333
محاضرات وندوات مصورة – تركيا – مدينة صقاريا - ديناً قيماً 2 - محاورة بين فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي وفضيلة الدكتور عمر عبد الكافي – الحلقة28: الظلم.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2018-06-13
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الدكتور راتب :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
 أيها الأخوة المشاهدون؛ لازلنا في برنامج: " ديناً قيماً "، ولا زلنا في حلقاته المتنوعة بصحبة العالم الجليل والداعية الكبير الدكتور عمر عبد الكافي، جزاه الله خيراً، وأرجو الله عز وجل أن نوفق في موضوع اليوم، ألا وهو الظلم، والظلم أنواع سوف نستمع من فضيلة الشيخ الكبير..

الظلم و أنواعه :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 أكرمك الله، أحمد الله رب العالمين، وصلاة وسلاماً على رسوله صلى الهخ عليه وسلم، أولاً الظالم نادم حتى وإن مدحه الناس، والمظلوم..
الدكتور راتب :
 هذه الفطرة..
الدكتور عمر عبد الكافي:
 أن يظن أنه ممدوح من الناس فيظن أن له مكانة، لكن الظالم نادم، والظالم قد يكون ظلمه أسرع من دعاء المظلوم عليه، أي نتيجته، عاقبته أن يصير حبل الظلم يلتف على عنقه قبل أن يدعو المظلوم عليه، لأن الله لا ينام، الله عز وجل خلق الخلق ودرجهم وجعلهم أنواعاً ثلاثة؛ فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، الظالم لنفسه هذا مرحلة من مراحل الظلم، لكن الكارثة الظالم لغيره، ماذا يصنع؟ وماذا يقول لرب العباد يوم القيامة عندما تظهر عاقبة ومغبة ظلمه؟ هذا الظلم الذي يضع الإنسان نفسه في بوتقته، أن يضع كل أمر في غير مكانه، وفي غير محله، والله عز وجل وكل العباد بالعباد..

الناس للناس من بدو وحاضرة  بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
* * *

 بعض الناس للأسف من ظلمه ينسى أن هؤلاء هم خلق الله، وهؤلاء هم عيال الله، وينظر إليهم من فوق شاهق، ويراهم ذرات فيحتقرهم، ويقلل من قدرهم، ويستهين بدعائهم مع رب العباد، يقول للمظلوم: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين، لكن القضية يا فضيلة الشيخ أن الظالم قد لا يرى نفسه ظالماً، أي قد يحسب أنه يحسن صنعاً، وأنه يفعل خيراً، وأن يقول مثلاً: أنا أصنع هذا لأجل هذا، أو لمصلحة المجتمع، وكذا وكذا، هذا الظالم أغبى خلق الله، لأنه كما تقول فضيلتك دائماً: ما أدخل الله في حساباته، هو أدخل نفسه، فإذا رأى الإنسان نفسه يرى نفسه داخل أربعة جدران كلها مرايا، فلا يرى إلا نفسه، لا يسمع صوتاً، ولا يسمع نصيحة، ولا يقبل موعظة، الأنا عنده يصير إما قارونية كانزة، أو فرعونية طاغية، أو ظالماً، قال تعالى:

﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾

[سورة غافر: 29]

 حتى يقول على المصلح:

﴿ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾

[سورة غافر: 26]

 أي فرعون الظالم يرى أن موسى يظهر في الأرض الفساد، هذا منطق متوهم.
 حقيقة الأمر فضيلة الشيخ نريد أن تبين لنا أيضاً كيف أزرع في الجيل الجديد وأعظ الجيل الذي كبر ألا يكون ظالماً؟ ألا يدخل نفسه في الظلم؟

وجوب أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله ومحبة له وخوف منه :

الدكتور راتب :
 أرجو الله عز وجل أن يوفقني فيما سألتني، ولكن يوجد ملمح دقيق جداً وهو أن الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾

[سورة البقرة: 57]

 الله عز وجل نفى عن نفسه أن يظلم، لكن هذا الشيء يسمى نهي تصور، لأن الله عز وجل لا يمكن أن يظلم، هذا مستحيل، قال تعالى:

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 57]

 لكن كيف نفهم المعنى المعاكس؟ الإنسان حينما يرتكب كل الكبائر أهون من أن يقول على الله ما لا يعلم، فإذا قال على الله ما لا يعلم قطع الناس عن الله عز وجل، هذا أكبر ظلم للذات الإلهية، أن الله عز وجل يسعد الناس، يوفقهم، ينجحون في حياتهم، يتجلى عليهم، أما عندما ذكرت عن الله صفات لا تليق به قطعت الناس عن الله، وهؤلاء قطاع الطرق إلى الله، هذه نقطة مهمة جداً، قال تعالى:

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا ﴾

[سورة البقرة: 57]

 الله عز وجل نفى عن نفسه أن يظلم، لكن نفي الشيء أحد فروع تصوره، لأن هناك من يظلم الله عز وجل، فلا يقدم للناس رحمته، وعدله، وحنانه، وتوفيقه، يا رب أيّ عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحبّ من أحبني وحببني إلى خلقه، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني.
 معنى ذلك أنه لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، هذه حالة نفسية متوازنة؛ تعظيم، ومحبة، وخوف.

محاسبة الله للبشر شيء قطعي :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 الذي يظلم فضيلة الشيخ نستطيع أن نقول: إن هناك طائفة من المسلمين ابتلي بهم الإسلام، وصاروا عبئاً عليه، وصاروا صورة مشوهة، لأنه عندما يراهم غير المسلم أو الكاره للإسلام يزداد كراهية، ويزداد جحوداً، لأنه إذا كانت هذه صورة الإسلام فبئس، أحد الصالحين من تلاميذ الحسن البصري قال له: افتقدتك في الدرس أياماً ثلاثة، قال: سمعتك تقول عن أمير المؤمنين يا مهدي، فقال: والله كنت أقصد أننا كلنا ولدنا في المهد، بالنسب، نسب المكان، حتى اللفظ، ولذلك أحد العلماء قال: بحثت عن كلمة خمسين سنة ترضي الله ولا تغضب السلطان فلم أجد، هناك نفس عندها تمرد، لكن يوجد نقطة الظالم الذي يتصور أنه يستطيع أن يظل ظالماً، هذا خيال ..
الدكتور راتب :
 أغبى الأغبياء، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 محاسبة الله للبشر شيء قطعي، لكن أحياناً تتأجل..
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هذا التأجيل استدراج؟

الحكمة من إخراج الشهوة إلى حيز التنفيذ :

الدكتور راتب :
 والله الإنسان حينما يبتعد عن الله عز وجل تنشأ عنده شهوات معينة، هذه الشهوات إذا خرجت إلى حيز الوجود، لعله يشفى منها، هذا معنى الاستدراج، عنده شهوة مستحكمة فإذا استدرجه إلى إنفاذها قد يرتاح منها، يمكن أن يكون له استماع للحق، لأن حبك الشيء يعمي ويصم، إخراج الشهوة إلى حيز التنفيذ لها حكمة قد تغيب عن معظم الناس.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 شهوة الظلم هذه عند الناس متأصلة أم اكتسابية؟

من علا مقامه اتسعت رؤيته و ابتعد عن الظلم :

الدكتور راتب :
 والله الظلم ليس له علاقة بالشهوة، له علاقة بالمال، شهوة المال، الاستعلاء في الأرض، هذه الشهوات إذا كان طريقها الظلم يسبقها، عندنا شهوة القوة، شهوة المال، يظلم من أجل أن ينال هذه الأعطيات، أنا مرة أذكر جئت من المغرب إلى دمشق بالطائرة، فرأيت بعيني هذه قبل دخولي إلى سوريا طرطوس وصيدا، لفت نظري أن خمسمئة كيلو متر رأيتها في نظرة واحدة، تعلمت من هذا الدراس أن الإنسان كلما علا مقامه اتسعت رؤيته، فالمؤمن تتسع رؤيته يرى أنه إذا ظلم لا بد من أن يعاقب في الدنيا قبل الآخرة، ولعل خطيئة الظلم يعجل له في الدنيا عقوبتها.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 ثم يبتلى بظالم مثله، أو أسوأ منه، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك، أن الله يسلط عليه ظالم آخر.
الدكتور راتب :
 فما من ظالم إلا سيبلى بأظلم، الله كبير.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 الذي يغرس شجرة الظلم في سلوكياته، ويرى أنه لا يريد أن يوقفه أحد، ولا يريد أن يستمع إلى موعظة، تذكره بالله، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ﴾

[ سورة البقرة: 206]

 هذا الظالم ماذا يصنع المجتمع معه؟

كيف يتعامل المجتمع مع الظالم ؟

الدكتور راتب :
 حينما يقاطعه يحجمه، فإذا أثنى عليه نفاقاً قواه، لذلك إن الله ليغضب إذا مدح الكافر، أنت إذا مدحت الفاسق يغضب الله فكيف إذا مدح الظالم المجرم؟ لكن إذا الإنسان لم يتمكن أن يتكلم وسكت لعل الله يقبل منه سكوته، إذا لم يستطع أن يتكلم وقد يكون معذوراً في بعض الأحيان فعليه أن يصمت لا أن يمدح، الناس يعذرون الصامت أحياناً، ولا يعذرون المادح، في بعض الأزمات قد يعذرون الصامت قد لا يستطيع أما الذي يمدح فعقوبته كبيرة.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هذا الظالم لو أن المجتمع الذي يعيش من حوله بدؤوا يقاطعونه، المقاطعة هذه يجب أن نبين للناس أن تكون ابتغاء مرضاة الله..

تنبيه الظالم و نصيحته :

الدكتور راتب :
 لا بد من التنويه، أو لا بد من النصيحة، يوجد إنسان يبتغي وجه الله بنصيحته، أقول له: أنا ليس لي مصلحة معك إطلاقاً لا مدحاً ولا ذماً، أنصحك أن تفعل كذا، أحياناً يكون هناك ساعة يقظة يستجيب، وإذا استجاب له أجر، لكن النقطة الدقيقة أن المجتهد إذا أصاب له أجران، وإن لم يصب فله أجر، بين الأجر والأجرين.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هذا الظالم حاول المجتمع أن يأخذ على يده فلم يستطع هل يصاب المجتمع بالخنوع والخضوع والسكوت؟

الله موجود و لكل ظالم مصير :

الدكتور راتب :
 أنا أقول: دور الدعاة أن يبينوا للناس أن الله عز وجل لن يدعه هكذا، ما من إنسان ظالم إلا له مصير، وقد نراه قبل أن نموت، فهذا التطمين للناس يعطي هدوءاً، أما الله عز وجل فهو موجود، الحمد له على وجود الله، والله أقوى الأقوياء، لكن أحياناً يمد للإنسان، لأنه حليم وليمتحنه، وليمتحن صبرالعباد على شأنه.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 هل هو سوط الله في الأرض وصورة من صور العقاب السماوي والإلهي لبعض الناس الذي يتركون دين الله ويلقونه خلف ظهورهم؟

الظالم سوط الله في الأرض :

الدكتور راتب :
 هكذا ورد يا سيدي الظالم سوط الله ينتقم به ثم يُنتقم منه.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 من المظلوم؟

دور الدعاة التبيين للناس و نصح الظالم :

الدكتور راتب :
 المظلوم إذا أراد أن يأخذ حقه فهذا شيء طبيعي وأساسي، لو أن الناس جميعاً إذا ظلموا تكلموا، صار هناك فرجة في المجتمع، أما كله ساكت فالمتكلم يخاف على حياته، فحينما الأمر بالمعروف يستمر ويتسع في دائرته صار هناك مجال لننصح الظالم، أما كله ساكت فيصبح هناك مشكلة كبيرة.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 أي دور الدعاة أن يبينوا للناس، وأن يهبوا ناصحين للظالم.
الدكتور راتب :
 كلمة الحق أمام سلطان جائر هذا جهاد كبير.

خاتمة و توديع :

الدكتور عمر عبد الكافي:
 نسأل ربنا سبحانه وتعالى أن يرفع الظلم عنا وعن مجتمعاتنا، ونسأل الله تعالى ألا نكون من الظالمين، ولا نرضى بالظلم، ولا نحشر مع أهل الظلم.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم يا سيدي.
الدكتور عمر عبد الكافي:
 نسأل الله أن يرضى عليك، ويبارك بك.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS