1221
ندوات إذاعية - إذاعة حياة الأردنية - حياة المسلم: الثبات عند الابتلاء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-12-12
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم أيها الأخوة والأخوات في حلقة جديدة مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله شيخنا وأستاذنا.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 حياكم الله يا دكتور، نتحدث عن الثبات عند الابتلاء، وهذه القضية التي تهز كثيراً من الأشخاص، هل هذه الفطرة؟ هل هذا هو الصواب أم العكس؟ وأبدأ بقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر:10 ]

 وأيضاً نقرأ من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))

[ مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 نبدأ دكتور لقاءنا بتوضيح مفهوم الابتلاء.

تعريف الابتلاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 الحقيقة الدقيقة أن القرآن الكريم ضرب الأمثال، وضرب المثل، أسلوب بلاغي رائع جداً، لو تصورنا أباً عالماً كبيراً، عنده ولد يحبه حباً جماً، وكأن هذا الأب العالم خطط لابنه أن يكون عالماً، فلا بد من دراسة متقنة، لا بد من تفوق في الدرجات، فإذا رأى ابنه قد لها وسها عن هذا الهدف الكبير ساق له بعض الشدائد، هذه الشدائد من أجل أن ترجعه إلى الصواب، إلى رسم مستقبل رائع، فحينما يكتشف الابن أهداف الأب الكبرى المنطوية على رحمة، وعلى اعتزاز بابنه، يذوب محبة على ما ساقه له من شدائد حينما كان صغيراً، هذه فلسفة المصيبة، وسميت مصيبة لأنها تصيب الهدف، إنسان شرد عن الله، تحرك بلا منهج، بلا مبدأ، اتبع شهوته، فكان الله يمكن أن يتركه كما هو إلى أن يستحق النار، لكن الله مربّ، اسمه رب العالمين، يسوق له بعض الشدائد ثم يرفعها عنه قليلاً، ثم يسخر من ينصحه بسلوك الطريق الصحيح، فإذا نجح هذا العمل الدوائي نجح هذا الابتلاء، يكون حقق هذا الإنسان المبتلى سعادة الدنيا والآخرة، إلا أن الله عز وجل علمنا أن علة وجودنا في الدنيا الابتلاء، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 و أنا أقول: البطولة دائماً لا أن تنجو من الابتلاء بل أن تنجح فيه، فحينما ترى يد الله الرحيمة العليمة الحكيمة تسوق لإنسان بعض الشدة، هذا من أجل السعادة، لذلك قال العلماء: الله عز وجل خافض رافع، لا يجوز أن نقول خافضاً فقط، يخفض ليرفع، ويذل ليعز، ويشفي ليداوي، هذه كلها أسماء متقابلة، لا يوجد شِدة إلا بعدها شَدة إلى الله، ما من شدة تصيب الأمة إلا بعدها شدَّة إلى الله تعالى، وما من حال الإنسان لا يحبه إلا وراءه خير كثير، هذا حسن الظن بالله، و حسن الظن بالله ثمن الجنة، تماماً كالأب الرحيم، يسوق لابنه الذي شرد عن الدراسة بعض الشدة..
 حدثني أخ كريم له أب عالم كبير، الأب ضغط على ابنه فتفوق في النجاح، بعدما كبر الابن وصار طبيباً كبيراً، كلما ذكر أبوه يذوب محبة له، على هذه الشدة التي ساقها له فحضه بها على الدراسة، فالله عز وجل أعطانا الحرية، لو أعطانا إياها بلا معالجة لهوى معظم الناس في النار، هذا يصيبه بمرض عضال، فإذا تاب إلى الله شفاه شفاءً تاماً، هذا بفقر، هذا بقلق، أنواع المصائب كلها هدفها واحد، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أحياناً شدة بسيطة تنقله من سلوك خاطئ إلى سلوك مستقيم.
المذيع:
 الله يفتح عليكم دكتور، هل يفهم من هذا الكلام أي كرب أو ابتلاء يصيب الإنسان علامة تأديب من ربه لأنه مقصر؟

الله عز وجل غني عن تعذيب البشر :

الدكتور راتب :
 القاعدة الأصولية في هذا الموضوع: ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، الله غني عن تعذيبنا، لو أن أهل الأرض جميعاً كفروا ما نقص في ملك الله شيء، الله غني كل الغنى عن تعذيبنا، ولكنه يحبنا، كيف الأب رحمته تغلب رغبته بسلامة ابنه، رحمته تغلب فيسوق له بعض الشدائد.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل أليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الله إذا أحبّ عبداً ابتلاه، ألا يختلف هذا المعنى مع هذا المعنى؟
الدكتور راتب :
 لا، لو أن إنساناً معه التهاب معدة حاد، وناتج عن تقرح بسيط، وهذا التقرح إذا خضع لحمية تامة لستة أشهر على الحليب فقط يشفى شفاء تاماً، فهذا المريض إذا قبِل نصح الطبيب بتناول الحليب فقط لأشهر عديدة يشفى شفاء تاماً، أما إذا لم يطبق هذه النصيحة فلابد من إجراء عملية جراحية، فبين أن يعالج الإنسان بحمية تامة أو بعمل جراحي.
المذيع:
 أستاذنا كل مصيبة تصيب الإنسان بسبب ذنب؟

وراء كل مصيبة حكمة من الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 الجواب الدقيق ما من مصيبة إلا وراءها حكمة من الله عز وجل، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها:

(( أشد الناس بلاء الأنبياء، وأنا أشدهم بلاء، ثم الأمثل فالأمثل ))

[ الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

المذيع:
 هذه الفكرة المسبقة عند الناس عندما أحد يبتلى معنى ذلك أنه فعل شيئاً.
الدكتور راتب :
 أكبر غلط، الله عز وجل يريد أن يكشف حقيقة هذا الإنسان يسوق له الفقر، لا يسرق، لا يغش، ساق له شدة، هذه الشدة رفعت مكانته عند الله.
المذيع:
 ماذا أريد بقوله تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 155]

 أي أن الله يريد أن يرى من يصبر ومن يكفر من العباد؟

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

الدكتور راتب :
 التمتع بالرخاء سهل، لكن أين البطولة؟ أين العقيدة الصحيحة؟ أين الإيمان القوي؟ يظهر عند الشدة، لذلك قالوا: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. أن ترضى عن مرض أصاب إنساناً، أن ترضى عن الله بفقر ألمّ بالإنسان، أن ترضى عن الله بمرض أصاب جسمه، هذا الرضا دليل معرفته بالله، كيف عندما أنت تمشي في الطريق ترى أباً مهماً يضرب ابنه، أنت تعرف من الأب؟ كتلة رحمة لأولاده، معنى هذا أنه رأى من ابنه خطأ كبيراً حتى استحق هذا الضرب، الضرب أحياناً ينطلق من رحمة، لو أنه وجد مع ابنه مالاً ليس له، بداية خطأ كبير حتى لا يتفاقم عاقبه، هذا العقاب عقاب ردعي، الله عز وجل يسوق لعباده بعض الشدائد ليردعهم عن طريق مغلوط، يسوق لهم بعض الشدائد ليرقى بهم، قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

 هذه الآية أصل بالموضوع، نذيقهم عذاباً أي مرضاً، فقراً، قلقاً، دون العذاب الأكبر أي النار، الإنسان إذا رجع إلى الله يكون قد حقق الهدف الحقيقي من مراد الله.
المذيع:
 أستاذنا هذه الفكرة تعني أن البلاء حكمة من الله.
الدكتور راتب :

(( أشد الناس بلاء الأنبياء، وأنا أشدهم بلاء، ثم الأمثل فالأمثل ))

[ الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

المذيع:
 ويبتلى الرجل على حسب دينه، ما الذي يفترض أن أفهمه من الابتلاء هل هو امتحان من الله لمستوى إيمان الفرد؟

أفعال الله عز وجل لها أهداف عديدة :

الدكتور راتب :
 لا، الحقيقة أفعال الله عز وجل لا يمكن أن تحدد بهدف واحد، بل بأهداف عديدة، أول شيء امتحنه فصبر، ثانياً: نقل له حقيقة دقيقة أن الصحة ثمينة جداً، لكل واحد منا لو لم يكن هناك مرض إطلاقاً قد لا ينتبه لقيمة الصحة، أما مرض واحد فيشعره أن الصحة شيء ثمين جداً لا يقدر بثمن.
 سأقول كلمة للأخوة المستمعين؛ أول نعمة نعمة الهدى أنك عرفت الله، عرفت أن هناك جنة وهناك ناراً، عرفت أن هناك حلالاً وهناك حراماً، واجباً وسنة، نعمة الهدى أعظم نعمة على الإطلاق تأتي بعدها نعمة الصحة، الإنسان إذا كان صحيح الجسم أي شيء يسعده، وبعدها الكفاية:

((اللَّهمَّ اجعَل رِزقَ آلِ محمدٍ قُوتاً, أي: كفافاً))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 ليس معنى ذلك أنه فقير أبداً، ولا معناها أنه غني، حاجاته كلها مغطاة بدخله، نعمة الهدى وقالوا: تمام النعمة الهدى، وبعد الهدى الصحة، وبعد الصحة الكفاية، أي فشل كلوي كل أسبوع يحتاج إلى مرتين، وكل مرة ثماني ساعات لتصفية الكلية، عندك كليتان لا تحس بوجودهما إطلاقاً، تنقيان الدم في اليوم خمس مرات، نعمة لا تقدر بثمن، عندك كبد، يقوم بخمسة آلاف وظيفة، عندك دماغ ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، إنسان كان بأعلى منصب في سوريا، يخرج من البيت لا يرجع، فقد ذاكرته، يبحثون عنه في الطرقات مدة ساعتين أو ثلاث حتى يجدوه، الذاكرة نعمة كبيرة جداً، أن تقوم فتتحرك.
المذيع:
 دكتور هذه نعم مألوفة.
الدكتور راتب :
 لذلك البطولة والذكاء والتفوق أن تشكر النعمة التي ألفت، النعمة إذا ألفت نسيت، فجاء الدعاء:" اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها " هذه أول نعمة، أنت سافرت إلى أمريكا وبقيت شهرين لا يخطر في بالك لثانية واحدة أن هناك رجلاً أجنبياً دخل إلى البيت، هذه نعمة الزوجة الصالحة لا تقدر بثمن، لكن البطولة أن هذه النعم التي ألفت ينبغي ألا تنسى.
المذيع:
 هذه القضية دكتور عندما ينسب أن البلاء هو عقاب من الله للإنسان، الناس تبتعد عن الله، إذا إنسان أصابه سرطان يقول: الله ابتلاني، الله يكرهني ويعاقبني، وأنا لم أعمل شيئاً، يكرهون خالقهم.

بطولة الإنسان أن يستجيب لله و هو صحيح معافى :

الدكتور راتب :
 أنا أعرف شخصاً أنجب فتاة تتمتع بجمال يفوق حدّ التصور، هذه البنت حرارتها دائماً كانت أربعين درجة، ما ترك طبيباً، ستة وثلاثون طبيباً في الشام، أخذها إلى بريطانيا لا يوجد مجال، لكن الأب بعيد عن الدين جداً هو وزوجته، خطر في باله مرة فقال لزوجته: ما رأيك نصلي؟ بدؤوا يصلون، حاول أن يطبق الدين، بعد حين شفيت هذه البنت، أنا فكرت هذا المرض- الحرارة المرتفعة - جاء إلى هذا البيت فرد الأب والأم إلى طاعة الله ثم انتهى، المصيبة الرائعة تأتي فتحقق هدفاً يعجز الفكر وحده عن تحقيقه، البطولة أن تستجيب لله وأنت صحيح معافى، صحيح معافى بيتك، زوجتك، أولادك، مركبتك، عملك، كله تمام، هنا أن تعرف الله بالرخاء، لكن في الرخاء ما عرفنا الله، تأتي مشكلة، هذه المشكلة معناها أنه يوجد عندك يا عبدي- في لسان حال الذات الإلهية- خطأ ابحث عنه، لا تصدق مصيبة بلا سبب، وكل إنسان يقول لك: هذا حظي، كلام فارغ، هذا كلام شيطاني، مسكينة هذه البنت ليس لها حظ بزواجها، هي عندها أخطاء، هناك عبارات عامية هي الكفر بعينه، بنت جميلة لماذا حظها قليل؟ لأنها ما استقامت على أمر الله، فجاءتها المشاكل، أنا حينما أفهم على الله حكمته قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، شيء بلا سبب مستحيل على الذات الإلهية.
المذيع:
 أستاذنا أؤكد على النقطة الذي طرحتها، لا يعني كل بلاء أن صاحبه مقصر.
الدكتور راتب :
هناك بلاء يرقى بك إلى الله.

(( أشد الناس بلاء الأنبياء، وأنا أشدهم بلاء، ثم الأمثل فالأمثل ))

[ الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

المذيع:
 البلاء هدفه أن يعيدك إلى الله، البعض بسبب أنه مقصر، والبعض له مكانة عالية، والله يريد..
الدكتور راتب :
 لا ينالوها إلا بهذا الابتلاء.
المذيع:
 بعد فاصل نتحدث عن الثبات مع الابتلاء، الذي يخسر بلده، وأولاده، أحياناً يهزم إيمانه، فكيف نتعامل مع هذا البند؟
 دكتورنا الكريم قبل الفاصل كنا نوضح أن الابتلاء هو امتحان وليس عقاباً، وهذه نقطة مهمة جداً قد يكون عقاباً للبعض، وقد يكون رفع درجات للبعض، هل هناك أنواع للابتلاءات؟

الابتلاء سبب وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :
 الأدلة، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 علة وجودنا الابتلاء والآية الثانية:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30 ]

 فأنت سبب وجودك في الدنيا الابتلاء، لأن الجنة لها ثمن، أن تدفع في الدنيا ثمن الجنة عن طريق الابتلاء، أما بالرخاء فالناس كلها تنجح، أما بالرضا بمكروه القضاء فهو أرفع درجات اليقين.
المذيع:
 هل هناك أنواع للابتلاء؟

أنواع الابتلاء :

الدكتور راتب :
 طبعاً الابتلاء خمسة أنواع، مصائب الأنبياء، النبي عنده كمال اشتقه من الله عز وجل، لا يظهر بالأحوال العادية، عندك سيارة مئة وخمسين حصاناً، أغلى سيارة هذه بالطريق المستوية لا تظهر قيمتها ولا بالطريق النازل، طريق صاعد صعوداً شديداً، ممتلئة بالركاب، والصندوق ممتلئ بالبضاعة، وتمشي على المئة والخمسين، لا تمتحن إلا بالطرق الصعبة، الأنبياء امتحانهم كبير جداً، مثلاً ذهب للطائف مشياً على قدميه، ثمانون كيلو متراً، لم يستجيبوا له، سخروا منه، وأغروا صبيانهم أن يضربوه، وضربوه، وسال الدم من قدمه الشريف، جاء ملك الجبال وقال له:

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

 ما هذا الابتلاء؟! إذا إنسان أصابه من إنسان شيء يتمنى أن يذبحه.
المذيع:
 وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:" إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي " بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يوصل لنا معنى أن البلاء الذي يصيبك إذا لم يكن غضباً من الله فالأمور بخير، أليس هذا القصد سيدي؟
الدكتور راتب :
 طبعاً مادامت علاقتك مع الله صحيحة، والطريق على الله سالكاً، ومعك خط مع الله تناجيه، أي شيء يصيبك لا قيمة له.
المذيع:
 لأنه ليس غضباً، النقطة التي تخيف الإنسان أن يكون الله غاضباً عليه.
الدكتور راتب :
 يوجد نقطة هامة؛ أب ضرب ابنه الوحيد، متعلق به تعلقاً مذهلاً وضربه، يكون هناك سبب كبير، أخذ بالرياضيات صفراً، فساق له تسمى خبرة مؤلمة حتى يرتدع، فأنت عندما تعرف أن هذا أب وهذا ابن وضربه أمامك معنى هذا هناك سبب كبير جداً.
المذيع:
 أستاذنا هل هناك سبب للابتلاء؟
الدكتور راتب :
 يوجد سبب إيجابي وصل لمرتبة قبل بها، ولكن عنده إمكانية أن يكون أعلى من ذلك سوف ينتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى.
المذيع:
 أستاذنا أنواع الابتلاء؟
الدكتور راتب :
 للأنبياء كشف كمال هذا النبي، كشف حقيقته، كشف حبه للبشرية جمعاء، المؤمنون دفع ورفع، أي صلاته أقل خشوعاً مما ينبغي، لا يصلي قيام الليل إطلاقاً، أحياناً يخطف بصره إلى امرأة لا تحل له، يأتي البلاء فيرفع له درجة استقامته، يرفع له درجة صلاته.
 الابتلاء الأول للأنبياء كشف، للمؤمنين ردع عن خطأ، عن تقصير، دفع ورفع، دفعه إلى مزيد من الطاعة، دفعه إلى مزيد من العمل الصالح، غير المؤمنين ردع وقصم، يسوق له بلاء لا يفهم على الله حكمته ثم يأتي القصم بعد ذلك، نحن بين ابتلاء كشف، دفع رفع للمؤمنين، ردع، قصم لغير المؤمنين.
المذيع:
 أستاذنا البلاء صعب يمكن الإنسان عندما يتحدث ولا يوجد عنده بلاء لا يستطيع أن يشعر بمن يصاب بهذا الكرب، إنسان دائماً يتاجر بتجارة معينة فجأة احترق مصنعه وفقد ثروته وأصبح لا يملك ثمن ربطة خبز، كيف له أن يصبر على هذا البلاء؟

تناسب الصبر على الابتلاء مع الإيمان بالله :

الدكتور راتب :
 هذه تتناسب مع إيمانه بالله، إذا إيمانه ضعيف، هذا الإيمان الضعيف لا يصمد أمام هذا الابتلاء، وقد يكفر، لكن الله عز وجل حكيم، أنا أعتقد أن الله عنده حكمة بالغة يسوق للعبد من البلاء ما يمكن أن يتحمله، لذلك اسمه رب العالمين.
المذيع:
 أستاذنا كل إنسان بلاؤه يتناسب معه؟
الدكتور راتب :
 نعم.
المذيع:
 أستاذنا كيف يصبر نفسه الإنسان؟
الدكتور راتب :
 الإيمان يصبر له نفسه، أنت مخلوق للجنة، وهذه الدنيا دار ابتلاء، وبطولتك في هذه الدار أن تصبر، فإذا صبرت ارتقيت عند الله.
المذيع:
 أستاذنا إنسان الله عز وجل أكرمه بطفل أو طفلة وفجأة يخطفه الموت بحادث، بحريق، بظرف صحي، ينفطر قلب الأب والأم لا يستطيع مواصلة الحياة تتدمر حياتهم؟
الدكتور راتب :
 أنا لي جواب لعله يقبل مني، هذا الإله العظيم الذي أنت تحبه، وتخاف منه، وترجو رضاه، وتعبده بكل ما تملك، هذا الذي صار قراره، الذي يحب الآخر يحب قراره، المصيبة قرار إلهي، أليس هو حكيماً ورحيماً؟
المذيع:
 ومشاعر الفقد والحزن؟
الدكتور راتب :
 لا تحاسب عليها هذه أبداً، بارك الله على هذا السؤال، عدم الألم لا يتناسب مع الرضا، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، لكن هو مكروه، المصيبة ليست نعيماً، بل ألماً، أن ترضى بشيء مؤلم، أن ترضى بفقد مالك كله، أن ترضى بابن يموت في سن مبكرة.
المذيع:
 أستاذنا ممكن نوضح إذا ابن مات في سن مبكرة هناك كره لهذا الأمر واشتياق للطفل وفي نفس الوقت رضا بقدر الله؟

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

الدكتور راتب :
 يوجد حقيقة توحيدية مهمة جداً، كل شيء في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، أي سمح به، لم يأمر به ولم يرضه، أي لو أن طبيباً تزوج وأنجب بعد عشر سنين طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة الدودية، فأراد أي سمح لم يكن يتمنى أن يفتح بطن ابنه، إلا أنه أراد أي سمح لحكمة بالغة، فكل شيء وقع في الكون في القارات الخمس أراده الله أي سمح به، و الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، كل شيء وقع بمعنى سمح به، كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، ليس في الكون كله شر مطلق، لأنه يتناقض مع وجود الله، معنى مطلق أي الشر للشر فقط، التاريخ ينبئنا أن أكبر الأزمات العالمية وراءها عودة إلى الله، أنا أقول كلمة دقيقة ما من شدة إلا بعدها شدَّة إلى الله تعالى، وما من محنة إلا بعدها منحة من الله.
المذيع:
 دكتور ما يصيب الناس اليوم في كثير من الدول العربية والإسلامية التي تتعرض للتنكيل من حكامها، وإلى القتل وعلى مدار سنوات، وهدم بيوت، كيف يصبر الناس على هذا الابتلاء، لم يعودوا آمنين لا على أعراضهم ولا على أموالهم وأرواحهم؟

من أراد الدنيا فقط دفع ثمن هذه الإرادة الخاطئة :

الدكتور راتب :
 الإنسان عندما يريد الدنيا فقط يدفع ثمن هذه الإرادة الخطأ.
المذيع:
 أستاذنا بالمقابل هناك دول إرادة الدنيا أكثر منهم ولم يعاقبهم الله عز وجل؟
الدكتور راتب :
 يوجد جواب دقيق، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

المذيع:
 هذه تقاس على الغرب؟
الدكتور راتب :
 عفواً أنت طبيب وجاءك مريضان، أول واحد معه التهاب معدة حاد، أخضعته لحمية قاسية جداً على الحليب مدة ستة أشهر، والثاني معه ورم خبيث منتشر بكل جسمه، سأل الطبيب: ماذا آكل؟ قال له: كُلْ ما شئت، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

المذيع:
 الدول العربية طالما لها شأن عند الله فهذا دواء لها؟
الدكتور راتب :
 الدليل هناك بقية خير، على الناس كلها، وأنا معلوماتي الدقيقة أن هناك عودة إلى الله بعد هذه المحن الشديدة.
المذيع:
 دكتور هذه النقطة الذي طرحتها أن هذا القضاء الذي قد يكون صعباً على النفس تقبله لا يتعارض مع فكرة قبوله، كيف؟

الحزن و الألم لا يتناقضان مع الرضا بقضاء الله :

الدكتور راتب :
 القضاء مؤلم، فالألم لا يتناقض مع الرضا بقضاء الله، يقول لك الطبيب: تحتاج حمية على الحليب ستة أشهر، يوجد طعام لذيذ في البيت، طبخ درجة أولى، يوجد مطاعم درجة أولى، الطبيب حرمك من هذا الطعام الطيب ستة أشهر، لكن لحكمة بالغة حتى يصبح شفاء ذاتياً بدون حاجة إلى عمل جراحي، عندما تفهم حكمة الله عز وجل ترضى بقضاء الله وقدره.
المذيع:
 دكتور في قصة وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، عندما دخل عليه ابن عوف وراءه يبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" هل هذا الحديث أعطى هذا المعنى؟
الدكتور راتب :
 الحزن لا يلغي الرضا بقضاء الله، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون، الرضا بمكروه القضاء لا يلغي الألم، لا يلغي ألم هذه المصيبة، لا يمكن ألا تتألم، الآلام موجود.
المذيع:
 أستاذنا الرضا بمعنى قبول وليس الرضا بمعنى أن تسر به.
الدكتور راتب :
 إذا كان المريض فوق السبعين، وعنده سن يجب أن يقلع، قال له الطبيب: المخدر لا يناسبك، له مضاعفات بالقلب يجب أن تتحمل الألم، فأنت تعرف أن هناك ألماً، أما تحمل الألم المستمر فهذا صعب، كان هناك ألم يومي، وقلع الضرس لا بد منه، والمخدر لا يتناسب مع سن المريض.
المذيع:
 خطوات عملية كيف يثبت الإنسان عند الابتلاء انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))

[ مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

فاصل قصير..
 مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، وضحتم مفهوم أن الابتلاء لا يعني عقوبة ولا غضباً من الله، الابتلاء هو امتحان، فعليك أن تصبر، هدفه أن يرفعك إلى ربنا، وله أسباب كثيرة.

الابتلاء امتحان :

الدكتور راتب :
 ويبدأ من الأنبياء، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 30 ]

المذيع:
 وقد يكون عقوبة للبعض على أخطائهم، لكنه لا يعني أنه عقوبة، في الجزء الثاني أوضحتم أن الإنسان بإمكانه أن يرضى وأن يقبل هذا الابتلاء، وألا يسخط عليه، لكن هذا لا يعني أن يتجرد من بشريته، الآن أنتقل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))

[ مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ]

 كيف للإنسان الذي لا يعلم متى يأتيه الابتلاء أن يصبر في لحظتها؟

حاجة كل مؤمن إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 اقتراحي في مثل هذه الحالة المؤمن بحاجة إلى حاضنة إيمانية، بحاجة إلى صديق مؤمن، إلى إنسان يسهر معه، يسمونها: حاضنة إيمانية، ما دليلها في القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 آية ثانية:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 إذاً أنا متى أصبر؟ إذا كان حولي أناس مؤمنون، أنا ضمن حاضنة إيمانية، ضمن صديق مؤمن، أخ مؤمن، بعمل فيه أناس مؤمنون..
المذيع:
 أستاذنا اسمح لي هل الصبر في هذه اللحظة الأولى مني أم تثبيت من الله عز وجل؟

مسلمات الإيمان أكبر داعم للصبر :

الدكتور راتب :
 هذا دليل إيمانه، عنده إيمان، هناك حقائق إيمانية مقطوع بها، كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذا الإيمان لا يمكن يقع شيء بالكون إلا إذا أراده الله أي سمح به، ومادام سمح به، ما دام الطبيب سمح أن يفتح البطن، وتستأصل الزائدة، فالعملية خير.
المذيع:
 الإنسان الذي يصبر أستاذنا هل هي ثمار الإيمان الذي سار عليها في الحياة أم هي كرم نزل عليه من الله لا يد له به؟
الدكتور راتب :
 لا، هي قوله تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة النحل: 127 ]

 تفيد أنك إذا آمنت بالله الإيمان الكافي تصبر، إذا آمنت بالله كل شيء بيده.
المذيع:
 دكتور الخطوة الأولى منا ثم يأتي التثبيت.
الدكتور راتب :
 أنت حينما تؤمن أن هذا الإله العظيم بيده كل شيء، الذي وقع أراده الله أي سمح به، و لحكمة مطلقة وقع، هذا الإيمان، مسلمات الإيمان أكبر داعم للصبر.
المذيع:
 معنا اتصال تفضلي صباح:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما عندي أي سؤال لكن أحب أن أقول للدكتور راتب أني شاهدته بالمنام في بيتي وطلب مني أن أضع له فطور.
الدكتور راتب :
 ماذا وضعت لي وقتها؟
المذيع:
صباح:
 وضعت لك متبلاً، قلت لي لا أريد غير متبل.
الدكتور راتب :
 المتبل طيب.
المذيع:
صباح:
 والله إني صحوت من صوته وقلت لزوجي هكذا فقال لي: تكلمي معه وقت البرنامج وقولي له.
الدكتور راتب :
 أعلى الله قدرك أنت وزوجك وأولادك.
المذيع:
 تفضلي سجود:
 في سورة آل عمران قال تعالى: "اصبروا وصابروا"، معنى هذا أن الصبر مكتسب، وإن كان مكتسباً ما هو المعيار الذي أقيّم فيه مستوى الصبر عندي، هل أنا صابرة؟ ثم يكون مع الصبر كآبة أو حزن ومشاعر سلبية؟

المصائب مؤلمة و لكنها لصالح الإنسان :

الدكتور راتب :
 بشكل مبسط جداً إذا أنت طبيب تثقين بعلمه وخبرته وحكمته، وقال: يجب أن نقلع الضرس من دون مخدر بسبب عمرك لا يناسبه مخدر، وأنت عندك علم أن هناك ألماً لكن لصالحك، هذا فهم المؤمن للمصائب، هناك شيء مؤلم والمصائب مؤلمة و لكنها لصالح الإنسان، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

[ سورة النحل: 127 ]

التأديب الإلهي لمن استبرأ الحرام :

الدكتور راتب :
 أنت حينما تعرف الله، وتعرف أن كل شيء بيد الله، وأن أفعاله كلها مرتبطة بالحكمة المطلقة، وأن الله عز وجل يحبنا بأعلى درجة، هذه المعلومات البديهية بالإيمان تحملك على الصبر، الطعام لذيذ جداً، والأب قال لابنه: لا تأكل، معنى هذا أن هناك حكمة، لكن الابن ما فهمها، والأب يحب الابن كثيراً، والأب هدفه الأول إكرام ولده، قد يكون الطعام لا يناسب مرض الابن فنحتاج إلى حسن الظن.
المذيع:
 اليقين بأن الله لا يأتي لنا إلا بخير.
الدكتور راتب :
 يوجد دليل قرآني، قال تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 26 ]

 لم يقل بيدك الخير والشر، قال: بيدك الخير، معنى ذلك أن إيتاء الملك خير، وقد يكون نزعه خيراً، والإعزاز خير، والإذلال خير، لكن نحب أن نقول لأخواننا المستمعين إنك عندما ترجع إلى الله طواعية أنك وقفت عليك البلاء، أما إذا أنت تابعت المعصية فتحتاج إلى خبرة مؤلمة، مصيبة، أنت عندما تمشي بشكل صحيح لا تحتاج إلى مصيبة، أنت تعرف أن هذا الشيء حرام ولكن استبرأته لنفسك وتضحي بعلاقتك مع الله من أجله فيأتي التأديب الإلهي.
المذيع:
 وسيم تفضل:
 عندي سؤال وطلب، نحن مقبلون على أعياد النصارى وهو زملاء لنا في العمل، من باب المجاملة نقول لهم: كل عام وأنتم بخير.

حكم تهنئة النصارى بأعيادهم :

الدكتور راتب :
 والله المتشددون يرفضون هذا، أنت عندما تهنئ إنساناً بعيد، العيد أصله بخلاف القرآن، إذا قبل العيد قدمت له هدية وزرته زيارة عادية أره المودة بغير هذا اليوم.
المذيع:
 بعض المناسبات عند أخواننا النصارى غير مرتبطة بالعقيدة، مثل بداية السنة الميلادية، ليست عيداً دينياً بقدر أنها مناسبة.
الدكتور راتب :
 مناسبة أخف قليلاً.
المذيع:
 معنا بشار من السويد تفضل:
 عندي طلب من الدكتور أنا كنت مؤخراً في زيارة للمكسيك، هذه المدينة فيها جالية مسلمة من السكان الأصليين ولكنهم يعانون أن ما عندهم من يفقههم في دينهم، أنا حاولت أن أتواصل مع أكثر من جهة وماتوفقت بأي جواب من أي أحد، كيف ممكن أن نساعدهم؟
أنتقل إلى أم إبراهيم تعود إلينا من جديد..
 أريد أن أسأل عن ضعف الإيمان، يوجد أناس يخافون أن يصابوا بمرض، ما هو الخوف الذي يجعل الإنسان يصير معه المرض؟
 دكتور أعود إلى الأخت سجود هل هناك معيار للإنسان ليعرف مدى صبره؟

معيار الإنسان ليعرف مدى صبره :

الدكتور راتب :
 أول شيء كلامه يا ربي لك الحمد، مادام قال: يا رب لك الحمد معنى هذا هو حمد الله على مكروه القضاء، هذه بطولة، ما تكلم كلمة خاطئة، الكلمة الغلط هي عدم الصبر، مثلاً ماذا فعلنا؟ لم نفعل شيئاً، يا ربي لك الحمد في السراء والضراء.
المذيع:
 أستاذنا أنا ماذا فعلت حتى أستحق عقاب الله؟
الدكتور راتب :
 لا غير صحيح إطلاقاً، معنى هذا أن هناك اعتراضاً على قضاء الله وقدره.
المذيع:
 أستاذنا نعود إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
الدكتور راتب :
 لا يعني الصبر إنك لا تتألم، أنت عندك إيمان عميق جداً وهذا الألم الذي تحملته لصالحك.
المذيع:
 كيف يعزز الإنسان ثباته عند الابتلاء؟ تفضلت قلت: الحاضنة الإيمانية إضافة لها.

كيفية تعزيز الإنسان ثباته عند الابتلاء :

الدكتور راتب :
 طلب العلم، اقرأ القرآن انظر إلى آيات الصبر اجمع، الآن سهل جداً بالكومبيوتر، اكتب كلمة صبر اقرأهم آية آية، تتعلم، عندك كتاب الله عز وجل، خالق الأكوان، كلها آيات تدعو للصبر، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر:10]

 هذه القصة تكلف مئة دينار، هذه تكلف مئتين، هذه تكلف ألفاً، إلا الصابر معه شيك مفتوح ضع أي رقم تريد.
المذيع:
 ما هو أجر الصابرين عند الله؟

أجر الصابر عند الله :

الدكتور راتب :
 بغير حساب، لا يمكن أن يكون هناك أجر محدد للصبر، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. إنسان تلقى ضرباً من والده فقام وقبّل يده، وقال: أنا شاكر جداً لاهتمامك بي، هذه قليلة عندما يشكر الله على مصيبة ساقها له؟
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران:146 ]

 وفي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 153]

 كيف يكون الله مع الصابرين؟

الله مع الصابرين :

الدكتور راتب :
 الله بذاته العلية يحب هذا الصابر لأنه يعرف الله، أما مع فهذه أفعاله، معه بالحفظ والتوفيق والإكرام، هنا المعية تعني معية عطاء، معية حفظ، معية اهتمام، مع تعني الرد الإلهي، والأولى تعني الشعور الداخلي، الله قريب من الصابرين.

كن عن همومك معرضا  وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخيــر عاجـــــــــــل  تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمر مسخـــــــط لك  في عواقبـــــــه رضـــــــــــا
ولربما ضاق المضيــــق  ولربما اتســــــــع الفضـا
اللـــه يفعل ما يشـــــــــاء  فلا تكــــــــــن معترضـــــــا
الله عــــــــــــودك الجميـــل  فقس على ما قد مضى
***

المذيع:
 في سورة البقرة يقول تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة البقرة:153]

 ما الرابط بين الصبر والصلاة؟

الرابط بين الصبر والصلاة :

الدكتور راتب :
 هناك علاقة متينة جداً، الصبر سلبي جاءت مصيبة لم تتكلم أية كلمة خاطئة، يا ربي لك الحمد، أما أنت عندما جاءت هذه المصيبة فقمت إلى الصلاة وأنت شاكر لله عز وجل، في هذه الصلاة يأتيك ما يسمى بالسكينة، تنسى بها مصيبتك، هذه السكينة شيء لا يصدق، صعب تفسيرها، سعادة، رضا، طمأنينة، سرور، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه السكينة، نزلت مصيبة صعد منك إلى الله رضا بهذه المصيبة، المكافأة الثانية تأتيك السكينة، تنزل على قلبك هذه السكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
المذيع:
 في قوله تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 ما المراد بهذا دكتور؟

الصابر في عين الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 طفل في حديقة وأمه جالسة لا يمكن أن ترفع عينها عنه، ابتعد تناديه، مسك شيئاً غير جيد تنصحه، هي تشتغل وتقرأ وجالسة مع صديقتها لكن عينها على ابنها، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 أي الصابر في عين الله عز وجل.
المذيع:
 بارك الله بكم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، نختم بالدعاء.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، الصادق الوعد الأمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، شكراً لكم، نصل بحلقتنا إلى الختام، وكان حديثنا عن الثبات مع الابتلاء، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS