656
محاضرات وندوات مصورة - ماليزيا - ديناً قيماً - فضيلة الشيخ الدكتور راتب النابلسي وفضيلة الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي يحاورهما الدكتور محمد خالد في برنامج ديناً قيماً: الجود.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-06-05
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:

مهلاً نوار أقلي اللوم والعــــــذلا ولا تقولي لشيء فات ما فعلا؟
يرى البخيل سبيل المال واحدة   إن الجــواد يرى في ماله سبلا
***

 هذا هو الجود والكرم، فما هو الجود؟ كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أجود الجوادين في العرب، وكان لا يأكل إلا بأكيل، وكان حاتم الطائي من أكرم كرماء العرب أيضاً، وكانت زوجته تقدم له بعض الطعام يقول: أين أكيلي؟ وكان لا يأكل إلا بأكيل، كان صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة، ترى ما هو الجود والكرم؟ وهل هذه طبيعة فطرية في الإنسان أم ظاهرة مكتسبة؟ وكيف ينأى الإنسان بنفسه عن البخل والشح ليكون في جانب الكرماء؟ الجود والكرم حلقة جديدة في برنامج: " ديناً قيماً" أهلاً بكم.
 مشاهدينا الكرام؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بحضراتكم معنا وحلقة جديدة في هذا البرنامج، نرحب بحضراتكم ونرحب بضيفي الكريمين العالمين الجليلين أصحاب المعالي والفضيلة فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، وفضيلة الأستاذ الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي، مرحباً بكم في هذه الحلقة.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 هل لي أن أتكلم في موضوع الحلقة؟
الدكتور عمر :
 تفضل ونحن معك.
المذيع:
 بما أننا نفتقد إليه كثيراً ويحتاجه كل أصحاب الأيادي البيضاء وذوي الفضل، الجود.
الدكتور عمر :
 جُد علينا بما عندك.
المذيع:
 جُد علينا وعرف الجود؟

تعريف الجود :

الدكتور عمر :
 الجود هو منتهى الكرم، وأعلاها الجود بالنفس لأنه أقصى غاية الجود.

يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بها  و الجود بالنفس أقصى غاية الجود
***

 الجود أن يتخلص أو أن ينفق أبو بكر ماله كله في سبيل الدعوة، وأن يأتي عبد الرحمن بن عوف يتمثل بأبي بكر لينفق ماله كله ثلاث مرات وليس مرة واحدة، في اليرموك، وجيش العسرة.
 عبد الرحمن بن عوف عندما مات رغم جوده هذا مجلت أيدي العمال أي التهبت من الفؤوس، من كسرة تكسير سبائك الذهب حتى أخذت زوجته الرابعة اثنين مليون دينار من الذهب، وهو يساوي ربع الثمن، أي أن ثروة عبد الرحمن بن عوف كانت أربعة وستين مليون دينار من الذهب، يساوي الآن حجم الخزانة الأمريكية.
المذيع:
 رغم أنه تصدق بماله كله.
الدكتور عمر :
 وكان يأتي عليه أعوام لا تجوز الزكاة في النصاب لأنه يخرجها أول بأول.
المذيع:
 هذا الذي سيدخل الجنة حبواً؟
الدكتور عمر :
 لا، والله شاهد هذا الحبو حسنات الأبرار سيئات المقربين، الناس الذين حبب إليهم الجود والكرم هو الإنسان يجب أن يكون كرب العباد عز وجل الذي خلق كريماً جواداً، والإنسان إذا استاء من إنسان لا يقصر عنه يداً، وإذا أحب إنساناً لا يطلق يده، إنما هو إنسان الجود طبعه، جواد المال، الإنسان الذي يجود بالمال سوف يجود بكل شيء حسن يسعد الناس، الذي يجود عندما ترى وجهه كأنك معطيه الذي أنت سائله.
المذيع:
 دون أن يسألك.
الدكتور عمر :
 كأن أنت تعطيه وليس هو الذي يعطيك، سبحان الله، هو يسعد عندما يعطي فيرى السعادة في وجه الناس، سعادته تتضاعف.
المذيع:
 الله سبحانه وتعالى اصطفى من أسمائه الحسنى و صفاته العلا الكريم هل الجود من أسماء الله الحسنى؟

علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح والعمل الصالح ثمن الجنة :

الدكتور راتب :
 منه، لكن أريد أن أقول كلمة: الإنسان جواد أي كريم، هذه الصفة صفة عطاء.
المذيع:
 نقول جواد أم جوّاد؟
الدكتور راتب :
 يقال: جواد، جوّاد فعّال من صيغ المبالغة.
الدكتور عمر :
 أن يكون كثير الجود.
الدكتور راتب :
 الإنسان حينما يعطي يقدم لله عملاً صالحاً، وكأن العمل الصالح ثمن الجنة، والإنسان حينما يبني حياته على العطاء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، ونحن جميعاً تبع لقوي أو نبي، فالبطولة أن نكون من أتباع الأنبياء، أن تتبع النبي الكريم صفة الجود صفة أساسية في حياتك، العمل الصالح ثمن الجنة، بل علة وجودنا في الدنيا، إنسان بجامعة فيها مقهى، فيها منتدى، فيها مطعم، فيها مكتبة، فيها حديقة، أما علة وجود هذا الطالب في هذا المكان فهي الدراسة، أنا حينما أؤمن أن علة وجودي في الدنيا العمل الصالح أكون جواداً، علة وجودي في الدنيا جاء الله بي إلى الدنيا كي أدفع ثمن الجنة في الدنيا، وهي العمل الصالح أي يصلح للعرض على الله.
الدكتور عمر :
 الذي يعمل صالحاً لا يظن أن في الإسلام شيئاً يسمى عملاً دنيوياً وعملاً أخروياً، هذا في المذاهب الأخرى، ليس عندنا في الإسلام عمل دنيوي وعمل أخروي.
المذيع:
 اعمل لدنياك واعمل لآخرتك، هكذا يوصف العمل؟

من يعمل لدنياه بنية الآخرة يأخذ ثواب الآخرة :

الدكتور عمر :
 لا، شاهد اعمل لدنياك بنية الآخرة فتأخذ ثواب الآخرة، أنت عندما تجلس على الشاشة وتقول كلاماً صادقاً هذا عمل أخروي، عندما تأخذ أولادك.
المذيع:
 لكني أتكسب منه في الدنيا؟
الدكتور عمر :
 لم لا يا بن الحلال أنت تتكسب في الدنيا والآخرة؟ والله مالك السموات والأرض ومالك الدنيا والآخرة، أنت عندما تذهب للتتريض مع أولادك وزوجتك، الرهان في الإسلام حرام، لكن أراهن أن أحداً منا يأخذ زوجته ليتريض بها كما كان يتريض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فضح في المنطقة، أنت تعرف العربي من غير العربي في البلاد الأجنبية، تراه في الشانزليزيه يمشي وبعد ثلاثة كيلو متر أقول له: هل هذه زوجتك التي وراءك؟ يقول: نعم، أقول: لماذا لا تذهب أنت إلى مارسيليا وتتركها في نيس، لا إله إلا الله، ماذا في الأمر؟ هل هي إيدز مثلاً، المهم الجود يظهر في السلوكيات.
المذيع:
 هي عورة.
الدكتور عمر :
 نعم سبحان الله العظيم، أنا أرى والله أعلم أن الإنسان الجواد.
المذيع:
 هل يكون البخيل بخيلاً في مشاعره وعواطفه أيضاً؟

البخيل بخيل في كل شيء :

الدكتور عمر :
 سبحان الله البخيل بخيل في كل شيء، بخيل في الكلمة والابتسامة، البخيل يرى أن أسنانه عورة، فلا يحب ان يراها أحد، وقرأنا في كتب الفقه و درسنا أن أسنان الإنسان ليست عورة، وما هي بعورة يقولون هي عورة، وما هي بعورة، سبحان الله يبخل بالابتسامة، قال الشاعر من ضنكه وضيقه في بلده:

ذعرت زوجتي لما رأتني باسمـــــــــــاً  قلت لها لا تنزعجي إني بخير سالماً
كنت أجري بعض التمـــــــارين لفمي  ربما أفـــــــــــــــرح يومـــــــاً ......ربمــــــا
***

 وصل به الحال ليعمل تمارين أحسن من أن تتيبس شفتاه.
المذيع:
 هل الجود صفة، طبع، جبلة، في الإنسان أم ظاهرة مكتسبة يتعود عليها؟

حبّ العمل الصالح موجود في كيان الإنسان لأنه ثمن الجنة :

الدكتور راتب :
 والله يوجد شيء من طبعه، لأن الإنسان علة وجوده في الدنيا العمل الصالح، أودع الله في كيانه حبّ العمل الصالح، هذا الحب للعمل الصالح أودع في كيانه لأنه هو ثمن الجنة، هناك توافق بين طبع الإنسان وخصائصه النفسية وبين منهجه الإلهي، فالإنسان حينما يتحرك وفق منهج الله سيكون جواداً، لأن الجود هو العمل الصالح، والعمل الصالح ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 32]

الدكتور عمر :
 من ذكر النعم، من جود هذا العالم الجليل أنني أنا أنفعل هو لا ينفعل فيجود عليّ بهدوئه، جود سكينته يجود عليه.
الدكتور راتب :
 طالب في جامعة، فيها مطعم، فيها مكتبة، فيها حديقة، ما علة وجوده في هذه الجامعة؟ علة وجوده الدراسة، فقد يدخل مطعماً، وقد يقرأ كتاباً، وقد يجلس في الحديقة، كله مسموح لكن يجب ألا يغفل عن علة وجوده، وعلة الوجود في الدنيا العمل الصالح.

العمل للآخرة الباقية لا للدنيا الزائلة :

الدكتور عمر :
 منحى خطير يا مولانا، أن نحن نربي الأولاد أنت موجود في الحياة لماذا يا بني؟ أنت لماذا تدخل ابنك كلية الطب؟
المذيع:
 من أجل أن نستمتع ونعيش.
الدكتور عمر :
 لم لا؟ اسعد، ولكن لا تكن معيشة إنما تكون حياة، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

المذيع:
 هنالك من المذاهب الإسلامية من طلق الدنيا.
الدكتور عمر :
 لا، شاهد: فتزوجها غيرنا، نحن نريد أن نتزوج الدنيا زواجاً حلالاً ليس مؤقتاً وإنما زواج يؤبدنا في نعيم الجنة يوم القيامة، عندما نعمل العمل الصالح الذي ينتدبه إلينا شيخنا.
المذيع:
 أفلا يبعث فينا حبنا للدنيا البخل وعدم الجود والكرم؟
الدكتور عمر :
 إذا أحبّ الإنسان الدنيا، وتربعت في قلبه، وطفحت في قلبه، عندئذ لا تكن جوارحه إلا خدمات مؤقتة لهذه الدنيا، لدنيا زائلة، وينسى الآخرة الباقية، لذلك يقول البصري: لو كانت الدنيا من ذهب فان، وكانت الآخرة من خزف باق لفضل العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني، فما بالكم تفضلون الخزف الفاني على الذهب الباقي؟
المذيع:
 جميل القرآن تكلم عن الكريم وعن الجود هل من فوراق دلالالية بينهما؟

الفرق بين الكرم و الجود :

الدكتور راتب :
 أحياناً الكريم بعد الطلب، الجود من دون طلب، إنها لا تعرفك، قال: أنا أعرف نفسي. كان يرضيها القليل، قال: أنا لا أرضى إلا بالكثير. الجود له معنى والخير، والعمل الصالح له معنى آخر، لكن أريد أن أقول: أنت طالب بجامعة، علة وجودك في حديقة في مطاعم، علة وجودنا في الدنيا العمل الصالح.
المذيع:
 أنا معك لكن هذا قد يصيب الإنسان ويبعده عن الجود كيف يصبح العبد كريماً؟

الجواد يتلقى من الله السكينة فيسعد بها :

الدكتور راتب :
 حينما يكون جواداً يتلقى من الله السكينة فيسعد بها.
المذيع:
 كيف يكون جواداً؟
الدكتور راتب :
 يتعلم، يتعلم أوامر دينه، أنت علة وجودك العمل الصالح.
الدكتور عمر :
 إذا تلمح حلاوة وثمرة العطاء.
المذيع:
 هنالك من أصحاب الدين من هم بخلاء، من علماء الدين من هم بخلاء.

البخيل سلوكياته غير منضبطة :

الدكتور عمر :
 سلوكياته ليست منضبطة.
المذيع:
 رغم أنهم من علماء الدين يحفظون المتون والشواهد.
الدكتور عمر :
 إذا حفظ المتون هل رأى نبيه صلى الله عليه وسلم بالقدوة والأسوة هل رآه بخيلاً يوماً؟ هل رأى السلف الصالح بخلاء؟ هل هؤلاء ما تركوا بصمة في الحياة؟
الدكتور راتب :
 قيل للشافعي: فلان حفظ كتاب الأم، قال: زادت نسخة.
المذيع:
 يريد أن يراها واقعاً، يوجد موقفان كما تفضلت؛ سيدنا أبو بكر الصديق أتى بماله كله للنبي عليه الصلاة والسلام، وسيدنا عمر بن الخطاب أتى بنصف ماله، ألم يكن سيدنا عمر جواداً في هذه الحالة؟

المفاضلة بين امتيازين :

الدكتور عمر :
 وهو عمر بن الخطاب ..
المذيع:
 هل يطلق عليهما جواداً وكريماً؟
الدكتور عمر :
 فوق الجواد والكريم، وصل إليه سيدنا أبو بكر في نهاية المطاف.
المذيع:
 ألم يكن حرص سيدنا عمر على الدنيا عائقاً له عن أن يتأخر عن أبي بكر؟
الدكتور عمر :
 أنت تفاضل بين امتيازين، أنت راقب هذا أبو بكر يمثل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل، وعمر يمثل قمة المؤمنين الموقنين في أول الصف، أنت تقارن بين حاصل على ستة وتسعين بالمئة وبين تسعة وتسعين بالمئة، هذا هو الفرق، أنت لا تقارن بين شخص حاصل على عشرين بالمئة و آخر على تسعة و تسعين بالمئة.
المذيع:
 نختم بها سيدي ماذا تقول للبخيل وليس بالكريم ولا يجود على غيره؟

مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى :

الدكتور راتب :
 لو هذا البخيل أقبل على الله لاشتق منه الكمال، ومن كماله الإنفاق، الموضوع موضوع الإقبال على الله عز وجل له أثر كبير في السلوك.
الدكتور عمر :
 روي في الأثر: مكتوب على باب الجنة لا يجاورني فيك بخيل.
الدكتور راتب :
 مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.
المذيع:
 ومن هو سليم الطوية يقول القائل:

يجود علينا الخيرون بمالهم  ونحن بمال الخيرين نجود
***

 أنتم منهم بإذن الله تعالى، كما علمتنا المال مال الله، قل يا شيخنا تفضل.
الدكتور عمر :
 أنا أقول: هذا الرجل البسيط الذي دخل مع مجموعة من الشعراء عند ملك، فالرجل يحمل جرة سقاء فلما جاء دوره في الكلام قال: من أنت؟ قال: لما رأيت الناس يمنون شطرهم نحو بحرك الطامي أتيت بجرتي، أعجب الملك به قال: املؤوها له ذهباً، ملؤوها ذهباً، نظر الناس له شزراً كيف يأخذ هذا كل الذهب فوزعه على الحاشية، فالملك أخبر بهذا، قال: أعيدوه، ماذا صنعت يا رجل؟ فنطق وقال:

يجود علينا الخيرون بمالهم  ونحن بمال الخيرين نجود
***

 قال: املؤوها له عشر مرات، جوده أجاد عليه.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 شكراً لكما على هذا اللقاء وتتمة لهذه أقول أبيات سوف نختم الحلقة بها:

الناس للناس مادام الوفاء بهــــــم  والعسر واليسر أوقات وساعـــات
وأفضل الناس ما بين الورى رجل  تقضى على يده للناس حاجــــات
لا تقطعن يد المعروف عن أحـــــد  ما دمت تقدر والأيـــــــــــــام تــــارات
واذكر فضيلة صنع الله إذ جعـلت  إليك لا لك عند الناس حاجــــــــات
قد مات قوم وما ماتت فضائلهــم  وعاش قوم وهم في الناس أموات
***

شكراً لكما على هذا اللقاء.
 مشاهدينا الكرام وصلنا إلى نهاية هذه الحلقة، شكراً لكما، والسلام عليكم ورحمة الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS