21455
أحاديث رمضان 1428هـ - قوانين القرآن الكريم - الدرس (20- 21) : قانون لقاء الله
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-11-04
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

قانون لقاء الله:

 أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس السنن القرآنية، والقانون اليوم قانون لقاء الله تعالى.

1 – آية قرآنيةٌ اصلٌ في الموضوع:

يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

قانون:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

( سورة الكهف )

2 – ماذا يعني لقاء الله عزوجل ؟

 لقاء الله عز وجل معنى واسع جداً، فهو يعني أن تتصل به، أن تقبل عليه، أن تسعد بقربه، أن تشتق من كماله، أن يملأ الله قلبك نوراً فترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، أن يملأ الله قلبَك بهذا الاتصال أمناً، فلا تخشى من أحد، ولا ترتعد أمام أحد، أن يملأ الله قلبَك بهذا الاتصال عزاً، فلا تذل لأحد، ولا تخضع لأحد، ولا تتضعضع أمام أحد.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ (110) ﴾

( سورة الكهف )

 الإنسان مخلوق حادث ضعيف طارئ فانٍ يلتقي مع خالق السماوات والأرض من خلال الاتصال به.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ (110) ﴾

( سورة الكهف )

 لقاء الله له ثمن.

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)﴾

( سورة الكهف )

فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا

 كلمة:

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

 واسعة جداً، هناك أب صالح وأم صالحة، و زوجة صالحة، وابن صالح، وعامل صالح يتقن عمله، فيأخذ أجره حلالاً، وهناك في مزارع صالح، و طبيب صالح، ومحامٍ صالح، ومهندس صالح، كلمة صالح تعني أن الإنسان ما ظهر منه الأذى، ولا ابتز أموال الناس، ولا أرعبهم، ولا أدخل على قلوبهم الرعب، ولا  احتال عليهم، ولا كذب عليهم، ولا أخذ ما ليس له، أعطى وأخذ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، هو كمؤمن أخذ ثمن هذه السلعة، لكن أعطاك سلعة جيدة، أخذ ثمن هذه الخدمة، لكن قدم لك عملا طيبا، وكم من إنسان يقدم شيئًا سيئًا، ويأخذ أجرا جيدا ؟ وكم من إنسان يحاول أن يخفي العيوب ؟ وكم من إنسان يقدم صفات للسلعة ليست صحيحة ؟ وكم من إنسان يجمع أموالا من طريق غير مشروع.

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 هناك أب صالح ربى أولاده اهتم بدينهم، بعقيدتهم، بأخلاقهم، وهناك أم صالحة اهتمت ببناتها، بأخلاق بناتها، بتزويج بناتها، وهناك جار صالح لا يؤذي جاره، وجار السوء، إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه، وهناك إمام سوء، إنْ أحسنت فلن يقبل، وإن أسأت فلن يغفر.

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 يمكن لإنسان أن يعاملك ثلاثين سنة فتضغط كل أخلاقه، وكل تصرفاته، وكل معاملاته بكلمة واحدة: يرحمه الله، كان صالحا، كما يمكن لإنسان أن يعاملك ثلاثين سنة، ويموت، لو لم تلفظ بلسانك: لا يرحمه الله، تقول: أساء إلي، باعني بيعة ما انتصحت بها، عاملني معاملة قاسية، احتال علي، أخذ شيئًا ليس له، مستحيل أنْ يقبلك الله.
 إنّ عظمة هذا الدين أن الله عز وجل مستحيل أن يقبلك إذا لم تكن محسنا لعباده، أما الأقوياء فيقبلوك الله، فيكفي أن تعمل عملا تتقرب به إلى قوي، يكفي أن تمدحه فقط، أو تبالغ بالإساءة للناس، أنت عنده قوي، ومن السهل أن تتقرب إلى قوي، القضية سهلة، بمديحه فقط، أو بالولاء له، أما الله عز وجل فلا يمكن أن يقربك منه، ولا يمكن أن يتجلى على قلبك، ولا يمكن أن يقبلك، ولا يمكن أن يسمح لك أن تتصل به إذا لم تحسن إلى عباده، لذلك المؤمن له ميزة كبيرة جداً، إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، المؤمن وفي.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ (110) ﴾

( سورة الكهف )

 مستحيل أن يتصل الغدّار بالله، دقق، هناك صلة، وهناك أداء صلوات، والفرق بينهما كبير، فمهما كان الإنسان منحرفا في أخلاقه فإنه يستطيع أن يتوضأ، ويصلي، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويسجد، لكن لا يقدر أن يتصل بالله عز وجل، يقدر أن يقف في الصلاة، ويقرأ، ويركع ويسجد، لكن لا يقدر أن يتصل بالله، إذا كنت مسيئًا لخلقه، مغتصبًا بيتًا ليس لك، تجارتك ما فيها صدق، ما فيها أمانة، بنيت مجدك على أنقاض الناس، والإنسان يعرف نفسه الفطرة.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) ﴾

( سورة القيامة )

 يمكن أن تحج، وأن تعتمر، وأن تصلي، وأن ممكن، لكن أن تحب، وأن يحبك الله، وأن يكون قريبا منك، أن تبكي في الصلاة، ويخشع قلبك، لكن إذا لم يكن عملك صالحا، ودخلك حلالا وبيتك إسلاميا فهذا هو الأهمّ .

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

الطريق إلى الله سهلٌ:

 أيها الإخوة الكرام، الإله العظيم الطريق إليه سهل جداً، الأقوياء أما العالم فلا أمل بأن تلتقي معهم، عندهم ألف حاجب وحاجب، وألف عقبة وعقبة، أما إلهنا فيكفي أن تخدم له عباده، يكفي أن تكون ناصحا أمينا، صادقا مع الناس، حتى يفتح لك الله باب رحمته، فتشعر بقرب من الله عز وجل.
 للتقريب: هناك مثل أرويه مرات عددية، أن مجندا التحق بالخدمة الإلزامية من يومين، فرزوا إلى فرقة، والفرقة ثلاثة ألوية، على رأسها قائد الفرقة، لواء أركان الحرب، هذا المجند الغر في كل جيوش العالم ليس في إمكان أن يقابل لواء أركان الحرب القائد العام للفرقة، هناك تسلسل، يقابل العريف، ثم العريف أول، ثم مساعد، ثم مساعد أول، ثم ملازم، ملازم أول، ثم نقيب، ثم، ثم مقدم، ثم عقيد، ثم عميد، ثم لواء... فهناك تسلسل، أما هذا المجند الغر الذي التحق من يومين إذا رأى في مسبح ابن اللواء يكاد يغرق، وأنقذه، وخاطر بنفسه حتى أنقذه فإنه يدخل مكتب لواء أركان حرب من دون إذن، ويحضر له فنجان قهوة، ويجلسه إلى جانبه، ويكرمه، لأنه عمل عملا صالح، هذا المثل للتقريب.

العمل الصالح ثمن الجنة:

 تخدم عباد الله، تنصحهم، تكون صادقا معهم، تبيعهم بضاعة جيدة بسعر معتدل، أنت موظف يأتيك مراجع من حلب، تقول له: على عيني، تعال غداً، غداً ينزل بفندق فيدفع ألف ليرة، تخدم المواطن بأن لا تضايقه، لا تخترع له مشكلة من عندك.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 عندك زوجة تقول: أبوها ميت، وأمها ميتة، مقطوعة، والله أمسح بها الأرض، لكن لها رب ينتقم منك، أنت زوج صالح، أب صالح، جار صالح، موظف صالح.
أنت طبيب صالح، والمريض لا يحتاج كل هذه التحاليل، لا يحتاج إلى إيكو، لا يحتاج مرنان.
كان النبي مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم:

(( عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليها سلخها، وقال الثالث: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، فقال: أعلم أنكم تكفونني ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

 العمل الصالح ثمن لقاء الله عز وجل، وتعرف العمل الصالح بالفطرة.
هناك قصص لا تعد ولا تحصى، إنسان تألق عند الله تألقا كبيرا جداً، فقط لأنه خدم الناس، صدق معهم، كان أمينا، أدى الأمانة إلى أهلها.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

هذا أعظم إنجازٍ:

 أعظم شيء أن تتصل بالله، أعظم إنجاز أن تصل إلى الله، وأعظم إنجاز أن يكون الله راضيا عنك، وأعظم إنجاز أن تشعر أن الله معك، وأعظم إنجاز أن تشعر أن الله يدافع عنك، يؤيدك، ويقربك، ويتولى أمرك.

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا (257)﴾

( سورة البقرة )

 أعظم إنجاز أن يحبك الله.

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) ﴾

[ سورة المائدة ]

 والله مرة سمعت من رجل ألقى كلمة في عقد قران ذكر حديثًا يخاطب فيه النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا معاذا، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ:

(( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ))

[ سنن أبي داود ]

 والله ما رأيت في حياتي إنجازا أعظم من أن يحبك الله ورسوله، الأمر بيدك، كن صادقا، كن أمينا، كن عفيفا، كن عفوًّا، كن غفورا، كن خادما لمن حولك، سيد القوم خادمهم، وقد كان النبي عليه الصلاة السلام في مهنة أهله، وكان مع أصحابه في سفر، وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم:

(( عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليها سلخها، وقال الثالث: وعليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، فقال: أعلم أنكم تكفونني ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

 تواضع، اخدم من حولك، انصح من حولك، لا تستعلِ عليهم، لا تبتز أموالهم، لا تبنِ مجدك على أنقاضهم، لا تبن عزك على إذلالهم، لا تبن غناك على فقرهم.

الدين هو المعاملة خارج المسجد:

 لما يشعر الإنسان أن هذه الحاجة مفقودة، وعندك منها قطعة، وهذا الإنسان مضطر أن يشتريها، فيبيعها له أربعة أضعاف، هذا البيع بيع ضرورة، ورفع سعر القطعة، فلا يرحمه، أخذ الآلة، وما فتح الغلاف، فندم عليها، فتقول: لا تُرجع، أو تخسر ألف ليرة، هذه الألف أخذتها بغير حق.
والله أيها الإخوة الكرام، أقسم لكم بالله ؛ الدين ليس بالجامع، الدين في الطريق، بالمعمل، بالدكان، بالدائرة الحكومية، هذا المواطن يمكن أن تخدمه ببساطة فلا تخدمه، تريد أن يضايقه، يطلب منه وثيقة لا يحتاجها، يريد أن يشعره أنه ذو منصب كبير، أستطيع أن أضايقك، لكن الله يضايقك أيضاً، لذلك اخدمه.
مرة راكب مع رجل من بلد شقيق، ورجل منعم، اخطأ في القيادة فوقع حادث لسيارة ثانية، الآن هذا السائق سوف يرفع صوته، ويتجاوز حدوده، هذه العادة ألفناها هكذا، نزل السائق، نظر إليه، رآه من لبنان، في أثناء أحداث لبنان، قال له: مسامح، لا أريد شيئًا، هذا الرجل الصديق هطلت دمعة من عينه على خده،  لاحظتها أنا، وضعه المادي جيد جداً، ليس بحاجة أن يوفر خمسة آلاف، قلت له: لماذا بكيت ؟ قال: لأني من سنتين رجلٌ سوري مع أهله محجّبات أحدث لي مشكلة في السيارة، فما أحببت أن أفسد عليه نزهته، قال له: أنت مسامح، هذه المعاملة ما ضاعت عند الله، بعد بسنتين الخطأ كرِّر في الشام، وقال له: مسامح، الله لا يضيع عنده شيء.
 والله أكاد أقول لك: لو أنقذت نملة بالمغسلة، وأنت تريد أن تتوضأ، فتحت الحنفية، فأنزلتها، أنت تحاسب عليها، اتركها تنفذ بريشها، لو أنقذت نملة لا تضيع هذه الحسنة عند الله عز وجل، لو نصحت إنسانا بكلمة، لو قدمت خدمة، لو توقفت لإنسان كبير في السن بمركبة عامة، لو رأيت امرأةً متقدمة في السن واقفة تنتظر دورها، فقلت لها: تعالي يا أختي، وخذي دوري، أنا أقف محلك.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 يا أخي ذوق طعم القرب من الله اخدم له عباده، لا تقل له: أنت من أين ؟ هذه ألغها، هذا عبد لله، وهو عبد من عباد الله عز وجل أنت خدمته لله عز وجل.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (245) ﴾

( سورة البقرة )

 من الذي يقوم بعمل صالح تجاه هرة، تجاه كلب أحياناً، تجاه مخلوق.
أيها الإخوة الكرام، هذه الآية دقيقة جداً:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾

( سورة الكهف )

 الأمر بيده، هو المعطي، الناس يرون ملايين الآلهة الآن، والشرك يحطم أعصابك، ترضي هذا فيغضب ذاك، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 في بيتك، بمحلك، بتجارتك، فإنه يمكن أن تجد فأرة في علبة الزيت، ولا أحد يعلم بذلك، تحضر ملقطا وتنزع هذه الفأرة من الزيت، وتبيعها بيعا عاديا، لكن الله يراقبك، هذا الزيت صار للصابون، ليس للاستخدام البشري ولما لا تؤذي مخلوقا.
أيها الإخوة، لما تخاف الله فيما بينك وبينه فلن يخيفك من أحد، حتى أطمئنك، لن يجعلك تتضعضع أمام أحد ما دمت خفت منه، أما إذا لم تخف منه الله فعنده وسائل، وعنده أساليب، وعنده تصرفات ينخلع قلبك خوفًا منها.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 دينك ليس في المسجد، أقلّ مكان يظهر فيه الدين المسجد، أقلّ مكان أنت فيه جالس تسمع درسا، أو تصلي، أما في البيع والشراء فشعرت هذا الإنسان غشيم لا يعرف، فتبيعه أي بضاعة، وبأي سعر، وبأسوأ مواصفات، لكن الله يشاهد.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

نصحت، صدقت، عاونت، بينت، بينت العلة.
 مرة قال لي أخ لم يكن يعرف الاستقامة، قال لي: عندي سيارة فيها عيب خطير في المحرك، فبعتها وألبستها لواحد، واعتبر نفسه ذكيا، هذا العيب ما ظهر مع الشخص، مظهرها جيد، قال لي: بعد يومين أحضرت سيارة جديدة من طرطوس، قال لي: اخترتها من أفضل سيارة، بعد يومين كان بمكان بدمشق، صدمته حافلة كبيرة فسحقت السيارة، فغضب غضبًا لا حدود له، قلت: تذكر ماذا قلت لي منذ يومين، أنك بعتَ سيارتك، وألبسته إياها، الله كبير، من هو الغبي ؟ كل إنسان ما أدخل الله في حساباته، ففيه كتلة غباء، وإذا لم تدخل الله في حساباتك فلست ذكياً.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

شروط قبول العمل الصالح:

 أيها الإخوة الكرام.

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

 قال العلماء العمل الصالح لا يقبل غلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة.
الإخلاص:

﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

الشرك الخفيُّ والشرك الجليُّ:

 عندنا شرك خفي وشرك جلي، الشرك الجلي في العالم الإسلامي غير موجود، وليس عندنا صنم نعبده من دون الله، وهناك شعوب عندها أصنام، وهناك شعب يعبد البقر، وشعب يعبد الحجر، والشمس القمر، نحن من فضل الله بعد مجيء هذه الرسالة فليس عندنا شرك جلي، لكن عندنا شرك خفيّ، قال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 الشرك الخفي أن ترى مع الله أحدا، الشرك الخفي أن ترضي مخلوقاً في معصية الخالق، الشرك الخفي أن ترى أن هذا المبلغ الضخم الذي سيأتيك من غش المسلمين هو أكبر عندك من الله، فقد أشركته مع الله، وعبدت هذا المال، وجعلت المال إلهك، هذا هو الشرك الخفي، وهو خطير جداً.

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 الشرك الخفي أن ترى مع الله أحداً، أن تحب مع الله.
 لكن التوحيد ؛ أن تحب في الله، والفرق كبير بين أن تحب مع الله وأن تحب في الله، أن تحب مع الله هذا عين الشرك، أما أن تحب في الله فهو عين التوحيد، فلذلك الآية دقيقة جداً:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) ﴾

( سورة الكهف )

بشرى سارة للموحِّدين:

 هناك بشارة من النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ:

(( يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

السؤال الثاني:

(( ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

[ متفق عليه ]

 أنشأ الله على ذاته حقاً عليه، لذلك:
الذين قالوا:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا (51) ﴾

(سورة التوبة)

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

( سورة فصلت الآية: 30 )

 قال:

(( حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ ))

 أنت في مأمن من عذاب الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

( سورة الأنفال)

 مادامت سنتك مطبقة في حياتهم ما كان الله ليعذبهم.

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

( سورة المائدة: 18 )

 بماذا ردّ الله عليهم ؟ قال:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة: 18 )

 لذلك استنبط الإمام الشافعي أن الله لا يعذب أحبابهم، فما قولك أيها الشاب وأنت في مقتبل حياتك ؟
الحديث الصحيح الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أنك إذا عبدت الله، ولم تشرك به شيئاً فحقك عليه ألا يعذبك في الدنيا، وهذه نعمة كبيرة، هذا الحديث يملأ القلب طمأنينة وثقة وراحة.

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

( سورة طه)

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS