373
ندوات تلفزيونية - قناة الرسالة – على هدى - الحلقة ( 12- 42 ) : الدنيا دار ابتلاء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2013-07-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

بطولة الإنسان أن ينجح في امتحان الدنيا :

 أيها الأخوة؛ لا ينبغي أن يغيب عنكم أننا في الدنيا في دار ابتلاء، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه:" إن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء- الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت- قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي" إذاً ينبغي أن نعتقد اعتقاداً جازماً أننا في دار ابتلاء، في دار امتحان، في دار فتنة، والبطولة أن تنجح في الامتحان أو في الفتنة، والنجاح بين يديك حينما قال الله عز وجل:

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلّا وُسعَها ﴾

[سورة البقرة: ٢٨٦]

 الوسع يعلمه الله لا أنت، هذه النفس التي خلقها الله عز وجل كل ما كلفها به ضمن الوسع، ضمن الاستطاعة، فلذلك إياك أن تتوهم أن تطبيق الدين فوق وسعك، مستحيل،

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلّا وُسعَها ﴾

 ضمن الإمكانية، ضمن الطاقة، ضمن اليسر، لذلك نحن في دار ابتلاء نحن في منزل ترح لا منزل فرح، إن عرفنا حقيقة الدنيا لم نفرح لرخاء، ولم نحزن لشقاء، هذه الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى، ولحكمة أرادها الله جعل هذه البلوى ثمناً لهذا العطاء.

الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :

 أيها الأخوة؛ الله عز وجل يقول:

﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُترَكوا أَن يَقولوا آمَنّا وَهُم لا يُفتَنونَ﴾

[سورة العنكبوت: ٢]

 تصور طالباً يقول: أنا الأول على صفي، ولا يوجد امتحان، إذا لم يكن هناك امتحان فكلامه لا يرد عليه، أما بالامتحان فينكشف الصادق من الكاذب، المستقيم من المنحرف، إذاً نحن في دار ابتلاء، في دار امتحان، هذه حقيقة كبرى في الدين، علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، الدليل:

﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا ﴾

[سورة الملك: ٢]

 هل خطر في بالك أن الله قدم الموت؟ لماذا خلق الموت والحياة؟ لم لم يقل خلق الحياة والموت؟ الحياة قبل الموت؟ العلماء قالوا: قدم الموت على الحياة لأن خيارات الإنسان عند الموت خياران فقط:

(( فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

 خيار محدد، أما حينما يولد الإنسان فهو أمام مليون خيار لخطورة الموت، لأنه عقب الموت جنة أو نار، لأن الموت نهاية الحياة، وبداية الجزاء الأبدي، إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفذ عذابها، لذلك قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُترَكوا أَن يَقولوا آمَنّا وَهُم لا يُفتَنونَ*وَلَقَد فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقوا وَلَيَعلَمَنَّ الكاذِبينَ﴾

[سورة العنكبوت: ٢-٣]

 تفتن بصحتك، أتاك الله صحة، هل استخدمت هذه الصحة في طاعة الله أم في معصيته؟ أتاك الله مالاً، هل استخدمت هذا المال في التقرب إلى الله أم في الغرق في المعاصي والآثام؟ أتاك أولاداً، هل عرفتهم بربهم؟ أتاك زوجة، أتاك حرفة، هل استخدمت هذه الحرفة فيم يرضي الله أم سمحت لنفسك أن تتخطى منهج الله عز وجل؟ أنت ممتحن، بكلمة متخصرة أنت ممتحن فيما أعطاك الله ممتحن فيما زوى عنك، "اللهم ما أعطيتني مما أريد فاجعله عوناً لي فيما تريد، وما زويت عني فيما أريد فاجعله فراغاً لي فيما تريد".
 أنت ناجح في الحالتين، فالذي نلته من الله اجعله في سبيل الله، دقق في الآية الكريمة:

﴿وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ﴾

[سورة القصص: ٧٧]

 أنت طبيب، اجعل هذا العلم الطبي في سبيل خدمة المسلمين، خذ أتعابك لكن اجعل هذه الحرفة في طاعة الله، أنت محام، اجعل هذه الحرفة في طاعة الله، أنت تاجر، اجعل هذا المال في طاعة الله.

خيارات العمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

 أنا أقول دائماً: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 لماذا؟ أولاً: ما معنى القوي؟ العلماء قالوا: قوة المال أو قوة العلم أو قوة المنصب، أنت قوي إذا كنت في منصب رفيع بجرة قلم بتوقيع تحق حقاً، وتبطل باطلاً، بجرة قلم تقرب مؤمناً صادقاً، وتبعد منافقاً فاسقاً، هذه قوة، والمال قوة، المال تحل به مشكلات الشباب، أحياناً هناك من ينشئ معهداً، أو ميتماً، أو معهداً شرعياً، من يؤسس شركة لخدمة الفقراء، أنت بالمال تستطيع أن تحل مشكلات كبيرة جداً، فالمال قوة، والمنصب قوة، والعلم قوة، بالعلم تعرف الحق والباطل، وما أعطاك الله علما إلا كي تصل بعلمك إلى أعلى درجات الجنة، وما أعطاك الله مالاً إلا لتصل بمالك إلى أعلى درجات الجنة، وما أعطاك الله منصباً إلا لتصل بمنصبك إلى أعلى درجات الجنة.
 لذلك الآن دقق إذا كان طريق القوة - قوة المال أو العلم أو المنصب- سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لماذا؟ أولاً لقول النبي الكريم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 لأن المؤمن القوي خيارات العمل الصالح المتاحة له لا تعد ولا تحصى، خيارات العمل الصالح، والعمل الصالح علة وجودك في الدنيا، والدليل عند الموت:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ*لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

 القوي خيارات العمل الصالح بين يديه واسعة جداً. فإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن النبي يقول:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً لم لا تكن طموحاً، كن الطبيب الأول، المهندس الأول، التاجر الأول، الزراعي الأول، الموظف الأول، كن طموحاً، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك، أحياناً يوجد نص شرعي، ويوجد قواعد مستنبطة من حركة الحياة، هذه القواعد تقتضي من أجل أن تنال الموافقة أن تدفع مبلغاً غير مشروع – رشوة- فإذا تعارضت الحقائق المستنبطة من حركة الحياة في مكان ما مع منهج الله، وركلت بقدمك هذه المستنبطات من حركة الحياة، واتبعت منهج الله أخضعك الله لقانون آخر قانون العناية الإلهية، لذلك من أسخط الناس برضا الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.
 كلام دقيق؛ يوجد قواعد بكل مجتمع مستنبطة من حركة الحياة، قد تكون غير صحيحة، قد تكون ظالمة، أنت كمؤمن حينما ترفض أن تخضع لهذه القواعد خوفاً من الله، وتلتزم جانب الحق مكافأة لك، الله عز وجل يخضعك لقانون آخر قانون العناية الإلهية، فتربح الدنيا والآخرة. ولا تنسوا هذه القاعدة: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
 أخواننا الكرام؛ مستحيل وألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تعصيه وتربح هذه مسلمات.

الله عز وجل غني عن تعذيبنا :

 أيها الأخوة؛ إذاً الإنسان يبتلى بصحته، بماله، بأقربائه، بأسرته، أحياناً هذه ابتلاءات، امتحانات، كن شجاعاً، قف إلى جانب الحق وليكن ما يكن، فمستحيل أن تطيعه وتخسر، لذلك قالوا: من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى.
 المؤمن أحياناً يتعرض لأزمة، لمصيبة، البطولة أن تقول: الحمد لله، أنت إذا آمنت أن هذه المصيبة جاءتك بعلم الله، والله حكيم وعليم وعادل وغفور ورحيم، حينما تعتقد يقيناً أن هذه المصيبة أصابتك بعلم الله:

﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَت أَيديكُم وَيَعفو عَن كَثيرٍ﴾

[سورة الشورى: ٣٠]

 اعتقد معي مرة ثانية أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، لكن الأدب يقتضي أنه إذا أصابت أخاك مصيبة أحسن به الظن، قل: لعل هذه المصيبة ترقية درجات، أما أنصحك إذا أصابتك مصيبة لا تحابي نفسك، قل: أين الخلل؟ أين الخطأ؟ بالأمن الجنائي عند ارتكاب جريمة هناك سؤال كبير: ابحث عن امرأة قد تكون وراء هذا امرأة، لكن بمنطق الإيمان إذا جاءت الأمور على خلاف ما تحب فاسأل هذه السؤال وكن صريحاً: أين الخلل؟ لابد من خلل وقعت فيه حتى ساق الله لي هذه المصيبة، هذا الذي يفهم على الله حكمة المصائب، عندئذ تصبح هذه المصائب نعماً باطنة، قال تعالى:

﴿ وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً ﴾

[سورة لقمان: ٢٠]

 بعضهم قال: إذا كشف الله لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، لذلك نستنبط من هذه المقدمة الطويلة الحقيقة الأولى و هي أن الله غني عن تعذيبنا، الدليل:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 أي إذا شكرت وآمنت حققت الهدف من وجودك في الدنيا، لذلك الله عز وجل حينما خلقك سخر لك هذا الكون تسخيرين؛ تسخير تعريف، وتسخير تكريم، تسخير تعريف يقتضي أن تؤمن، وتسخير التكريم يقتضي أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك،

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَليمًا﴾

.

الابتلاء يكفر الخطايا :

 إخواننا الكرام؛ الحقيقة الثانية: أن الابتلاء يكفر الخطايا، حينما يبتلى الإنسان بمصيبة لا سمح الله هذا الابتلاء للمؤمن تكفير خطايا، أي هذه المصيبة خمسة أنواع؛ نوع من المصائب يصيب الأنبياء، هذه مصائب كشف، يوجد كمال لا متناه في نفس النبي، تأتي المصيبة وتكشف هذا الكمال، النبي الكريم يمشي على قدميه إلى الطائف ليدعوهم إلى الله، يكفرون، يسخرون، يستهزئون، يرسلون صبيانهم ليضربوا النبي، يأتيه ملك الجبال يقول: يا محمد أمرين ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، يقول: " لا يا أخي اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده".
إذاً الأنبياء مصيبتهم مصيبة كشف.
 المؤمنون مصيبتهم مصيبة دفع أو رفع، السرعة بطيئة، يوجد تهاون في أداء الواجبات، يوجد تقصير، تأتي المصيبة للمؤمن كي تدفعه إلى الله، أي أن يرفع سرعته في السير إلى الله هذه مصيبة دفع، وأحياناً بإمكانه أن يعمل عملاً أكبر من هذا العمل فيعمله فيرقى عند ربه دفع أو رفع.
النبي كشف، المؤمن دفع أو رفع، الآن غير المؤمن ردع أو قصم.
 خمسة أنواع:كشف، دفع، رفع، ردع، قصم:

﴿فَلَمّا نَسوا ما ذُكِّروا بِهِ فَتَحنا عَلَيهِم أَبوابَ كُلِّ شَيءٍ حَتّى إِذا فَرِحوا بِما أوتوا أَخَذناهُم بَغتَةً ﴾

[سورة الأنعام: ٤٤]

امتحان الإنسان في كل شيء :

 أيها الأخوة الكرام؛ وطن نفسك أن هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، أنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوى عنك، ممتحن في العطاء، ممتحن في المنع، فإذا كشف الله لك حكمة المنع عاد المنع عين العطاء، لذلك من بطولة المؤمن أنه راض عن الله.
 أخ كريم طبيب، حدثني عن مريض معه مرض خبيث في البنكرياس، وآلام هذا المرض لا تحتمل، جاء للمستشفى، كلما دخل إنسان لغرفة هذا المريض يقول له: اشهد أني راض عن الله، يا رب لك الحمد، شيء عجيب، استقطب المشفى، يدخل الطبيب يرتاح في هذه الغرفة، المريض معه ورم خبيث ومستعص، واحتمال موته كبير جداً، كلما دخل إنسان: اشهد أني راض عن الله، يا رب لك الحمد، ثم توفاه الله، لكن كان عبرة لكل العاملين في المستشفى، هذا معنى الرضا.
 ثم قرأت بحثاً علمياً أن طريق الآلام في الجسم له بوابات، هذه البوابات إذا أغلقت الألم انخفض إلى العشر، وإذا فتحت تضاعف الألم عشر مرات، الذي كتب هذا الموضوع بعيداً عن الدين كلياً، لكن كتب في نهاية هذا البحث: والذي يتحكم في هذه البوابات حالة المريض النفسية، أي إذا كان مؤمناً هذا الإيمان يذهب عنه تسعة أعشار الآلام عن طريق بوابات الألم تفتح أو تغلق.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS