631
ندوات تلفزيونية - قناة الرسالة – على هدى - الحلقة ( 23- 42 ) : الشرع.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2013-07-31
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الشرع أحد مرتكزات الهدى :

 لا زلنا في هذه اللقاءات الإيمانية والموضوع اليوم عنوانه: الشرع.
 مرتكزات الهدى: الكون، العقل، الفطرة، الشرع، وهكذا.. فالشرع أحد المرتكزات، طبعاً الفطرة تنبئك بأن هذا العمل افعله أو لا تفعله، مقياس نفسي، لكن الشرع نص، أوامر مضبوطة، ويوجد نواه بالقرآن، والنبي الكريم شرح القرآن، أي السنة المطهرة في الحقيقة شرح للقرآن.
 فأنت مع وحي السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع شرح سيد الأنبياء، فالكتاب والسنة ما إن تمسكنا بهما فلن نضل أبداً.
 فإذا تركنا الكتاب والسنة دخلنا في متاهات، أي الكتاب والسنة يجمعنا، أما الأهواء فتفرقنا، الآخرة تجمعنا والدنيا تفرقنا، الحقائق تجمع والأهواء تفرق، فنحن بأمس الحاجة إلى أن نجتمع.
 وبالمناسبة تعليق خارجي؛ أعداء المسلمين وضعونا جميعاً في سلة واحدة فينبغي أن نقف جميعا في خندق واحد.
 الآن عندنا شرع، عندنا افعل ولا تفعل، افهم الشرع هكذا..
 أنت أعقد آلة في الكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجر، ولهذه الآلة صانع حكيم، وهذا الصانع الحكيم أرسل لك تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصك على سلامتك، انطلاقا من حرصك على سعادتك، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع.

معرفة الله أعظم عطاء على الإطلاق :

 لذلك المؤمن لأنه خلق لسعادة أبدية، وهذه السعادة الأبدية يدفع ثمنها في الدنيا، ودفع ثمنها تطبيق منهج الله عز وجل، لذلك:

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا﴾

[سورة الأحزاب: ٧١]

 كلمة عظيم ممن؟ من العظيم.
 إذا قال لك طفل: معي مبلغ عظيم، كم تقدره؟ أنا أقول: مئة دينار، إذا قال لك مسؤول بالبنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً أنا أقدره بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك، إذا قال خالق السموات الأرض:

﴿ وَعَلَّمَكَ ما لَم تَكُن تَعلَمُ وَكانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظيمًا﴾

[سورة النساء: ١١٣]

 أعظم عطاء على الإطلاق أن تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء، لذلك قالوا: الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى ضدها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 هذه العبارة لعالم كبير أصل في هذا الدين أن الشريعة عدل كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى خلافها، ومن العدل إلى الجور فليست من الدين ولو أدخلت على الدين بألف تأويل وتأويل.

طاعة الله عز وجل هي تحقيق مصلحة ذاتية :

 أخواننا الكرام؛ الشرع منهج خالق الأكوان، أي أنت بالبداهة الآلة لها صانع، الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، فانطلاقاً من حرصك على سلامتك وعلى سعادتك ينبغي أن تتبع منهج الصانع، وأنت بشكل طبيعي عفوي غير مقصود حينما تقتني آلة غالية جداً، نفعها عظيم، لها وظائف كثيرة في حياتك، أول شيء تقرأ تعليمات التشغيل، شيء طبيعي، أنت أعظم آلة في الكون، ولك خالق، ولهذا الخالق تعليمات، التعليمات بين يديك القرآن والسنة، الآن من منطلق نفعي بصراحة حرصاً على سلامتك وعلى سعادتك وعلى نجاحك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع.
 لذلك الطاعة لله عز وجل هي في الحقيقة تحقيق مصلحة ذاتية، الآن الله عز وجل يقول:

﴿ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا ﴾

[سورة المائدة: ٣]

 ما الفرق بين الإكمال والإتمام؟ العلماء قالوا: الإتمام عددي والإكمال نوعي، أي عدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً:

﴿ ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ ﴾

[سورة الأنعام: ٣٨]

 الآن طريقة المعالجة كاملة نوعاً:

﴿ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي﴾

 الإكمال نوعي، والإتمام عددي، العدد تام والمعالجة كاملة فأنت مع منهج خالق الأكوان.
 الآن أي قانون فيه تعديل والتعديل بعده تعديل وبعدها يلغى القانون يخرج قانون آخر هذا شان البشر، لكن خالق البشر كماله مطلق.

الدين توقيفي لا يضاف عليه ولا يحذف منه :

 الآن إضافة أية قضية للدين اتهام ضمني له بالنقص، وحذف أية قضية من الدين اتهام له بالزيادة، فالدين توقيفي، الدين توقيفي لا يضاف عليه ولا يحذف منه، لأنه من عند الخالق، وكمال الله مطلق، فلا يوجد مجال أن نلغي قضية، ولا أن نضيف قضية، الدين كماله مطلق.
 لكن يقول لك: التجديد في الدين، سؤال: المصطلح مطروق ومستعمل كثيراً الحقيقة الدقيقة أن التجديد في الدين يعني أن ننزع عن الدين كلما علق به مما ليس منه، يوجد بدمشق بناء قديم من العهد العثماني محطة الحجاز، لون الحجر أسود، جاءت شركة وضربت هذا الحجر بالرمل فعاد أبيض، نزعنا عن هذا الحجر الطبقة السوداء التي لحقته من دخان المركبات عبر مئة عام.
 فإذا قلت: تجديد في الدين أي أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا التجديد، أما نضيف موضوعاً مثلاً بيت نضيف غرفة لا يوجد، نحذف غرفة لا يوجد، لكن ممكن أن نجدد طلاءه، هذا مسموح، فالتجديد أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.

الابتداع للدنيا والتقليد للدين :

 الابتداع مطلوب في الدنيا لا في الدين، المشكلة أن بعض المسلمين ابتدعوا في الدين وقلدوا، في الدنيا الصواب هو العكس أن تقلد في الدين، الدين توقيفي وأن تبتدع في الدنيا حسن، طرق المواصلات حسن، المنشآت، أنشئ جامعات، أنشئ حدائق، يوجد مليون طريق للتحسين، فالابتداع للدنيا والتقليد للدين.
أخواننا الكرام؛ الأمة حينما تبتدع في دينها وتقلد في دنياها تغدو في مؤخرة الأمم، وهذا الشيء إن شاء الله يتغير من واقع المسلمين، بالدين يوجد ابتداع بدع لا تعد ولا تحصى، وهذه البدع ينبغي ألا نقبلها إطلاقاً، النبي الكريم في سيرته، عندنا قرآن، وعندنا تأويل قرآن، وعندنا نبي كريم له سنة قولية وسنة عملية وسنة إقرارية.
 مثلاً امرأة سمعها النبي في بيت أحد أصحابه اسمه أبو السائب توفاه الله، فالنبي زار هذا الصاحب بعد موته، فسمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً أما أنا إذا سكت فلا يعد سكوتي أن الذي تكلم أمامي كلامه صحيح، أما النبي فوحده لأن كلامه تشريع، وفعله تشريع، وإقراره تشريع، فهذه تقول: هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، فقال النبي الكريم: " ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم".
 هذا أدب مع الله، ليس من شأن العبد أن يحكم يقيناً على المستقبل، نرجو الله أن نكون من أهل الجنة، نرجو أما يقيناً فلا يوجد، فإذا إنسان قال عن شاب توفي هو في الجنة الآن غلطة كبيرة جداً، فعلى الإنسان المؤمن أن يتأدب مع الله عز وجل.
 أيها الأخوة؛ ينبغي أن ننفي عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، والله نحن أحياناً أمام ركام من البدع لا أصل لها:

(( فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ ، وكل بدْعَةٍ ضَلاَلَة وكل ضلالة في النار))

[مسلم والنسائي عن جابر]

 لكن أريد أن أوضح لكم توضيحا دقيقاً وخطيراً الابتداع في الدنيا لا يوجد به مشكلة إطلاقاً، إذا طورنا بيوتنا، طورنا وسائل النقل للأحسن، طورنا زراعتنا بأسمدة، مثلاً طورنا منشآتنا، طورنا اقتصادنا، طورنا حياتنا السياسية، لا يوجد مشكلة أبداً، فالتطوير مطلوب، معنى هذا أن الابتداع في الدنيا مطلوب. أما الابتداع في الدين فليس مطلوباً لأن الدين توقيفي، من عند الكامل، من عند الله.
 أيها الأخوة؛ للتقريب أحياناً نهر، في المنبع ماء عذب زلال، ماء صاف رقراق، تشتهي أن تشربه، اذهب إلى مصبه المياه سوداء، لأنه دخل على هذا النهر مجار مع كثرتها قلبت الماء، للتقريب الشيء بالبدايات صاف، أنا أتمنى أن نعود جميعاً إلى بدايات هذا الإسلام العظيم، إلى ينابيعه طبعاً.

على الإنسان ألا يقبل شيئاً من دون أدلة و براهين :

 هناك طوائف وملل وخرافات وأوهام، والله توجد كل خرافة تلقى في المساجد، كل خرافة، كل شطحة، كل كلام باطل، فأنا أتمنى من أعماقي - الدين خطير- ألا تقبل في الدين شيئاً إلا بالدليل، وألا ترفض إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ديننا دين أدلة، حرام، لماذا حرام؟ أين الدليل؟ حلال، لماذا حلال؟ أين الدليل؟ فلان قال، فلان ليس معه صلاحية ليشرع، فلان يحضر دليلاً، أي اعتبر هذه قاعدة: لا تقبل في دين الله شيئاً إلا بالدليل، ولا ترفض إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 كنت مرة عند المفتي في دمشق، و هو إنسان وقور، في بناء الأوقاف عشرة طوابق، فالشام كلها واضحة تماماً، فقال لي: كل هذه الأبنية في الشام ملكي لكن بلا دليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 عود نفسك أن يكون عندك منهج علمي، لا تقبل في دين الله شيئاً إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، والكلمة المشهورة: ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، فأنت طالب نفسك بالدليل، واطلب من الآخرين الدليل، لذلك أحياناً يكون هناك كتاب مدلّل، كتاب فقه مدلّل أي حرام لقوله تعالى، حلال لقوله تعالى، هذا الكتاب يعلمك الفقه، يوجد كتب أحكام فقط لا يعلمك شيئاً، الحكم مع دليله، ويوجد كتب المؤلفون نجحوا فيها بالأدلة، فأنت عندما تقرأ الحكم مع الدليل ينشأ عندك فكر فقهي، فأنت حاول ألا تتقبل العلم من دون أدلة، جزاك الله خيراً على هذا التوجيه لكن ما دليلك؟ يوجد آية تؤكدها، حديث، فعل صحابي مثلاً، بأدب طبعاً، ممكن أن تكون مؤدباً إلى أقصى درجة لكن لا تقبل شيئاً من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل، والدليل هو الأصل في هذا الدين.

الإنسان علمه يتنامى باستمرار بينما صنع الله كامل لا يضاف عليه :

 أخواننا الكرام؛ الإنسان أحياناً يطور حياته، لأنه بالأساس خبرته متواضعة، تتنامى صنعة الإنسان، تحتاج إلى تطوير، أنت الآن سيارة مصنوعة عام ألف و تسعمئة وواحد، العجلات ليس فيها هواء، المحرك له حركة واحدة، المصابيح يجب أن تشعل الكبريت، شيء قديم جداً، أنت وازن بين سيارة مصنوعة 1901 و2012 مسافة كبيرة جداً، فالإنسان يتنامى لأنه إنسان، علمه يتنامى، لكن خالق الأكوان لا يتنامى، الدين لا يضاف عليه، حق كامل، أي صناعة تتطور، هل يوجد أي إنسان مثلاً طرأ عليه زيادات؟ لا يوجد، الإنسان من أصل خلقه كامل كمالاً مطلقاً، هذا صنع الله عز وجل.
 أي الإنسان بالدين يجب أن يكون واعياً، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، آخر كلمة ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS