611
ندوات تلفزيونية - قناة الرسالة – على هدى - الحلقة ( 25- 42 ) : ومضات من سورة العصر - الزمن.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2013-08-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الوقت هو أخطر شيء في حياتنا :

 سورة قال عنها الإمام الشافعي: " لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم "، وكان أصحاب النبي صلى الهم عليه وسلم إذا التقوا لا يتفرقون إلا على هذه السورة، كأنها جامعة مانعة، هي سورة العصر، الله جلّ جلاله يقسم بالعصر، فقال:

﴿وَالعَصرِ﴾

[سورة العصر: ١]

 الواو هي واو القسم، لماذا؟ ليلفت نظرنا إلى أن أخطر شيء في حياتنا الوقت.
 وللإمام التابعي الجليل الحسن البصري تعريف للإنسان، ما وجدت تعريفاً أدق منه، قال: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 أنت بضعة أيام لك أن تقول، أو مجموع ساعات، أو دقائق، أو ثوان، وانظر إلى عقرب الساعة، أية حركة يتحركها هذا، هذه الحركة نقصان من عمرك، لأن النهاية الأخيرة ثابتة، يوجد نهاية ثابتة وأنت متحرك نحوها، إذاً أي دقيقة، أي ثانية، أي ساعة، أي يوم، أي أسبوع، أي شهر، أي سنة، كلما انقضت انقضى بضع منك، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، فأنت زمن أو أثمن شيء تملكه هو الزمن.
 أيها الأخوة؛ الله عز وجل قال:

﴿وَالعَصرِ﴾

  لكن قبل أن أذكر شرح هذه الآية لابد من وقفة متأنية حول الزمن.

الإنسان خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه :

 النقطة إذا حركناها رسمت خطاً، الخط إذا حركناه رسم سطحاً، السطح إذا حركناه شكل حجماً، الحجم شيء له طول وعرض وارتفاع، أي له أبعاد ثلاثة، فإذا حركنا هذا الحجم شكل زمناً، لذلك قالوا: الزمن هو البعد الرابع للأشياء، أو هو مقياس نقيس به الشيء المتحرك أو الشيء المتغير، لو نبتة تنمو تتغير من فسيلة إلى أكبر إلى أكبر إلى شجرة، فالشيء المتغير أو الشيء المتحرك يقاس بالزمن، أو هو البعد الرابع للأشياء، ولأنك أيها الإنسان زمن- بتعريف الإمام الحسن البصري- لأنك أيها الإنسان بضعة أيام، وكلما انقضى يوم انقضى بضع منك، أقسم الله لك أيها المخلوق الأول أقسم بحقيقتك قال:

﴿وَالعَصرِ﴾

  الآن ننتظر جواب القسم، الله عز وجل هو الذي أقسم، العصر مقسم به، جواب القسم..

﴿إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

[سورة العصر: ٢]

 إلهنا ربنا خالقنا يقسم لنا أننا خاسرون، قال بعض العلماء: خاسرون بمعنى أن مضي الزمن وحده يستهلكنا:

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

[سورة العصر: ١-٢]

 هذا الوقت يمضي شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا، الزمن لا يتوقف، فالإنسان خاسر لأن الزمن لا يرجع إلى الوراء، والزمن لا يمكن أن تستعيده.

كيفية إنفاق الوقت :

 لكن السؤال هذا الزمن الذي هو أنت، هذا الزمن هو أثمن ما تملك، هذا الزمن الذي هو رأس مالك كيف تنفقه؟
 النقطة الدقيقة هذا الزمن إما أن تنفقه إنفاقاً استهلاكياً كشأن معظم الناس في الأرض، أو أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، معك مبلغ تنفق من هذا المبلغ، هذا المبلغ رأس مالك بعد حين ينتهي، أما إذا تاجرت بهذا المبلغ وأنفقت الأرباح فالمبلغ ثابت، فالبطولة لا أن تنفق من مكوناتك أيها الإنسان بل من مدخراتك، من أرباحك، قال تعالى:

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

  الخسارة مضي الزمن وحده يستهلكك، لأنك بضعة أيام، وكلما انقضى يوم انقضى بضع منك، فأنت زمن، أي كلما أمشي في الطريق أقرأ نعوة، أقول هذه الحكمة: اعلم أيها الإنسان أن ملك الموت قد تخطاك إلى غيرك، إذا قرأت نعوة فاعلم يقيناً أن ملك الموت قد تخطاك إلى غيرك وسيتخطى غيرك إليك.
 الإنسان يقرأ كل يوم عدة نعوات، لكن في أحد الأيام لابد من أن يقرأ الناس نعوته، من بيت إلى قبر، من حرية حركة إلى حساب دقيق، لم أنفقت هذا المال؟ لم أخذت هذا المال؟ لم طلقت زوجتك؟

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجمَعينَ*عَمّا كانوا يَعمَلونَ﴾

[سورة الحجر: ٩٢-٩٣]

 ولا أرى إنساناً أكثر بطولة ممن يعد لله عز وجل جواباً عن كل سؤال،

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسأَلَنَّهُم أَجمَعينَ*عَمّا كانوا يَعمَلونَ﴾

،

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ﴾

 جواب القسم من خالق الإنسان أنت خاسر لأنك زمن، ومضي الزمن وحده يستهلكك.

أركان النجاة :

﴿إِلَّا ﴾

 إن رحمة الله في إلا في هذا الاستثناء، ما بعد إلا أربعة اركان، هي أركان النجاة، بإمكانك أن تنجو من الخسارة بهذه الأركان الأربعة،

﴿إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ِ﴾

  الإيمان الحقيقي هذا الإيمان الذي سمعته ممن حولك وأنت صغير، هذا لا يسمى إيماناً لأن الله عز وجل لم يقل فقل لا إله إلا الله، قال:

﴿فَاعلَم أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[سورة محمد: ١٩]

 العلم يحتاج إلى بحث، وإلى درس، وإلى دليل، وإلى شاهد، وإلى يقين.
 أخواننا الكرام؛ الإنسان أمام مقولات عدة: يوجد مقولة وهم أي احتمال صوابها ثلاثون بالمئة، يوجد مقولة شك احتمال صوابها خمسون بالمئة، يوجد ظن احتمال صوابه سبعون بالمئة، يوجد غلبة ظن احتمال صوابها تسعون بالمئة، يوجد قطع يقين هذا المعول عليه، لا تقبل شيئاً إلا يقيناً:

﴿كَلّا لَو تَعلَمونَ عِلمَ اليَقينِ*لَتَرَوُنَّ الجَحيمَ﴾

[سورة التكاثر: ٥-٦]

﴿ عِلمَ اليَقينِ ﴾

  لو أن إنساناً لا سمح الله ولا قدر يركب مركبة بطريق هابطة، والهبوط والميلان شديد جداً، وهذه الطريق الهابطة تنتهي بمنعطف حاد، والمكابح تعطلت، ماذا يقول قائد هذه المركبة؟ يقول لك: انتهينا، متنا، لم يمت بعد لكن الموت محقق، أصبح سرعة متزايدة وحادة، وينتهي الطريق بمنعطف حاد لا يمكن لهذه المركبة أن تدار مع هذا المنعطف.

بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :

 أيها الأخوة البطولة أن تعيش المستقبل، لأن معظم الناس يعيشون الماضي والحاضر أما المستقبل فيوجد به حدث خطير اسمه المغادرة.
 ببعض الدول ذات الدخل الوفير إذا إنسان له عقد في هذه الدولة أحياناً يكتب على جوازه: خروج بلا عودة، ينخلع قلبه لهذه العبارة، ونحن جميعاً بلا استثناء لابد من يوم فيه خروج بلا عودة، إلى القبر.
 أي الإنسان يدخل إلى بيته ويخرج مئات المرات، يدخل قائماً ويخرج قائماً إلا في يوم واحد يخرج أفقياً في نعش، لذلك صلِّ - كما قرأت مرة في المغرب لافتة على محل تجاري- صلِّ قبل أن يصلى عليك، لابد من أن تدخل المسجد في النهاية، لكن أحياناً ليصلى عليك، فالبطولة أن تصلي قبل أن يصلى عليك.
 فأنت يجب أن تشعر بالوقت، أنت زمن، وأثمن شيء في هذا الزمن أن ينفق إنفاقاً استثمارياً لا إنفاقاً استهلاكياً، كيف ينفق إنفاقاً استثمارياً؟ حينما تفعل في هذا الزمن الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن، إذا فعلت شيئاً في هذا الزمن الذي سينقضي ينفعك بعد انقضاء الزمن هذا العمل استثمار، أما إذا فعلت شيئاً ليس له أثر مستقبلي، أكلت طعاماً نفيساً، سافرت تمتعت بجمال الطبيعة، كل متع الأرض تنتهي، متع مؤقتة، فالبطولة أن تأتي إلى الدنيا، وأن تعد ثمن الآخرة، هذا هو الذكاء، هذا هو العقل، هذا هو النجاح، هذا هو الفلاح، هذا هو التفوق:

﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ فَقَد فازَ فَوزًا عَظيمًا﴾

[سورة الأحزاب: ٧١]

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ*إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

أصل الدين معرفة الله عز وجل :

 سؤال؛ قد يكون هناك إحراج متى آمنت؟ عن أي عالم أخذت العلم؟ ما الكتاب الذي قرأت؟ ما المعهد الشرعي الذي انتسبت إليه؟ كيف أصبحت عالماً؟ أي الإنسان لا يرضى عن دخله أبداً لكن ما رأيت واحداً من الناس إلا وهو راض عن عقله، وعن طريقة فهمه للأشياء، لابد من أن تطلب العلم، وقيل: من لم يأخذ العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، لابد من طلب العلم، من أنت؟ لماذا أنت في الدنيا؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا يوجد يوم القيامة من أحداث؟ أين كنت قبل أن تولد؟ أسئلة كبيرة هذه معالم الدين، هذه كليات الدين، لا بد من أن تعرفها.
 لذلك أيها الأخوة،

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ*إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

  لابد من أن تقتطع من قتك الثمن وقتاً لمعرفة الله، أصل الدين معرفة الله، لابد من أن تقتطع من وقتك الثمن وقتاً لمعرفة الله، مجلس العلم تحضر أو لا تحضر، الأمر غير ذلك، كيف أن وجبات الطعام لابد من أن تأكل كل يوم ثلاث وجبات، يمكن شراء وردة موضوع استثنائي تشتري أو لا تشتري، أما تناول الطعام فرض لبقائك حياً، فإذا علمت يقيناً أن طلب العلم فرض لابد منه من أجل أن تتحرك وفق منهج الله، من أجل أن تنطلق بنور الله، من أجل أن تعرف الحلال والحرام، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز، من أجل أن تعرف موقعك من الدين، موقعك من مرضاة الله عز وجل، من أجل أن تعرف على ماذا أنت قادم، لذلك،

﴿ إِلَّا الَّذينَ آمَنوا ﴾

  والإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً، لأن إبليس قال:

﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعينَ﴾

[سورة ص: ٨٢]

 إبليس آمن بعزة الله وبالآخرة قال:

﴿قالَ أَنظِرني إِلى يَومِ يُبعَثونَ﴾

[سورة الأعراف: ١٤]

 ومع ذلك هو إبليس، لكن ماذا قال الله عز وجل؟

﴿وَأَمّا مَن أوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقولُ يا لَيتَني لَم أوتَ كِتابِيَه*وَلَم أَدرِ ما حِسابِيَه*يا لَيتَها كانَتِ القاضِيَةَ*ما أَغنى عَنّي مالِيَه*هَلَكَ عَنّي سُلطانِيَه*خُذوهُ فَغُلّوهُ*ثُمَّ الجَحيمَ صَلّوهُ*ثُمَّ في سِلسِلَةٍ ذَرعُها سَبعونَ ذِراعًا فَاسلُكوهُ﴾

[سورة الحاقة: ٢٥-٣٢]

 دقق:

﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤمِنُ بِاللَّهِ العَظيمِ﴾

[سورة الحاقة: ٣٣]

 إبليس آمن بالله لكن ما آمن به عظيماً، فأنت إذا تفكرت في خلق السموات والأرض من أجل أن تؤمن بالله عظيماً، والتفكر في خلق السموات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله وأقصر طريق إلى الله.
 يوجد بالقرآن ألف و ثلاثمئة آية كونية تتحدث عن الكون والإنسان والحياة، فلابد من أن تتفكر في هذه الآيات، من أجل أن تعرفه، أي إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فتفننت في معصية الآمر.
 المشكلة الكبرى أن معظم المسلمين خلال دراساتهم وانتماءهم للمدارس تعلموا الحلال والحرام، والفرائض والسنن والواجبات، لكن أن تعرف الله، أن تعرف من هو الآمر، أن تعرف من هو الإله العظيم الذي أمرني، وماذا يعني أنه أمرني؟ وماذا يعني أنه نهاني؟ وماذا أعد لي بعد الموت؟ وماذا ينتظرني من مكافأة إذا أطعته؟ وماذا ينتظر العاصي إذا عصاه؟ هذه حقائق كبرى لابد من أن تعلمها علم اليقين.

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعرف ومع من تعلم :

 أيها الأخوة الكرام؛

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ*إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

 الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعرف ومع من تعلم، أما فرض الكفاية فهذا الفرض يحتاج إلى تبحر وتعمق وتفرغ، هذا الفرض إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما فرض العين فعلى كل واحد منكم أن يتعلم وأن يعلم.

﴿ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

 هنا الصبر أن تصبروا على طلب العلم، وتصبروا على تنفيذ ما تعلمتم، تطبيق ما تعلمتم، وتصبروا على الدعوة إلى الله عز وجل في حدود ما تعلمون.
 الصبر على الثلاثة: الطلب، والتطبيق، والدعوة، فهذه السورة على قصرها سورة أصل في حياة الإنسان:

﴿وَالعَصرِ*إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسرٍ*إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

[سورة العصر: ١-٣]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS