445
محاضرات وندوات مصورة – تركيا – مدينة صقاريا - ديناً قيماً 2 - محاورة بين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي وفضيلة الدكتور عمر عبد الكافي – الحلقة16: الابتلاء بنوعيه ابتلاء الفرد وابتلاء الأمة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-06-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المشاهدون؛ لازلنا في برنامج: " ديناً قيماً " ولا زلنا بصحبة عالمنا الجليل والمربي الكبير الدكتور عمر عبد الكافي، جزاه الله خيراً على ما يتفضل به من معلومات دقيقة، ونحن في موضوع الابتلاء، والابتلاء كما تعلمون علة وجودنا، تفضل..

أنواع الابتلاء :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 أحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد؛
 نستطيع أن نقول: إن الابتلاء خاص وعام، الابتلاء الذي يشعر به الفرد في حياته الخاصة، والابتلاء العام الذي تشعر به الأمة في مجالها الذي نراه اليوم، إذا اهتم الإنسان في ابتلائه الخاص فقط ونسي الابتلاء العام للأمة هذا إنسان سوف يظل مبتلى.
الدكتور راتب :
 انسحب من الأمة.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 الأمر الثاني؛ الابتلاء العام ثمرة للابتلاء الخاص، عندما ابتلي المؤمنون، إنما يريد الله أن يمحص، فإن لم يخرج من الابتلاء، ويسمى فتنة الذهب، أن يعرض على الأتون ويصهر ثم لا يصير ذهباً إلا إذا صهر، فيصهر الإنسان المؤمن بالابتلاء، لماذا؟ لأن الابتلاء هو الذي يشعر العبد بذلته لله، ونصر الله لا يأتي للعبد إلا وهو ذليل لله، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 لا يحدث النصر إلا في حالة ذلة لله، ولذلك وصف الله المؤمنين أنهم مع المؤمنين أذلة، مع غير المؤمنين أعزة، فالمؤمن إذا ابتلي ما أنواع الابتلاءات؟ الابتلاءات كلها هينة إلا مصيبة الابتلاء في الدين، الابتلاء في الدين مصيبة لا عوض لها إلا إذا أفاق العبد، أي إنسان مستقيم يصلي ويصوم، ويؤدي الحقوق، فجأة تحول إلى مرتش، تحول إلى جبروت، تحول إلى فاسق، تحول إلى منحرف، خلعت حجابها، هذا ابتلاء في الدين، وهذا الابتلاء هو الابتلاء الحقيقي، وهو الذي يقصم ظهر الأب الصالح، والأم الصالحة، لأنهم قد يكونوا قد تهاونوا يوماً، أو نسوا أولادهم يوماً فانسحبوا مع مجموعة، هذا الابتلاء يقول الحسن البصري: أحمد الله في الابتلاء على أمور أربعة: أن الله اختارني لأكون أهل ابتلاء، وهذا شعار الصالحين، لم يكن أكبر من ذلك، أي ابتليت بصحتي المال موجود، ابتليت بالمال العمل موجود وهكذا، ورزقني الصبر عليه، ثم يثيبني يوم القيامة الخير الكثير، لكن أهم شيء أنه ليس ابتلاء في الدين، أنت مواظب على دين الله، مواظب على أركان الله، على فرائض الله، لكن القضية في الابتلاء العام، ابتلاء الأمة، هذا يا مولانا نريد أن تفيض علينا مما أفاض الله عليك، أي هذا الذي نراه الأمة وقد صارت بهذا الشكل، شراذم، و يعيب بعضها على بعض، ويسلم بعضها للآخرين.

عظمة الإسلام أنه دين فردي و جماعي :

الدكتور راتب :
 سيدي زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وعود الله للمؤمنين ثابتة ومستمرة، لأن إله الصحابة إلهنا، فلذلك نحن عندما نثق بوعد الله عز وجل، ونسعى، لكن أنا مضطر أن أقول إن الإسلام من عظمته أنه دين فردي ودين جماعي، لو طبقه الفرد المسلم وحده في نفسه أولاً، وفي بيته، وفي عمله، حقق كل نتائجه الفردية، يوجد سكينة، واستقرار، وسعادة منزلية، وأولاد أبرار، وبنات صالحات، وزواج ناجح، وعمل شريف، ودخل معقول، حقق كل أهدافه الدنيوية، أما حينما يصاب الإنسان في دينه فهنا المشكلة، أي أكبر مصيبة كما تفضلتم على الإطلاق مصيبة الدين، هذا الدين الذي هو منهج حياتي، الذي هو سبب سعادتي، سبب سلامتي، سبب دخول الجنة، هذا أهمله، يأتي إلى الموت أصعب شيء الموت، عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 سيدي معظم الناس يعيش واقعه وماضيه، يقول لك: أنا مهندس درست في القاهرة، وواحد بالألف الذي يعيش المستقبل، لماذا؟ يوجد هروب بالعقل الباطن لأن المستقبل فيه موت، والموت من قصر إلى قبر، من زوجة وأولاد وتجارة وسيارتين أو ثلاث إلى قبر، شيء مخيف أنا أرى ما لم يدخل الإنسان الموت- لا يوجد حدث أكثر واقعية من الموت- في حساباته، طبعاً يتزوج، يعمل، ينال شهادة عليا، لكن يوجد عنده منهج يمشي عليه.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 نحن الآن الأمة فيها ابتلاء عام، ضعفت، وصارت شراذم، وصرنا على الساحة ينظر إلينا نظرة المتهم، وكأن الإسلام صار سبة في جبين الإنسانية، هذا الابتلاء كيف نعود بالأمة إلى بناء القواعد من جديد؟

كيفية العودة بالأمة إلى بناء القواعد من جديد :

الدكتور راتب :
 سيدي أنا فيما أرى ولعلي على صواب الأمة مرت بابتلاءات أصعب من هذه التتر والمغول ومع ذلك نجونا من هذه الابتلاءات، الله عز وجل عنده كل الخير، أما الإنسان عندما يغلق المستقبل يكون أحمق، الله عز وجل عنده شيء لا يخطر في بالنا إطلاقاً، أنا عليّ أن أطيع الله، وأن أنتظر الجزاء من الله.
 عندنا قضية أدّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، أنا عندي دائرة نفسي أولاً، وبيتي، وعملي، ومن حولي، إذا أنا نفذت أوامر الله بهذه الدوائر المحاسب عنها أديت الذي عليّ بقي الذي لي، فنحن يجب أن نفهم الدين مرة فهماً فردياً ومرة فهماً جماعياً، الجماعي نحتاج إلى توبة عامة، إلى صحوة عامة، إلى قفزة عامة.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 قال تعالى:

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة النور: 31]

الدعوة إلى الله أعظم عمل على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 جميعاً لأن التوبة الخاصة لا تقدم ثماراً، التجار عندما يأكلون كلهم المال الحلال، اختلف الوضع، نحتاج إلى توبة عامة، هذه مهمة الدعاة، يمكن أنا فيما أرى وأنت توافقني، لا يوجد عمل أعظم عند الله من الدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33 ]

 الدعوة إلى الله تقترب من صنعة الأنبياء، لكن الناس يريدون مثلاً أعلى، عندنا دعوة كلامية، ودعوة حالية، ودعوة كقدوة، القدوة قبل الدعوة، و الإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع، ومخاطبة القلب والعقل معاً..

ضرورة أن يكون للأمة هدف واضح تسعى إليه :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 أنت مولانا تذكرني يجب أن تكون استراتيجيتنا واضحة، يقال في عالم الحيوان: سمكة القرش يحيط بها آلاف الأسماك، في خيالها أنها سوف تلتهم ألف سمكة، تجري خلف هذه السمكة فتهرب منها، وراء أخرى، و وراء أخرى، تموت جوعاً لعدم وضوح الاستراتيجية، وعدم التكتيك المضبوط، الأسد يختلف، الأسد عندما يجد قطيعاً من الظباء يحدد غزالة بعينها، يجري خلفها، هدف واضح، حتى إن سقطت بين أقدامه غزالة أخرى لا يأخذها، وإنما حدد فريسته، وضوح التكتيك، وضوح الاستراتيجية، نحن يجب أن نكون بمفهوم الأسد ملك الغابة بهذه القضية، أما أن نكون بمفهوم سمكة القرش فهذه مصيبة، يضربون المثل في الإدارات الناجحة وغير الناجحة، بالمدير الثعلب، والمدير القنفذ، الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً لكن كبيراً، كيف؟ الثعلب إن فشل أن يأخذ صيده من على الشجرة اختبأ في الشجرة الثانية، وإلا يدخل من النافذة، كثير الحركة، وقليل الصيد، القنفذ له هدف واحد يتمحور على نفسه فقط طوال حياته فيعيش آمناً، يقال: إن الإدارات الناجحة أو المدير الناجح هو الذي يكون عنده هدف واحد، فإذا ارتفعنا قليلاً وكنا في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم اتهموه بالسحر، وبالكهانة، وأنه شاعر، لم يثبت لنا مرة أنه ردّ تهمة عن نفسه وقال ..لأن أمامه هدفاً واحداً..
 حتى في عالم الطيور إذا الغربان آذت النسر وضايقته، يطير عالياً بعيداً عنها، ولا تستطيع أن تطير، وتنتهي المسألة:

كن كالصقور على الــذرا  تصغي لوسوسة القمر
لا كالغراب يطارد الجيف  الحقيـــــــرة في الحفـــــــر
* * *

 أي الإنسان بهذه الهمة العالية، إذاً أدب الابتلاء في كلمتين..

الابتلاء مصيرنا و قدرنا :

الدكتور راتب :
 سيدي علة وجودنا قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾

[ سورة الملك : 2 ]

 لام التعليل، علة وجودنا، والابتلاء مصيرنا، والابتلاء قدرنا، والابتلاء سبب نجاحنا، والابتلاء عام، مستحيل إنسان يصل إلى الجنة دون أن يبتلى، والبطولة لا أن تنجو من الابتلاء بل أن تنجح في الابتلاء.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 إذا وافقتني، هل نجاحي بالابتلاء بالصبر والاصطبار والمصابرة ثم المثابرة على أخذ العبرة لماذا؟ ما هي الحكمة في هذا الأمر؟

البحث عن الإيجابيات دائماً و الابتعاد عن السلبيات :

الدكتور راتب :
 إنسان عنده مشكلة إذا كان يستطيع أن يحلها ولم يحلها، هذا كسول، هذا فقر الكسل، وعندنا فقر القدر، وعندنا فقر راق جداً هو فقر الإنفاق، فقر الإنفاق سيدنا الصديق أنفق كل ماله، الكسل لا يوجد عنده استعداد ليتحرك، وفقر القدر معه عاهة، فنحن إن شاء الله أنا أحب أن أكون متوازناً، هناك إيجابيات لم تكن من قبل، و تطور قد لا يرى، الإنسان يميل للسلبيات دائماً، و لكن عندنا إيجابيات، مثلاً قبل عشرين أو ثلاثين سنة لو دخلت إلى جامع الأعمار من الثمانين فما فوق، الآن كله شباب، المحجبات كثر، صار هناك وعي ديني، صار الدين مطروقاً بكل وسائل الإعلام، يوجد نعمة كبيرة، أنت سيدي تلقي درساً يسمعه الناس في القارات الخمس، يصل إلى أستراليا، إلى كندا، إلى البرازيل هذه نعمة كبيرة، العالم كان خمس قارات، صار قارة، صار بلداً، صار مدينة، صار بيتاً، صار غرفة، صار مكتباً، اليوم سطح مكتب العالم كله.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 الله يرضى عنك، والله نسأل الله عز وجل ألا يكون ابتلاؤنا في ديننا، وأن يرفع هذا الابتلاء عن الأمة، ونحن نريد أن نوجه كلمة إلى أهل الابتلاء في بقاع الأرض من اللاجئين على الحدود، ومن المضطهدين في كل مكان، نقول لهم: اصبروا وصابروا ورب العباد هو الرحمن الرحيم.
الدكتور راتب :
 لكن مع الصبر والمصابرة تحركوا، ابحث عن عمل، ابحث عن عمل ترقى به، حاول أن تعمل حركة، أن تخفف عنك البلاء.

خاتمة و توديع :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 جزاك الله خيراً، وبارك الله بك، ونفع بك، ولا تنسونا أخوتي في الله من دعائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS