598
محاضرات وندوات مصورة – تركيا – مدينة صقاريا - ديناً قيماً 2 - محاورة بين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي وفضيلة الدكتور عمر عبد الكافي – الحلقة22: الخوف والرجاء.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-06-07
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور راتب :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المشاهدون؛ لازلنا في برنامج: " ديناً قيماً "، ولازلنا بصبحة شيخنا الجليل العالم الكبير الدكتور عمر عبد الكافي، نرجو الله عز وجل أن ننتفع بعلمه في هذا اللقاء الطيب، تفضلوا سيدي ..
الدكتور عمر عبد الكافي:
 فيم تريدون أن نتحدث اليوم فضيلة الشيخ؟

الخوف و الرجاء :

الدكتور راتب :
 الخوف والرجاء، الحقيقة هذان المعنيان أو المصطلحان إذا زاد أحدهما على الآخر انقلب إلى ضده، لابد من حد معقول من الخوف ليبقى أمل عند الإنسان برحمة الله، وحفظه، وتوفيقه، ولابد من رجاء برحمته وعطائه، فالخوف والرجاء كلاهما شرط لازم غير كاف، لو اعتمدنا على الرجاء فقط لكنا في سذاجة، و لو اعتمدنا على الخوف فقط لأصبنا بالقهر، فلا بد من أن يجتمع الخوف والرجاء في قلب المؤمن، فهو يتعلق برحمة الله عز وجل، ولا ينسى واجباته الدينية، والخوف عندما يقودنا إلى اليأس صار خوفاً مرضياً، والرجاء عندما يقودنا إلى رجاء ساذج هذا أيضاً رجاء مرضي..
الدكتور عمر عبد الكافي:
 ولذلك عندما فرق العلماء بين الرجاء والتمني، قالوا: إن التمني رجاء بلا عمل، وإن الرجاء تمنّ بعمل، وإن القلب المؤمن نحو الله كالطائر، له رأس وجناحان، الرأس محبة الله، يجب أن أحبّ رب العباد عز وجل، لما يغدونا من نعمه، ومن فضله، ومن كرمه، ثم جناح من الخوف وجناح من الرجاء، يتوازن العبد بينهما، حتى في قضية تربية الأولاد بين الترهيب والترغيب، نحن لو فتحنا الأبواب مشرعة للأطفال من دون التحذير والموانع انحرفوا، ولو قهرناهم بالخوف يصبح الولد معقداً، أحياناً تأتينا نساء فاضلات كبيرات في السن، عندها ولد أو شاب في الثلاثين من عمره، أو الأربعين، تريد له زوجة على مواصفاتها هي، بالله عليك هذه الأم متى تفطم هذا الولد؟ متى يحين موعد فطامه الفكري؟ هنا قدمنا للمجتمع إنساناً مهلهلاً، أو بعد أن يتزوج أو يقبل هذه الزوجة تضع هي أو يضع الطرف الآخر أنفها في حياة هؤلاء لا خوفاً ولا رجاء، وإنما هذه من أسباب هدم البيوت، لذلك نحن من الواجب أن نخاف من الله أولاً، ثم من عواقب أو من ثمرات الانحرافات المختلفة ثانياً على المستوى الخاص أو المستوى العام، ثم نخاف على بيوتنا أن تهدم، وحصوننا المشيدة أن تهدم، إذا رأينا سبحان الله لم نقوها بالمعنى المفهوم.

الكيانات الثلاثة المهمة في حياة الإنسان :

الدكتور راتب :
 تأكيداً لمقولتكم الرائعة هناك ثلاثة كيانات في حياة الناس لغرس المبادئ والقيم، أول كيان هو الأسرة، فحينما نغري الزوجة أن تخرج من البيت، وأن تدع الأطفال للخدم ضحينا بأكبر مدرسة يعيشها الطفل، وحينما انتقل للتعليم أعطينا المعلم أقل راتب بالدولة، ضعف التعليم، وحينما نطعن بالمرجعيات الدينية أنهينا المؤسسات الثلاث، التي مهمتها الأولى غرس المبادئ والقيم في نفوس الناس.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 أي الأم، المعلم أو المعلمة، العالم...
الدكتور راتب :
 هذه ثلاث مؤسسات إذا دعمت ضمنا زرع القيم والأخلاق في نفوس الشباب.

الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن نتبع تعليماتها :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 لذلك يوجد قصة رمزية لنخفف على وطأة المشاهدين والمشاهدات، كان هناك - أعزك الله - زريبة أغنام، جاءت مجموعة من الذئاب خارج السور تهتف في مظاهرة: أطلقوا سراح الأغنام، الحرية للأغنام، الأغنام صدقت، راعي الغنم أبى أن يطلق سراحها، فقامت هذه الأغنام بقرونها وكسرت السور التابع للزريبة، وخرجت لا تلوي على شيء- كي تؤكل- لحق بها قطعان من قطيع الذئاب فأكلها، ذهب الراعي يبحث عنها، فما وجد إلا بقايا مما ترك، الذين يكرهون القيم والمبادئ والدين، هم مجموعة الذئاب الذين هتفوا بحرية المرأة، ليس حرية المرأة بل حرية الوصول إلى المرأة، وهكذا يجب أن يقولوا بوضوح فلما خرجت من المكان، هي مكانها العبودية لله فصارت فيما بعد عبوديتها للمدير ورئيس القسم سبحان الله عز وجل، فسيدنا موسى لما فوجئ بالبنتين، حصل عنده ذعر، قال تعالى:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾

[سورة القصص: 23]

 ما المصيبة التي أخرجتكما؟ والله أنا أتخيل الآن إذا عاد الزوج إلى بيته وجد أمه وزوجته لم يخرجا من يومين، يقول: ما خطبكما؟ أنتما ما خرجتما لماذا؟ هل أنتما مرضى؟ قضية الخوف والرجاء سبحان الله إذا وازناها في قلوبنا ثم في أسرنا ثم أعطينا كل ذي حق حقه، هل تؤيدني في هذا من ضمن الذي يعطى عندما يوقع شيك على بياض ليكتب ما يريد من راتب أول شخص المعلم، ثم القاضي، ثم العالم، حتى إن أبا بكر لما قال لعائشة أعيدي البعير والقربة إلى بيت المال حتى تكون خلافتي للمسلمين حسبة لوجه الله.
الدكتور راتب :
 سيدنا الصديق له خدمة لبعض جيرانه، يحلب لهم الشياه، فلما أصبح أمير المؤمنين، طُرق باب هذه الجارة، صاحبة البيت قالت لابنتها: يا بنيتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه..
 شيء دقيق جداً الصحابة كانوا مثلاً عليا، حينما نؤمن بأن هذا المنهج سوف يعطي الإنسان الراحة النفسية والسعادة قطعاً لأنه تعليمات الصانع، والجهة الوحيدة التي ينبغي أن نتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة لأنها الجهة الخبيرة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 فأنت حينما تطبق منهج الله أنت تطبق منهج الصانع، العليم، الحكيم..

الخوف و الرجاء مصطلحان متكاملان :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 ولذلك فضيلة الشيخ قضية الخوف والرجاء مساحة مثلاً أن يعيد الإنسان حساباته بعد أن أصلي أكون على وجل ألا تقبل الصلاة، التعامل مع الناس هل هناك من يدعو عليّ في الليل؟ كان في أزمة البرامكة، يقول كبير البرامكة في السجن بعد أن فتك بهم الرشيد، وكانوا هم الذين يقودون الدولة سبحان الله، فكان ابنه يقوم في الليل بعدما ينام أبوه، ويضع الماء البارد على المفرشة كي يصير الماء دافئاً، لأن بغداء باردة في الشتاء، فيستيقظ أبوه عند الفجر فيتوضأ بالماء الدافئ، مرة من المرات وجد الأب ماء يهبط من أعلى غير ماء الإبريق، فنظر فوجد ابنه يبكي، فقال: ما هذا الذي وصلنا إليه بعد أن كنا عند هارون الرشيد نحن لنا السمع والطاعة؟ قال: يا ولدي عسى أن تكون دعوة مظلوم في جنح الليل ونحن نيام، يدعو عليك المظلوم وعين الله لم تنم، الكارثة هذا الظالم لا يخاف، كيف أعرّف الولد من صغري كي لا يصير ظالماً؟ منطق الخوف والرجاء المنطق صحيح، يخاف حتى درجة معينة فلا تمحى شخصيته، ويرجو رحمة ربه، هو يصلي ويتقي الله لكن هو عنده رجاء.
الدكتور راتب :
 مصطلحان متكاملان، الخوف والرجاء كلاهما شرط لازم غير كاف للصحة النفسية، التي هي ثمرة من ثمرات الإيمان.
الدكتور عم عبد الكافي:
 الذي لا يخاف هو لم يضع الله في حساباته؟

من لم يخف الله مصاب بعاهة فكرية :

الدكتور راتب :
 لو فرضنا قلنا لإنسان: على كتفك عقرب شائلة، بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، قال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك عليها..
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هذا أبله..
الدكتور راتب :
 هذا ما فهم الكلام، الذي لا يخاف لا يفهم ما قرأ، هذا كلام خالق الأكوان، كلام من حياتنا بيده، رزقنا بيده، موتنا بيده، صحتنا بيده، السعادة بيده، الشقاء بيده، من حولك بيده، الطغاة بيده، هذا الذي لا يخاف عنده عاهة فكرية.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هذا إذا كان عنده فكر أصلاً.
 الرجاء، الناس تقول مثلاً وبالذات أخواتنا والزوجات والبنات لأن عاطفتهن الدينية قوية، أنا أصوم الاثنين والخميس لكن زوجي غير راض عني ودائماً مقطب الجبين، و هي ناسية لو وضعت مرآة في وجهها نسأل الله السلامة اللهم حوالينا و لا علينا، هذه المرأة كيف نعلق الجرس في رقبة الهرة؟

الدين عبادات تعاملية :

الدكتور راتب :
 أنا أريد أن أقول: يتوهم معظم المسلمين أن الدين صوم وصلاة وحج وزكاة، هذه عبادات شعائرية، أما الدين فيزيد عن خمسين ألف بند، يبدأ من فراش الزوجية ويتنهي بالعلاقات الدولية، كيف تكسب المال، إنفاق المال، تربي أولادك، تعامل جيرانك، تعامل موظفينك، تعتني بصحتك، تعتني بأهلك، بنود كثيرة جداً، هذا منهج تفصيلي يبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان وهو فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، فنحن عندما نتوهم أن الدين صوم وصلاة وحج وزكاة، هذا وهم خطير جداً، الدين عبادات تعاملية.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 ولذلك قالوا: إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر، ورفقاؤه في السفر، ومعاملوه في الأسواق فلا تشك في صلاحه، هذه ثلاثة محاور، معذرة لماذا إذا زار الرجل في بيته أهله أو أمه، وهو يريد الذهاب إلى العمل يضع يده على قلبه ألا تحدث مناورات بين حلف الناتو وبين حلف لا أعرف، وإذا زارتهم أمها نزل وهو مستريح البال، ويل للمطففين تنطبق على من؟

القضاء على العادات السيئة التي رُسخت على أساس أنها حقائق :

الدكتور راتب :
 والله يا سيدي هذه عادات سيئة ظنناها حقائق ليست كذلك.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 لكن موجودة.
الدكتور راتب :
 والله هناك أسر يوجد احترام عال جداً بين ما يتوهم أنهما متخاصمان، يوجد إسلام سيدي، أذكر مرة أن إنساناً تزوج امرأة، وفي نيته أن يتزوج قبلها امرأة أهله ما سمحوا له بذلك، لأنها غير مسلمة، فقالت له: إذا تزوجتني أسلم وأحفظ القرآن وأصلي، فلما تزوج امرأة أخرى وعلمت بالقصة قالت له: إن لم تأت بها زوجة لن أبقى عندك، إنسانة عالية جداً.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 مولانا في علم الأصول النادر لا حكم له، وهذه البلاءات الذي نشاهدها كثيرة، نسأل الله تعالى أن يعلمنا الخوف الحقيقي والرجاء الحقيقي، ويختم لنا ولك بالصلاح، ويصلح بيوتنا.
الدكتور راتب :
 والآية تقول:

﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

[سورة الأنبياء: 90]

خاتمة و توديع :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 جزاكم الله كل خير على حسن المتابعة، ولا تنسونا من صالح دعائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS