364
ندوات تلفزيونية - قناة الشروق الفضائية : مقاربات عن التدبر في الكون.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2017-03-10
بسم الله الرحمن الرحيم

العلاقة بين الكون و القرآن :

المذيع:
  ما هي العلاقة بين الكون والقرآن؟
الدكتور راتب:
 أنا أرى أن الإنسان إذا جاء إلى الدنيا، وتعرف إلى الله من خلال الكون، فهو الثابت الأول، فكل ما في الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ومن خلال الأنبياء والمرسلين، ومن خلال الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم، هذه كلها قنوات نظيفة رائعة سالكة لمعرفة الله، فأنت أمام الكون عليك أن تتفكر، والدليل:

﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ رَبَّنا ما خَلَقتَ هذا باطِلًا سُبحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾

[سورة آل عمران: ١٩٠-١٩١]

 هذه آيات كونية، خلقه، وهناك آيات تكوينية، أفعاله:

﴿قُل سيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُجرِمينَ﴾

[سورة النمل: ٦٩]

 الآية الثانية:

﴿قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ﴾

[سورة الأنعام: ١١]

 الأولى في الفاء والثانية بــ ثم، قد يأتي العقاب مباشرة، وقد يتأخر، على الحالتين لابد من عقاب، إما أن يأتي سريعاً لحكمة أرادها الله، أو أن يأتي متأخراً لحكمة أرادها الله عز وجل، هذه آيات تكوينية، أفعال الله، الحوادث، الأزمات، الاجتياحات، الحروب العالمية، أي جميع أنواع المصائب التي من صنع الإنسان، هذه كلها معللة بحكمة بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وأنا أقول كلمة دقيقة جداً، مقولة في التوحيد: كل شيء وقع في الكون أو في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة، كل شيء وقع أراده الله، أراده لا تعني أنه رضيه، ولا تعني أنه أمر به، تماماً كأب طبيب تزوج فلم ينجب، بقي سنوات طويلة ولم ينجب، ثم أكرمه الله بإنجاب طفل آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الأب أن ابنه يعاني من التهاب في الزائدة، فيسمح أن يفتح بطن ابنه بعد التخدير الشامل، واستئصال الزائدة، هذا معنى أراده، لا تعني أنه رضيه، ولا تعني أنه أمر به، فكل شيء وقع في الكون، أو في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أرداه الله أي سمح به، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، شر مطلق بالكون لا يوجد، يوجد شر موظف للخير، الدليل:

﴿إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ وَجَعَلَ أَهلَها شِيَعًا يَستَضعِفُ طائِفَةً مِنهُم يُذَبِّحُ أَبناءَهُم وَيَستَحيي نِساءَهُم إِنَّهُ كانَ مِنَ المُفسِدينَ﴾

[سورة القصص: ٤]

تناقض اليأس مع الإيمان :

 الآن دقق:

﴿وَنُريدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ استُضعِفوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوارِثينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهامانَ وَجُنودَهُما مِنهُم ما كانوا يَحذَرونَ﴾

[سورة القصص: ٥-٦]

 إذاً المؤمن الصادق المتأمل في نصوص القرآن لا يقع في اليأس، واليأس يتناقض مع الإيمان، قطعاً الإنسان له أمل بالله كبير.
 مثلاً نبينا عليه الصلاة والسلام في الهجرة مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مئة ناقة أي مئة مليون، الناقة غالية جداً، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سراقة طمعاً بالمئة ناقة، فلما اقترب منه قاله له النبي الكريم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟ شيء لا يصدق، إنسان ملاحق، مهدور دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى؟ أي إنني سأصل سالماً، وسأنشئ دولة في المدينة، وسأؤسس جيشاً، وسأحارب أكبر دولة في العالم، وسأنتصر، وسوف تأتي الغنائم للمدينة، ولك يا سراقة سوار كسرى، هذه ثقة النبي بنصر الله، فالمؤمن حينما يرى المآسي قد وقعت في معظم البلاد العربية والإسلامية يقول لك: انتهينا، لا لم ننته:

﴿هُنالِكَ ابتُلِيَ المُؤمِنونَ وَزُلزِلوا زِلزالًا شَديدًا*وَإِذ يَقولُ المُنافِقونَ وَالَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسولُهُ إِلّا غُرورًا﴾

[سورة الأحزاب: ١١-١٢]

 لكنه يقول بعد ذلك:

﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا﴾

[سورة الأحزاب: ٢٣]

 فالبطولة لا أن تبلغ القمة، أن تبقى فيها، والصعود إلى القمة، الطريق وعرة، والحر شديد، ويوجد عقبات وأكمات وحفر وشيء مقلق، هذا الصعود إلى القمة، أما النزول منها فبطريق من البلاط الناعم مع الصابون، فالبطولة لا أن تصل إليها أن تبقى فيها.
المذيع:
 إشاراتك إشارات لطيفة، الكون قرآن ناطق، والقرآن كون صامت.

القدوة قبل الدعوة :

الدكتور راتب:
 والنبي قرآن يمشي، والله أرى أن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، أي موقف غير أخلاقي يلغي ألف محاضرة، مثلاً لو أن أماً ذهبت لبيت الجيران ضحى اليوم، ومعها ابنتها الصغيرة، وأطالت المكوث عندهم، وأهملت طعام الغداء، فجاء زوجها لم يجد الطعام في الوقت المناسب، فغضب قال لها: أين كنت؟ قالت له: لم نكن في أي مكان، نحن في البيت، والبنت الصغيرة ذهبت معها لبيت الجيران وعادت ورأت أمها تكذب على أبيها، الآن ألف محاضرة بالصدق ألغيت بهذا الموقف.
 لذلك القدوة قبل الدعوة، أي إنسان دعا إلى الله لا يمكن أن ينفصل واقعه وبيته وعمله عن الدعوة إلى الله، الناس لا يتعلمون بآذانهم يتعلمون بعيونهم، وبين الحق والباطل ثمانية سنتمتر، بين أن تقول: سمعت، وبين أن تقول: رأيت، فلذلك موضوع الدين يحتاج إلى قدوة صالحة، يحتاج لعلماء ربانيين وضعوا حظوظهم الدنيوية تحت أقدامهم ونصروا الحق، لذلك قال تعالى:

﴿الَّذينَ يُبَلِّغونَ رِسالاتِ اللَّهِ ﴾

[سورة الأحزاب: ٣٩]

 هؤلاء بشر، أراد الله بهم تبليغ رسالاته، لكن كم صفة لهم؟ لهم ألف صفة، صادق، أمين، ورع، حدث ولا حرج، اكتفى القرآن بصفة واحدة، هذه الصفة سماها علماء البلاغة صفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف،

﴿ وَيَخشَونَهُ وَلا يَخشَونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

  فإذا خشي من ينطق بالعلم غير الله، سكت عن الحق خوفاً، وتكلم بالباطل تملقاً انتهت دعوته، صفة واحدة جامعة مانعة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً.

المصداقية في الدعوة إلى الله :

 أنا أرى أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى مصداقية، لماذا الصحابة الكرام وصلت فتوحاتهم إلى أطراف الصين وإلى أطراف الأندلس ونحن أحياناً لا نستطيع أن نفعل ذلك؟ أنا أقول مقولة وسامحني بها: لو أن الصحابة الكرام فهموا الدين كما نفهمه نحن اليوم الإسلام لم يخرج من مكة، لم يكن ليصل للمدينة، لو أن الصحابة الكرام فهموا الدين فولكلوراً وزينة وبطاقات معايدة إسلامية وزخرفات إسلامية ومساجد رائعة مكيفة، لو فهموا الدين هذا الفهم الإسلام لم يكن ليخرج من مكة، أما عندما وضعوا حظوظهم تحت أقدامهم،

﴿مِنَ المُؤمِنينَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَن قَضى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبديلًا﴾

 ووعود الله قائمة، أنا أقول: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 لكن حينما قال الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ ﴾

[سورة النور: ٥٥]

 قانون،

﴿ كَمَا استَخلَفَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دينَهُمُ الَّذِي ارتَضى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا يَعبُدونَني ﴾

 كلمة واحدة، فإن أخلّ الطرف الآخر بما كلف به من عبادة الله، فالله جلّ جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة، فنحن الآن والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح لا أقصد بلداً بعينه، البلاد الإسلامية عامة نحن لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، والحرب على العالم الإسلامي كانت تحت الطاولة قبل حين واليوم فوق الطاولة، جهاراً نهاراً، أحد أعضاء الكونغرس قال: بما أن الغرب مهيمن على الشرق لن نسمح بقيام حكم إسلامي، من الآخر بالجزائر الانتخابات أفرزت إسلاميين انتهت بفلسطين كذلك، بمصر كذلك، يريدون ديمقراطية تفرز لهم عملاء.
المذيع:
 دكتور القرآن فيه الكثير من الأسرار العظيمة التي ممكن من خلالها أن نتدبرها للوصول إلى حلّ أزمات العالم كله، فهل التدبر في الكون عبر هذا الكتاب الخالد هو عجز في أدواتنا؟

التدبر في الكون عبر القرآن الكريم عجز في مصداقيتنا :

الدكتور راتب:
 أنا أراه عجزاً في مصداقيتنا، أنت ممكن أن تطلب الدنيا بالدين، أما إذا طلبت الدنيا بالدين فهناك تفلت كبير من نواح كثيرة، أما إذا أردت الله عز وجل، وبذلت من أجله الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، فهذا شيء رائع جداً، فلذلك دائماً وأبداً المطلب النبيل يحتاج إلى وسائل راقية، والمطلب الخسيس لا يحتاج لكل هذه الوسائل، إذا كان المطلب هو الدنيا تحقق بطريقة أو بأخرى من خلال الدين أيضاً، لذلك هذه هي المتاجرة بالدين، أي مثلاً المتاجرة بالدين تدفع ثمناً بخساً ولا تأخذ شيئاً بالنهاية:

﴿أَفَمَن كانَ مُؤمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَستَوونَ﴾

[سورة السجدة: ١٨]

﴿أَم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحياهُم وَمَماتُهُم ساءَ ما يَحكُمونَ﴾

[سورة الجاثية: ٢١]

 مرة قال لي شخص: تقول: إن المؤمن سعيد؟ لا، ليس سعيداً، بجلسة كبيرة، نوع من التحدي، قد يكون علمانياً أو ملحداً، قلت له: نعم هكذا أقول، قال: ليس صحيحاً، إن كان هناك موجة حر عالية جداً تجتاح المؤمن، وإن كان هناك موجة غلاء أسعار يتحملها المؤمن أيضاً، فكيف يكون سعيداً؟ قلت له: لو أن إنساناً عنده ثمانية أولاد، ودخله قليل جداً، لا يكفي الإنفاق عليهم لأسبوعين، وعنده بيت بالأجرة، وهناك دعوى إخلاء على هذا الإنسان، وأولاده كثر، ودخله محدود، أليست حاله صعبة؟ قال لي: صحيح، قلت له: له عم لم ينجب أولاداً، عنده ثروة بخمسمئة مليون مات بحادث، هذا المبلغ الكبير الضخم خلال ثانية، ثانية وفاة هذا العم انتقل إليه، لكن حتى يقبضها يحتاج إلى عام، روتين معقد، وحصر إرث، وبراءة زمة، لماذا في هذا العام هو أسعد الناس مع أنه لم يذق لقمة زائدة عن دخله؟ يأتي قوله تعالى:

﴿أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ هُوَ يَومَ القِيامَةِ مِنَ المُحضَرينَ﴾

[سورة القصص: ٦١]

 أي سعادة المؤمن أن الله تعالى وعده بالجنة، فهذا الوعد من إله خالق السموات والأرض، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، هذا الوعد الإلهي يمتص كل متاعبه.
المذيع:
 دكتور التغير الذي يحدث في الكون الآن أي الكون ليس كما كان، هناك تغير في الطبيعة، الإشارات أنه بما كسبت أيدي الناس.

أي فهم للمصيبة بعيد عن الإيمان فهم مغلوط :

الدكتور راتب:
 طبعاً لكن كبحث علمي عميق جداً الأرض لها دورتان، نحن نعرفهما، دورة حول نفسها، ودورة حول الشمس، الحقيقة لها اثنا عشر دورة، مستوي دورانها كل ألف و خمسمئة سنة دورة، هذه الدورات العديدة قد تكون وراء تبدل خطوط المطر في الأرض، مدينة تدمر كانت جنات وبساتين وأنهاراً، والآن صحراء الربع الخالي نفس الشيء، فهذا أول تفسير علمي، فقبل أن نقول: أصحاب الأرض، خطوط المطر تنتقل من مكان لآخر بتبدل الأرض.
المذيع:
 لكن التغير الذي يحدث بالكون؟
الدكتور راتب:
 ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، أي:

﴿ قُل هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكُم ﴾

[سورة آل عمران: ١٦٥]

 فأي فهم للمصيبة بعيد عن الإيمان فهم مغلوط، الله عز وجل لا يعذب عباده إطلاقاً، سيدنا سعد بن أبي وقاص كان حب رسول الله وكان يقول له إذا دخل: " هذا خالي أروني خالاً مثل خالي" ما فدى بحياته كلها أحداً من أصحابه إلا سعداً قال له: " ارم سعد فداك أبي وأمي " مرة أردفه خلفه على الدابة قال: يا سعد ما حق الله على عباده؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال:" حق الله على عباده أن يعبدوه وألا يشركوا به شيئاً " ثم سأله سؤالاً آخر:" ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: ألا يعذبهم" .

الدين الإسلامي دين فردي و جماعي معاً :

 أنا أطمئن أي أخ مشاهد إذا استقام على أمر الله، وأخلص لله، وعمل صالحاً، له معاملة خاصة، بمعنى أن هذا الدين فردي جماعي معاً، إن طبقته الأمة تنتصر، وإن طبقته أيها المسلم وحدك تقتطف كل ثماره الفردية لا الجماعية، لذلك الفرد :

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 فأي فرد مسلم في العالم العربي والإسلامي لأنه استقام على أمر الله، وشكر الله، عز وجل على نعم الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، الآن تتوقف جميع المصائب:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 لأن الكون مسخر تسخير تعريف، وينبغي أن يكون موقفك من تسخير التعريف أن تؤمن، والكون مسخر تسخير تكريم، وينبغي أن يكون موقفك من تسخير التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت أيها المسلم وحدك حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات الإلهية، الدليل القوي:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 أما الأمة فموضوع آخر.
المذيع:
 يوجد قضية أحتاج أن أفصلها معك، البعض الآن يتحدث عن العذاب وكل المصائب تحل على الأمة الإسلامية فقط، في حين أن هناك أناساً يكفرون بوجود الله عز وجل أصلاً، ويعيشون برغد ورفاهية وهكذا.

معالجة الله عز وجل لمن يحب :

الدكتور راتب:
 لو أنك طبيب وجاءك مريض معه ورم خبيث، منتشر في كل أنجاء جسمه، والأمل معدوم في الشفاء، وسألك: ماذا آكل؟ تقول له: كُلْ ما شئت، أما إذا جاءك مريض آخر معه التهاب معدة حاد، فتخضعه لحمية قاسية جداً، على الحليب فقط، وإذا بلغك أنه يخالف هذه الحمية تقيم عليه النكير، ما الفرق بين الشخصين؟ شخص ميؤوس منه، الدليل:

﴿فَلَمّا نَسوا ما ذُكِّروا بِهِ فَتَحنا عَلَيهِم أَبوابَ كُلِّ شَيءٍ ﴾

[سورة الأنعام: ٤٤]

 ما قال: باب، قال: أبواب، وما قال: شيء، قال: كل شيء.

﴿ حَتّى إِذا فَرِحوا بِما أوتوا أَخَذناهُم بَغتَةً ﴾

 فالذي عنده ابن منغولي يتركه، لا يوجد أمل، والذي عنده ابن ذكي جداً ومتفوق يتركه ليحقق هدفه، وعنده ابن ثالث ذكي ومقصر، المعالجة لهذا، فنحن علامة صلاحيتنا للسعادة أن الله يعالجنا، فإذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، فلمجرد أننا خضعنا لعناية مشددة، لمعالجات دنيوية قبل الأخروية هذا يعني أنه يوجد أمل كبير، أن نكون أمة عظيمة، هذا وجه التفاؤل.
المذيع:
 دكتور الإشارات في القرآن الكريم للسموات والأرض والليل والنهار إشارات كثيرة جداً؟

التفكر في خلق السموات و الأرض :

الدكتور راتب:
 ألف و ثلاثمئة آية في القرآن تتحدث عن الكون والإنسان، ولا يغيب عنك بارك الله بك أن الله عز وجل غني عن تعذيبنا أولاً، وأن الله عز وجل أنزل كتابه على نبيه، يوجد بالكتاب آية أمر ماذا تقتضي هذه الآية من المسلم؟ أن يأتمر، وإذا كان هناك آية نهي ماذا تقتضي هذه الآية من المسلم؟ أن ينتهي، وإذا كان هناك قصة عن نبي صالح ماذا يقتضي من هذه الآية؟ أن يتعظ، فكل نوع من الآيات له موقف ينبغي أن تقف منها، إلا أن هناك ألفاً و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون فماذا يقتضي أن نفعل؟ يقتضي أن نتفكر في خلق السموات والأرض، والآية واضحة:

﴿ إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ*الَّذينَ يَذكُرونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعودًا وَعَلى جُنوبِهِم ﴾

 لقطة؛ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية فقط، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع و عشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة و خمسة و ستين، بأربع سنوات ضرب أربع، ابنك الصغير مع الألة الحاسبة بدقيقة واحدة يحسب لك المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس طبعاً، يوجد رقم كبير جداً بالكيلومترات، لو معنا مركبة أرضية وكان هناك طريق معبد لهذا الكوكب، متى نصل؟ بعد خمسين مليون عام، بعد خمسين مليون عام تصل إلى أقرب نجم ملتهب. متى تصل إلى نجم القطب؟ أربعة آلاف سنة ضوئية، كنا بأربع سنوات، متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية؟ متى نصل إلى أحدث مجرة الآن كشفت ثلاثة عشر ألف مليون سنة، افتح القرآن:

﴿فَلا أُقسِمُ بِمَواقِعِ النُّجومِ﴾

[سورة الواقعة: ٧٥]

 أي بالمسافات بين النجوم:

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَو تَعلَمونَ عَظيمٌ﴾

[سورة الواقعة: ٧٦]

 الأرض تدور حول الشمس بمسار بيضوي أي إهليلجي، وهذا الشكل البيضوي له قطران؛ قطر طويل وقطر قصير، والأرض هنا تتجه نحو القطر الأصغر، بحسب قانون الجاذبية متعلقة بالمسافة والكتلة، فلما وصلت الأرض إلى هذا المكان المسافة قلت، فلما قلت المسافة لابد من أن نتجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، ما الذي يحدث؟ قال: ترفع الأرض من سرعتها لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة جديدة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أَن تَزولا ﴾

[سورة فاطر: ٤١]

 أن تنحرف، الآن بلغت القطر الأول كانت الجاذبية ضعيفة، يوجد احتمال يقيني أن تتفلت الأرض من جاذبية الشمس، وإن تفلتت أصبحت الحرارة مئتين و ستين تحت الصفر، فتنتهي الحياة، تنتهي الحياة إذا انجذبت، وتنتهي الحياة إذا تفلتت، ماذا قال الله عز وجل؟

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّماواتِ وَالأَرضَ أَن تَزولا ﴾

 الانحراف هذه آية من آيات الكون.
 الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبين الشمس والأرض مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، أكبر بمليون و ثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ﴾

[سورة البروج: ١]

 قال: هذه البروج أحدها برج العقرب، أنا كنت بأمريكا، دخلت إلى قبة سماوية، النجوم كما نراها في الأرض، إلا أن بينها خطوطاً، هذه الخطوط تظهر شكل هذا النجم، فبرج العقرب عقرب، عندما وضعوا خطوطاً بين النجوم كأنه عقرب، وهناك نجم صغير في برج العقرب أحمر متألق اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذلك لعمري في لمقال شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعتــــه  إن المحب لمن يحب يطيـع
***

المذيع:
 الشمس والقمر والليل والنهار آيات كونية العظيمة تقابلها كائنات أخرى قد لا يلقي لها الإنسان بالاً مثل العقرب.

التفكر و التدبر في آيات الله الكونية و القرآنية :

الدكتور راتب:
 العقرب له خصائص مذهلة، أولاً العقرب له بدل الدم سائل أصفر، وله خصائص مذهلة، أي يعمر عمراً مديداً جداً، وله خصائص معينة، ويمكن أن يكون العقرب من آيات الله الدالة على عظمته، التفجير النووي الذي حصل في الجزائر العقرب لم يتأثر به إطلاقاً، أي كل كائن له خصائص، أنا أريد أن أصل للبعوضة بشكل أسرع، هذه البعوضة حينما وضعت تحت المجهر الذي يكبر خمسين ألف مرة تبين أن في رأسها مئة عين، وأن في صدرها سطحاً أملس، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَستَحيي أَن يَضرِبَ مَثَلًا ما بَعوضَةً ﴾

[سورة البقرة: ٢٦]

 كم وزنها؟ واحد على ألف من الغرام، كأن وزنها معدوم، يقابلها الحوت الأزرق الذي يزن مئة و خمسين طناً، خمسون طناً لحماً، وخمسون طناً دهناً، و خمسون طناً زيتاً، يستخرج منه تسعون برميلاً من الزيت، وجبته المتواضعة أربعة أطنان، يجر سفينة بعكس محركاتها بكاملها، أي يوجد به طاقات مذهلة، فلذلك:

﴿وَفِي الأَرضِ آياتٌ لِلموقِنينَ﴾

[سورة الذاريات: ٢٠]

 والإنسان أمام هذه الآيات الكونية مطلوب منه أن يتفكر في خلق السموات والأرض، وأمام آياته التكوينية أفعاله مطلوب أن ينظر، وأمام آياته القرآنية مطلوب أن يتدبر، الله عز وجل قال:

﴿وَتَمَّت كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلًا ﴾

[سورة الأنعام: ١١٥]

 كأن الله يقول: يا عبادي بيني وبينكم كلمتان؛ منكم الصدق ومني العدل، يوجد معنى آخر، هذا القرآن الكريم بين دفتيه لا يزيد عن أمر وعن خبر، فالأمر عادل، والخبر صادق.
 إذاً يوجد آيات كونية الكون، وآيات تكوينية أفعال الله، الكونية خلق الله، وأنت مكلف أن تتفكر، والتكوينية أفعال الله، وأنت مكلف أن تنظر، وآيات قرآنية كلام الله، أنت مكلف أن تتدبر، لكن مرة سمعت قصتين دقيقتين جداً، شخص مات ترك بيتاً في أرقى شوارع دمشق، وسعره مرتفع جداً، بعد موته أبرز لهم شخص عقد شراء للبيت من عشر سنوات، ليس من المعقول أن الأب لم يقل هذا قبل وفاته، أنه باع المنزل والعقد متقن جداً، لكن قد يكون تزويراً محكماً جداً، فاضطر القاضي أن يدعو الذي أبرز العقد إلى حلف اليمين الحاسمة، وضع يده على المصحف وأقسم بالله أنه بيته، واشتراه بهذا العقد، ورفع يده من على المصحف لم ينزلها، فالقاضي انزعج قال له: أنزل يدك، كان هذا الشخص قد مات، مات فوراً.
 والقصة الثانية شخص متهم بقتل إنسان حكم بالإعدام، وجاء يوم التنفيذ، وضعت الحبلة في رقبته، قبل أن يشنق قال: أنا سأشنق لأني متهم بقتل هذا الإنسان، أنا لم أقتله لكني قتلت شخصاً من ثلاثين سنة، فلذلك الإنسان كلما كان أشد عقلاً أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
المذيع:
 دكتور بالمقابل هناك نظريات علمية تتحدث الآن عن نهاية الكون، عن الانفجار العظيم، وهكذا بالمقابل هذه النظريات ما تفسيراتها القرآنية ؟

توافق النظريات العلميّة مع القرآن :

الدكتور راتب:
 والله لي صديق الدكتور زعلول النجار مرة قال: أكثر النظريات العلمية يصدقها هو لأنها متوافقة مع القرآن، من دون أن يشعر من جاء بهذه النظريات، فأحياناً يكون الإنسان له اجتهاد أصاب به، فأكثر ما يتعلق بأصل النشأة ونهاية العالم جاء بما يتوافق مع القرآن، فنحن نصدق القرآن أولاً.
المذيع:
 في القرآن هل يوجد تفسيرات واضحة لنهاية الكون؟

في القرآن تفسيرات واضحة لنهاية الكون :

الدكتور راتب:
 يوم القيامة هذا أول تفسير، مثلاً هل يمكن أن تقول: إن هناك كواكب أخرى فيها حياة؟ فيها مخلوقات؟ ممكن. ما الدليل؟

﴿ وَما بَثَّ فيهِما مِن دابَّةٍ ﴾

[سورة الشورى: ٢٩]

 فيهما السموات والأرض إشارة وحيدة بالقرآن إذا ثبت بعد حين مديد أن هناك كوكباً آخر بعيداً عنا، ويوجد عليه كائنات بشرية أو من نوع آخر، القرآن يغطي هذه:

﴿وَمِن آياتِهِ خَلقُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما بَثَّ فيهِما مِن دابَّةٍ ﴾

المذيع:
 من خلال تأملاتك فيما يتعلق بالكون ما هو أكثر ما وقفت أمامه؟

الفلك و خلق الإنسان آيات عظيمة للتفكر :

الدكتور راتب:
 والله موضوع الفلك، الفلك شيء لا يصدق، الحقيقة لا تملك بعد أن تقف على آية في الفلك إلا أن تخر لله ساجداً، وخلق الإنسان، والآية تقول:

﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم ﴾

[سورة فصلت: ٥٣]

 العبد الفقير ألفت كتاباً بالإعجاز العلمي، أول جزء في الآفاق، والثاني بالإنسان، وكلها آيات محكمة دقيقة جداً، لا تستطيع إلا أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله.

أصل الدين معرفة الله :

 الحقيقة أن الإيمان بالله يحتاج إلى دراسة، يحتاج إلى عقل:" أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " يحتاج إلى تفكر، وإلى نظر، وإلى تدبر، كما بدأنا هذه الحلقة الطيبة التفكر بالكون بخلقه، والنظر بأفعاله، والتدبر بكلامه، هذه قنوات ثلاث سالكة لله، وأصل الدين معرفة الله، الأمر الدقيق جداً إنك إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر فسوف تتفنن في التفلت من الأمر، وكأنني أضع يدي على مشكلة المسلمين الأولى، الأمر بين أيديهم، في العالم الإسلامي بالابتدائي والمتوسط والتوجيهي والجامعة درسنا الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، الأمر بين أيدينا جميعاً، ما سبب التفلت؟ أن معرفتنا بالآمر ضعيفة، إنك إن عرفت الآمر تفانيت في طاعته.
 لذلك المرحلة المكية بأكملها غير داخلة في برامجنا، المرحلة المكية مرحلة تأمل في الكون، والآيات المكية بأكملها تتحدث عن الكون والدار الآخرة، التشريع بدأ في المدينة، فنحن يوجد مرحلة كاملة بالإسلام المرحلة المكية، مرحلة الإيمان بالله واليوم الآخر، مرحلة التفكر بخلق السموات والأرض هذه ملغاة في حياتنا، عندنا المرحلة الثانية كتب الفقه، الأحكام، الفرائض، الواجبات، السنن، المباحات، المكروهات، التحريم، هذه دراستنا كلنا، أما معرفة الآمر الذي خلق فهي ضعيفة، لذلك أصل الدين معرفة الله، ومعرفة الله تحتاج إلى تفكر، وإلى نظر، وإلى تدبر.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 أنا شاكر لك، أنت دائماً تتحفنا، شكراً جزيلاً لك.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS