777
محاضرات وندوات مصورة – ماليزيا - ديناً قيماً - فضيلة الشيخ الدكتور راتب النابلسي وفضيلة الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي يحاورهما الدكتور محمد خالد في برنامج ديناً قيماً: أكل الطيبات.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-06-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
قال الله تعالى:

﴿ كُلوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقناكُم ﴾

[سورة البقرة: ٥٧]

  أي لحم نبت من حرام النار أولى به، وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]

 والشاعر يقول:

جمع الحرام إلى الحلال ليكثره  دخل الحرام على الحلال فبعثره
***

 نصوص نتعلم منها كيف نطعم أنفسنا وأولادنا من الحلال من الطيبات، ما هي الطيبات؟ وما هو الطعام الحلال؟ وكيف نعثر عليه؟ وكيف نوفق بين الشرع الرباني والطبع الإنساني؟ إذا كان الكل يمشي بالرشوة وبالهدية والمجاملة ونقول: هذا عرف اجتماعي، ما تقييم هذا العرف الاجتماعي في ميزان الشرع الإسلامي؟ كيف نوفق بين أوامر الله سبحانه وتعالى وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ونجعل هذا واقع في حياتنا كي نسقط النص على الواقع ونخرج منه في مرضاة الله تعالى؟
مشاهدينا الكرام حلقة جديدة من برنامج:"ديناً قيماً" مع أكل الطيبات.
 مشاهدينا الكرام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة في برنامج:"ديناً قيماً" نرحب بحضرتكم كما نرحب بضيفينا الكريمين العالمين الجليلين الدكتور عمر عبد الكافي مرحباً بك فضيلة الشيخ.
الدكتور عمر :
 أهلا بك.
المذيع:
 والدكتور محمد راتب النابلسي شيخنا مرحباً بفضيلتك.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم.
المذيع:
 منذ بداية البرنامج عندي سؤال شخصي لفضيلة الدكتور راتب والدكتور عمر ماهذه السكينة التي تظهر على وجهيكما؟

المتصالح مع نفسه يظهر الله سكينة على وجهه :

الدكتور راتب :
 والله هكذا تقول أنت أنا لا أعرف السبب.
الدكتور عمر :
 أنا أعرف السبب، فضيلة الشيخ قدوتنا متصالح مع نفسه، فعندما تتصالح مع نفسك تتصالح مع الكون، فتظهر السكينة على وجهه، ونحن عندما نكون بجواره نستشعر هذه السكينة.
المذيع:
 إذاً هذا سؤال لفضيلتك ما هذه هالة النور التي نراها على وجهك وهذه الابتسامة؟
الدكتور عمر :
 والله يا ولدي كن جميلاً تر الوجود جميلاً، أنت صاحب عين جميلة لا تضمر في قلبك إلا الخير.
المذيع:
 هكذا دأب العلماء الربانيون يعطيهم الله من فيض جماله ونوره أليس كذلك؟
الدكتور عمر :
 قرأنا عنهم.
المذيع:
 وأنت منهم والشيخ الدكتور راتب، نحن في هذا اللقاء حول أكل الطيبات ما هي الطيبات دكتور راتب؟

أكل الطيبات :

الدكتور راتب :
 الطعام التي تطيب نفسك به، والطعام الذي اشتري بمال حلال، والمال الحلال يحتاج إلى بعض التفصيل، الحقيقة أنه:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]

 الآية تقول:

﴿قُل ما يَعبَأُ بِكُم رَبّي لَولا دُعاؤُكُم ﴾

[سورة الفرقان: ٧٧]

 لماذا كان الدعاء مما يعبأ الله به؟
المذيع:
 عذراً على المقاطعة لكن هذا شرح بسيط للآية حتى يتوضح المعنى.

الدعاء يستلزم الإيمان بوجود الله و بقدرته و بمحبته :

الدكتور راتب :

﴿قُل ما يَعبَأُ بِكُم رَبّي لَولا دُعاؤُكُم فَقَد كَذَّبتُم فَسَوفَ يَكونُ لِزامًا﴾

 عبئت به اهتممت به، أي دعاؤكم سبب بأن يعبأ الله بنا، لكن هذا الذي يدعو الله ماذا يعني؟ يعني أنه مؤمن بوجود الله، مؤمن بقدرته على تلبية دعائه، مؤمن بمحبته، فهذا الذي يدعو الله عز وجل يؤمن بوجود الله، ويؤمن بقدرته المطلقة، وبمحبته، من هنا كان الدعاء مخ العبادة، بل هو العبادة.
 كائن ضعيف مفتقر، يتصل بأصل الكون، بمطلق الجمال والكمال، ويوجد بالأرض سبعة مليارات ومئتا مليون، هناك قاسم مشترك واحد كلهم جميعاً يتمنون الكمال والجمال والنوال، الكمال الموقف الكامل مريح، مسعد، والجمال وضع فينا حبّ الجمال، والنوال العطاء، فالكمال والجمال والنوال هذه قواسم مشتركة بين البشر، فلذلك أنا أقول: سبعة مليارت ومئتا مليون حريصون جميعاً بلا استثناء على ثلاثة أشياء؛ على حبّ وجودهم:

﴿هَل أَتى عَلَى الإِنسانِ حينٌ مِنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَذكورًا﴾

[سورة الإنسان: ١]

 أي أنت عندما تفتح كتاباً، وتقرأ تاريح رصف الحروف، إذا كان التاريخ قبل ولادتك فمن أنت بهذا التاريخ؟ لا شيء:

﴿هَل أَتى عَلَى الإِنسانِ حينٌ مِنَ الدَّهرِ لَم يَكُن شَيئًا مَذكورًا﴾

 لذلك أنت يجب أن تؤمن بالله عز وجل، هو الخالق، لذلك الإنسان حينما يؤمن بالله يعرف حكمة وجوده، ويعرف سرّ وجوده في الدنيا.
 شخص بباريس سأل هذا السؤال: إلى أين أذهب؟ نقول: عجباً من هذا السؤال، لماذا أتيت إلى هنا؟ إن أتيت طالب علم فاذهب إلى السوربون، إن أتيت سائحاً فاذهب إلى برج إيفل، إن أتيت تاجراً فاذهب إلى الأسواق.
 فالآن لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف سرّ وجوده، والإنسان كائن متحرك، هذه الطاولة كائن سكوني، اتركها مئة سنة هي هي، لماذا هو متحرك؟ تحركه الحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقاء الفرد، وتحركه الحاجة إلى طلب الزواج حفاظاً على بقاء النوع، وتحركه الحاجة إلى التفوق حفاظاً على بقاء الذكر، فأنت بحاجة إلى أن تأكل لتبقى حياً، وبحاجة للزواج ليستمر النوع البشري، وبحاجة إلى التفوق ليشار لك بالبنان، هذا الطبيب الأول، المهندس الأول، هذه حاجة أساسية.
 والشيء الذي لا يصدق أن هذه الحاجات الأساسية يوفرها الدين للإنسان، بالاستقامة تسلم، الاستقامة فيها ترك، أنا ما أكلت مالاً حراماً، ما غششت، ما اغتبت، كلها فيها ما، بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك.
المذيع:
 شيخنا الدكتور عمر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]

 العلاقة بين استجابة الدعوة وأكل الطيبات؟

العلاقة بين استجابة الدعوة وأكل الطيبات :

الدكتور عمر :
 عندما كان أجدادنا يوقظون آباءنا وأمهاتنا لصلاة الصبح، وعندما كان أباؤنا وأمهاتنا يوقظوننا نحن لصلاة الصبح كنا نستنهض سريعاً، لا تنهضنا أجسادنا ولكن تنهضنا بركة المال الحلال عند هؤلاء الآباء، عندما تتلعثم جوارح- إذا جاز التعبير- الإنسان عن اليقظة لماذا؟ لأن دراهم الوسادة التي ينام عليها الولد من شبهة أو حرام، والغطاء الذي يتغطى به فيه درهم حرام، عندئذ الجوارح نفسها تعصي، أبو حنيفة كان له شهور في مولده، دخل أبوه رأى امرأة ترضعه، دخل إلى زوجته وقال لها: من هذه؟ قالت: هذه جارية رأت الولد يصرخ فأرضعته، قال: وما أدراك أن مالهم حلال؟ خرجت المرأة عندما وجدت النقاش حامياً بين والد الطفل وزوجته ووضع والد أبي حنفية إصبعه في فم الطفل فاسترجع وتقيأ ما أخذ من لبن، كبر أبو حنفية وصار أبو حنيفة عالم العراق، فكان أحياناً يتلعثم فيقول: عسى أن تكون قطرة لبن ما خرجت مع سبابة أبي، هذا المنطق.
المذيع:
 عذرا على المقاطعة لماذا امتلأت عيناك بالدموع؟
الدكتور عمر :
 تعريف الحلال الآن عند كثير من الناس ما حلّ في يدك صار حلالاً، الناس تستهين بالمال العام، أي هو في بيته يطمئن أن كل الغرف قد أطفئت لكنه يستهين بالمال العام.
 عمر رضي الله عنه استأجر دابة فوقعت العصا منه فنزل من فوق الدابة وعاد ليأتي بالعصا، قالوا: يا أمير المؤمنين لماذا لم تعد للدابة؟ قال: استأجرتها من مكان كذا لمكان كذا ولو عدت خطوات لأخذت مالاً حراماً.
 وخازن بيت المال عندما يقوم بالاستعداد لاستحضار الزكاة جديدة، وجد فلساً لا يساوي شيئاً، فوجد حفيداً لعمر يلعب أمام الباب فأعطاه له، فسأله عمر: من أين هذا؟ قال: أعطاه لي عمي، فقال عمر: أما وجدت بيتاً يأكل الحرام غير بيت عمر؟
 القضية منظومة واحدة، هذا باب للدخول يسمى البيت الحلال، بيت الحلال هذا لا يأخذه إلا إنسان طيب طعامه وشرابه، فلما طاب طعامه وشرابه الجوارح نفسها غذيت بالحلال.
المذيع:
 دكتور راتب بارك الله بك، الآن في هذا الزمن أدلهمت الأمور على كثير من الناس، وأصبحت من العرف الاجتماعي، أي يوجد أمثال، والكل يقول: إن هذا المال حلال بحجة أن كل الناس تصنع هذا الصنع، ماذا نقول؟

الدين توقيفي لا يضاف عليه و لا يحذف منه :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدين توقيفي، بمعنى أنه لا يضاف عليه، إن أضفنا عليه اتهمناه بالنقص، ولا يحذف منه، إن حذفنا منه اتهمناه بالزيادة، هو توقيفي أين التجديد؟ لا يوجد تجديد إلا بحالة واحدة أن تنزع عن الدين كل ما علق به بما ليس منه، هذا هو التجديد.
 الشيء الآخر؛ التجديد بالخطاب الديني، الخطاب الديني ينبغي أن يتوجه إلى عقل الإنسان، وإلى قلبه، وإلى بدنه، إلى عقله بالعلم، وإلى قلبه بالحب، وإلى جسده بالطعام والشراب، لذلك اليد العليا خير من اليد السفلى:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]

 أنت حينما تعمل عملاً مشروعاً وتقبض أجراً مشروعاً، هذا المبلغ حلال، لذلك الحلال ما كان كسبه مشروعاً، وإنفاقه مشروعاً.
 بقيت نقطة واحدة؛ سيدنا عمر رأى راعياً، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، فقال له الراعي: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت له ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟
 هذا الراعي على ضعف ثقافته وضع يده على جوهر الدين، وفي أية لحظة يقول الإنسان: أين الله؟ هذا مؤمن ورب الكعبة، راع بسيط ليس عنده مكتبات، ولا أي شيء، وضع يده على جوهر الدين، فالإنسان حينما يستقيم يصل إلى كل شيء.
 لذلك لو أردنا أن نضغط التجارة كلها بكلمة، مليون نوع للتجارة نضغطها جميعاً بكلمة واحدة هي الربح، إن لم تربح فلست تاجراً.
 والدين كله استقامة، إن لم تستقم على أمر الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، من دون استقامة الدين فولكلور، القرآن قرئ في باريس فولكلور إسلامي، من دون استقامة الدين تراث، تصور إسلامي، عواطف إسلامية، بطاقة معايدة إسلامية، الإسلام شيء آخر.
المذيع:
 مرّ الوقت سريعاً معنا دقيقة أود أن أجيز فيها، الأم التي أرادت أن تغش اللبن وابنتها تنصحها لكي تطعم من حلال، ما هذه القصة؟ وكيف نسقطها على الواقع الإسلامي؟

إسقاط القصص على الواقع الإسلامي :

الدكتور عمر :
 أولاً: عندما قالت: هل غششت اللبن يا بنية؟ قالت: أما عاهدت الأمير عمر على عدم غش اللبن؟ قالت: لا يرانا أمير المؤمنين، قالت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا، ولما عاد عمر وقام بالاجتماع بأولاده قال: من يتزوج بنت بائعة اللبن؟ تأففوا، قال لهم: أف لكم إن لم يتزوجها أحد تزوجتها أنا، قال عاصم: أنا يا أبت، وتزوجها عاصم فولدت ليلى، وليلى تزوجها عبد العزيز بن مروان وأنجبت عمر بن عبد العزيز.
 وأبو حنيفة يأتيه عامل بسيط يقول: إن سيدي الذي أعمل عنده يعطيني دراهم خمسة ولا تكفيني فاشفع لي عنده؟ قال له: عد لصاحب عملك وقل له: أعطني أربعة، وكان العلماء قديماً يسمعون كلامهم، فعاد وقال لصاحب العمل ففرح، لأنه أول موظف وآخر موظف يطلب بإنقاص الأجر، فبعد أيام قال: أربعة لا تكفيني، قال له: اطلب منه أن يعطيك ثلاثة، جاء ليشكر أبا حنيفة أن الثلاثة أصبحت تكفيه، الجالسون حول الإمام لم يفهموا القصة، قال: عمله كان لا يكفيه إلا ثلاثة دراهم، فلما أخذ الرابع والخامس جمع الحرام على الحلال ليكثره، دخل الحرام على الحلال فبعثره، فلما أخذ ما يستحق بورك له في الثلاثة.
 فالقضية في البركة لا في الكم، فلذلك أي موظف عربي مهما علي منصبه إذا كان شريفاً فأنت يجب أن تتصدق عليه، فالمال الحلال هو البركة، المال الحلال هو الذي يجعل الدعاء مستجاباً.
المذيع:
 بارك الله بكم وأود من فضيلتكما أن توجها للشباب وكل عامل كيف يأكل من المال الحلال؟

توجيه الشباب لتحري الحلال :

الدكتور راتب :
 أنت حينما يكن دخلك حلالاً لك عند الله مستقبل، والدليل:

﴿أَفَمَن كانَ مُؤمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَستَوونَ﴾

[سورة السجدة: ١٨]

 مستحيل:

﴿أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ﴾

[سورة القصص: ٦١]

 يوجد آيات كثيرة جداً:

﴿أَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾

[سورة الجاثية: ٢١]

 مستحيل.
الدكتور عمر :
 أنا أقول ببساطة: يا بني مخزون اللغة العربية عجيب في كلمتي الحلال والحرام، كلمة الحلال تقال في فتح الفم فهي نور وكلمة الحرام تقال في الظلام فنغلق أفواهنا، فإن أردت الحلال أنت في نور الله، وفي نور الدنيا، وفي نور الآخرة، وفي نور القبر، أما إذا كان حراماً كخفافيش الظلام التي لا تعمل في الخير ابداً.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكما، شكراً لكما على هذا اللقاء، مشاهدينا الكرام نشكر باسمكم الشيخين الجليلين الدكتور عمر عبد الكافي، والدكتور محمد راتب النابلسي، لقاء جديد في حلقة جديدة مع عقوق الآباء للأبناء، نستودعكم الله وشكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS