694
ندوات تلفزيونية - قناة ندى – ويتفكرون2 - الحلقة الرابعة عشرة : القراءة الرابعة : عدوان وإذعان - العصور على مر الزمن - عصر مبادئ - عصر أشخاص - عصر أشياء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-01-14
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور بلال:
 يا ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، أخوتي أخواتي أينما كنتم بتحية الإسلام أحييكم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن معاً في حلقة جديدة من برنامجنا:"ويتفكرون"، نتابع فيه تفكرنا في آيات الله عز وجل الكونية، و التكوينية، والقرآنية، يصحبنا في هذه الرحلة الماتعة الأنفس وفي الآفاق نستضيف في هذه الحلقات المباركة فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 سيدي في الحلقة السابقة تحدثنا عن قراءات الكون، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

[ سورة العلق: 1]

 قراءة بحث وإيمان..

قراءات الكون :

الدكتور راتب :
 قراءة بحث وإيمان، قراءة شكر وعرفان، قراءة وحي وإذعان..بقي قراءة رابعة قراءة عدوان وطغيان، أي الأسلحة الفتاكة، القنابل الذكية، الحارقة، الخارقة، الجرثومية، الكيماوية، الصواريخ العابرة للقارات، القنبلة الذكية، هذه كلها أسلحة فتاكة، و وراء هذه الأسلحة عقول كبيرة عملاقة، هذه القراءة الرابعة قراءة عدوان وطغيان.
 الحقيقة هناك تنافس على ثروات الأرض، تنافس على مراكز القوى، مناطق النفوذ، فهناك حرب لا علاقة لها بالدين إطلاقاً، علاقتها بالمصالح، والإنسان بين المبادئ والمصالح، إما أن يبحث عن مبدأ، والمبادئ تجمعنا، والمصالح تفرقنا، فلذلك كل ما يجري في الأرض في رأي العقلاء بعدهم عن مناهج الله، لأن هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى، أنا أجمعها كلها بكلمة واحدة هي: أعراض الإعراض عن الله، العدوان، والطغيان، والكذب، والدجل، والنفاق، والقسوة البالغة، والحروب التي لا تنتهي.
 مصالح الإنسان البعيد عن الله مصالح مادية، والمصالح المادية تحتاج إلى منازعات، فلا بد من منازعة من أجل مناطق النفوذ، والثروات الطبيعية، والبترول، وما إلى ذلك، فنحن نعيش عصر مصالح.

العصور على مرّ الزمان ثلاثة هي :

1 ـ عصر المبادئ :

 يوجد عندنا عصر مبادئ، سيدنا عمر جاءه ملك الغساسنة مسلماً، رحب به ترحيباً شديداً، في أثناء طوافه حول الكعبة داس بدويٌّ من فزارة طرف ردائه، فانخلع رداؤه عن كتفه، فالتفت إلى هذا الأعرابي من فزارة، و ضربه ضربة هشمت أنفه، هذا الأعرابي اشتكى إلى سيدنا عمر، تصور خليفة المسلمين أمامه ملك جبلة بن الأيهم، وأمامه أعرابي من عامة الناس، بتعبير معاصر من سوقتهم، من دهمائهم، فجرى حوار بين سيدنا عمر وبين هذا الملك الغساني الذي ضرب أعرابياً هشم أنفه، صاغ هذا الحوار شاعر معاصر توفي قبل سنوات، قال له: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي. فقال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، و تنال ما فعلته كفك. قال: كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة، وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً. فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. فقال عمر: عنق المرتد بالسيف يحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذه القصيدة تمثل عصر المبادئ، وكأن الإسلام في عصوره المتتالية مرّ بعصر مبادئ؛ عصر الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين.

2 ـ عصر الأشخاص :

 ثم عصر أشخاص، هارون الرشيد، صلاح الدين الأيوبي، إلى آخره.
 لكن أذكر لقطة رائعة جداً، سيدنا صلاح الدين الأيوبي الذي قهر سبعة وعشرين جيشاً أوروبياً، له أخ قال له: لو أبرزت كرديتك؟ قال له: والله لولا أنك أخي لقتلتك.
الدكتور بلال:
 كان يقاتل من أجل الإسلام.
الدكتور راتب :
 أنا مسلم وكفى، ولا أزيد على إسلامي شيئاً، معنى ذلك أن النزعات الطائفية والعنصرية والإقليمية هذا شيء يشرذم الإسلام، الإسلام يجمع المسلمين جميعاً بمقياس واحد، بمعيار واحد، لا فضل لعربي على أجنبي إلا بالتقوى.
الدكتور بلال:
 سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي..
الدكتور راتب :

((... سلمان منَّا أهل البيت ))

[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]

 سلمان فارسي، صهيب رومي:

(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))

[ كنز العمال عن عمر]

 أما القرشي فقد قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾

[ سورة المسد: 1-2 ]

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 سيدنا الصديق عندما اشترى سيدنا بلالاً من سيده، أراد سيدُ بلالٍ أن يهين بلالاً، قال له: والله لو دفعت به درهماً واحداً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت مئة ألف درهم لدفعتها لك، وضع يده تحت إبطه- سيدنا الصديق من أكبر رجالات قريش- وقال: هذا أخي حقاً. هذا الإسلام.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل قلتم: هناك عصر مبادئ وعصر أشخاص والثالث؟

3 ـ عصر الأشياء :

الدكتور راتب :
 عصر أشياء، قيمة المرء متاعه، يستمد الآن الإنسان مكانته من نوع سيارته، لا يكفي النوع بالرقم، يوجد ثمانون، ويوجد مئة وثمانون، و يوجد ستمئة، يستمد مكانته من سيارته ورمز سيارته، من مساحة بيته، من منصبه، من حجمه المالي، فلذلك أكبر غني بالعالم الذي ترك آبل، ترك سبعمئة مليار، هو على فراش الموت قال: هذا الرقم لا يعنيني شيئاً.
الدكتور بلال:
 أشياء لا قيمة لها.
الدكتور راتب :
 لكن هو رأى أن العلاقة الإنسانية أرقى من كل هذه الثروة.
 مثل آخر؛ عندما أنشئ جسر اسطنبول الأول ربط بين قارتين، الذي صممه مهندس ياباني عملاق في الهندسة، أثناء افتتاح الجسر، وقص الشريط، هذا المهندس الكبير الذي صمم هذا الجسر ألقى بنفسه في البوسفور، شيء غريب جداً، ذهبوا إلى غرفته في الشيراتون، كتب ورقة: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت.

السعادة المستمرة لا تكون إلا في الآخرة :

 معنى ذلك أن الإنسان إذا كان بلا هدف الحياة مملة، الحياة رتيبة، الحياة لا معنى لها، وأنا أقول كلمة لحكمة بالغة بالغة بالغة الله عز وجل لم يسمح للدنيا أن تمدنا بسعادة مستمرة بل متناقصة، أما السعادة المستمرة والصاعدة فهي في الآخرة، لذلك أنا أقول: الإنسان له خط بياني صاعد، ولد بعد حين مشى، بعد حين تكلم، بعد حين دخل الحضانة ثم الابتدائي فالمتوسط، فالثانوي، أخذ شهادة عليا، تعين في وظيفة مرموقة، تزوج، اشترى بيتاً، اشترى سيارة، خط صاعد، جاء الموت عاد إلى الصفر إلا المؤمن خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، لذلك:

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

مصير العدوان و الطغيان :

 إذاً القراءة الرابعة قراءة العدوان والطغيان هذا المصير، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* أرم ذَاتِ الْعِمَادِ *الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر: 6-8 ]

 تفوق في شتى المجالات مبدئياً، تفوق بنائي، قال تعالى:

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 128 ]

 وهناك تفوق صناعي:

﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

[ سورة الشعراء: 129 ]

 وتفوق عسكري:

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 130 ]

 وكان مع كل هذا التفوق غطرسة:

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 قال تعالى:

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾

[ سورة الفجر:11-12 ]

 لم يقل بلدهم في البلاد، أنا مرة قلت: أحياناً مؤسسة عسكرية تقصف، ومؤسسة للأفلام تفسد، بين القصف والإفساد، هؤلاء الأقوياء هكذا بين التفوق العسكري، التفوق يسمونه فناً أما هو فلإفساد البشرية، قال تعالى:

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾

[ سورة الفجر: 8 ]

 قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 يوجد ملمح دقيق جداً؛ ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا عاد حينما أهلكها قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل أيضاً قال تعالى:

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 38 ]

الدكتور راتب :
 متفوقون علمياً أيضاً.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 وهذه القراءة الرابعة في قوله تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[سورة العلق: 6-7 ]

 جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، وأنتم أخوتي بهذه القراءات الأربع ننهي حديثنا لهذا اليوم راجين الله تعالى أن نبقى على تواصل لنتابع معكم حديثنا وتفكرنا في آيات الله تعالى، إلى الملتقى نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS