855
محاضرات وندوات مصورة - الأردن - جامع التقوى – الحلقة 137 : الإسلام عقيدة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-03-16
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

التصور أهم شيء في الدين :

 أيها الأخوة الكرام؛ هذا الدين الإسلامي هو دين الله عز وجل، ومنهج كبير وواسع، لكن لو أردنا أن نضغطه إلى بنود معدودة، أنا لا أبالغ هناك مليون كتاب مؤلف بهذا الدين، بين الفقه والحديث والسيرة والمبادئ والقيم والتطورات، الأبحاث التي كتبت في هذا الدين عبر هذه السنوات الطويلة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن لا تعد ولا تحصى، أي كتاب تقرؤه يقول لك: المراجع أربع صفحات، مئتان أو ثلاثمئة مرجع، فالقضية واسعة جداً، لكن لو أردت أن أضغط كل هذه الكتب، وكل هذه البحوث، وهذه المؤلفات، وهذه الخطب في بنود محدودة، أتوصل إلى النتيجة التالية: أهم شيء في الدين التصور أو العقيدة أو المنطلقات النظرية، الجانب الإيديولوجي، الجانب الفكري جانب التصورات، جانب العقيدة، لأنه لا يوجد إنسان يتحرك ولا أبالغ على وجه الأرض إلا يسبق هذا التحرك تصوراً، حتى السارق حينما يسرق ما الذي يدفعه إلى السرقة؟ تصور خاطئ، أنه سيحصل على مال كثير بجهد قليل، لا يوجد معصية، لا يوجد حركة، لا يوجد سكنة، لا يوجد تصرف إلا يسبق هذا التصرف تصوراً، كل البطولة أن يصح التصور، إن صح التصور صح السلوك، ومع صحة السلوك سلامة وسعادة، في الدنيا والآخرة، وإن فسد التصور فسد السلوك.
 لا يوجد إنسان يقترف معصية ولو كبيرة إلا يتصور أن بهذا العمل فوزاً ونجاحاً، فالمشكلة مشكلة تصور، بعد التصور تأتي الشهوة ثم الإرادة ثم العمل، أول مرحلة بالعمل التصور الخاطئ، المنافق يتصور النفاق يكسب مكاسب كبيرة جداً، ويسلم من القلق والضغط، هذا الكلام قطعي لأنهم قالوا: إن الإنسان يتصور ينفعل يتحرك، هناك جانب نظري يتبعه جانب تخيلي، ثم جانب عملي، البطولة أن يصح التصور، الآن إذا إنسان لم يطلب العلم، صار هو تحت رحمة تصورات خاطئة، أو مقولات عوام، أو مقولات ناتجة عن حركة المجتمع، مثلاً: كل مجتمع كبير، صغير، عربي، إسلامي، وطني، قومي، كل مجتمع يستنبط من حركة الحياة تصورات، للتقريب مجتمع فيه فساد كبير، يقول لك: إذا لم تدفع رشوة لن تحصل على المشروع، مطبقة كثيراً في البلاد، لا يمكن مهما كان المشروع جيداً، والدراسة عالية، والسعر معتدلاً، إذا لم تنتزع من ربحك مبلغاً كبيراً لمن يقرر الموافقة على هذا المشروع لا تأخذه، هذه مقولة في بلد فيه فساد كبير، إذا لم تدفع رشوة لن تأخذ المشروع، المشكلة أنك أنت كمؤمن تعيش في مجتمع، المجتمع أفرز لك مقولات خاطئة، أين بطولتك؟ أن تأخذ المقولات تزينها بميزان الشرع، فالمؤمن عندما ينتصر على نفسه، ويركل هذه المقولات تحت قدمه، ويطبق الشرع، وهو يعلم علم اليقين أنه لن ينجح، إذاً المقولات التي أفرزتها معطيات مجتمع غير صحيحة وغير شرعية فماذا يفعل المؤمن؟ يؤثر طاعة الله والدار الآخرة وقربه من الله.

ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه :

 الآن هناك مقولة صدق ولا أبالغ زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق، ما هذه المقولة؟

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله، خوفاً من الله، مشروع ضخم، أرباحه طائلة، لكن المشروع نفسه لا يرضي الله عز وجل، قد يكون المشروع فنياً مثلاً أو مشروع فيه نشر معصية، أنت حينما تدع شيئاً لله، أنا أرى ومعي أدلة وأول هذه الأدلة هذا النص:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أنا أعد هذه المقولة قانوناً وأقول تعقيباً عليها: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فأنت مؤمن بالله، هو الفعّال، هو القوي، هو الغني، تجد أن المشروع خسرته لأنك ما قدمت رشوة، ثم يأتيك مشروع آخر من دون رشوة أضعافاً مضاعفة، لذلك مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، و مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، لكن حتى أكون واقعياً لا يعقل أن تطيعه وتأخذ النتيجة بعد ثانية، قد تكون بعد فترة، المشروع خسرته ولأنك ما دفعت لم يرس عليك، يأتيك مشروع ثان نظيف رائع ومربح - ربحه كبير- هذا مكافأئة على أنك تركت شيئاً لله، أبق هذه المقولة بين يديك:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 مرة شخص تعلق بفتاة تعلقاً مذهلاً يريد أن يتزوجها، أهلها متفلتون، وهي غير منضبطة، يبدو أنها جميلة، قال لي: لا أستطيع أن آخذ غيرها تعلقت بها تعلقاً مذهلاً، قلت له: ما من شهوة تركها صاحبها في سبيل الله إلا الله عز وجل نزعها من نفسه. الحديث:

(( ... اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري - أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِهِ - فاقْدُرْهُ لي ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه اللهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شَرّ لي في دِيني ومعاشي وعاقبةِ أمري - أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلهِ - فاصْرِفه عَنِّي، واصرفْني عنه ...))

[البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

 ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله، أي مستحيل أن تعذب بشهوة تركتها في سبيل الله، والله لا تنسى هذه الكلمة، ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله، أنت بالنهاية مرتاح، مرتاح مع الطاعة، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا ﴾

[سورة الأحزاب: ٧١]

 للتقريب لو أن طفلاً صغيراً عمره عشر سنوات، زاره خاله عقب أحد الأعياد - الفطر أو الأضحى – قال له: أنا معي مبلغ عظيم، هذا الطفل قال كلمة عظيم، أنت كم تقدرها؟ أنا أقول: مئة دينار، إذا قال لك مسؤول كبير في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، أنفقوا خمسمئة مليار، لكن كان التقدير الأولي مئتي مليار، لذلك الآن لا يمكن أن يعيدوها، لأنهم دفعوا خمسمئة مليار وفقدوا خمسة آلاف إنسان، والنتائج وبيلة جداً ،وكان ممكن أي عميل من عملائهم أن ينفذ أضعاف ما جرى وبالمجان، فاعتمدوا على العملاء لا على الإنفاق والتدخل الشخصي، الآن يعدون للمليار قبل أن يحتلوا أرضاً جديدة، لأنهم قعدوا خمس سنوات دفعوا خمسة مليارات، و مات منهم خمسة آلاف عنصر، و لم ينجحوا في النهاية.
 فلذلك الإنسان عندما يتحرك وفق الأسس، هذا الطفل قال: معي مبلغ عظيم، قدرناه مئة دينار، مسؤول في البنتاغون: أعددنا مبلغاً عظيماً، تقدر هذا المبلغ بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا ﴾

[سورة النساء: ١١٣]

 كلمة عظيم من الخالق كم تقدر؟ كلمة عظيم من مسؤول في البنتاغون قدرتها بمئتي مليار، كلمة عظيم من طفل قدرتها بمئة دينار، فكلمة عظيم تساوي مستوى قائلها، فإذا قال لك الله عز وجل:

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا ﴾

[سورة الأحزاب: ٧١]

 الطاعة، قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا ﴾

[سورة النساء: ١١٣]

 فلذلك أيها الأخوة الكرام؛ الذي يختار طريق الحق هذا القرار الصحيح، هذا القرار الموفق، هذا القرار الصائب، هذا القرار الحكيم، كل بطولتك باتخاذ قرار صحيح، أحياناً الإنسان يتخذ قراراً صحيحاً بعدما خطب فتاة ووجد أن أهلها بعيدون عن الدين كثيراً، وهي غير ملتزمة بشيء، وتعلق بها، أخذ قراراً صعباً، وهو رفض الزواج، هذا بنظام الإله العظيم لا بد من أن يكون أسعد الناس.
 لي صديق أصله لبناني، مهندس متفوق جداً، تزوج فتاة صدق ولا أبالغ بعد أسبوعين اكتشف أن معها ورماً خبيثاً في الرحم، يقول له والدها: هذه ليست زوجتك هذه ابنتي أنت ظلمت معنا، طلقها، لا يطلقها، بقي ينفق عليها سنتين ونصف، كل شيء يملكه دفعه، عنده بيت باعه، هذا الإنسان صار له سمعة تفوق حدّ الخيال، هذه البنت اللبنانية التي تزوجها لها خالات وعمات يسبحون على الشاطئ، يسبحون بثياب السباحة، تفلت من الدين يفوق حدّ الخيال، العمات والخالات عندما سمعوا أن هذه البنت تزوجها إنسان مؤمن وبعدما أخذها بأسبوعين صار معها سرطان، ولم يطلقها، بقي ينفق عليها سنتين حتى باع بيته، أكثر العمات والخالات تحجبن، لم يلتق معهم، هذا الدين؟ تزوج وأصبحت زوجته ومعها سرطان بالرحم، أنفق عليها، أنفق سنتين ونصف حتى اضطر أن يبيع بيته، وانتقل من بيت ملك إلى بيت أجرة، هو صديقي، سبحان الله بعد ذلك توفيت، بعد أن توفيت تزوج، يقول الناس: ولا بالمئة ألف بنت هناك بنت تشبه هذه الزوجة، من كل النواحي، بالكمال والأدب والثقافة والجمال:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

تعلق بطولة الإنسان بحسن قراره :

 كل ذكائك، وكل بطولتك، وكل عقلك، وكل توفيقك، متعلق بحسن قرارك، أنت عندك قرارات كثيرة جداً، قرار متعلق بابنتك، بالزواج، قرار متعلق بشريكك، شريك أحضر مادة فيها حرمة، شريك أصرّ على مادة بيع الدخان، الشريك الثاني لم يوافق، قال له: هذا قراري، فلما أصرّ قال له: بع الدخان أنت وخذ أرباحه لنفسك، أنا لن آخذ منه، يبدو أنه لا يوجد عنده إمكانية ليقوم بهذا المشروع بنفسه، خذ أرباح الدخان لوحدك أنا لا أدخل على مالي ربحاً من الدخان، يقولون: إن هذا الشريك صارت أرباحه طائلة جداً والدخان بدأ يتراجع، ثم شعر الشريك بخطئه الكبير فلغى بيع الدخان، والشركة استمرت، لا تخف زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، إله الذي وعدك ليس شخصاً يقول لك: والله ليس بيدي، كنت أقدر الآن لا أقدر، كان الوزير صديقي الآن لا أقدر، أي إنسان يوعدك بوعد ينسحب منه بكل نعومة، لكن إذا الله وعدك زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فأنت ما الذي يجعلك تمشي في الدين بشكل صحيح؟ كلمات في القرآن الكريم:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾

[ سورة إبراهيم: 27]

 القول الثابت وهو القرآن، مثلاً قال تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

 أقسم لكم بالله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لك حياة طيبة، وهناك ظرف اقتصادي صعب، ظرف سياسي صعب، ظرف فيه فوضى، هذا وعد الله ليس له علاقة لا بالمكان، ولا بالزمان، ولا بالظروف، ولا بالنظام، معلق بذات الله، وعدك بحياة طيبة.

المعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكر الله :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 أيضاً الله عز وجل توعد المعرض بمعيشة ضنك، لو معه مليارات، لو كان بأقوى مركز، أساساً يوجد سؤال محرج سئل بعض العلماء: كيف نفسر هذه الآية؟ كيف نفسر المعيشة الضنك مع الأقوياء والأغنياء؟ حاكم البلد كلها له، أموال البلد كلها له، بالأنظمة الفاسدة كل شيء له، أين المعيشة الضنك؟ فأجاب هذا العالم الرباني فقال: ضيق القلب. على قدر ما كنت غنياً، أو مهما كنت قوياً، يأتي للمعرض عن الله ضيق بالقلب لا يحتمل، ليس مسروراً.
 سألوا أحياناً للذي وصل لمراتب عالية في الدنيا وكان بعيداً عن الله فوجدوا أنه غير مرتاح نفسياً، ويأتي مؤمن بسيط يعمل عمل طيباً تجده أسعد الناس، عندما فتحوا جسر اسطنبول الأول، هذا أول جسر صممه مهندس ياباني، طبعاً كان المصمم موجوداً ورئيس الجمهورية، فلما قصوا الشريط الحريري فتحوا أول جسر يصل الضفتين أو يصل بين قارتين، آسيا وأوربا، هذا المهندس الياباني الأول الذي صممه ألقى بنفسه في البوسفور، حادثة نادرة جداً، هذا مجد كبير له، ثاني أطول جسر في العالم، أنا كنت بسان فرانسيسكو أطول جسر، طوله اثنا عشر كيلو متر، لونه أحمر، وثاني أطول جسر في العالم في اسطنبول، فألقى بنفسه في البوسفور ذهبوا إلى غرفته في الشيراتون، كان قد كتب ورقة قال: ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً أردت أن أذوق طعم الموت.

الإنسان سعيد قبل أن يبلغ هدفه الدنيوي :

 أيها الأخوة الكرام؛ أنا لا أبالغ، أنت سعيد قبل أن تبلغ هدفك الدنيوي، يريد أن يتزوج، يتصور أن الزواج عمل عظيم، فإذا به يرى أن الزواج عادي، إذا اشتريت بيتاً ملكاً عمل عظيم، تشتري بيتاً ملكاً بعد أسبوعين يصبح عادياً، إذا اشتريت سيارة فخمة عمل كبير، تشتري سيارة بعد أسبوعين لحكمة إلهية غاية في الحكمة ما سمح الله للدنيا أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة بل متناقصة، فالغني غير المؤمن، يأكل أطيب طعام، يسكن بأحلى بيت، عنده سيارتان أو ثلاث، كل سنة عنده رحلة لأوربا كسياحة، وبعد ذلك يكتشف أن الحياة تافهة، ومملة، ودائماً لا تشاهد الذي لم يصل لأهدافه، الذي لم يصل لأهدافه يظن أن الشيء جميل جداً، مرة شخص يسكن في بيت في الشام بجبل قاسيون، يطل على الشام كلها، من نافذة ترى دمشق كلها، ترى شروق الشمس بعينك والغروب كذلك، فمرة كنت عنده، قلت له: ما شاء الله! المناظر عندك جميلة جداً، قال لي: منذ سنتين ما دخلت إلى الشرفة، شيء عجيب، كل شيء عندما تصل إليه ينتهي، ما سمح الله للدنيا أن تمدك بسعادة مستمرة بل متناقصة، البطولة أن تبحث عن السعادة الحقيقية لأن هذه هي اللذة، كلامي دقيق، اللذة حسية طابعها حسي، طعام طيب غال جداً، أو طفل منظره جميل جداً، جاءت له بنت آية في الجمال، أو يملك بيتاً واسعاً، أو دخلاً كبيراً، أو سيارة فارهة، هذه الدنيا اللذة حسية؛ سيارة وزوجة وبيت وأولاد، لكن مشكلتها أنها تحتاج ثلاثة شروط ينقصك واحدة دائماً، تحتاج إلى صحة، و مال، و وقت، في البداية الصحة طيبة ويوجد وقت لكن لا يوجد نقود، شاب طالب جامعي، الآن عمل وربح وصار له مكانة مالية صار معه نقود، ويتمتع بصحة جيدة لكن لا يوجد وقت، قال لي صاحب معمل أنسجة: والله سبع وثلاثون سنة لم أخرج من الشام إلا مرة واحدة أحضرت سيارتي من اللاذقية، ما هذه الحياة؟ هذه الحالة الثانية، تحتاج إلى صحة ووقت ومال، في البداية لا يوجد مال ولكن يوجد صحة و وقت، في الوسط يوجد مال وصحة لكن لا يوجد وقت، بعد التقاعد مال ووقت لكن لا يوجد صحة، أسيد أوريك على شحوم ثلاثية على نصف الطعام ممنوع أن تأكله، هذه الدنيا هكذا تغر وتضر وتمر، وكلما علق الإنسان نفسه بشيء يكتشف سخافته، يكتشف أنه فارغ، السبب الأيديولوجي نفسك مصممة أنها لانهائية، مصممة لمعرفة الله، فإذا اخترت هدفاً نهائياً لا تقنع به، أنت المال يسعدك قبل أن تبلغه، والمنصب يسعدك قبل أن تصل إليه، ادخل إلى مكتب وزير، مكتب ضخم جداً، والناس كلها بخدمته، وهو قد ملّ و رأى أن كل شيء تافه وفارغ، فكلما كشفت الحقيقة اكتشفت معها أن ما سوى الله لا يسعد، لا يسعدك إلا أن تكون مع الله:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS