومات التكليف : العقل -2- العقل يتكامل مع الوحي ومرتبط بالواقع
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-07-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة وتذكير:

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثامن من دروس العقيدة، والإعجاز، وهذه الدروس تتحدث عن مقومات التكليف، وفي دروس سابقة تحدثت عن الكون كأحد مقومات التكليف، وتحدثت عنه كأول ثابت من ثوابت الإيمان، ثم انتقلنا إلى العقل كأداة لمعرفة الله عز وجل، وهو مناط التكليف، وبينت أن علاقته بالنقل التأكد من صحة النقل قبل النقل، ثم فهم النقل بعد النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل، ونتابع الحديث عن العقل في هذا الدرس الثاني.

الأمانة والإنسان:

كلكم يعلم من مسلَّمات الإيمان أن الإنسان هو المخلوق الأول، الأول رتبة، ولمجرد أنك إنسان، أنت المخلوق الأول، لأن الله حينما عرض على الخلائق كلها الأمانة أشفقن منها، وقال الإنسان: أنا لها يا رب، وتصدى لحمل الأمانة:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب )

نفسك أمانة لابد من تزكيتها:

هل تعلم من أنت ؟ أنت المخلوق الأول الذي قبل حمل الأمانة، أنت فوق الملائكة إن أديت الأمانة، ولا سمح الله ولا قدر الإنسان دون الحيوان إذا خان الأمانة، فما الأمانة ؟ نفسك التي بين جنبيك:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

( سورة الشمس )

النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز، التفوق كل التفوق في أن تزكي نفسك:

﴿قَدْ أَفْلَحَ ﴾

( سورة الشمس )

خالق السماوات والأرض يقول لك:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

تزكيها بأن تعرفها بخالقها، تزكيها بأن تعرفها بمنهج خالقها، تزكيها بأن تحملها على طاعة خالقها، تزكيها بالبذل، بذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، تزكيها بالاتصال بالله، إن زكيتها في الدنيا كانت التزكية ثمناً لجنة عرضها السماوات والأرض.
تزكية نفسك تقودك للفلاح
الإنسان مخلوق للجنة، لذلك يمكن أن يقسّم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم ومذاهبهم إلى زمرتين:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾

(سورة الليل)

أول زمرة صدقت أنها مخلوقة للحسنى أي الجنة، أنت مخلوق للجنة فقط، وأنت في الدنيا من أجل أن تدفع ثمن الجنة، لذلك:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾

(سورة الليل)

الترتيب معكوس، لأنك صدقت بالحسنى اتقيت أن تعصي الله، ولأنك صدقت بالحسنى، وعلمت علم اليقين أن ثمن الجنة هو العمل الصالح، فبنيت حياتك على العطاء، وهناك فرق صارخ بين المؤمن وغير المؤمن.

هذا هو النجاح الحقيقي:

إنّ المؤمن يبني حياته على العطاء، غير المؤمن على الأخذ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، فإن أخذت ولم تعط، أو أعطيت ولم تأخذ فأنت بالحالة الأولى من أتباع الأقوياء، وفي الحالة الثانية من أتباع الأنبياء.
لذلك أيها الإخوة الكرام، حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

ترى أن هذا هو النجاح الحقيقي، والله الذي لا إله إلا هو لو أن إنسانًا يملك كما يملك ( بيل غيت ) تسعين مليارًا، وإنسانا فقيرا في التعتيم، إن حضر لم يُعرف، وإن غاب لم يُتفقد، وعرف الله، وزكى نفسه أفضل مليار مرة من الذي جمع أكبر ثروة في الأرض، لأن الدنيا دار انقطاع، وقف القلب انتهى كل شيء، كل الأموال المنقولة وغير المنقولة تصير إلى غيرك، تسكن بيتاً فخماً، لكن مصيرك إلى القبر، تتمتع بمكانة كبيرة إلى القبر، لك مركبة فارهة مصيرُك إلى القبر
والله أيها الإخوة الكرام، ما وجدت على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنساناً أعقل ممن أعد لهذه الساعة، ساعة لقاء الله عز وجل، فلذلك لأنك إنسان المخلوق الأول، أنت مرشح إما أن تكون فوق الملائكة، ولا سمح الله ولا قدر، أو أن يكون الإنسان دون الحيوان:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة البينة )

الآية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) ﴾

( سورة البينة )

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

أيها الإخوة الكرام، دققوا، ابتغوا العزة عند الله، لا يليق بك أن تكون لغير الله، إن كنت لغير الله تحتقر نفسك:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

( سورة البقرة )

إن كنت مجيراً لغير الله أنت بهذا تحتقر نفسك، أنت ممكن أن ترفض ملايين الأشياء لأنك تحتقرها، إلا إذا رفضت الدين فإنك تحتقر نفسك:

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

( سورة البقرة )

فلذلك لأنك من بني البشر، لأنك إنسان أنت في الأصل عُرضت عليك الأمانة وقلت: أنا لها يا رب، بينما جميع الخلائق أشفقوا منها، لذلك الحيوان ركب من شهوة بلا عقل، رُكِبَ المَلَك من عقل بلا شهوة، أما الإنسان رُكِبَ من شهوة عقل، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.

العقل:الجهاز المعقد:

أيها الإخوة الكرام، نحن في موضوع العقل، تصور العقل جهاز حاسوب من أعلى مستوى لا يزال العقل عاجزاً عن فهم ذاته.
مرة قرأت في مقالة أنه لو أخذنا حياً من أحياء مدينة عملاقة في العالم الغربي كلها ناطحات سحاب، وكل هذه ناطحات السحاب فيها صمامات من الداخل والخارج، لا ترقى إلى مستوى العقل، هناك مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، والخلايا القشرية أربعة عشر مليار خلية في مكان لا يزيد على حبة العدس، والذاكرة فيها سبعون مليار صورة، هناك في مكان المحاكمة، وفي مكان الاستقراء، والاستنتاج، والرؤية، والسمع، والبصر، وقشرة الدماغ فيها كل المدركات، وفيها كل المفهومات:
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
العقل جهاز بالغ التعقيد
لذلك أيها الإخوة الكرام، العقل جهاز بالغ التعقيد، عاجز عن فهم نفسه، وهو أداة لمعرفة الله:

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾

( سورة يس )

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ ﴾

( سورة الغاشية )

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾

( سورة الزمر )

الآيات التي تتحدث عن العقل ولوازمه تقترب من ألف آية.

العقل محدود الإدراك محدود الاستعمال:

عظمة الإسلام أنه وسطي، لم يلغ دور العقل كما في بعض الأديان، يقال: الإيمان فوق العقل، ولو جُعل العقل كالعالم الغربي يتحكم بالدين، إن حكمت العقل بالدين فأنت معتزلي، وإن ألغيت العقل فقد ألغيت أداة معرفة الله، الإسلام وسطي.
أيها الإخوة الكرام، نحن حينما نبالغ بقيمة العقل نجعله أداة مطلقة للمعرفة، وأداة محدودة.
مرة ثانية: ميزان دقيق حساس فيه ميزات هائلة، غالٍ جدا، لكنه محدود الاستعمالات، من خمس غرامات إلى خمسة كيلوات، ضمن هل الوزنين رائع جداً، أما إذا كلفته بعمل فوق هذه الحدود فلا يلبيك، العقل محدود، العقل يجب أن يرى شيئاً مادياً، ويحكم عليه، يجب أن يرى أثراً يصل من هنا إلى المؤثِّر، يجب أن يرى حكمة يصل من الحكمة إلى الحكيم، يجب أن يرى تسييراً ينتقل من التسيير إلى المسير، يجب أن يرى بناء ينتقل من البناء إلى الباني، يجب أن يرى نظاماً ينتقل من النظام إلى المنظم، فالعقل مختص بهذه المهمة، شيء غابت عينه وبقيت آثاره.
دخلت إلى الجامعة في أيام الصيف، ليس هناك دوام، تأملت في القاعات، في المدرجات، في الحدائق، في المخابر، في الإدارات، في بيوت الطلبة، في بيوت الأساتذة، في الموقع، في الإطلالة، استنبطت آلاف الحقائق عن مصممي الجامعة، يتمتعون بعلم وبذوق وبجمال في أذواقهم، وبخبرة عالية، وفيها مرافق عامة تلافت كل أخطاء الماضي يمكن أن تستنبط من بناء الجامعة ما لا نهاية له من المعلومات، لكن لن تستطيع أن تعرف من خلال بناء الجامعة من هو رئيس الجامعة، و لا من هم عمداء كلياتها، ولا نظام القبول فيها، ولا نظام النجاح فيها، ولا قيمة الأقساط فيها، هذه لابد لها من كتاب.

العقل يتكامل مع الوحي:

الآن دقق، العقل يتكامل مع الوحي، أي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الوحي به، بعقلك تستنبط أن هذا الكون لابد له من خالق، يأتي الوحي و يقول:

﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأحقاف )

تساؤلات العقل المجهولة يكملها الوحي
بهذا العقل يرى ملاحظة دقيقة جداً، أن الحياة قصيرة، والحظوظ متفاوتة، هناك قوي وضعيف، غني وفقير، ووسيم ودميم، رحيم وقاسٍ، وظالم ومظلوم، ومُتحكم ومتحكم به، مُستغل ومستَغل، والحياة قصيرة، ويأتي الموت، وينهي كل شيء، العقل لا يقبل ذلك، لابد من حياة أخرى تسوى فيها الحسابات، يأتي الوحي، ويقول:

﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

( سورة التوبة )

يأتي في الوحي اليوم الآخر، يوم الدين، يوم تسوية الحسابات:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

( سورة الفاتحة )

لذلك أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، فالعقل والوحي يتكاملان.

ما علاقة الوحي بالعقل؟

لكن مرة ثانية والأمر ضروري جداً ما علاقة الوحي بالعقل ؟
العقل مرتبط بالواقع، أما الوحي فمرتبط بالحقيقة المطلقة، وذكرت في لقاء سابق فيما أذكر أن إنساناً مات قبل خمسين عاماً، لا يصدق أن تجمع سبعة آلاف كتاب في قرص واحد، و لا يقبل، كذلك لا يقبل أن تمسك بجهاز صغير تخاطب أطراف الدنيا، الآن هذا مقبول، العقل مرتبط بالواقع، والوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة، لذلك الأصل هو الوحي، والعقل لفهم الوحي، وللتأكد من صحة النص.
علاقة العقل بالنقل ؛ قبل النقل للتأكد من صحة النص، وبعد النقل لفهم النص، هذا هو الموقف الكامل.

لا يتناقض العقل مع النقل:

لا تناقض بين العقل والنقل
لكن إخواننا الكرام، لا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل، لسبب بسيط ؛ أن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن النقل كلام الله وبيان المعصوم، فهما فرعان من أصل واحد، فإذا تعارضا فلعدم قطعية أحدهما، فقد يتعارض نص موضوع غير صحيح مع العقل، هذا ممكن، وقد تتعارض نظرية لم تثبت بعد مع الوحي، أما إذا توافر في الوحي القطعية وفي العقل القطعية فإن تلازم العقل مع النقل حتم واجب، لأن العقل والنقل فرعان من أصل واحد، وهذه أعظم ميزة في هذا الإسلام العظيم، إسلامنا علمي، وما مِن شيء جاء به الدين، وقال العقل: لا، أما أيّ دين أرضي، أي مذهب أرضي العقل يقول: ألف لا، ولا مع مضي الزمن، هذه واحدة.

الحق دائرة تتقاطع فيه أربع خطوط:

لو وسعنا هذا الأمر أنا أرى أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، الآن دققوا في كل كلمة أقولها: خط النقل الصحيح، لأن هناك نقلاً غير صحيح، إما أنه حديث موضوع، أو تأويلٌ غير صحيح لنص صحيح، إما النص غير صحيح، أو التأويل غير صحيح، وخط العقل الصريح.
تحدثت في لقاء سابق عن أن هناك عقلاً صريحاً، وهناك عقل تبريري، لذلك:
الخط الأول: خط النقل الصحيح.
والخط الثاني: خط العقل الصريح.
والخط الثالث: الواقع الموضوعي، لأن هناك واقعاً مزوراً، مثلاً: شيء من أحداث الساعة، أيّ عمل في الأرض يشار بأصبع الاتهام للمسلمين، أي عمل عنيف في الأرض بادئ ذي بدء يشار بأصبع الاتهام إلى المسلمين، مع أن هناك أخاً كريماً مقيمًا في بلد غربي بعيد أجرى دراسة كلفته جهداً كبيراً، أحصى أعمال العنف في هذا البلد الكبير البعيد القطب، فإذا نصيب المسلمين من أعمال العنف ثلاثة بالمئة فقط، هناك واقع مزور، هناك اتهام.
والخط الرابع: خط الفطرة السليمة.

ما هو الحق:

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل
إذاً: ما هو الحق ؟ الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبِله العقل الصريح، وارتاحت إليه الفطرة السليمة، وأيده الواقع الموضوعي، هذا هو الحق.
بالمناسبة، كلمة الحق وردت في القرآن مئات المرات ما هو الحق ؟ يعرف الحق إن عرفنا الباطل، الباطل الشيء الزائل والعابث، الحق إذاً الشيء الثابت والهادف.
أحياناً تنصب خيمة سيرك، خيمة لأسبوعين، والسيرك للتسلية، ما فيه شيء، وأحياناً يبنى بناء ضخم ليكون جامعة، فالجامعة هادفة لتخريج قادة للأمة، وتعليم الجيل الصاعد العلوم الصحيحة، الجامعة هدفها واضح، وبنيت لتبقى، وهناك جامعات من عام ألف وخمسمئة موجودة الآن في العالم الغربي.
لذلك أيها الأخوة الكرام، الحق الشيء الهادف والثابت، عرفه الله بأنه نفي عن أن تكون أفعاله باطلة، إن الباطل كان زهوقا، ونفى اللعب، واللعب عمل عابث بلا هدف، صار الحق الشيء الثابت والهادف.
يمكن أن تجري تصنيفا لكل ما ترى عيناك، هناك أشياء، لعب ولهو، واللهو أن تلهو بالخسيس عن النفيس، واللعب أن تقوم بعمل بلا هدف، لعب النرد، فإذا لعب الرجلُ إلى الساعة الثالثة بالليل هل يصبح دكتورا ؟ هل يصير تاجرا كبيرا ؟ هل يصبح صاحب مؤسسة ؟ ومع الأسف الشديد معظم نشاطات الناس في البلاد النامية نشاطات عابثة بلا هدف، وتضييع للوقت.

مبادئ العقل: مبدأ السببية،الغائية،وعدم التناقض:

أيها الإخوة الكرام، ذكرنا في لقاء سابق عن العقل أن فيه مبدأ السببية، ومبدأ الغائية، ومبدأ عدم التناقض.

1 – مبدأ السببية:

هل يصدق عقلك أن طائرة من أحدث الطائرات صنعت في مستودع حديد، وضعنا فيه الديناميت، وفجرنا الديناميت، فإذا بطائرة، هل هناك واحد بالمليار وخمسمئة مليون إنسان يقبل هذا ؟ الطائرة نتيجة خبرات مئة عام ومهندسين وخبراء، وخبراء بالقوانين وبالفيزياء والكيمياء، وبالفلك والجو والآلات، وبالحركة، ومقاومة الرياح، وأموال طائلة، معقول طائرة تنتج من انفجار لمستودع حديد ؟ ائت إلى مطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق، ضع فيها قنبلة، وانتظر أن تجد قاموسا رائع جداً من ألف صفحة، الأفعال مرتبة، أسماء الأفعال، المضارع، عين المضارع، الأفعال بالأحمر، الشرح بالأخضر، أو قاموس أعلام، هل هذا ممكن ؟ ممكن أن يحدث انفجار بمطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق، فينتج قاموس ؟ مستحيل.
أيها الإخوة، بعض العلماء ألف كتابا عنوانه: ( الله يتجلى في عصر العلم )، كاتب أمريكي، في فصل منه يقول: ذرة الحمض الأميني لا تكفي ذرات الكون أن تصنعها صدفة، لذلك العقل لا يقبل شيئًا بلا سبب، سبحان الله، والكون فيه نظام السببية، فكأن الله يأخذك بلطف، أن لكل شيء سبباً، وهذا المسبب له سبب، وهذا المسبب له سبب، إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب.
في العقل إله عظيم يأخذ بيدنا إليه، من هو مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله، نظام السببية أساسه أن الله عز وجل عن طريق هذا النظام في خلقه، وعن طريق هذا القانون في عقلك يأخذك إليه بلطف، الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، أول دجاجة من خلقها ؟ هو مسبب الأسباب.
شيء آخر، مرة وجدت قرص بلور مكتوب عليه: أن هذا القرص يمنع فوران الحليب، اشتريته، وضعته في أسفل الوعاء، ملأته في الحليب، فالحليب لم يفر، المشكلة حلت، لكن في العقل لم تحل المشكلة، عندك حاجات عقلية أحياناً حلت، لكن لم تحل في الفكر، قرص بلور تضعه في قعر وعاء فيه حليب، والحليب بعد أن يغلي لا يخرج من الوعاء، هذا ليس معقولا، والله فيما أذكر بقيت أبحث عن السر أسبوعا حتى مع مداولة مع أساتذة في التعليم الثانوي، هذا القرص له مثل قبة صغيرة، له فتحة واحدة، لما يغلي الحليب تخرج الفقاعات من فتحة واحدة كثيفة جداً، تثقب القشطة فيتوقف فوران الحليب، وفي الأصل القشطة مادة كتيمة الفقاعات، تصعد من كل الجهات نحو الأعلى، فالحليب يفور، أما هذا القرص فقد جمع الفقاعات، وأخرجها من مكان واحد، فالفقاعات أصبحت مثل الصاروخ، ثقبت هذه الطبقة الكتيمة في أعلى الحليب، فحلت المشكلة.
أحيانا يكون عندك مشكلات لا تحل إلا أن تفهمها على أساس السبب، كيف أن الحليب لا يفور في هذا الوعاء ؟

2 – مبدأ الغائية:

مثلاً: الغائية، لماذا الدماغ في الجمجمة ؟ لأنه أخطر جهاز في الإنسان، حساس جداً، ولماذا بين الدماغ والجمجمة سائل لامتصاص الصدمة، رواد الفضاء صمموا مركبات الفضاء فقلدوا الدماغ، الكبسولة التي فيها الرواد بينها وبين جسم المركبة سائل، فحينما يكون ارتطام في طبقة الهواء هذه الصدمة توزَع على كامل الجسم، والآن قد يقع طفل على الأرض تسمع لصوت رأسه مع البلاط رنينا، ومع ذلك لا يتأثر، هذا السائل المحيط بالدماغ يمتص الصدمة، ويوزعها على كامل مساحة الدماغ، لماذا العين في المحجر ؟ أي إنسان وقع على الأرض فقد بصره، هي في حصن حصين، الغاية من وضع العين في المحجر أن تحفظ، والغاية من وضع النخاع الشوكي في العمود الفقري أن يحفظ، والغاية من وضع معامل كريات الدم الحمراء وهي أخطر معمل في الإنسان في نقي العظام أن تحفظ، والغاية من وضع الرحم في الحوض أن يحفظ، الرحم في قرار مكين ضمن عظم الحوض، والنخاع الشوكي ضمن العمود الفقري، والدماغ ضمن الجمجمة، والعين ضمن المحجر، والقلب ضمن القفص الصدري.
لا راحة للعقل بتجاهل مبادئه
التفكير لا بالأسباب بل بالغاية، ما غاية وضع القلب في القفص ؟ لو واحد تلقى ضربة قوية تلقاها العظام القلب في حرز حريز، ما حكمة أن الشعر ما فيه أعصاب حس ؟ من أجل أن تهذب شعرك، وإلا تحتاج إلى عملية في المشفى، لأن فيه أعصاب حس، كل عملية حلاقة يجب أن تذهب إلى المستشفى، وأن تجري عملية حلاقة مع التخدير الكامل، ما حكمة وجود أعصاب حس في الأسنان ؟ حتى إذا وصل النخر إلى عصب الحس لا تنام الليل، تذهب وتصلح السن بدل أن تفقده، لو أن فكرك جال جولات لماذا المفصل نحو الداخل ؟ لو لم يكن مفصل، فما غاية هذا المفصل ؟ من أجل أن تأكل، لو ما عندك مفصل يجب أن تنبطح على الأرض، وتأكل مثل الهرة تماماً، لماذا في المثانة عضلات ؟ من أجل أن تفرغ ما فيها في وقت قليل، وإلا تحتاج إلى ربع ساعة أو نصف ساعة لو ما عندك عضلات ضغط، لماذا عندك مثانة ؟ لأن الكلية تفرز في كل عشرين ثانية قطرة بول، لو ما عندك مثانة تحتاج إلى حفّاظات فتبقى خمس ساعات، لما فكرك يجول بخلقك ؟ لتعرف عظمة الله عز وجل، لماذا أودع الله في طحال الطفل الصغير كمية حديد تكفيه سنتين ؟ لأن حليب الأم ما فيه حديد، فدون أن تشعر تفكر بالسبب وتفكر بالغاية.
مرة شاهدت مسجلة لها أزرار هنا، لها هنا نتوء أعلى من مستوى الأزرار، ونتوء ثانٍ هنا لماذا ؟ أريد الغاية، في أصل تصميم في المسجلة فيه نتوءان بارزان أعلى من مستوى الأزرار، لو أن الأزرار وقعت لا تتحطم، تقي تحطم الأزرار.
حدثتكم في درس سابق أني كنت في العمرة في مكتبة مصاحف في الحرم النبوي، سقف المكتبة مائل، لماذا ؟ قد يأتي معتمر دون أن يشعر يضع شيئا لا يليق أن يكون فوق المصحف، لذلك جعل غطاء المكتبة مائل، أنت لاحظ حالك، كل نشاطك الفكري يتحرك وفق السبب والنتيجة، والسبب والغاية، العقل مبدؤه سببي وغائي.

3 ـ عدم التناقض:

عدم التناقض: لو أن إنسانًا متهم بقتل إنسان، والجريمة بدمشق، وهذا الإنسان جاء بتقرير من محافظ حلب أنه كان عنده وقت وقوع الجريمة، ماذا يفعل القاضي ؟ يبرئه، لأن العقل لا يصدق أن إنسانا في آن واحد بدمشق وحلب، وما دام جاء بتصريح من رجل مسئول، أنه كان عندي الساعة الثانية عشرة، وقد وقعت الجريمة الساعة الثانية عشرة في دمشق، ما دام أثبت أنه كان في حلب في هذه الساعة إذاً هو بريء، في أثناء التفكير، التفكير شيء ممتع جداً، هذا العقل أكبر هدية من الله، نشاطه واسع جداً، أنا لاحظت طفلا أول ما بدأ يمشي هناك قطعة حلويات، والغرفة لها مقاعد على شكل ( يو )، فالقطعة هنا، وهو واقف هنا، ليس بإمكانه أن يمشي، فمشى على أطراف المقاعد كلها، إلى أن وصل إلى هدفه، هو فكر في الهدف الذي يجب أن يسير إليه بعكس الاتجاه حتى يصل إليه.

الموقف الكامل من الأسباب:

أيها الإخوة الكرام، الآن عندنا شيء، الله عز وجل جعل لكل شيء سببا، العالم الغربي يتوهم أن السبب خالق النتيجة، وليس الأمر ذلك، السبب لا يخلق النتيجة، ولكنه يأتي قبل النتيجة، من الذي يخلق النتيجة ؟ هو الله عز وجل، لذلك قال بعض علماء العقيدة: عندها لا بها، يعني عند إرادة الله، لا بالأسباب.
الآن عندنا موقف كامل، وموقف ناقص، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب أيها المؤمن، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا كلام دقيق، ويحتاجه الناس جميعاً، عندك سفر بمركبتك، تجري مراجعة دقيقة جداً، العجلات، المكابح، الزيت، التوصيلات كلها، أخذت الأسباب، لكن الأخذ بالأسباب لا يعني سلامتك، السلامة يخلقها الله لك، لذلك تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء هذا الموقف الكامل، لذلك العالم الغربي، أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألهها، ونسي الله، والعالم الشرقي لم يأخذ بها، فوقع في وادي المعصية، والذي أخذ بها، واعتمد عليها وقع في وادي الشرك، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، والذي ينظم هذه الحقيقة الحديث الشريف:

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أبو داود]

أنا أستسلم، وأقول: انتهينا، ما بيدي شيء.
مرة قرأت قصة عن شيخ الأزهر، كان طالب علم، وانتسب إلى الأزهر، ما نجح، فترك الدراسة، وهو جالس بقريته رأى نملة صعدت على الحائط، بعد مسافة مترين وقعت، فأعادت الكرة عدّ محاولاتها ثلاثا وأربعين محاولة، فاستحى من النملة، وعاد، ودرس، وصار شيخ الأزهر، تقول: انتهيت، ما بيدنا شيء، العالم الغربي قوي جداً، بيده كل شيء، بيده أسلحة فتاكة، بيده الإعلام، بيده المال، بيده التحالفات،

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ))

قال تعالى:

﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

( سورة الشعراء )


(( وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ))

خطط، خذ بالأسباب، اسأل، ابحث، دقق، لذلك الإسلام ليس سكونياً، الإسلام حركي، وليس سلبياً، الإسلام إيجابي،

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
متى يحق لك أن تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل ؟ إذا بذلت كل المستطاع، بذلت كل الجهد، إنسان درس بأعلى درجة جاءه مرض مفاجئ قبل الامتحان حال بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لكن ما درس، وما نجح، يقول: هكذا ترتيب الله، الله ما كتب لي أن أنجح، لا، أنت كسلان، هذا كلام غير مقبول، الحديث دقيق جداً:

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

من الإعجاز القرآني:فلا أقسم بمواقع النجوم

أيها الإخوة، نحن في هذه السلسلة من الدروس تحت عنوان العقيدة والإعجاز، عندنا بعض الدقائق من أجل موضوعين في الإعجاز، الموضوع الأول هو من أهم الموضوعات في الحقيقة، مواقع النجوم، بين الأرض، وأقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية، الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ ضرب 60، في الساعة ضرب 60، في اليوم ضرب 24، في العام ضرب 365، في أربع سنوات ضرب أربعة، هذا الرقم هو المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها، لو أردنا أن نصل إلى هذا الكوكب بمركبة أرضية الناتج كم ساعة نحتاج ؟ لو قسمناه على 24، كم يوما نحتاج ؟ لو قسمنا على 365 كم سنة نحتاج ؟ من أجل أن نصل إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بمركبة أرضية نحتاج إلى 50 مليون عام بسرعة 100 كم، أقرب نجم ملتهب إلى الأرض نحتاج أن نصل إليه بمركبة أرضية إلى 50 مليون عام، أربع سنوات ضوئية تعني 50 مليون عام من أجل أن تعرف ما معنى أربع سنوات أرضية، الرحلة إلى هناك تستغرق خمسين مليون عام، الإنسان عمره سبعون سنة، متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى المرأة المسلسلة ؟ مجرة تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، متى نصل إلى نجم اكتشف حديثاً يبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ الآن إذا قرآنا قوله تعالى يقشعر جلدنا:

﴿(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة )

التفكر بآيات الله أقصر الطرق لمعرفته  سبحانه
وكلمة مواقع تعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع، ولكن عالم الفلك لو وقف عند كلمة مواقع لخر ساجداً لله، بقي الضوء يمشي بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، بقي يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل ضوءه إلينا، أما النجم فسرعته 240 ألف كيلومتر في الثانية، أين هو الآن ؟ فهذا المكان ليس نجماً، المكان موقع، أي شيء تراه في السماء غير صحيح، أنت واقف على ساحل البحر، ورأيت الشمس قد نزلت تحت الأفق، هي نزلت قبل ثماني دقائق، لأن بين الأرض والشمس ثماني دقائق ضوئية حتى وصل إشعار النزول بعد ثماني دقائق، الشمس غابت حقيقة قبل ثماني دقائق، كل شيء تراه في الكون، ترى تاريخ السماء، ولا ترى واقع السماء، قال تعالى:

﴿(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة )

هدف الإعجاز أن تؤمن أن الذي خلق الأكوان هو الذي خلق الإنسان، وأن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) ﴾

( سورة الواقعة )

أيها الإخوة الكرام، التفكر في آيات الله عز وجل أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعك أمام عظمة الله، هذه اللقطات الإعجازية إن شاء الله تكون في كل درس من دروس العقيدة
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS