1692
ندوات تلفزيونية - قناة ندى – ويتفكرون2 - الحلقة الرابعة : علم النفس الإسلامي1 - النفس المطمئنة - النفس الزكية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-01-04
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي أخواتي؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا: " ويتفكرون " نستضيف فيها كالمعتاد فضيلة أستاذنا وشيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 شيخنا الفاضل حينما نقرأ في كتاب الله نقرأ آيات من نحو قوله تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة يونس: 101 ]

 نقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

[ سورة الطارق: 5]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس: 24 ]

 أليس هذا أمراً؟

العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

الدكتور راتب :
 بارك الله بك على هذا السؤال، هذا مهم جداً، أنا متألم أشدّ الألم من فهم عدد ليس بالقليل من المسلمين أن الدين صلاة وصوم وحج وزكاة، هذه عبادات شعائرية، هذه العبادة الشعائرية لا وزن لها، ولا قيمة لها، ولا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، التعاملية عندما سأل النجاشي سيدنا جعفر وقال له: حدثني عن هذا الدين؟ قال له:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا..))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 الآن قائمة بالعبادة التعاملية:

((.. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 والعبادة التعاملية إن لم تصح لا تصح العبادة الشعائرية، فالمسلمون حينما أهملوا العبادة التعاملية واكتفوا بالعبادة الشعائرية لم تحقق لهم كل وعود الله بالنصر، شيء خطير جداً يوجد عبادة تعاملية وشعائرية، الشعائرية وحدها لا قيمة لها، أو لا مردود لها، أو لا جدوى منها، أما التعاملية فإن حدثكَ فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوتهُ فهو عفيف، هذا المؤمن إذا لم يكن هناك فرق جوهري بين المؤمن وغير المؤمن صار الإيمان شيئاً شكلياً، تجد هناك فرقاً بين أنواع الذهب، والذهب غير المعدن الخسيس.
الدكتور بلال:
 سيدي قال تعالى:

﴿ قُلِ انْظُرُوا ﴾

[ سورة يونس: 101 ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الطارق: 5]

 هذه أوامر لا بد أن ننتبه لها؟

كلّ أمرٍ في القرآن يقتضي الوجوب :

الدكتور راتب :
 كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، النقطة الدقيقة جداً جداً أننا نفهم الأوامر شعائرية، أما أي أمرٍ في القرآن الكريم فيقتضي الوجوب، فأنت مكلف بعشرات ألوف الأوامر، غض البصر أمر، الصدق أمر، أداء الأمانة أمر، فكلما كان المؤمن قريباً من الله، وقرأ القرآن الكريم، يأخذ الأوامر يعتني بها، يحاول أن يطبقها، ويشاهد أثر تطبيقها.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل اسمحوا لي في هذا اللقاء الطيب أن نتناول وأن نتفكر معاً في موضوع النفس الإنسانية، ذلك أنه اليوم هناك مصطلح علم النفس، ويقبل الناس على قراءة علم النفس من مصادر كثيرة بعضها غربية وبعضها عربية، هل هناك علم نفس إسلامي؟

النفس عند المؤمن و غير المؤمن :

الدكتور راتب :
 هناك ملمح سلبي خطير جداً، النفس في دراسات الأجانب الأصل فيها ما عرفت ربها، يعتبرون كل صفات النفس السلبية جزءاً من طبيعتها، أما نحن بحياتنا الدينية فيوجد عندنا نفس زكاها الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[ سورة الشمس:9-10]

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8 ]

 أي أكبر خصيصة لهذه النفس أنها إذا فجرت تعلم ذاتياً أنها فجرت، وإن أحسنت تعلم ذاتياً أنها أحسنت، فهناك وازع داخلي هذه الفطرة، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم: 30]

 أنت مبرمج، أو مولف وفق منهج الله، وأي أمر الله أمرك به برمجك ولفك فطرك على محبته، وأي أمر الله عز وجل نهاك عنه برمجك ولفك فطرك على كراهيته، والدليل قوله تعالى:

﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات: 7]

 لذلك ألم العاصي يأتي من فطرته.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل هذا الكلام الذي تتفضلون به عن النفس في القرآن الكريم، ونفس وما سواها كيف ألهمها فجورها؟ كيف ألهمها تقواها؟ نستطيع أن نقول: إن علم النفس هو علم نفس إسلامي من القرآن؟

صفات النفس كثيرة جداً :

الدكتور راتب :
 والله أنا الذي أسعد به كثيراً أن ينشأ فرع من فروع علم النفس الإسلامي، علم نفس إسلامي لو أخذنا صفات النفس البشرية في القرآن الكريم، النفس قبل أن تعرف الله، النفس بعد أن عرفته، النفس التائبة، اللوامة، الزكية، هناك صفات للنفس كثيرة جداً، هذه كلها كل نفس نموذج بشري.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل نستعرض بعض هذه الصفات نبدأ بقوله تعالى:

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾

[سورة الفجر : 27]

 ما النفس المطمئنة؟

تعريف النفس المطمئنة :

الدكتور راتب :
 أطاعت ربها، عرفت ربها فأطاعته، واستقامت على أمره، وأحسنت إلى خلقه، الله عز وجل كافأها بحالة من السكينة، يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، يتجلى الله عز وجل على نفس المؤمن الطاهرة المستقيمة بالسكينة، السكينة أكبر عطاء إلهي، ممكن أن يذوق إنسان السكينة في بطن حوت؟ قال تعالى:

﴿ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَن لا إِلهَ إِلّا أَنتَ سُبحانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ* فَاستَجَبنا لَهُ ﴾

[‏ سورة الأنبياء: ٨٧-٨٨]

 في بطن حوت، سيدنا إبراهيم رآها في النار، بأي مكان، بأي زمان، بأي ظرف، بأي شدة، إذا كنت مع الله كان الله معك، كن مـع الله ترّ الله معك، لذلك عندنا معية عامة قال تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 معية علم فقط، الله مع الكافر، مع الملحد، أما حينما قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 يا الله يمكن أكبر عطاء إلهي أن يكون الله معك، معك بالتوفيق، معك بالتيسير، معك بالسعادة، معك بإصابة الهدف، معك بالقول السديد، معك بالموقف الحكيم، معك بالتألق، معك بالصبر، معك بالحلم، هذه كلها كمالات.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل هذه النفس المطمئنة، أيضاً في القرآن الكريم:

﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾

[سورة الكهف: 74]

 وفي آية أخرى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس:9]

 ما النفس الزكية؟

النفس الزكية :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن هذه النفس بتعبير دقيق هي حيادية، هي الفطرة، لكنها جبلت على حبّ الكمال، محبة الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تكون كاملاً صبغة، قال تعالى:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة :138 ]

 أن تكون على الفكرة تحب الصدق، تحب الأمانة، حتى كطرفة اللصوص إذا سرقوا مبلغاً يقول له: اقسم بالعدل، رغم أنهم سارقون، هذه فطرة بالإنسان، والإنسان يحب العدل، لذلك عظمة هذا الدين أنه يتطابق تطابقاً مذهلاً مع فطرة الإنسان، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ﴾

[ سورة الروم: 30]

الدكتور بلال:
 إذاً التزكية أو النفس الزكية أن أنقلها من الفطرة إلى الصبغة، هذه التزكية؟

التزكية هي ثمن الجنة :

الدكتور راتب :
 أنت تحب الصدق بصرف النظر عن أن يكون الإنسان صادقاً، يحب الأمانة، محبة الكمال فطرة، أن تكون كاملاً صبغة، المحبة فطرة، التجسد بهذه الصفة صبغة.
الدكتور بلال:
 ومهمتي أن أزكي نفسي.
الدكتور راتب :
 الحقيقة أن التزكية هي ثمن الجنة، الحقيقة قد أنجح بجمع المال فقط، نجاح أحادي، أنجح بشراء بيت فخم، أنجح بمنصب رفيع، أنجح بشراء سيارة فارهة، أنجح، أما الفلاح فهو نجاح شمولي، أن تنجح في علاقتك مع الله، معرفة وطاعة وتقرباً واتصالاً، أن تنجح في بيتك مع زوجتك، مع أولادك، أن تنجح كأب رحيم، كزوج حكيم، كربّ أسرة عادل، عادل بين أولادك، هذا نجاح أسري، أن تنجح في عملك، بإتقانه، وتطويره، وتحسينه، يكون له نفع كبير، أن تنجح مع صحتك، فالنجاح مع الله جانب، في البيت جانب، في العمل جانب، مع الصحة جانب، هذه النجاحات المتعددة والمتكاملة انقلبت إلى فلاح، قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 أي حقق الهدف من وجوده.
الدكتور بلال:
 القرآن الكريم دائماً يتحدث عن الفلاح، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾

[ سورة الشمس:9]

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 جزاكم الله خيراً أستاذنا الفاضل، حقيقة موضوع علم النفس الإسلامي موضوع عريض إن صح التعبير.
الدكتور راتب :
 والله هذا طموحي أن يكون هناك علم نفس إسلامي يتناول النفس البشرية من خلال الآيات القرآنية.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 وأفضل أن نعود له في حلقة قادمة لأن هناك أنواعاً أخرى للنفس ذكرها القرآن الكريم نعلق عليها، جزاكم الله، وأحسن إليكم، وأنتم أخوتي الأكارم في نهاية هذه اللقاء بعد أن أشكر فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي على ما أفاد وأجاد فجزاه الله عنا كل خير، أشكر لكم حسن المتابعة، راجياً الله تعالى أن تكونوا في أحسن حال مع الله عز وجل، ومع خلقه، إلى الملتقى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS