578
ندوات تلفزيونية - قناة الرسالة – على هدى - الحلقة ( 04 - 42 ) : أنواع الجهاد بين جهاد النفس والهوى والإعداد لمنع الأعداء من العدوان.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2013-07-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تناقض الطبع مع التكليف ثمن الجنة :

 أيها الأخوة الكرام؛ القرآن الكريم ضرب أمثلة كثيرة لأن المثل أحياناً أداة فعالة في توضيح الفكرة.
 أنا الآن أقول لكم: لو أن الجامعة طبعت على أوراق الإجابة الكاملة في حقل الدرجات وضعت مئة على مئة، ووزعت الأوراق على الطلاب في الامتحان، وكلفتهم أن يكتبوا أسماءهم فقط، جميع الطلاب العلامة الكاملة، ما قيمة هذا النجاح؟ لا قيمة له إطلاقاً، لا عند الطالب، ولا عند الجامعة، ولا عند أولياء الطالب، ولا عند الناس، نجاح تافه لا قيمة له، لكن حينما يداوم الطالب تسعة أشهر، ويقرأ، ويبحث، ويلخص، ويراجع، ويذاكر، ويجرب نفسه في مذاكرة، حينما يقرأ مع صديقه، حينما يبذل جهداً كبيراً وينجح فلهذا النجاح قيمة.
 لذلك جعل الله الدنيا ممراً لدفع ثمن الجنة، يوجد تكليف أنت في الدنيا مكلف، ومعنى مكلف أن العمل الذي أمرك الله به ذو كلفة، يحتاج إلى جهد، يوجد غض بصر، ضبط لسان، كتم سرّ، أداء صلوات، حج بيت الله الحرام، صوم رمضان، ضبط أشياء كثيرة.
 فلذلك لولا التكاليف التي كلفنا الله بها ما كان هناك من جنة، بل حتى الشهوات التي أودعها الله فينا لولا هذه الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات، كيف تتقرب إلى الله إن لم تكن تحب المال؟ لأنك تحب المال وتنفقه في سبيل الله تتقرب إلى الله، كيف تتقرب إلى الله وقد أمرت أن تغض طرفك عن محاسن النساء وأن تملأ عينيك من محاسن المرأة؟ هذا طبع في الإنسان.
 لكن التكليف بعكس الطبع، بتناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة، طبعك يقتضي أن تأخذ المال، والتكليف أن تنفقه، طبعك يقتضي أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف أن تصمت، طبعك يقتضي أن تفعل كذا وكذا، والتكليف أن تفعل كذا وكذا، فلولا التكليف لا يوجد جنة، ولولا التكليف لا يوجد ثواب ولا عقاب، بل لولا هذه الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات.

أوامر الدين ضمان للسلامة و ليست حدّاً للحرية :

 الشهوة محرك، والعقل مقود، والمنهج طريق، فالبطولة أن تنطلق بقوة الشهوة، وأن تحافظ على المنهج عن طريق المقود، وأن تبقى على الطريق، فالشهوات لا بد منها، فلولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسموات.
 بل ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، أيها الشباب ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً لكن يوجد تنظيم، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

 عند علماء الأصول هناك المعنى المخالف أنك إذا اتبعت هواك وفق هدى الله لا شيء عليك، كلام دقيق في الإسلام لا يوجد حرمان لكن يوجد تنظيم.
 بربك لو أنك تمشي في فلاة رأيت لوحة كتب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، هل ترى أن هذه اللوحة حد لحريتك أم ضمان لسلامتك؟
 في اللحظة التي تفهم بها أوامر الدين أنها ضمان لسلامتك فأنت فقيه. هذه تعليمات الصانع، هذه تعليمات الخبير:

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبيرٍ﴾

[سورة فاطر: ١٤]

أنواع الجهاد :

1 ـ جهاد النفس و الهوى :

 لذلك النبي عليه الصلاة السلام رجع مع أصحابه من معركة فقال لبعض الصحابة: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى" فالجهاد كلمة الآن إذا ذكرت لا يقفز إلى أذهاننا إلا الجهاد القتالي، مع أن هناك أنواعاً كثيرة من الجهاد أحدها القتالي.
 أول جهاد جهاد النفس والهوى، فالمهزوم أمام نفسه الذي تغلب عليه شهوته، الذي يضعف أمام شهوته، الذي لا إرادة له في طاعة الله، هذا لا يستطيع أن يواجه نملة، فلذلك الجهاد الأول جهاد النفس والهوى، أن تحمل نفسك على طاعة الله، وأن تصبر على قضاء الله، وأن تصبر عن الشهوات، وأن تصبر على الطاعات، وأن تصبر على قضاء الله وقدره، كما قيل الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
 إذاً الجنة لها ثمن، لذلك: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى
 ويوجد قول في الأثر: " الجهاد ذروة سنام الإسلام" قمة الإسلام في الجهاد.
 وقد ورد في السيرة أن مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين فقال للأول: أتشهد أني رسول الله؟ قال هذا الصحابي الجليل: ما سمعت شيئاً فقطع رأسه، وسأل الثاني: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله، كلام دقيق استمعوا إلى تعليق النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال النبي الكريم؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله، هذا الشرع العظيم يوجد حد أدنى مقبول، ويوجد حد أعلى، كالجامعة يوجد مقبول، فجعلك بين حدين بين حد أدنى مقبول وبين حد أعلى مشرف.
 عظة هذا الدين أنه دين للأمة، ودين للفرد، ودين للقوي، ودين للضعيف، ودين للغني، ودين للفقير، فلذلك الجهاد ذروة سنام الإسلام.
 أنا الآن أخاطب الأخوات الكريمات قال عليه الصلاة والسلام:

((اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله))

[ ورد في الأثر ]

 لذلك الحقيقة أن الجهاد جزء من الدين، يوجد جهاد أصغر وجهاد أكبر، من هذه الأنواع جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأصل المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، فحينما تقدر على ضبط شهواتك، وعلى ضبط كسبك أن يكون مشروعاً، وعلى ضبط إنفاقك، وعلى ضبط بيتك، وعلى ضبط خروج زوجتك وبناتك، وعلى ضبط أولادك، وعلى أن تقيم الإسلام في نفسك، وفي عملك فيمن حولك، وأن تقف الموقف الشرعي مع من فوقك، ومن دونك، فأنت مسلم، هذا هو الجهاد الأول جهاد النفس والهوى.

2 ـ الجهاد البنائي :

 لكن الجهاد الثاني الجهاد البنائي هذا جهاد، أي هذه الأمة كيف نبنيها؟ كيف نقويها؟ أنا أقول مثلاً: الأمة بحاجة إلى من يموت في سبيلها، والأمة في أمس الحاجة إلى من يعيش في سبيلها، يمكن أن تسهم من خلال الجهاد البنائي أن تتفوق في الدراسة، تضع هذه الدراسة في خدمة أمتك.
 أخوتنا الكرام؛ الطرف الآخر يريد موادنا الأولية، هذه المواد الأولية تعود إلينا بأسعار أضعاف مضاعفة، يأكلوننا إذا اشتروا منا، ويأكلوننا إذا باعونا، فأنت حينما تتفوق في دراسة معينة، ونستغني من خلال دراستك عن أن نأتي بخبير يأخذ آلاف الأضعاف، تكون قد خدمت أمتك، حينما ننبي أمتنا علمياً اجتماعياً نفسياً فكرياً نبني الأمة، نستخرج الثروات، نُصنع الخامات، نشق الطرق، نقيم الجسور في منهج الله هذا نوع من الجهاد البنائي، فأنت إذا قويت أمتك رفعت شأنها، أما كل شيء مستورد حتى الأشياء البسيطة فهذه مشكلة، الغرب دائماً يريدنا أن نكون مستهلكين لا منتجين، فإذا أردنا أن ننتج هناك مشكلة كبيرة، فالجهاد البنائي أيها الأخوة أعمال منوعة، إتقان العمل جهاد بنائي، الدراسة العالية جهاد بنائي، إتقان فروع المعرفة جهاد بنائي، أن تتقن هذه العلوم، وأن تسهم في بناء الأمة.
 أحياناً- وهذا شيء يؤسف له- يذهب إنسان إلى بلاد الغرب البعيدة يأخذ دكتوراه، يرى بلاداً جميلة جداً، والأمور ميسرة جداً، فيبقى في هذه البلاد، أنا تعليقي: لحم كتفك من خير بلادك لابد من أن ترد الجميل لبلدك.
 مرة إنسان قال لي: سمعت درساً من دروسك وعلمت أن بقائي في أمريكا غير طبيعي يجب أن أرد الجميل لأمتي، وجاء إلى الشام وأنشأ أربع عيادات بأحدث طريقة، قال لي: شعرت براحة كبيرة، أنا أعالج إنساناً مسلماً من وطني.
 فقضية الجنة ليست ثمناً سهلاً، بل ثمناً كبيراً، فأنت حينما تسهم في بناء الأمة، في قوة الأمة، في منعة الأمة، في الإنتاج، هذا جهاد بنائي.
 أصبح هناك جهاد النفس والهوى، وهذا هو الجهاد الأصلي، وجهاد بنائي.

3 ـ الجهاد الدعوي :

 الآن يوجد جهاد ثالث هو الجهاد الدعوي، الدليل قوله تعالى:

﴿ وَجاهِدهُم بِهِ جِهادًا كَبيرًا﴾

[سورة الفرقان: ٥٢]

 وقد سمى الله هذا الجهاد جهاداً كبيراً، لأنك إذا نقلت هذا الدين إلى الأمم الأخرى كأنك جاهدت بالسيف والسنان، سابقاً الجهاد القتالي طريق إلى الجهاد الدعوي، الآن متاح الجهاد الدعوي، فإذا أسست مركزاً ثقافياً نقلت هذه الحقائق للأجانب، هذا جهاد دعوي.
 فأنت بين جهاد النفس والهوى أي التعليم الأساسي، وبين الجهاد البنائي في الدرجة الثانية، وبين الجهاد الدعوي هذا الجهاد الثالث، الدليل قوله تعالى:

﴿قُل هذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني ﴾

[سورة يوسف: ١٠٨]

 فإن لم تدع إلى الله على بصيرة لست متبعاً لرسول الله، آية خطيرة جداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 استمعت إلى خطبة ألم تحفظ منها شيئاً ولا كلمة؟ ولا حديثاً؟ ولا آية؟ هذه انقلها لمن حولك، هذا هو الجهاد، هذه الدعوة التي أمرت بها، هذه دعوة فرض عين، والدليل:

﴿قُل هذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني ﴾

  الذي لا يفكر أصلاً أن يدعو إلى الله معنى ذلك أنه ليس متبعاً لرسول الله.

4 ـ الجهاد القتالي :

 آخر نوع من أنواع الجهاد الجهاد القتالي، قال تعالى:

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم ﴾

[سورة الأنفال: ٦٠]

 ملمح دقيق جداً الله عز وجل رحمة بنا ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، وقد لا نستطيع، لكن أمرنا أن نعد القوة المتاحة فقط، المكافئة قد لا نستطيعها المتاحة وعلى الله الباقي، إذاً معنى قوله تعالى:

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم ﴾

[سورة الأنفال: ٦٠]

 ما قال: القوة المكافئة، لا،

﴿ مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

 بربكم الدول الآن التي تملك قنابل ذرية أو نووية لم تستخدمها إطلاقاً لكنها مرهوبة الجانب، فقد يكون السلاح لا للاستعمال بل لإرهاب الآخر، أي يخاف منك ليس بالمعنى الآن المتداول، يقف على حذر منك،

﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

  أما من قوة فجاءت نكرة، والتنكير شمول، الإعلام قوة، والإعداد قوة، والتسليح قوة، والتنظيم قوة، أي ممكن أن ينطوي تحت هذه الكلمة مئات الأنواع من القوة، لكن لا أن تحاربوا المسلمين،

﴿ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم ﴾

 يجب أن يكون عدوكم عدواً لله لا ولياً لله، هنا يوجد مشكلة، هذه الآية على إيجازها لكن فيها ملامح دقيقة جداً، أنتم مكلفون ببذل ما استطعتم لا الجهد المكافئ ترهبون تخيفون عدو الله وعدوكم.
 فلذلك أيها الأخوة نخلص من هذا اللقاء الطيب إلى أن الجهاد أنواع: جهاد النفس والهوى هو التعليم الأساسي، الجهاد الثاني الجهاد البنائي، الجهاد الثالث الجهاد الدعوي، الجهاد الرابع الجهاد القتالي.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS