1135
ندوات تلفزيونية - قناة ندى – ويتفكرون2 - الحلقة الخامسة عشرة : تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف للإيمان وتسخير تكريم للشكر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-01-15
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، أحمده تعالى وأستغفره، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ونستفتح معاً هذه الحلقة من برنامجنا: "ويتفكرون"، ونحن نبحر معكم في آيات الله عز وجل، نتفكر فيها لعلنا نصل إلى بارئنا، فنسعد بقربه في الدنيا والآخرة.
 نستضيف في هذه الحلقات المباركة فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل يحضرني اليوم آية كريمة تتعلق بالتفكر وهي قوله تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 فهذا الكون مسخر للإنسان ما معنى هذا التسخير؟ وكيف يمكن أن نستثمره في قضية التفكر؟

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

الدكتور راتب :
 أضيف لهذا الذي ذكرته قبل قليل تسخير تعريف وتكريم، أي شيء في الكون من دون استثناء له وظيفتان خطيرتان، الوظيفة الأولى تعريفية، والثانية نفعية، فأنت حينما ترى القمر تعظم خالقه، وتستمتع بنوره، تأخذ الفاكهة ترى شكلها، وطعمها، وحجمها، ورائحتها الرائعة، وتأكلها، هذا الكون مسخر لكل إنسان، والدليل قال تعالى:

﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

 كل ما في الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، أي شيء في الكون له وظيفتان كبيرتان، وظيفة تعريفية، ووظيفة تكريمية، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الهلال قال:

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[ أبو داود عن قتادة ]

 أي ننتفع بضوئه، وهو التقويم السماوي، وبآن واحد يرشدنا إلى الله عز وجل، أنت حينما تعيش حياتك الدنيا كل شيء، ابنك الصغير، البيت الذي تسكنه، الطعام الذي تأكله، الورود الذي تراها وتستمتع بها، المنظر الجميل، البحر، السماء، الأرض، كل ما في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، وهذا الكون مسخر تسخير تكريم وتعريف، فالتكريم الموقف الكامل من هذا التسخير أن تشكر، والتعريف أن تؤمن، فالإنسان إذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، والدليل قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 تسخير التعريف أن تؤمن، التكريم شكرت، فالإنسان تنتهي كل مشكلاته إذا عرف الله وشكره.

عظمة الإسلام أنه فردي و جماعي :

 النقطة الدقيقة جداً أن الإنسان إذا عرف الله وشكره سعد في الدنيا والآخرة، هذا يسمى الإسلام الفردي، الإسلام عظمته أنه إسلام فردي وجماعي، لو طبقه فرد واحد لقطف كل ثماره الفردية، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 دائماً وأبداً الإنسان إذا اصطلح مع الله تأتيه السكينة من الله، المكافأة الكبرى الأولى هذه السكينة، يسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، إذاً التسخير تسخير تعريف وتكريم، الموقف الكامل من تسخير التعريف أن نؤمن، والموقف الكامل من تسخير التكريم أن نشكر، فإذا آمنا وشكرنا حققنا الهدف من وجودنا، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية، والدليل قوله تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 تسخير التعريف آمنتم، والتكريم شكرتم، وانتهى الأمر، أما كأمة فهذا موضوع آخر، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 يا محمد ما دامت سنتك منهجك قائماً في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله، أي عندنا إسلام فردي وإسلام جماعي، فالمؤمن لا يعذر إذا قصر، عنده إسلام فردي، الإسلام الفردي ما حلقاته؟ الحلقة الأولى نفسه التي بين جنبيه، بيته، وعمله، فأقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، أقمت الإسلام في نفسك، أولاً العقيدة صحيحة، أديت الفرائض والسنن، عملت عملاً صالحاً، كنت أباً ناجحاً، كنت مدير مؤسسة ناجحاً، أو عالماً ناجحاً، أقمت الإسلام في نفسك أولاً، وفي بيتك ثانياً، وفي عملك ثالثاً، فهذا الإسلام عظمته فردي جماعي في آن واحد، لكن لو طبقته الأمة تنتصر.

الخالق لا يعذب أمة طبقت منهجه :

 بالمناسبة نحن عندنا صيغة نفي مثلاً تسأل إنساناً: هل أنت جائع؟ يقول لك: لا، لكن لو قلت له: هل أنت سارق؟ وهو إنسان محترم، لا يقول لك: لا، يقول لك: ما كان لي أن أسرق، أي هذا مستحيل، سماه علماء النحو نفي الشأن، نفي الحدث سهل، هل أنت جائع؟ لا، أما هل أنت سارق؟ فمعاذ الله، لا أقبل، ولا أغطي، ولا أسكت أبداً.
 بعض علماء البلاغة عدوا أكثر من عشرة أفعال تنفى بهذه العبارة، اسمع هذه الآية:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 ليس من شأن الله إطلاقاً أن يعذب أمةً تطبق منهج رسول الله، هذا منهج الخالق، والحقيقة نحن بحياتنا اليومية عندنا تعليمات الصانع، أي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، هي الجهة الخبيرة، أضرب مثلاً بسيطاً، أنت تقود مركبتك يوجد ضوء تألق في لوحة العدادات بلون أحمر، إن فهمت هذا الضوء إضاءة تزيينية للمركبة احترق المحرك، ودفعت مئة ألف، إن فهمته تحذيرياً أوقفت المركبة، وأضفت زيت، انتهت المشكلة، فالبطولة لا أن ندرك ما وقع، أن نفهم ما وقع، الفهم غير الرؤية، يوجد مأساة تعاني منها الأمة أين؟

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 فالإنسان إذا بحث عن العلة البعيدة، القريبة سهلة، أحياناً يحدث زلزال، لكن يوجد علة بعيدة، لذلك عندنا قاعدة أصولية: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، فالبطولة أن نبحث عن هذا الذنب، مثلاً شاحنة تحمل عشرين طناً، وصلت إلى جسر مكتوب عليه: أقصى حمولة عشرة أطنان، سائق الشاحنة الجاهل هل هناك شرطي يحاسبني! ليس موضوع شرطي هنا، الجسر لا يتحمل هذه الحمولة، تسقط معه في النهر.
الدكتور بلال:
 الجسر سوف يعاقبك.

ضرورة فهم الدين فهماً صحيحاً :

الدكتور راتب :
 أنت عندما تفهم الدين أنه عقاب من قبل الله فقط، لا، المعصية نفسها تعاقبك، العمل الطيب نفسه يكافئك، كل عمل طيب في بذور نتائجه وكل عمل سيئ في بذور نتائجه، هذه نسميها: علاقة علمية، لو فرضنا بيتاً يوجد له بابان، أعطى الأب توجيهاً لأولاده: هذا الأول للخروج والدخول، الثاني للضيوف، فجاء ابن دخل من باب الضيوف، عاقبه الأب، لكن لا يوجد علاقة علمية بين معاقبة الأب لابنه وبين عمل الابن، هو خرج من باب صنع للخروج، لكن المنع كان وضعياً، علاقة وضعية، أما لو وضع الابن يده على المدفأة المشتعلة فسوف تحترق، علاقة علمية، أنا حينما أفهم أن العلاقة بين أوامر الله وبين نتائجها علاقة علمية، وبين النهي الإلهي ونتائجه علاقة علمية حلت مشكلتي، إنسان يمشي في الطريق وجد لوحة مكتوب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز. هل يشعر أن هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامته؟ هذا هو فهم الدين الصحيح.
الدكتور بلال:
 سيدي تحدثتم عن تسخير الكون تسخير تعريف وتكريم، والذي يكتفي بالوظيفة النفعية وما أكثرهم فقط ينتفع بالكون.

ضرورة انتفاع المؤمن بالوظيفة النفعيّة و التعريفيّة :

الدكتور راتب :
 الغرب تفوق بشكل كبير في الوظيفة النفعية، وقصر في الوظيفة الثانية التعريفية، ونحن ينبغي أن نعترف بالوظيفتين؛ أن نستخرج الثروات، أن نحسن المواصلات، أن نحسن دخل المواطن، هذا شيء طبيعي جداً، لكن لا ننسى أن نتعرف على الله، وأن نخضع لمنهجه.
الدكتور بلال:
 أستاذنا الفاضل حتى الوظيفة النفعية بعض الناس يبقى في النفع في الطعام والشراب ولا ينتقل إلى الله عز وجل.

المؤمن مع المنعم دائماً :

الدكتور راتب :
 من الضروري أن تنتقل من النعمة إلى المنعم، قال تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 الحقيقة غير المؤمن يبقى في النعمة، المؤمن مع المنعم، هذا هو الحمد والشكر.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، وأنتم أخوتي المشاهدون، الشكر موصول إليكم لحسن متابعتكم، وطيب استماعكم، نلقاكم دائماً على خير، وندعو الله عز وجل لكم بالخيرات والمسرات والبركات، إلى الملتقى نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS