590
ندوات إذاعية - إذاعة حياة الأردنية - حياة المسلم : مراقبة الله تعالى - إن ربك لبالمرصاد.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-09-26
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع:
  الحمد لله رب العالمين، ربنا صلّ وسلم، وأنعم وأكرم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، نرحب بضيفنا العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، مرحباً بكم شيخنا وأستاذنا.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم
المذيع:
 دكتورنا الكريم حلقتنا اليوم نتحدث فيها انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصادِ﴾

[سورة الفجر: ١٤]

 نتحدث عن مراقبة الله سبحانه وتعالى، وأبدأ مع فضيلتكم في تفسير هذه الآية الكريمة، لكم كتاب من التفسير من عشرة أجزاء صدر مؤخراً فنبدأ بتفسير هذه الآية الكريمة:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصادِ﴾

مراقبة الله سبحانه و تعالى :

الدكتور راتب:
 أولاً: هناك حقيقة دقيقة أبسطها تبسيطاً شديداً، تركب مركبتك، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، لماذا لا تتجاوز هذه الإشارة؟ لأن واضع قانون السير وزير الداخلية علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرته تطولك بسحب الترخيص، أو تحديد مبلغ كبير كغرامة، لأنك موقن يقيناً قطعياً أن واضع هذا القانون علمه يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكنك أن تعصيه، لكن في الساعة الثالثة ليلاً يتجاوز الإشارة، قبل أن يكون هناك كاميرا، لأن علم واضع القانون لا يطولك، لا يوجد شرطي. فالفكرة دقيقة مادام واضع القانون إنسان من بني البشر لأن علمه يطولك ولأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، الله عز وجل  قال:

﴿اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا﴾

[سورة الطلاق: ١٢]

 اختار من كل أسمائه اسمين؛ العلم والقدرة، الله عز وجل علمه يطولك في بيتك، في عملك، في سرك، في جهرك، في بلدك، في السفر، وحدك، مع الناس، علمه يطولك:

﴿ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدورِ﴾

[سورة آل عمران: ١١٩]

 خواطرك يعرفها، تمنياتك، طموحاتك، تخطيطك، فالإنسان عند الله مكشوف، علمه يطولك، وقدرته تطولك، إذاً مستحيل أن تعصيه، فإذا تفكر الإنسان في علم الله وفي قدرته مستحيل أن يعصيه، مستحيل أن يعصي شرطياً، الشرطي مع الشهادات التي يحملها لا يعصيه لأنه عين وزير الداخلية.
المذيع:
 أي إذا أدرك الإنسان أن الله سبحانه وتعالى يراقبه فيفترض أن يعطيه هذا مناعة إيمانية تمنعه من أن يعصيه؟

أعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه :

الدكتور راتب:
 لذلك أعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه:

﴿ وَهُوَ مَعَكُم ﴾

[سورة الحديد: ٤]

 أي إذا أطعته يراك، عصيته يراك، يعلم ما أضمرت، ويسمعك إذا تكلمت، ويعطيك إذا طلبت، و يراك إذا تحركت، فعلم الله محيط بك، لكن الله لطيف، من أسمائه اللطيف، أحياناً يرافقك شخص مدة ساعتين أو ثلاث أو أربع، تقول له: اتركني، لا تتحمل، أما الله فمعكم أينما كنتم، أي وجوده معك لا تحس أن هناك ثقلاً، لأن هناك محاسبة دقيقة الله لطيف وغفور.
المذيع:
 إن ربك لبالمرصاد ما المقصود بالمرصاد؟

الله مع الإنسان في كل زمان و مكان و يرصد عليه أعماله :

الدكتور راتب:
 المرصد مكان مراقبة، أي الله مكانته وألوهيته تقتضي أن يراقبك في كل مكان، سافر إلى أمريكا، أي الإنسان أحياناً في بلده يكون إيمانه ضعيفاً جداً، لكن إيمانه يأتي من خوفه على سمعته ببلده فلا يرتكب أخطاء، إن سافر لا يوجد من يراقبه، فالمؤمن عظمته أنه إنسان مستقيم بأي مكان وأي زمان لأن الله معه.
المذيع:
 إذاً إن ربك لبالمرصاد أي أن الله يرصد علينا أعمالنا.
الدكتور راتب:
 نعم، وسيحاسبنا، أنت حينما توقن أن الله معنا وسيحاسب وسيعاقب لا يمكن أن تعصيه، أنت صعب أن تعصي شرطياً لأنك أيقنت أنه يعلم وسيحاسب بضبط، وسيعاقب بمبلغ.
المذيع:
 دكتور هذا الكلام مقبول إيمانياً تماماً لكن على أرض الواقع النفس البشرية تؤمن بالله لكنها تعصيه.

أكبر مصيبة أن يكون الإنسان غافلاً عن الله :

الدكتور راتب:
 أكبر مصيبة أن يكون الإنسان غافلاً عن الله، أذكر مرة إنساناً أحب أن يمتحن موظفاً عنده في غيابه، لأنه يأتي للمحل قبل مجيء هذا الموظف ويغادر بعده، فهو ترك المحل وجلس في محل أمامه لكنه بعيد وراقبه، فتح الدرج أي الإنسان تحت المراقبة ليس له فضل، مثلاً في أي بلد أوروبي في المحل يوجد كاميرات، إذا السلعة لم يدفع ثمنها يخرج صوت، وتغلق الأبواب أوتوماتيكياً، لا يوجد شخص لا يدفع الثمن ليس خوفاً من الله أو لأنه أمين، يخاف من الفضيحة، فكلما كان الردع مادياً كانت الطاعة بلا قيمة، أما المؤمن فبينه وبين نفسه يخاف الله و يطيعه، لو فرضنا هو جالس في منزله، ويوجد مقابله بيت آخر فيه شرفة، امرأة خرجت متبذلة في ثيابها، لا يوجد جهة في الأرض تكشف إطلاق بصره لهذه المرأة، لكن الله عز وجل موجود، القوانين كلها تنتهي قبل البيت، في الدائرة يوجد مخالفات، لكن يوجد مليون مكان لا يمكنك أن تخالف القوانين كلها، ولا تحاسب بسبب وجود الكاميرات، إلا الله عز وجل هو معك أينما كنت.
المذيع:
 هل يعني إذا وقع الإنسان في المعصية أنه لا يؤمن بقدرة الله؟
الدكتور راتب:
 ساعة غفلة، غفل عن علم الله فارتكب المعصية.
المذيع:
 أيضا قول الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَاعلَموا أَنَّ اللَّهَ يَعلَمُ ما في أَنفُسِكُم فَاحذَروهُ ﴾

[سورة البقرة: ٢٣٥]

 المطلوب حينما أشعر بمعية الله ومراقبته لي هل أخافه أم أحبه أكثر؟

رقابة الله عز وجل أعلى درجة في الإيمان :

الدكتور راتب:
 السياق العام يقتضي ما في أنفسكم من خطأ، من رغبة في المعصية فاحذروه، قرينة تعني أنه جاء خاطر سلبي لا يرضي الله.
المذيع:
 أيضاً قوله سبحانه وتعالى

﴿ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيكُم رَقيبًا﴾

[سورة النساء: ١]

الدكتور راتب:
 أي رقابة الله عز وجل أعلى درجة في الإيمان، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيثما كان، لكن الله رقيب، يعرف النوايا، يعرف الاضطرار، أحياناً يوجد ضرورة، فهذا الذي ارتكب خطأ هو إنسان مضطر، من يعرف ضرورته؟ الله فقط، فعلم الله لصالحنا، إذا شخص نفسه طيبة وطاهرة وعنده خطأ غير مقصود يسامحه الله، لكن أحياناً القانون لا يسامح، والله رب النوايا يعلم أن هذا الإنسان لم يقصد أن يسيء لإنسان، علمك بحالي يغني عن سؤالي.
المذيع:
 دكتورنا الكريم عندما نقرأ هذه الآيات:

﴿يَعلَمُ خائِنَةَ الأَعيُنِ وَما تُخفِي الصُّدورُ﴾

[سورة غافر: ١٩]

﴿ وَاعلَموا أَنَّ اللَّهَ يَعلَمُ ما في أَنفُسِكُم فَاحذَروهُ ﴾

 هل يمكن أن يخاف الإنسان؟

الله وحده يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور :

الدكتور راتب:
 هذه الخائنة قضية دقيقة جداً، أضرب مثلاً عليها، الطبيب مسموح له شرعاً أن ينظر إلى مكان الألم عند المرأة، تشكو من مكان في صدرها مثلاً وهي مضطجعة أمامه على السرير، لو فرضنا استرق النظر إلى مكان لا تشكو منه، لا توجد قوة في الارض تكشف المخالفة إلا الله، جالس في غرفتك والنافذة مفتوحة، ويوجد جارة بالبناء المقابل خرجت للشرفة، من يكشف أنك ملأت عينيك من محاسنها أم لم تفعل؟ لا يوجد إلا الله عز وجل:

﴿يَعلَمُ خائِنَةَ الأَعيُنِ وَما تُخفِي الصُّدورُ﴾

 يوجد مليون قصة ومثل على هذا الموضوع، ولا يمكن أن يستقيم الاستقامة التامة إلا مؤمن.
المذيع:
 طرحت فضيلتكم مصطلح المعية وفيها قول الله سبحانه وتعالى من سورة الحديد:

﴿ وَهُوَ مَعَكُم أَينَ ما كُنتُم ﴾

[سورة الحديد: ٤]

 كيف تكون المعية؟

المعية معيتان؛ معية عامة ومعية خاصة :

الدكتور راتب:
 المعية معيتان؛ معية عامة ومعية خاصة، في قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُم أَينَ ما كُنتُم ﴾

 بعلمه فقط، أي الله يعلم الكافر عندما يعصي، كلمة يعلم كلمة تقريب لنا لأن الفعل فعل الله عز وجل، الإنسان انبعث إلى تحقيق رغبته لكن الفعل فعل الله عز وجل، الانبعاث من الإنسان:

﴿ فَمَن شاءَ فَليُؤمِن ﴾

[سورة الكهف: ٢٩]

 الانبعاث للإيمان، عندما عرف الله صدقه في هذا الطلب يسر له سبل المعرفة، أراد أن يعمل عملاً شريفاً طاهراً حتى لا يكسب مالاً حراماً، علم الله ذلك يسر له عملاً شريفاً طاهراً، الإنسان ينبعث إلى عمل ما، وحينما يعلم اله صدقه في هذا الانبعاث ييسر له العمل، السلف الصالح كان عندما يفتح المحل صباحاً يوجد دعاء لكل التجار: نويت خدمة المسلمين، يوجد تجارة هدفها الربح فقط، يوجد تجارة السعر فيها معتدل يتحمله الإنسان، أي التاجر ليس محتكراً البضاعة وحده أو يضاعف السعر عشرة أضعاف، كلما كان هناك قرب من الله كان هناك رحمة، سيدنا عمر كلما التقى بأحد الولاة، السؤال الأول: كيف الأسعار عندكم؟ أكبر مشكلة الأسعار، أي هذا الموظف أخذ معاشاً كلما ارتفع السعر نزل معاشه، لم يعد هناك قوة شرائية، أي كلنا نذكر عندما كان معاشنا مئة و خمسين ليرة الآن لا يكفيه خمسة عشر ألفاً، العملة فقدت قوتها الشرائية، المعية الخاصة شيء راق جداً، المعية الخاصة معية حفظ ونصر وتأييد:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤمِنينَ﴾

[سورة الأنفال: ١٩]

 معهم أولاً ناصراً، معهم مؤيداً، معهم مصوباً، معهم داعماً... واسعة جداً، أفضل شيء المعية الخاصة، الله مع إبليس، مع الكافر، مع الطغاة، معهم بعلمه فقط، أما مع المؤمن فبقربه.
 لو فرضنا معلم مدرسة، طفل عنده في المنزل وردة حمراء جميلة جداً قطفها وأعطاها للمعلم، المعلم بشر فأصبح عينه عليه، الإنسان عندما يقوم بعمل صالح يكون إنساناً راقياً رحيماً بزوجته، بأولاده، مع زبائنه رحيم ولطيف فيحبه الله، عندما يحبه يُكشف الحجاب بينه وبين ربه.
المذيع:
 إذاً هذه المعية تتحقق للمؤمن الذي يراعي معية الله فيكون الله معه يحفظه ويرعاه؟
الدكتور راتب:
 معية الله شيء مذهل جداً، معك حافظاً، معك مؤيداً، معك ناصراً، معك مصلحاً.
المذيع:
 لو ذهبنا إلى الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم:

(( احفظ الله يحفظك))

[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 هل المقصود هنا المعية؟ أنك إذا حفظت حدود الله فإن الله يحفظك من المكروه؟

من حفظ حدود الله حفظه الله من المكروه :

الدكتور راتب:
 مثلا الزنا جريمة، إذا الإنسان حفظ حدود الله في علاقته بالمرأة أي لم يختلِ بها، حفظ الله بغض بصره، لم يطلق بصره، حفظ الله في التعاملات، أي أتت لعنده امرأة لتشتري لا يتكلم معها كلاماً مرناً، مثلاً هذا الثوب يليق بك، هذا غزل ليس بيعاً أو شراء، لا يوجد كلام:

﴿ فَلا تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذي في قَلبِهِ مَرَضٌ ﴾

[سورة الأحزاب: ٣٢]

المذيع:
 اسمح لي دكتور للتنويه لأهمية هذه النقطة، حتى هناك مجموعة من محلات اللباس الشرعية يوجد مجموعة من الباعة يتحدثون هكذا مع النساء.
الدكتور راتب:
 إذا كان هناك حديث منضبط من دون نغمة، من دون ثناء على المرأة، ممكن هذا اللون مناسب، أما مثلاً ما شاء الهد أنت بيضاء البشرة هذا مختلف، هذا اللون يليق بك، اختلف الوضع.
المذيع:
 دكتور:

(( احفظ الله يحفظك))

[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 هل الحفظ هنا مقصود فيه المعية؟

علامة الإيمان الحقيقية أن الإنسان إذا قصر في العطاء يتألم :

الدكتور راتب:
 الإنسان عندما يتعامل مع المرأة وفق منهج الله، الآن يحفظه الله من أن تزل قدمه في الزنا، حفظ الله في بيعه وشرائه، مثلاً معمل فيه مادة غذائية يضعون مادة حتى يصبح لونها أفتح، مادة غذائية معينة يضعون لها مادة غذائية معينة فيفتح لونها، وتصبح أغلى، لكن هذه المادة مسرطنة، وممنوع وضعها إلا بنسبة واحد بالألف، هو يضع ستة بالألف من يراقبه هنا؟ الله فقط، عندما يساهم أن يضاعف أرباحه بأرباح عالية ولا يهمه صحة الناس وقع في معصية كبيرة جداً، وبالمناسبة المعاصي التي فيها ضرر كلما اتسعت دائرة المتضررين أحياناً عمل فني يذاع في خمس قارات، كم شخص رأى العمل الفني وارتكب بعدها معصية؟ كلما اتسعت رقعة الخطأ يزداد الإثم، وكلما زاد أمد الخطأ، أي يوجد أشياء من عشرين سنة تعاد وتكرر، أعمال فنية لا ترضي الله ومات صاحبها، وهذه الأعمال تبث يومياً، فكل شخص تضرر من هذا البث في قبره من صمم هذا البرنامج وسيحاسب، الأمر ليس سهلاً أبداً، ليس من باب إثارة الخوف بل هذه الحقيقة.
 إله يسخر لك الكون كله من أجل طاعته والجنة، وأنت تبني مجدك على أنقاض الناس؟! أنا أستغرب عبارة دقيقة، يوجد إنسان يبني مجده على أنقاض الناس، حياته على موتهم، غناه على فقرهم، عزه على ذلهم، أمنه على خوفهم، هذا أحقر إنسان في الأرض، هذا الهرم البشري يوجد على رأسه زمرتان؛ الأقوياء والانبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، أما الأنبياء فعاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، الأنبياء بعد موتهم، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، إذا كان يهمك أن تعطي لا أن تأخذ فأنت من أتباع الأنبياء، أقول لك كلمة دقيقة وأعني ما أقول ولا أبالغ: من علامة إيمانك الحقيقية إذا قصرت في العطاء تتألم، أي إذا أتيح له الخير وقصر فيه يندم كثيرا.ً
المذيع:
 نستأذن منكم فاصلاً قصيراً ونعود في حديثنا هذه الحلقة.

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصادِ﴾

 مرحباً بكم شيخنا دائماً وأبداً كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى مرتبة من الإيمان والقوة والثبات أن يكون الله بالمرصاد حقيقة يراقب الله عز وجل فلا يعصيه؟

بطولة الإنسان أن يؤمن أن الله يعلم و سيحاسب و يعاقب :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن إبليس مؤمن بالله، أنا أقول لك: هو مؤمن، الدليل:

﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[سورة ص: ٨٢]

 أما البطولة فأن تؤمن بأن الله سيحاسب ويعاقب، الله موجود يعلم وسوف يحاسب ويعاقب، وأنت بأي جهة حكومية موقن لو أنك إذا أخطأت لا بد من أن تعاقب لا يمكن أن تخطئ، متى تأتي التجاوزات؟ عندما يكون هناك وهم أنه لا يوجد عقوبات، الله يعلم وسيحاسب وسوف يعاقب، ولو شخص في الدنيا لم يعاقب ليس هناك مشكلة، نحن في دار عمل، فقط في الدنيا الله يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، أما الحساب الختامي والقطعي والحصري واليقيني:

﴿ وَإِنَّما تُوَفَّونَ أُجورَكُم يَومَ القِيامَةِ ﴾

[سورة آل عمران: ١٨٥]

المذيع:
 إذاً العدل المطلق يكون يوم القيامة وليس في الدنيا؟
الدكتور راتب:
 نعم، في الدنيا يكافئ فقط بعض المحسنين، وهناك أشخاص ارتكبوا جرائم لا تعقل، وماتوا بجنائز تفوق حدّ الخيال، يوجد أشخاص كثيرون، فالدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، لكن ربنا برحمته بعباده يعاقب بعض المسيئين ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين وردعاً للباقين.
المذيع:
 من جديد لمشاركات مستمعينا الكرام... عامر تفضل؟
السائل:
 السلام عليكم، سؤالي بخصوص الآية نفسها:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصادِ﴾

 أتت بعد قوم سوء فهل هي خاصة بالأمور السيئة؟

أية آية في القرآن إن نزعت منه تصبح قانوناً :

الدكتور راتب:
 أية آية في القرآن بصرف النظر عن سياقها وسباقها ولحاقها، بصرف النظر عن مناسبتها، لو نزعتها من القرآن تصبح قانوناً، أي:

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا﴾

[سورة الطلاق: ٢]

 السياق في تطليق المرأة فقط يعني من يتق الله في تطليق امرأته طلقها المرة الأولى، تسعون يوماً، والثانية تسعون يوماً، والثالثة تسعون يوماً، يجعل الله له مخرجاً لإعادتها، بساعة غضب طلقتها، إذا قلت لها: راجعتك التغى الطلاق، إن وضعت يدك على يدها التغى الطلاق، أما أنت طالق بالثلاثة فهذا غير معقول، لذلك الطلاق له حكم بالغة ولكن لا يستخدم ليلاً نهاراً.
المذيع:
 سؤال أحد الأخوة يستأنس رأيكم بمسألة ولكنه خارج موضوعنا عنده محل تجاري ويبيع فيه الدخان.

تحريم بيع المواد الضّارة :

الدكتور راتب:
 المادة الضارة ممنوع بيعها، أنا عضو بجمعية في الشام تكافح التدخين، ثلاثمئة مادة سامة في الدخان، أنا أقول لك كلاماً علمياً معنى هذا أن هذه المعلومات معلومات دقيقة، والله ما رأيت مدخناً عاقلاً أتلف صحته، أتلف دمه، أتلف دماغه أعوذ بالله، فقط افتحوا الانترنيت واكتبوا مضار التدخين.
المذيع:
 إذاً بيعه أيضا مشاركة؟
الدكتور راتب:
 ما حرم فعله حرم التعامل معه، حرم بيعه، حرم المتاجرة به.
المذيع:
 وإذا كان يخشى أن يتوقف عن بيع الدخان أن يتوقف جزء كبير من نشاطه التجاري؟
الدكتور راتب:
 ما قولك إن خشيت الله العظيم القدير الرحيم أن يقل دخلك؟ والله إن لم يأته عشرة أضعاف أنا المسؤول، تخاف منه، تخاف أن تبيع عباده مادة ضارة بهم ويقل دخلك؟ مستحيل، هذا كلام مستحيل.
المذيع:
 شيخنا أنتقل مع فضيلتكم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإحسان، قال:

(( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))

[ مسلم عن عمر بن الخطاب ]

 كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المرتبة يتعامل مع الله وكأنه يراه؟

ارتباط ارتقاء العلم بارتقاء المعرفة بالله :

الدكتور راتب:
 كلما ارتقى علمه بالله عز وجل ترتقي معرفته به.
المذيع:
 وكيف يرتقي علمه بالله عز وجل؟
الدكتور راتب:
 الإنسان مؤمن بالفطرة أن الله موجود، والله يذكر ألفاً و ثلاثمئة آية في القرآن تتحدث عن الكون، وآية الأمر تأتمر فيها، آية النهي تنتهي، آية القصة تتعظ:

﴿وَالضُّحى*وَاللَّيلِ إِذا سَجى﴾

[سورة الضحى: ١-٢]

﴿وَالشَّمسِ وَضُحاها﴾

[سورة الشمس: ١]

 لماذا هذه الآيات؟ للتفكر، الدليل:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 الفعل مضارع، والمضارع يفيد الاستمرار:

﴿ وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ ﴾

 أمامي كأس ماء، هذا الماء فيه خاصة، لولاها لما كان هذا اللقاء، ولا الإذاعة، ولا الأردن، هذا الماء ينفرد من بين كل العناصر أن تسخينه مثل أي عنصر تسخنه يزداد حجمه، وعندما تبرده ينكمش، يقل حجمه، إلا عندما يصل إلى الدرجة الرابعة إذا بلغها يزداد حجمه، لو كان القانون يستمر بتحجيمه الصغير تتجمد البحار، وتزداد كثافتها، فتغوص في أعماقها، بعد حين تتجمد جميع البحار، ينعدم التبخر، تنتهي الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، هذه الخاصة الاستثنائية بالماء، انظر إلى عظمة الله عز وجل، هذا الماء بالدرجة الرابعة يزداد حجمه، إذاً البحار تبقى دافئة وسائلة، والتبخر قائم، والمطر قائم.
المذيع:
 إذاً هذه القضية الإيمانية موجودة في قلب الإنسان أن يستشعر بمراقبة الله عز وجل، فإن نجح بها كان الله معه وأسكن قلبه بالإيمان؟
الدكتور راتب:
 وأريد أن أطمئن أخواننا المستمعين أنا أعني ما أقول... ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تسري من خلالها، حرمان لا يوجد في الدين.
المذيع:
 دكتور يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:

﴿وَإِن تَجهَر بِالقَولِ فَإِنَّهُ يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى﴾

[سورة طه: ٧]

 معرفة الله لما كان سراً ولما كان أخفاه؟

الله تعالى وحده عليم و رحيم و خبير :

الدكتور راتب:
 السر هو ما تعلمه أنت فيما بينك وبين نفسك، أما أخفى فما خفي عنك، لأنه علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان سيكون.
 مثلاً هذا الإنسان الذي دخله خمسمئة دينار لو جاءه مليون دينار ماذا يفعل؟ لا أحد يعرف، لكن الله يعرف، يوسع بيته، يعصي، يتصدق، يبني مسجداً، لا أحد يعلم، لكن وحده الله يعلم لأنه خبير، فلذلك علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان سيكون، لذلك:" إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه" الله يعلم نقطة ضعف كل إنسان فالله هو الرب، هو الحكيم، هو الرحيم، أحياناً يسوق له شيئاً يتحمله، وإذا رفع مستوى الابتلاء يمكن أن يكفر، فالله رب رحيم. أحياناً يكون هناك رحمة بلا علم، كيف؟ يكون الإنسان معه قرحة في المعدة، والطبيب منعه من أكلات معينة، وأمه تحبه كثيراً، لكيلا ينحرم منها تطعمه إياها، فيقلب الالتهاب إلى قرحة، الله عليم ورحيم، أما الإنسان فقد يكون رحيماً ولكن ليس عليماً.
المذيع:
 أيضا أنتقل معكم لقوله تعالى:

﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ﴾

[سورة الحديد: ٣]

الدكتور راتب:
 المطلق في القرآن على إطلاقه، لو فرضنا هذه الأرض فيها بترول، أي شيء يخطر في بالك، يوجد بترول، معادن، هذا الإنسان يبقى قوياً أم يتدمر لا أحد يعلم، الله علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فالله أعلم، عندي حالتان؛ غيب وشهادة؛ الشهادة بين أيدينا، هذه طاولة، ساعة، لاقط مثلاً، الغيب ما غاب عنك والله يعلمه.
المذيع:
 دكتور حينما ينظر الإنسان للعلاقة التي تربطه بالخالق عز وجل يشعر بالأنس مرة، وبالخوف مرة أخرى، بالأنس أن ربنا معك يسمعك، حتى الدعاء الذي لم يخرج يعلمه، ما تتمنى ربنا يحققه، وبنفس الوقت ربنا يحاسبك على الكلمة، وعلى النظرة، وربنا يعلم حتى بالنوايا الطيبة يعلم خائنة الأعين، كيف يعيش المسلم بالمزج بين هذين الإحساسين؟

معرفة الإنسان بالفطرة أن عمله يرضي الله أم لا :

الدكتور راتب:
 ابن أسرة راقية، الأب راق، والام راقية، دخل الابن ومعه جلاء فيه علامات تامة، ويوجد ثناء على أخلاقه، كيف يدخل إلى المنزل؟ بابا انظر، يفتخر، يحضنه والده ويهديه هدية مثلاً، أما إذا كان قد أخذ صفراً بالرياضيات فلا يخبر والده، الإنسان يعرف بالفطرة هذا العمل يرضي الله أم لا، العمل الذي يرضي الله يقربك آلياً من الله، الابن عندما دخل معه الجلاء فيه علامات تامة رأساً عانق والده، لو كان آخذاً الصفر لا يعانق والده، يبتعد عنه ويدخل لغرفته، المعصية حجاب بينك وبين الله، أكبر عقاب يصيب المؤمن أن يحجب عن الله، والدليل:

﴿كَلّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ﴾

[سورة المطففين: ١٥]

المذيع:
 هذا المؤمن دكتور؟
الدكتور راتب:
 طبعاً لأن الكافر لم يتصل أساساً حتى يكون هناك حجاب.
المذيع:
 إذاً أستشف من هذا الكلام إذا كان الإنسان حجب عن الله مثلاً صلى فلم يخشع فشعر بالألم فهذه علامة إيمان؟
الدكتور راتب:
 علامة طيبة حتى قال بعض العلماء: من صلى فلم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله فلم يشعر بشيء، فليعلم أنه لا قلب له؟
المذيع:
 في دقيقتنا الأخيرة لكي نبشر الناس كيف يعيد هذا القلب؟

التوبة طريق كل إنسان غافل :

الدكتور راتب:
 الصلحة بلمحة، الله ينتظرنا، لا يقبلنا وإنما ينتظرنا، الله عز وجل ينتظر عباده أن يتوبوا إليه، ويفرح بتوبتهم، يفرح بتوبة عبده المؤمن:

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

المذيع:
 دكتورنا الكريم نختم حلقتنا بالدعاء، ونسأل الله تعال القبول.

الدعاء :

الدكتور راتب:
 بسم الله، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آلة وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS