825
محاضرات وندوات مصورة - الأردن - مختلفة - محاضرة في مدينة عمان ، مركز نسائم الإيمان القرآني ، أبو عليا : الهجرة ، إني مهاجر إلى ربي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-10-28
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة :

 أيتها الأخوات الفضليات؛ أيها الأخوة الأكارم؛ من عرف نفسه عرف ربه، ينبغي أن نعلم يقيناً أن الإنسان هو المخلوق الأول عند الله، الأول رتبة بقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، وهو عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب الذي يسمو به، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبى حاجة عقله وقلبه وجسمه تفوق، وإذا اكتفى بواحدة تطرف.
 والإنسان أي إنسان - من سبعة مليارات ومئتي مليون وهو عدد سكان الأرض الآن- حريص على سلامته، وعلى سعادته، وعلى استمراره، سلامته صفات سلبية، أي ما أصابه مرض، وما أصابه فقر، وما أصابه قهر، هذه سلامته، وسعادته معانيها إيجابية حينما تتصل بأصل الكمال بالمطلق، بالغني، بالرحيم تشتق منه صفات تسعد بها وتقبل على الله بها.
 وأما الزمن فهو بعد الإنسان الرابع، الأشياء لها طول وعرض وارتفاع، فإذا تحركت لها بعد رابع هو الزمن، ومن أدق تعريفات الإنسان للإمام الحسن البصري: "الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه"، لأنك أيها الإنسان زمن، أو لأن رأس مالك هو الزمن، أو لأن أثمن شيء تملكه هو الزمن، أقسم الله لك بمطلق الزمن، فقال تعالى:

﴿ وَالعَصرِ ﴾

[سورة العصر: ١]

 واو القسم، والمقسوم به العصر، جواب القسم:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر : 1-2 ]

 خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه، فكيف يتلافى هذه الخسارة؟ ورد في أدعية النبي الكريم: " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً". و" المغبون من تساوى يوماه "، فلذلك ينبغي في كل يوم أن نزداد علماً، وأن نزداد قرباً، وكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

.

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 أي الإنسان حينما يستيقظ معنى ذلك أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، فإن عافاه في بدنه - وهذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها - وأذن له بذكرك، فقد حقق الهدف من خلقه.

الإنسان هو المخلوق المكلف بعبادة الله :

 أخواتنا الفضليات؛ أخواننا الكرام؛ الحقيقة أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

 معنى ذلك هذا الكون لا نهاية له، وقد تفاجؤون أن الأرض كوكب صغير في المجموعة الشمسية، التي هي نقطة في درب التبابنة، ودرب التبابنة مجرتنا، وهذه المجرة مجرة متواضعة جداً من بين ألوف ملايين المجرات، ومع ذلك قيل لهذا الإنسان:

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر؟
***

 الإنسان هو المخلوق الأول والمكلف أن يعبد الله، علة وجودك في الدنيا عبادة الله، والدليل، بالمناسبة لا تقبل شيئاً في الدين من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لا بد من أن تطالب بالدليل، لأن هذا العلم دين، فانظر عمن تأخذ دينك. ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا، فلذلك الحقيقة الأولى أنت أيها الإنسان، بالمناسبة الإنسان تشمل الذكر والأنثى، وفي بعض التوجيهات النبوية:

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .. ))

[ ابن ماجه عن أنس بن مالك]

 قال شراح الحديث: على كل شخص مسلم ذكراً كان أم أنثى.
 يا أيتها الأخوات الفضليات؛ لأنكم الكثرة، الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف، مكلف بالعبادة، ومن أدق تعريفات العبادة: إنها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
 أخواتنا الفضليات؛ شخص أرسله والده إلى باريس ليدرس الطب في السوربون، هذه المدينة العملاقة، الكبيرة، المنوعة، نقول: علة وجود هذا الشاب في هذه المدينة شيء واحد هو الدراسة، وينبغي أن نعلم يقيناً أن علة وجودنا في الدنيا شيء واحد هو أن نعبد الله.

للعبادة جوانب ثلاثة؛ معرفي و سلوكي و جمالي :

 العبادة في أدق تعريفاتها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، في هذا التعريف: جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي.
 الجانب الحركي: الاستقامة، الخضوع لمنهجه الله طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، قال شراح الحديث: ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. المعرفة اليقينية هي السبب، والسعادة الأبدية هي الثمرة، والموضوع الدقيق في التعريف السلوك، الاستقامة، وما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئًا، أي الدين من دون استقامة فلكلور، عادات، تقاليد، تراث، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، توجهات إسلامية، مشاعر إسلامية، أقواس إسلامية، زخرفة إسلامية، هذه كلها شيء، والإسلام الحقيقي شيء آخر.
 أيها الأخوة الكرام؛ هنالك حقيقة مرة أنه ما من مسلم على وجه الأرض إلا ويعبر عن إعجابه بهذا الدين، ديننا دين عظيم، دين التوحيد، دين الفطرة، نبينا سيد الأنبياء والمرسلين، خاتم الأنبياء، كتابه خاتم الكتب، بعثته خاتمة البعثات، هذا كلام ولكن أن تخضع لمنهج الله التفصيلي وقد يصل لخمسمئة ألف بند يغطي كل حياتك، وكل شؤونك، وكل أطوارك، وكل مناحي نشاطاتك، هذا الدين منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان، من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية.

الدين ليس إعجاباً سلبياً بل سلوكاً إيجابياً :

 لذلك أول نقطة دقيقة أؤكد عليها أن الدين ليس إعجاباً سلبياً، تمدح الدين، أب عالم كبير ولسبب أو لآخر لم يتعلم ولده إطلاقاً، كان ابنه أمياً، فإذا تحدث عن أبيه وقال: عالم كبير، وعالم جليل ومن فلتات الزمان، ووحيد عصره، كل هذا الكلام لا يجعل هذا الابن عالماً، امدح ما شئت، الأب عالم كبير والابن جاهل، فلذلك أنا أتمنى أن نستبدل الإعجاب بالطاعة، أن نستبدل التضخيم بالسلوك.
 لذلك مفارقة حادة وغريبة أن النبي الكريم وهو الصادق المصدوق قال الله تعالى عنه:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

 النبي الكريم يقول:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 لن لنفي المستقبل، اثنا عشر ألفاً في الأرض لن يغلبوا، وإذا كان المسلمون ملياراً وسبعمئة مليون، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، بل إن حرباً عالمية ثالثة معلنة على المسلمين كانت فيما قبل تحت الطاولة، واليوم فوق الطاولة جهاراً ونهاراً، هكذا، أي الانتخابات الحرة النزيهة عندما انفرزت إسلامية في الجزائر ألغيت، والانتخابات الحرة النزيهة عندما انفرزت إسلامية في فلسطين ألغيت، والانتخابات الحرة النزيهة عندما انفرزت إسلامية في مصر ألغي الانتخاب، ووضع الرئيس في السجن، لذلك بعض كبار الشخصيات في أمريكا قال: بما أن العالم الغربي مهيمن على الشرق لن يسمح بقيام حكم إسلامي، والذي نراه ونسمعه كل يوم يؤكد هذه الحقيقة، فنحن في محنة كبيرة، العالم كله لا يريدنا أن نعود إلى هذا الدين، لأنه سبب قوتنا وسبب وحدتنا يريد أن تكون الفتن بيننا، من هنا كان التآمر الغربي على المسلمين في أعلى درجة في العالم.
 فالدين أولاً ليس إعجاباً سلبياً، وليس تراثاً وعادات وتقاليد وفلكلوراً، ليس كذلك، لأن جميع الوعود الإلهية معطلة، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 نحن لسنا مستخلفين:

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 وديننا ليس ممكنا بل يواجه حرباً عالمية ثالثة:

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 ونحن لسنا آمنين، الخلل في العبادة:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبر هذه الحقيقة عن ذاتها بحركة، الحركة التزام، الحركة تربية الأولاد، الحركة حجاب النساء، الحركة أن يقام الإسلام في نفسك، وفي بيتك، وفي عملك، الحركة أن تسهم في نشر هذا الدين.

أعظم ما في هذا الدين أن المؤمن يسيطر على ذاته :

 لذلك هناك دعوة إلى الله، هذه الدعوة تأخذ مناحي عديدة، منها كما قال بعض الصحابة: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس و الهوى، البطولة أن تنتصر على نفسك، يقول تشرشل زعيم كبير في بريطانيا: "ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا"، أعظم ما في هذا الدين أن المؤمن يمكن أن يسيطر على ذاته، ذاته هي الأمانة التي وكله الله بها :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

 فلما قبِل حمل الأمانة سخر الله له هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، موقف الإنسان من تسخير التعريف أن يؤمن، وموقفه من تسخير التكريم أن يشكر، فإذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده.

الولاء و البراء :

 أخواننا الكرام؛ نبتدئ بأن نمس الموضوع الذي طلب مني، الهجرة، الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ آوَوا وَنَصَروا أُولئِكَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ﴾

[سورة الأنفال: ٧٢]

 لذلك العلماء استنبطوا أن هناك إن صح التعبير فريضة سادسة، أركان الإسلام تعرفونها، وأركان الإيمان نعرفونها، هناك فريضة سادسة هي الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين ولو كانوا ضعفاء وفقراء، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين وإن كانوا أقوياء وأغنياء، هذا الولاء والبراء سمة أساسية من سمات شخصية المسلم، وأنا لا أنسى موقف هذا البلد الطيب من استقبال هؤلا الذين خافوا على أنفسهم من القتل في بلاد مجاورة، الاستقبال تشكرون عليه والله، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لكم بلادكم وأمنكم واستقرار هذه البلاد فهذه نعمة بالغة لا يعرفها إلا من فقدها.
 إذاً

﴿ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ﴾

 هذا الولاء والبراء،

﴿ وَالَّذينَ آمَنوا وَلَم يُهاجِروا ما لَكُم مِن وَلايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتّى يُهاجِروا ﴾

 أي الإسلام حركة، أي يا أيها الإنسان أنت كائن متحرك، ما الذي يحركك؟ الحاجة إلى الطعام والشراب، تتحرك للبحث عن عمل تكسب به رزقك، هذه الحاجة الأولى حفاظاً على بقاء الفرد، وما الذي يحركك أيضاً؟ الحاجة إلى الزواج، هذه الحاجة مؤداها الحفاظ على بقاء النوع، لولا الزواج لانقرض النوع البشري، دون أن تشعر أودع فيك هذه الحاجة للزواج، طبعاً الذكور والإناث من أجل بقاء النوع، الطعام والشراب من أجل بقاء الفرد، والزواج لبقاء النوع، وأودع فيك حاجة ثالثة، تأكيد الذات، التفوق، أنت بحاجة إلى أن تكون الأول في اختصاصك، في حرفتك، في مهنتك، في علمك، أنت بحاجة إلى أن يشار إليك بالبنان، فلان الأول، الحاجة إلى التفوق من أجل بقاء الذكر.

الانتماء إلى الأمة مهم جداً :

 بالمناسبة الذين يطورون البلاد من جميع أنواع التطوير هم من هؤلاء النخبة، الخمسة بالمئة، ماذا فعل الغرب بنا؟ سرق منا المتفوقين الذين يعول عليهم في التغيير، النخبة القليلة، لأنه يوجد عالم نفس اسمه غوس، رسم خطاً بيانياً هذا ينطبق على كل شيء، خمسة بالمئة تفوق، خمسة بالمئة تخلف، تسعون بالمئة وسط، هؤلاء النخبة المعول عليهم في التغيير هؤلاء سرقوا إلى بلاد الغرب.
 فلذلك أنا أذكر خمسة آلاف طبيب من سوريا معهم بورد، مقيمون في أمريكا، أي لحم أكتافهم من خيرات بلدهم، فلما وصلوا إلى هناك ونالوا البورد، رأوا الحياة فارهة، والدخل فلكي، فاستقروا ونسوا مهمتهم، هذه مشكلة كبيرة جداً، فلذلك الانتماء إلى الأمة مهم، الذي ينتمي إلى أمته مهم جداً، أي هذا الطيار إذا شخص قال له: هذه غرفتك ضيقة جداً لم أنت فيها؟ اجلس بين الركاب، تحدث معهم، سامرهم، انتهت الطائرة، أربعمئة راكب في عنق هذا الطيار.

مساواة المرأة للرجل في التكليف و التشريف و المسؤولية :

 الآن إذا قلنا للمرأة: أنت جالسة في البيت، معنى هذا أنت متخلفة، المرأة المتفوقة الأولى عند الله التي تربي أولادها، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " أنا أول من يمسك بحلق الجنة، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة ربت أولادها"، فأنا أريد من أخواتنا الفضليات أن يعرفن خطر الدور الذي كلفوا به من قبل الله عز وجل، امرأة اشتكت إلى النبي الكريم فسمع الله شكواها من فوق سبع سموات، قالت: يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة، ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركته إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا - أنا أربيهم وهو ينفق عليهم- فبكى النبي الكريم. وسمع الله شكوى هذه المرأة من فوق سبع سموات. وكان سيدنا عمر إذا رآها في الطريق نزل عن دابته أدباً معها.
 فيا أيها الأخوة الكرام؛ من مسلمات هذا الدين أن المرأة مساوية للرجل تماماً مساواة كاملة نوعاً، ومساواة تامة عدداً في كل النواحي، المرأة مساواة للرجل تماماً، وهنالك من يقترح أن يقول: الرجل مساوياً للمرأة تعظيماً لها، مساوية له في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية.
 مكلفة كما هو مكلف، مشرفة كما هو مشرف، مسؤولة كما هو مسؤول، ولكن إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثى ﴾

[سورة آل عمران: ٣٦]

 معنى ذلك أن خصائص الرجل الجسمية والفكرية والنفسية والاجتماعية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به، وأن خصائص المرأة الجسمية والفكرية والنفسية والاجتماعية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها، بينهما تكامل، وحينما توهمنا التشابه وقعنا في خطأ كبير، لذلك لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال.
 الآن الآية الدقيقة جداً في هذه المناسبة أعيدها ثانية:

﴿ إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ آوَوا وَنَصَروا أُولئِكَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ وَالَّذينَ آمَنوا وَلَم يُهاجِروا ما لَكُم مِن وَلايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتّى يُهاجِروا وَإِنِ استَنصَروكُم فِي الدّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصرُ ﴾

[سورة الأنفال: ٧٢]

تعاون أعداء المسلمين لإفقارهم و إذلالهم و إبادتهم :

 الآية التي بعدها:

﴿ وَالَّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ﴾

[سورة الأنفال: ٧٢]

 أيضا يتعاونون ويخططون ويسهرون ولا ينامون، يخططون لإفقار المسلمين، ولإضلالهم، ولإفسادهم، ولإبادتهم كما ترون، روسيا ترسل كلبة اسمها لايكا إلى الفضاء الخارجي في الخمسينات، العالم الغربي قام ولم يقعد، كيف تضحون بكلبة وأربعمئة إنسان مقتول من المسلمين بلا سبب، وبلا ذنب، وأربعمئة مفقود، وأربعمئة معتقل، وأربعمئة مهجّر، وعشرة ملايين بلا بيوت، والعالم الغربي كله ساكت ولا كلمة!! لأن الذين يموتون هم من السنة، والحرب واضحة جلية جهاراً نهاراً لذلك،

﴿ وَالَّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ﴾

 يتعاونون ويخططون ويسهرون لإفقار المسلمين، ولإضعافهم، ولإذلالهم، ولإبادتهم.
 الشيء العجيب في الآية الثانية:

﴿ إِلّا تَفعَلوهُ ﴾

 الهاء على من تعود؟ آية مستقلة،

﴿ وَالَّذينَ كَفَروا بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ إِلّا تَفعَلوهُ تَكُن فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وَفَسادٌ كَبيرٌ﴾

 الهاء تعود على الآية السابقة كلها،

﴿ إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَهاجَروا وَجاهَدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم في سَبيلِ اللَّهِ وَالَّذينَ آوَوا وَنَصَروا أُولئِكَ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ ﴾

 أيها المؤمنون؛ إن لم تكونوا كذلك قال تعالى:

﴿ تَكُن فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وَفَسادٌ كَبيرٌ﴾

 وهذا الذي يجري في العالم حرب عالمية ثالثة معلنة على المسلمين.

الأخذ بالأسباب و الاعتماد على رب الأرباب :

 لذلك تعلمنا الهجرة ونحن في ذكرى الهجرة أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، حينما انتقل النبي الكريم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس انتقل بمعجزة، أي بخلاف قوانين الأرض بثوان انتقل من مكة إلى بيت المقدس، عرج به إلى السماء إلى سدرة المنتهى وعاد وفراشه مازال ساخناً، قد يقول قائل: لمَ لم ينتقل من مكة إلى المدينة كما انتقل من مكة إلى بيت المقدس بثانية بحادثة الإسراء والمعراج؟ قال تعالى:

﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾

[سورة الإسراء: ١]

 وبالهجرة ليرينا من آيات الله، كيف أخذ بالأسباب، اختار صديقاً حميماً أبو بكر الصديق، استأجر خبيراً بالطريق ليس مسلماً، رجح الخبرة على الولاء، وسار مساحلاً عكس المدينة، وذهب إلى غار ثور، وأقام فيه ثلاثة أيام حتى خف الطلب عليه، القصة طويلة، لكن أريد أن أقول لكم لقطة واحدة في الهجرة نحتاجها جميعاً؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما اكتشفت قريش أنه خرج من مكة وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، سراقة طمع بالمئة ناقة وتبع النبي حتى أدركه في الطريق، قال له النبي الكريم: يا سراقة كيف بك إذا لبست سوار كسرى؟ إنسان ملاحق، مهدور دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، ويقول: يا سراقة أنا سأصل إلى المدينة سالماً، وسأؤسس دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولة في الشرق، وسوف أنتصر عليها، وسوف تأتيني غنائمها، ومن غنائمها سوار كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى، هذا حصل في عهد سيدنا عمر، جاء بسراقة وألبسه بيده سوار كسرى، وقال: بخ بخ. أعيرابي من بني مدلج يلبس سوار كسرى.
 أخواننا الكرام؛ زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، زوال الكون، لذلك قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أخواننا الكرام؛ الأخذ بالأسباب من الدين، وترك الأخذ بالأسباب معصية، والأخذ بالأسباب والاعتماد عليها شرك.
 إذا اعتمدت على الأسباب ونسيت مسبب الأسباب أشركت، وإن لم تأخذ بها عصيت، فالغرب أخذ بها واعتمد عليها وألهها ونسي الله فوقع في الشرك، والشرق المسلم لم يأخذ بها أصلاً فوقع في المعصية.
 أخواننا الكرام؛ لكن الاستعانة بالغربي الخبير جائز، لأن النبي استأجر دليلاً في الطريق ليس مسلماً، فيسلوف أو مفكر كبير مصري سئل: ماذا نأخذ وماذا ندع من عند الغرب؟ فقال: نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، أما المصاب الأكبر فأن نأخذ ما في نفوسهم من تفلت وإباحية وأن ندع ما في رؤوسهم من علم.

العصور أنواع ثلاثة :

 أخواننا الكرام؛ العصر له ثلاثة أنواع: عصر المبادئ، هذا الدين عصر المبادئ، و عصر الأشخاص، وعصر الأشياء.
 الآن قيمة المرء، متاعه، مساحة بيته، أثاث بيته، ماركة سيارته، يوجد رقم بجانب الماركة، يوجد مئة وثمانون، ويوجد ستمائة، مكانته يستمدها من متاعه، هذا عصر الأشياء، قيمة المرء متاعه، وقبله عصر الأشخاص سيدنا صلاح الدين والأبطال العظام، وقبلها عصر المبادئ.
 جاء جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة مسلماً، أسلم وأعلن إسلامه، طاف حول الكعبة، جاء بدوي وداس طرف ردائه خطأ، انخلع رداؤه عن كتفه، التفت نحو هذا الأعرابي ضربه ضربة هشمت أنفه، فشكاه إلى عمر، فاستدعاه عمر، عمر أمامه ملك الغساسنة وإنسان من الدهماء، بالتعبير المعاصر من السوقة من الطبقة الدنيا، قال سيدنا عمر لجبلة: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال: لست ممن ينكر شيئاً أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي، قال: ارض الفتى لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك - للملك- وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذلك يا أمير هو سوقة وأنا ملك وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، قال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال: عنق المرتد بالسيف يحز، عالم نبنيه كل صدع فيه يداوى وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذا هو عصر المبادئ والقيم، لذلك في نهاية الزمان ورد أن موتاً كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.
 أيها الأخوة الكرام؛ ادعوا الله سبحانه وتعالى أن ينصرنا، وأن يحفظ لنا إيماننا، وأهلنا، وأولادنا، وصحتنا، واستقرار هذه البلاد، وهذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من فقدها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS