812
ندوات إذاعية - إذاعة حياة الأردنية - حياة المسلم : شروط النصر- عذراً صلاح الدين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-12-19
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم أنعم وأكرم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم أيها الأخوة والأخوات في حلقة جديدة مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله شيخنا وأستاذنا.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 أكرمكم الهة دكتور، نتحدث اليوم عن شروط النصر، ونبدأ حلقتنا بقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

[سورة محمد: 7]

 فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي حلقتنا اليوم عن شروط النصر.

عذراً صلاح الدين :

الدكتور راتب :
 بارك الله بكم إن شاء الله، الحقيقة كما تفضلت قبل قليل الآية الأصل في هذا الموضوع:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 160]

 من الجهتين، والحقيقة أن القرآن الكريم استخدم أسلوب القصة، وهناك اعتذار قدمته لصلاح الدين الأيوبي، الاعتذار أسلوب أدبي، يوجد شعر و نثر و قصة و مسرحية و مقالة و رسالة، إذا اعتبرنا الرسالة فناً أدبياً نثرياً فأنا كتبت رسالة إلى صلاح الدين الأيوبي، رسالة رمزية فقلت في بدايتها:
 عذراً لك يا صلاح الدين وألف عذر، أنت الذي طردت الفرنجة القدامى من بلاد الشام، ومصر، والعراق، وأنت الذي حررت دمشق والقدس من أيديهم، وقد قلت قولتك الشهيرة: لن يرجعوا إليها ما دمنا رجالاً، عذراً يا صلاح الدين لقد رجعوا، في المرة الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، ولما دخل قائدهم إلى دمشق، ووقف عند قبرك وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فعذراً وألف عذر لك، ولقد رجعوا ثانياً، بسبب أخطاء ارتكبها بعضنا، ولسان حالهم يقول ثانية: ها قد عدنا يا صلاح الدين، ولئلا تقلق علينا كثيراً إنهم يقولون: إنما عادوا كي ننعم بحرية كحريتهم، وسلام كسلامهم، ورخاء كرخائهم، ولا أتمنى عليك يا أيها القائد الفذ أن تسأل أهم حققوا هذه الأهداف بوسائل من جنسها أم بوسائل مناقضة لها؟ من أجل أن تكون مستريحاً لا تسأل، إن وسائلهم كانت إفقاراً، وإضلالاً، وإفساداً، وإذلالاً، إنها رِدة ولا صدّيق لها، إنها هجمة تترية ولا قطز لها، إنها حملة فرنجية وأنت غائب عنها.
 عذراً يا صلاح الدين فلقد كانت دائماً ترتسم معالم و الحزن والأسى على وجنتيك، ولم يكن للابتسامة مكان، ولا نصيب على شفتيك، فلما كنت تسأل لماذا لا تضحك يا صلاح الدين؟ فكان جوابك المتكرر إني أستحي من الله أن أضحك، وما يزال هذا المسجد الأقصى بيد المعتدين.
 عذراً يا صلاح الدين، أنت الذي وصلك خبر اعتراض أمير الفرنجة أرناط الذي احتل قلعة الكرك في الأردن، ومن هناك راح يقطع الطريق على الحجاج المسلمين المتوجهين من الشام نحو الحجاز، فكان يقتل الرجال، ويسبي النساء، وهو يقول لهم: نادوا محمداً لينتصر لكم، فلما سمعت ما قاله يا صلاح الدين بكيت وانسابت الدموع من عينيك، وقد قلت قولتك الشهيرة: أنا سأنوب عن رسول الله بنصرة أمته.
 وهذا ما كان منك أيها البطل الذي ما هدأ لك بال، ولا سكنت لك جارحة، حتى وفيت بوعدك يوم حطين، يوم انتصرت على ملوك أوروبا وأمرائها مجتمعين - سبع وعشرون دولة- ويوم وقع أرناط في الأسر، الذي قال: نادوا لمحمد لينتصر لكم، وقع أرناط في الأسر فمثل بين يديك وذكرته بما قال وقلت له: يا أرناط، أنا أنوب اليوم عن رسول الله بالدفاع عن أمتي.
 عذراً لك يا صلاح الدين، أنت الذي كنت كل مساء بعد أن ترجع من قتال الأعداء القدامى يوم حطين تخلع عباءتك وعمامتك، وتنفض ما علق عليها من غبار في كيس، وتجمع ذلك الغبار، حيث أوصيت أولادك أن إذا مت أن يضعوا هذا الغبار تحت رأسك، حتى إذا جاءك الملكان في القبر يسألانك عما يسأل عنه كل إنسان عند موته في قبره، فإذا رأيا ذلك الكيس من الغبار قالا: ما هذا الكيس يا صلاح الدين؟ فتقول لهم: هذا غبار الجهاد في سبيل الله.
 يا سعد بلغ خالداً أن القتال له رجال، عذراً يا صلاح الدين، يا من هزمت الفرنجة القدامى حتى أصبح اسمك على لسان النساء في أوروبا، يخوفن بك أولادهن في الليل ليناموا، تقول له: نم يا ولدي، وإذا لم تنم فسيطلع علينا صلاح الدين، لقد قذفت الرعب في نفوس أوروبا، وشكلت لهم عقدة نفسية اسمها صلاح الدين، فعذراً وألف عذر يا أيها القائد الفذ لما حلّ بنا من بعدك، ومن أجل أن تبقى منسجماً مع إيمانك الكبير بالله، نقول لك: هان أمر الله علينا من بعدك فهنا على الله، ولقد تحققت نبوءة القرآن الكريم فينا:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

 وقد لقينا ذلك الغي، من أجل أن نطمئنك نذكرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، ما يضرهم من كذبهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذاً يقول: وهم بالشام))

[ البخاري عن عمير بن هانئ]

 قال مستشارك ومرافقك: كنت خاشع القلب، غزير الدمعة إذا سمعت القرآن الكريم، أو تلوته دمعت عيناك، وكنت- رحمك الله- كثير التعظيم لشعائر الدين، كنت ناصراً للتوحيد، قامعاً أهل البدع، لا تؤخر الصلاة عن وقتها، وكانت لك ركعات تصليها إذا دخل الليل، وكنت إذا سمعت أن العدو داهم المسلمين خررت إلى الأرض ساجداً لله تدعو بهذا الدعاء: إلهي لقد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك، ولم يبقَ إلا الإخلاد إليك، والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل.

ضرورة التمسك بأسباب النصر :

 الأمة العربية والإسلامية تمر بمحنة عظيمة، تمر الآن بمرحلة عظيمة، نرجو أن تكون وراء هذه المحنة منحة ربانية، لا شرقية ولا غربية، لقد شرحت هذه المحنة فيما نعاني ونعاني، وكأن هذا الذي نعانيه امتحان كبير لنا، والحل الوحيد أن نعتصم بالله، وأن نرجع إليه، وأن نتوب إليه، وأن نتمسك بأسباب النصر، الذي هي عنوان هذا اللقاء الطيب، النصر له قوانين، أحد أكبر قوانينه كما تفضلتم في بداية هذا اللقاء الطيب، قوله تعالى:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 الله عز وجل لا يحتاج إلى من ينصره، ولكنك إذا نصرت دينه نصرك، إذا أقيمت شعائر الإسلام، إذا أقيمت الحدود، إذا تمثل كل مسلم بمبدأ الله عز وجل، بمنهجه، إذا ابتعد عن الحرام، وأخذ من الحلال، الشيء الطبيعي الطبيعي أن العدد لا قيمة له في الحروب، العدد رقم لكن قال تعالى:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 أنا لا أنسى في التاريخ أن سيدنا خالد بن الوليد ذهب إلى بلاد الفرس، واجه ثلاثمئة ألف جندي من جنود الأعداء، وكان عدد جنوده ثلاثين ألفاً، طلب من سيدنا أبي بكر مدداً، الشيء الذي لا يصدق أنه أرسل له المدد، هذا المدد واحد اسمه القعقاع بن عمرو، والله أنا أقرأ لا أصدق، فلما وصل إليه قال له: أين المدد؟ قال له: أنا المدد، معه كتاب قرأه، يقول سيدنا الصديق بالكتاب: والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم. وانتصروا، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 نحن نعاني - وأنا أقول كلاماً و أنا متألم - من حرب عالمية ثالثة معلنة على الإسلام، كانت تحت الطاولة واليوم فوق الطاولة، جهاراً نهاراً، قال بعض أعضاء الكونغرس: بما أن الغرب مهيمن على الشرق لن نسمح للإسلام أن يقوى، قال تعالى:

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 46 ]

 لكن إذا كان كما تفضلت نريد أن نتحدث عن قواعد النصر، هناك أسباب للنصر وهناك معونة إلهية، فنحن حينما نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وبعدها نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا هو التطبيق العملي لقانون النصر، النبي صلى الله عليه وسلم مرة في معركة بدر رفع يديه داعياً ربه بالنصر، حتى وقع الرداء عن كتفيه، فجاءه الصديق وقال له بعد مناشدته لربه: إن الله ناصرك، أنا احترت أهو إيمانه بالله أكبر من رسول الله؟ مشهد يحتاج إلى تأمل، أيعقل أن يكون الصديق من إيمانه بالله وثقته بنصره أشد من رسول الله؟! بعض علماء السيرة قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم كان قلقاً من أن يكون الإعداد غير كاف، الأخذ بالأسباب غير كاف.
 فأنا أقول مرة ثانية: أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
المذيع:
 دكتورنا ذكرت قبل قليل أن سيدنا أبا بكر أرسل له المدد، هذا المدد واحد اسمه القعقاع بن عمرو، ما الذي ميز القعقاع عن غيره من الصحابة؟

للمؤمن هيبة كبيرة و معنويات عالية جداً :

الدكتور راتب :
 شجاعته أولاً، يوجد كلمة مضطر أن أقولها: المؤمن له هيبة كبيرة جداً، المقاتل المؤمن له هيبة، ماذا قال تعالى؟

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 151]

 عندنا المعنى المخالف عند علماء الأصول: إذا كان الكافر قوياً هو خائف بما أشرك، المعنى المخالف المؤمن معنوياته عالية جداً، أي الآيات القرآنية:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 هذا القانون فوق الظروف، والإشكالات، والتحزبات، والدعم، والتخلي يقابل الدعم، هذا قانون الله عز وجل:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 الله عز وجل أنشأ حقاً عليه في نصرهم، مرة سيدنا معاذ بن جبل لا أنسى هذه اللقطة في السيرة، أردفه النبي خلفه، قال له: يا معاذ:

(( أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ فقلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال: فتدري ما حقُّهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ألا يعذِّبَهم ))

[ متفق عليه عن معاذ بن جبل ]

 الله عز وجل أنشأ لكل مؤمن في أي مكان وفي أي زمان حقاً عليه، لا يعقل أن تلتزم منهج الله، لا يعقل أن تخاف من الله وتخاف من إنسان، لا يعقل أن تأخذ الأسباب التي أمرك الله بها ثم لا تنتصر، يوجد قوانين، أذكر أنا مرة ألقيت في رمضان ثلاثين درساً عن قوانين القرآن الكريم- وهي موجودة بموقعي- هذه القوانين كقوانين الفيزياء، يوجد مقدمات و نتائج، إذا جئت بالمقدمات كما أمر الله فالنتائج محققة.
المذيع:
 أستاذنا الفاضل فتح الله عليك، الآية الكريمة التي بدأنا بها الحلقة:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

 كيف يكون نصرنا لله؟ وكيف ينصرنا الله؟لكن مع فاصل قصير..
 حلقتنا اليوم عن شروط النصر، كيف لي أنا كمسلم أن أنصر الله عز وجل حتى يتحقق وعد الله لي:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

نصر الله يكون بإقامة شرعه :

الدكتور راتب :
 بإقامة شرعه، أن يكون بيتك إسلامياً، أن تدخل الإسلام إلى ذاتك أولاً، ثم إلى بيتك، ثم إلى عملك، وعندئذ تنتهي مهمتك، وإذا كل مسلم أقام هذا الدين في نفسه أولاً وفي بيته ثانياً وفي عمله ثالثاً هذا أكبر نصر للدين.
المذيع:
 أستاذنا بيننا أشخاص ينصرهم الله حقيقة في حياتهم ولكن الأمة لم تنتصر بعد؟

النصر قرار إلهي :

الدكتور راتب :
 غير كاف، عفواً النصر هو قرار إلهي، الإله له قرار فيه حكمة بالغة، وسوف أذكر أنا قانوناً، يمكن قد ذكرته مئات المرات؛ كل شيء وقع في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أرادة الله، سمح به، كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فمهما شاهدنا مآس وزلازل وبراكين وطغيان يجب أن نعتقد أنه:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران: 26 ]

 هذا دين العقيدة، لم يقل: بيدك الخير والشر، قال: بيدك الخير، معنى ذلك أن إيتاء الملك خير، والأخذ خير لحكمة بالغة، والإعزاز خير والإذلال خير، مؤقت، أنا من باب التوضيح أقول: الله عز وجل يأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، يذل ليعز، السلبي سبب، والإيجابي نتيجة وخاتمة.
المذيع:
 أنا أنصر الله بإقامة شرعه في حياتي.
الدكتور راتب :
 في بيتي، وفي عملي، وفي نفسي، وعندئذ تنتهي مسؤوليتي.
المذيع:
 أستاذنا النصر مستويات؟

عظمة الإسلام أنه فردي و جماعي :

الدكتور راتب :
 أنا كفرد مسلم الإسلام عظمته فردي وجماعي، ما معنى فردي؟ يأتي شخص يطبقه وحده من مليار وثمانمئة مليون يقطف كل ثماره الفردية، سعادة، سكينة، طمأنينة، توفيق، أمن، نجاح في بيته، ومع أسرته، وفي عمله، هذا إسلام فردي، أنت حينما تقيم أمر الله في نفسك أولاً وفي بيتك ثانياً وفي عملك ثالثاً استحققت النتائج الفردية فقط، أما إذا أقامت هذا الإسلام فالأمة تنتصر، دليلها، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

المذيع:
 أي النصر الجماعي للأمة، وإزاحة هذه الغمامة، ورفع البلاء عن الدول الإسلامية بحاجة إلى تحرك جماعي؟
الدكتور راتب :
 جماعي، لذلك يد الله مع الجماعة.
المذيع:
 أستاذنا أنا عندما أؤدي دوري كفرد أنا أسقطت حسابي أمام الله؟

من أدى دوره كفرد أسقط مسؤوليته :

الدكتور راتب :
 أسقطت مسؤوليتك إذا أقمت الإسلام في نفسك أولاً، وفي بيتك ثانياً، إذا هذه الشاشة مفتوحة على ثلاثمئة محطة، وأنت دخلت لتنام أنت وزوجتك الساعة الحادية عشرة، وهذا الولد قام في الليل، وفتح المحطات، وارتكب مخالفات، حتى مع أخته يرتكبها، أليس هذا خطأ كبيراً؟ يجب أن يكون هناك ضبط، ليس من المعقول أن يكون كل شيء مفتوحاً، أنا أنصح الأخوة المستمعين هذه الشاشة لا بد من ضبطها.
المذيع:
 أستاذنا أنتقل إلى آية أخرى من آيات النصر:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 160]

 ما المقصود بها؟

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

الدكتور راتب :
 مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تؤدي أسباب النصر ثم لا تنتصر، لأن الله لا أحد فوقه، هذا وعد إلهي، سأقول كلمة ثانية: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وأنا أخاطب الشباب: هناك جانب من الدين فردي وليس جماعياً، أيها الشاب غض بصرك، اضبط لسانك، اضبط شهواتك، قبل الزواج حرر دخلك، كن باراً بوالديك، لك معاملة خاصة، زوال الكون أهون على الله من ألا تتلقى هذه المعاملة الخاصة من الله، بالإسلام لا يوجد يأس، ولا سوداوية، ولا تشاؤم.
المذيع:
 أستاذنا تتمة الآية:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 160]

 من الذين يخذلهم؟

الخذلان عاقبة من لم يطبق منهج الله :

الدكتور راتب :
 هم الذين اكتفوا بمظاهر الإسلام فقط، ولم يطبقوا هذا الإسلام كمنهج، أنا ممكن أرفع راية النصر، وممكن أتكلم كلاماً فيه آيات وأحاديث كله، ليست هذه القصة، هذا المنهج مطبق أم غير مطبق؟ إذا مطبق تنتصر بلا دعاء، وإذا غير مطبق لا تنتصر ولو عملت مليون دعاء، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
المذيع:
 الآية الثالثة قوله تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 يأتيك من الناس من يقول: إن من قوم الله المؤمنين بل والمجاهدين وربنا لا ينصرهم ومنهم معتقلون؟

الإيمان تصديق وخضوع والكفر تكذيب وإعراض :

الدكتور راتب :
 اسأله: ما هو الإيمان أولاً؟ لعلك تقول: الإيمان أنك أعلنت الشهادة، الإيمان بالمناسبة تصديق وخضوع، والكفر تكذيب وإعراض، الإيمان ليس تصديقاً وحده، أنت صدقت برسول الله نبياً ورسولاً، صدقت بالفرائض والواجبات، لكن لا بد من أن يكون مع هذا التصديق استقامة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت: 30]

 هذه ألا تخافوا ولا تحزنوا مذهلة، الله دمج الوقت كله بهذه الآية، لا تخافوا من المستقبل ولا تندموا على ما فات، لا تخش مما هو آت، ولا تندم على ما فات.
المذيع:
 حديثنا عن شروط النصر والحديث في العلاقة التي تربط الإنسان بالخالق سبحانه وتعالى، عندما يأخذ الإنسان بالأسباب ثم يتوكل على الله هل هذا الترتيب مقصود؟

ضرورة الأخذ بالأسباب أولاً ثم التوكل على الله ثانياً :

الدكتور راتب :
 أن تأخذ بالأسباب أولاً بداية، النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب أولاً ثم دعا.
المذيع:
 أستاذنا إن لم نأخذ بالأسباب واكتفينا بالدعاء؟
الدكتور راتب :
 لا تقدم ولا تؤخر، لا تبتعد شخص معه قرحة في المعدة، جاء الطبيب قال له: مرضك له شفاء تام بهذه الأدوية، أنت أخذت الأدوية قرأتها وأنت طليق باللغة الإنكليزية، وفهمت كل دواء ما مضمونه، ولكن ما أخذته، كل المعلومات التي في الدين إن ما قلبت إلى سلوك، إلى تطبيق، لا قيمة لها.
المذيع:
 أستاذنا ولو أخذنا بالأسباب ولم نتوكل على الله؟
الدكتور راتب :
 لا تنجح، هذه اسمها سيدي: شرط لازم غير كاف، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، الصحابة وهم قمم البشر قالوا في ألسنتهم أو في نفوسهم:

(( لن نغلب من قلة ))

[أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]

 وفيهم رسول الله لم ينتصروا، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كان صلاح الدين يسجد لله، والله يوجد دعاء اخجل أن أقوله، كان يقول: يا ربي من هو الكلب صلاح الدين حتى تنصره؟ انصر دينك.
المذيع:
 هذا كان يهذب نفسه ويذكرها أن النصر من عند الله، الصحابة الكرام وبينهم النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل لبعضهم شيء من الإعجاب..
الدكتور راتب :
 غلبوا وفيهم سيد الخلق، هذا قانون، تقول: قانون، وانتهى الأمر.
المذيع:
 أستاذنا وفي بعض المعارك كانوا قلة والمشركين أضعافاً كان النصر من الله.
الدكتور راتب :
 هناك شيء اسمه الرعب، قال تعالى:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 151]

المذيع:
 بالمقابل هم أخذوا بما يمتلكون من أسباب.

الأخذ بالأسباب المتاحة :

الدكتور راتب :
 جزاك الله خيراً على هذا السؤال، أن تأخذ بالأسباب المتاحة، قال تعالى:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[سورة التغابن:16]

المذيع:
 لو جيش للمشركين فيه مئة ألف، ونحن قوتنا عشرة آلاف، بالحسبة في الدنيا نحن لا نوازيهم، ولا نملك أكثر من ذلك.
الدكتور راتب :
 ننتصر، لا دخل للعدد إطلاقاً، قال تعالى:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

المذيع:
 أن نبدأ بأخذ الأسباب المتاحة بين أيدينا، ثم نتوكل على الله حق التوكل، في تلك اللحظة نسمع قوله تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

 ما أجمل هذه المعادلة.. معنا اتصال أبو طه:
 سيدي في سورة التوبة، أنا أقول إنها توجيه ووعيد من الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾

[ سورة التوبة: 38-39 ]

الدكتور راتب :
 أنا أدعو دعاءً مقتبساً من هذا الدعاء: اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 38]

المذيع:
 تتمة الآية:

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ﴾

[ سورة التوبة: 39 ]

 ما الذي يحصل في الاستبدال هنا؟

الإيمان علاج الخوف من مواجهة العدو :

الدكتور راتب :
 الإنسان حينما يجبن أمام مواجهة العدو إذاً عنده ضعف إيمان.
المذيع:
 أليس الخوف فطرياً من المعارك والعدو؟
الدكتور راتب :
 طبعاً، لكن علاجه الإيمان، الإنسان يخاف من مرض، ولكن هناك آيات صريحة واضحة كالشمس أن الله تكفل بنصرة عباده المؤمنين، الآن تسمى في الحرب: التوجيه المعنوي، هذه حلقة توجيه معنوي لا تيئس، اليأس يقترب من الكفر، وانتهينا، وانتهت الأمة، ولن تقوم لنا قائمة، وهذه الأمة لا تموت، قد تنام.
المذيع:
 أستاذنا سؤال اليأس يقترب من الكفر، هذا يرتبط بالمفهوم الديني أم بكل شيء؟

الدعاء أعظم شيء في الإسلام :

الدكتور راتب :
 بالأمور الدينية، إذا شخص لا يملك أجرة بيت هل يطمع في بناء ثلاثين طابقاً؟ المذيع:
 لو يئس في هذه الحياة ولا يوجد عنده طموح هل هذا مرفوض شرعاً؟
الدكتور راتب :
 طبعاً الله كبير عنده كل شيء، مثلاً اطلب زوجة صالحة، دخلاً مريحاً، اطلب دكتوراه من الله، أعظم شيء في الإسلام الدعاء.
المذيع:
 كثير من الذي ييئسوا يقولون: العرب لن تقوم لهم قائمة بحسن نية.
الدكتور راتب :
 بحسن نية مع جهل طوية.
المذيع:
 ترامب أو نتنياهو قال كلمتين، أستاذنا نشعر بالخزي أننا ننتمي إلى هذه الأمة بسبب هذه العبارات، ما رأي فضيلتكم ممن يكثر من هذه التصريحات؟

الأمة الإسلامية أمة لا تموت و هي موعودة بالنصر :

الدكتور راتب :
 والله هذا الكلام الذي فيه عجرفة وغطرسة يجب أن نركله بأقدامنا.
المذيع:
 نحن أمة لا نموت..
الدكتور راتب :
 لا نموت إطلاقاً، أمة موعودة بالنصر، وهناك آية دقيقة جداً:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 كنتم بمعنى أصبحتم بهذه الدعوة، ما علة هذه الخيرية؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران:110 ]

 لكن ليس بدافع الذكاء :

﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران:110 ]

الله مع المؤمنين بالنصر و الحفظ و التأييد :

 الآن، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

 أقسم بالله هذه الآيات ترتقي لمستوى أدق القوانين في الحياة:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟ لهذه المعية معنيان دقيقان؛ معية عامة، ليس لها قيمة إطلاقاً، الدليل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[سورة الحديد: 4]

 معكم بعلمه، الله تعالى عندما يقول لك:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 معهم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق.
المذيع:
 النصر ونصر المسلمين هل هو نفسه الاستخلاف في الأرض؟

نصر المسلمين و استخلافهم في الأرض :

الدكتور راتب :
 نعم، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي دين؟ دين الخرافات، والشطحات، والكرامات، قال تعالى:

﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 دين النص الصحيح والعمل الصريح، قال تعالى:

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 الآية انتهت، كلمة واحدة مفتاحها بهذه الكلمة:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 فإذا قصر العباد فيما كلفوا به من عبادة الله فالله في حلّ من وعوده الثلاثة.
المذيع:
 والمفتاح الأساسي لهذه الوعود العبادة.

العبادة هي المفتاح الأساسي لوعود الله :

الدكتور راتب :
 العبادة ليس بالمعنى الشعائري بل التعاملي:

((ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام))

[ورد في الأثر]

 الشعائرية سهلة جداً؛ من كان يصلي، أما بيدك بضاعة، والناس بحاجة لها، وتحتكرها، وتخفيها، وتشتريها من السوق، ثم تضاعف سعرها ثلاثة أضعاف على الفقراء.
المذيع:
 معنا اتصال أبو محمد: السلام عليكم، ما العلاقة بين صلاحنا وفلاحنا وانعكاسه على المجتمع والنصر الذي إن شاء الله ننتصره؟ هل يجب أن ننتظر حتى تصبح الأمة على قلب رجل واحد؟

النصر فردي و جماعي :

الدكتور راتب :
 لا، يوجد مليون نصر فردي، مليون نصر لأسرة منضبطة، مليون نصر لمؤسسة منضبطة، مليون نصر فردي، أما الجماعي فعام.
المذيع:
 حتى يتحقق النصر الحقيقي ويرفع الغمام عن أخواننا في سوريا والعراق وفلسطين وبورما واليمن ومصر هل سننتظر حتى هذه الأمة كلها ينصلح حالها؟
الدكتور راتب :
 أريد أن أعمل تعليقاً أتمنى أن يكون دقيقاً، يوجد صلاة، صوم، حج، زكاة، هذه عبادات شعائرية، لكن يوجد كسب حرام من بضاعة محرمة، نضع مواد كيماوية في بضاعة حتى يفتح لونها، و هذه المواد مواد مسرطنة، اترك لي موضوع الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، يوجد مواد مسرطنة ترفع سعر السلعة، أنت تربح عشر ليرات في الكيلو على حساب صحة المواطنين، لو تصلي مليار ركعة لن تستفيد شيئاً، الأمانة دقيقة جداً، الصناعة أمانة، التجارة أمانة، بضاعة قلت في السوق ضاعفت سعرها صرت محتكراً.
المذيع:
 أستاذنا إذا لم تهتد كل الأمة، يوجد أناس أصروا أن يبقوا على باطلهم، هل الصالحون سيدفعون الثمن؟

أكبر نصر أن ينتصر الإنسان على ذاته :

الدكتور راتب :
 لا، اسمع القرآن الكريم:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

[ سورة الأنعام: 164 ]

المذيع:
 متى يتحقق النصر لكل الأمة وبقي بعض الناس على معاصيهم؟
الدكتور راتب :
 إذا الحكمة الإلهية تقتضي النصر ننتصر.
المذيع:
 أنا دوري أقيم الإسلام في نفسي وأدعو غيري لعل الأمة تتحرك.
الدكتور راتب :
 وهذا سيدي أكبر نصر، أن تنتصر على ذاتك، مبدئياً هذا النصر الدعوي، و هناك نصر أمة، و نصر شخصي، أنت عندما تركت الشهوات المحرمة واستخدمت العدل في البيع والشراء أنت انتصرت على شهوتك، ممكن أنت تضيف مادة مسرطنة تضاعف أرباحك، ممكن أن تضع في النباتات هرموناً مسرطناً يكبر حجم الحبة وهي مسرطنة.
المذيع:
 أستاذنا في قوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 60 ]

إعداد القوة المتاحة لهزيمة العدو :

الدكتور راتب :
 رحمة الله بنا بهذه الآية، ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، من رحمته بنا كلفنا أن نعد القوة المتاحة فقط، رحمته بنا بالقوة المتاحة لا المكافئة، والدليل:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

المذيع:
 كثير من الناس يتألمون لما يحدث للأمة الإسلامية والمقدسات، في سوريا وفلسطين والعراق وبورما، في كل مكان، بالمقابل حجم الانشغالات والتكاليف ومتابعة هذه الحياة قد ينسيك هذا الهم، كيف ممكن أن يعيش متوازناً؟

بطولة الإنسان أن يوازن بين الحقوق والواجبات :

الدكتور راتب :
 أنا أقول وكلامي دقيق جداً: كل بطولتك بالتوازن بين كل الحقوق والواجبات، مثلاً نحجت في عملك نجاحاً مذهلاً، أهملت أولادك لم يدرسوا، دخلوا إلى السينما أثناء الدوام، وقال لك: أنا كنت في المدرسة، خسرت أربعة أولاد لو يدرسوا، إذاً اهتمامك بتجارتك ما كان جيداً، لابد من التوازن، هناك حق لعملك، وحق لصحتك، وهناك أمراض كثيرة تأتي من إهمال الصحة، لذلك أنا ماذا أقول؟ ما هو النجاح والفلاح؟ النجاح جزئي، قد تنجح في جمع المال، بيل كيت يملك ثلاثة وثمانين مليار دولار، قد تنجح في ارتقاء منصب رفيع، قد تنجح في زواجك، قد تنجح في اختيار حرفة أرباحها كبيرة ودوامها قليل، كله نجاحات، لكن ما هو الفلاح؟ أنا اجتهادي الشخصي أن تنجح مع الله معرفة وعبادة وطاعة وتقرباً، وأن تنجح في بيتك، أن تكون أباً ناجحاً، بيتك منضبطاً، أولادك تربيتهم عالية جداً، زوجتك منضبطة في خروجها، وبناتك منضبطات، وأن تنجح في عملك، لا يوجد غش ولا تدليس، وأن تنجح مع صحتك، أربعة نجاحات، أن تنجح في بيتك.
المذيع:
 أستاذنا النجاح شامل؟
الدكتور راتب :
 نعم، النجاح الشامل يصير فلاحاً، إذا النجاحات تعددت وغطت كل حاجاتنا، تريد نجاحاً مع ربك معرفة وطاعة وعبادة وإقبالاً وتقديم أشياء كبيرة له، ونجاحك مع صحتك، ونجاحك في بيتك، مع زوجتك، وأولادك، وبناتك، وأصهارك، وفي عملك وتجارتك، هذا هو الفلاح، لذلك حينما تقرأ في القرآن الكريم كلمة:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

 هذه النجاحات المتعددة.
المذيع:
 دكتور بعيداً عن التشاؤم الذي حذرتنا أن نقع فيه والإحباط، أختم سؤالي الأخير من قوله تعالى:

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم: 4-5]

 ما المقصود بفرح المؤمنين؟

فرح المؤمنين بنصر الله :

الدكتور راتب :
 أنا من حسن الظن الذي أمرنا به لا يوجد محنة إلا بعدها منحة من الله، وقد تتأخر قليلاً، وما من شدة إلا بعدها شدة إلى الله.
المذيع:
 حفظكم الله، بارك الله بكم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، نختم بالدعاء.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اجعل هذا البلد الأردن آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، والحمد لله رب العالمين.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 بارك الله بكم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي شكراً لكم، نصل بحلقتنا إلى الختام، وكان حديثنا عن شروط النصر، ونلخص ما قاله فضيلة الدكتور أن النصر له مستوى فردي، من أقام شرع الله أي نصر الله في بيته، وفي نفسه، وعمله، وبيئته أكرمه الله بمكافآت النصر كالبركة والسعادة، وعندما تقوم الأمة بنصر دين الله يتحقق لها نصر جماعي، كل منا يؤدي دوره، ويدعو غيره، لعل الله عز وجل يبدل حالنا إلى ما هو أفضل.
 نلقاكم دائماً في موعد جديد وإطلالة جديدة، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS