6971
أحاديث رمضان 1430هـ - الفوائد - الدرس ( 19-31) : براهين المعاد في القرآن مبنيّة على أصول ثلاث
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-10
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

براهين المعاد في القرآن الكريم مبنية على أصول ثلاثة:

لايقبل العقل أن تنتهي الحياة دون تسوية
أيها الأخوة الكرام، مع فائدة جديدة من فوائد كتاب الفوائد القيّم لابن القيم رحمه الله تعالى.
عنوان هذه الفائدة: براهين المعاد في القرآن الكريم مبنية على أصول ثلاثة، المعاد ؛ اليوم الآخر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الحياة الدنيا أمامكم فيها الغني وفيها الفقير، فيها القوي وفيها الضعيف، فيها الوسيم وفيها الذميم، فيها الذكي وفيها المحدود، الحظوظ موزعة توزيعاً عجيباً، يا ترى هل يقبل عقل سليم أن تنتهي الحياة ولا شيء بعد الحياة ؟ هذا الفقير ما ذنبه عندما كان هذا الغني يتفنن في ألوان الطعام والفقير يشتهي قطعة لحم يأكلها، عندما هذا القوي يدمر، ويقتل، ويجتاح، والضعيف لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً ؟
بعض المفكرين قالوا: " لا يقبل العقل أن تنتهي الحياة من دون تسوية، من دون حساب، من دون مسؤولية، لو ألغينا اليوم الآخر ألغينا الدين كله، ألغينا الثواب والعقاب، ألغينا الحق والباطل، ألغينا الخير والشر، ألغينا الجنة، ألغينا النار ".
لذلك أكثر العلماء ينطلقون من أن الإيمان باليوم الآخر إيمان سمعي أي نقلي، لكن بعض العلماء وهم قلة يرون أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، العقل لا يقبل أن يعيش الناس هكذا، دول تتفنن في الملذات، ودول تذوق ألوان الجوع، والقلق، والخوف.

الأصول الثلاثة في الإيمان باليوم الآخر:

1 ـ علم الله عز وجل:

ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون
أولاً أحد هذه الأصول الثلاثة في الإيمان باليوم الآخر، وقبل الحديث عنها ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن الكريم تلازماً عجيباً كركن الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله يمنعك أن تعصيه، والإيمان باليوم الآخر يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، الأصل الأول في الإيمان باليوم الآخر هو علم الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

أي أن الله عز وجل ليس غافلاً عما يعمل الظالمون، ينفي أن يكون غافلاً لأن بعض الناس يتوهم أن الله غافل، كيف ؟ صاحب محل تجاري لو جاء إلى محله التجاري قبل أي موظف، وجلس وراء الطاولة، و المال في درج الطاولة، وغادر آخر إنسان، يا ترى من يعمل عنده أمين أم لا ؟ لم يتح لهم أن يمتحنوا، لكن أحياناً صاحب هذا المحل يذهب إلى محل مقابل محله التجاري، لعند زميله وعينه على محله، يرى هذا الموظف هل فتح الدرج؟ هل أخذ شيئاً ؟ هل باع أم لم يبع ؟ هو يتغافل عنه ليمتحنه، إما أن ينجح وإما ألا ينجح، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾

الله عز وجل يعلم المصلح من المفسد و المعطي من المانع وسيحاسبهم حساباً دقيقاً:

بعض الناس يتوهمه غافلاً، تجد القوي يتصدر الشاشات، ويصرح تصريحات ويكذب، يقول: جئنا إليكم من أجل الحرية، دولة دمرت عن آخرها، قتل مليون إنسان، أصبح مليون آخر معاقاً، شرد خمسة ملايين، وجاؤونا من أجل الحرية، الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) ﴾

(سورة آل عمران)

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

فلذلك الله يعلم المصلح من المفسد، يعلم المعطي من المانع، يعلم الخيّر من الشرير، هم في علمه و الله عز وجل سيحاسبهم حساباً دقيقاً.

الله عز وجل خبير بما يعمل كل إنسان ولا تخفى عليه خافية:

يثبت اليوم الآخر أن الله يعلم ما يفعله العباد وسوف يحاسبهم، قال تعالى حينما أجاب عن سؤال:

﴿ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) ﴾

( سورة يس )

فكان الجواب:

﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) ﴾

( سورة يس )

لاتخفى على الله خافية
حركاتك، سكناتك، خواطرك، نواياك، أعمالك، ظاهرها، باطنها، هناك أعمال ظاهرة جيدة لكن تنطوي على نوايا خبيثة، الله عز وجل خبير بما تعملون، لا تخفى عليه خافية، علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فكان الجواب:

﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) ﴾

( سورة يس )

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )

أنت في بيتك، وغرفتك مظلمة، وهناك نافذة مفتوحة، و مقابل بيتك بناء، ولهذا البناء شرفة، خرجت جارتك إلى الشرفة بثياب متبذلة، من يستطيع من أهل الأرض أن يضبط نظرك إلى جارتك بثيابها المتبذلة، من ؟ الله وحده:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )

طبيب يفحص مريضة له الحق أن يرى موضع الألم، فإذا اختلس نظرة إلى مكان آخر من في الأرض يستطيع أن يضبط هذه المخالفة ؟

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )

علم الله بأفعال و نوايا ومقاصد عباده علم مطلق و العلم يقتضي المحاسبة:

يعلم ما تعلنه، ويعلم ما تخفيه، ويعلم ما يخفى عنك، هناك شيء تعلمه لكنك تخفيه، وهناك شيء تخفيه لكنه يعلمه، ولكن هناك شيء لا تعلمه أنت، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فعلم الله بأفعال عباده، وبنوايا عباده، وبمقاصد عباده علم مطلق، فالعلم يقتضي المحاسبة:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

( سورة الطلاق )

الآن المنطلق الأول للإيمان باليوم الآخر أن الله يعلم أفعال عباده، يعلم المجرم من المسلم:

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾

( سورة القلم )

يعلم المؤمن من الفاسق:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

( سورة السجدة )

علمه يقتضي المحاسبة، يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب.

2 ـ كمال قدرة الله عز وجل:

كمال قدرة الله عز وجل
المنطلق الثاني للإيمان باليوم الآخر كما يرى ابن القيم في كتابه الفوائد: كمال قدرته، أنت أحياناً تعلم الخلل لكنك ضعيف، لا تستطيع أن تحاسب من هو قوي، العلم لا يكفي يحتاج إلى قدرة، الله عز وجل قوي يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لذلك:

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة يس )

يوم القيامة، الكفار يرون:

﴿ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم ﴾

، قال تعالى:

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) ﴾

(سورة القيامة)

سمعت أن بصمة الإبهام هوية للإنسان، بعض المجرمين في أمريكا نزعوا هذه البصمة ووضعوا محلها جلداً من مكان آخر بعملية جراحية حتى لا يكون هناك بصمة، المفاجأة الخطيرة أن بعد أشهر عديدة ظهرت علامة البصمة السابقة على هذا الجلد الأملس:

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) ﴾

(سورة القيامة)

لكرامة الإنسان عند الله عز وجل أعطاه بعض صفاته:

لايوجد بصمة مثل الأخرى في الكون
بالمناسبة الإنسان لكرامته عند الله أعطاه الله بعض صفاته، الله عز وجل واحد أحد، فرد صمد، والإنسان جعله فرداً، فلو صورنا بصمة الإبهام، وكبرناها، نشاهد فيها جزراً، وفروعاً، ورؤوساً، وخلجاناً، يكفي أن يكون هناك أربع صفات مشتركة لتكون الإبهامان لإنسان واحد، عرضوا بصمة إبهام على مئة ألف بصمة لا يوجد واحدة مثل الثانية، فأنت لك هوية، هويتك بصمتك، التوقيع يزور أما أقوى دليل على أنك وقعت هذا الكتاب بصمتك، وقزحية العين هوية ثانية، لا يوجد على وجه الأرض إنسان تشبه قزحيته قزحية إنسان آخر، الآن في دبي يأخذون قزحية العين يضعونها على الجواز، وفي روما، وفي واشنطن، هناك ثلاث مدن في العالم يأخذون بصمة قزحية العين، رائحة الجلد تنفرد بها، ولولا هذه الرائحة لم يكن هناك أي جدوى في استخدام الكلاب، بلازما الدم تنفرد بها، نبرة الصوت تنفرد بها، الآن النطفة تنفرد بها، أشياء كثيرة قال تعالى:لايوجد قزحية عين تشبه الأخرى في الكون

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ(4) ﴾

(سورة القيامة)

بقي الزمرة النسيجية تنفرد بها، الزمرة النسيجية، وبصمة الإبهام، وقزحية العين، ورائحة الجلد، ونبرة الصوت، وصيغة الحيوان المنوي تنفرد بها، الآية تقول:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الحج )

قادر أن يعيد خلقنا جميعاً، قادر أن يعرض علينا أعمالنا جميعاً، صوتاً وصورة ملونة:

﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) ﴾

( سورة الكهف )

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة يس )

3 ـ كمال حكمة الله عز وجل:

المنطلق الثالث للإيمان باليوم الآخر كمال حكمته، الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

( سورة الدخان )

ألا يوجد حساب للظالم؟
إنسان يصدر قراراً بإلقاء قنبلة على اليابان، يموت ثلاثمئة ألف إنسان بثوان معدودة، والأمور تجري هكذا ولا يحاسب ؟ ولا يعاقب ؟ إنسان يحتل بلاداً يقتل الآلاف المؤلفة، يستبيح الحرمات، ينتهك الأعراض، ينهب الثروات، ألا يوجد حساب بعد هذا ؟

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) ﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37) ﴾

( سورة القيامة )

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)

رأس الحكمة مخافة الله:

أيها الأخوة الكرام، رأس الحكمة مخافة الله، أغبى الأغبياء الذي يتوهم أن الله لن يحاسبه:

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) ﴾

( سورة الصافات)

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

( سورة التكاثر )

أعطاك صحة، أعطاك وقت فراغ، أعطاك طلاقة لسان، ماذا فعلت بهذه النعم؟

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

( سورة الدخان )

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى(40) ﴾

( سورة القيامة )

من أيقن أن الله يعلم و سيحاسب و سيعاقب سيستقيم على أمره حتماً:

أيها الأخوة:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

الله سيحاسب المعلم المهمل ويجزي المعلم المخلص
هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعلم ما يجري ؟ ما يجري في فلسطين، ما يجري في العراق، ما يجري في أفغانستان، ما يجري في العالم، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله لا يعلم ؟ هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله يعلم لكنه ليس قادراً أن يوقف الطغاة عند حدّهم ؟ مستحيل، هل يستقيم إيمانك إذا توهمت أن الله يعلم وهو قادر ولكن لا يعنيه ما يجري في الأرض ؟ قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

فلذلك حينما توقن يقيناً قاطعاً أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، تستقيم على أمره:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

معلم مخلص، يتقن درسه، يعلم الطلاب، يغرس فيهم القيم الأخلاقية، يصحح عقيدتهم، ومعلم آخر لا يعلم، يمضي الوقت بأشياء فارغة، وطرف لا معنى لها، أليس الله عز وجل سيحاسب هذين المعلمين ؟ طبيب يتقن عمله، وطبيب لا يتقن عمله، يبتز من مرضاه، هكذا تنتهي الحياة ؟ محامي يعلم علم اليقين أن الدعوى خاسرة يمنيه بأنها رابحة، يبتز من أمواله، هل يعقل أن الله لا يعلم ولا يقدر ولا يقيم حساباً دقيقاً لكل الناس ؟

﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

الملمح الدقيق بكلمة:

﴿ سَوَاء مَّحْيَاهُم ﴾

، في الحياة الدنيا.

الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر من أدق أركان الإيمان:

لأنك تؤمن بالله واليوم الآخر لا تؤذي مخلوقات الله
المؤمن له معاملة وغيره له معاملة:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10) ﴾

( سورة الليل )

لذلك أيها الأخوة، من أدق أركان الإيمان، الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالله من أجل ألا تعصيه، والإيمان باليوم الآخر من أجل ألا تؤذي أحداً من مخلوقاته، الإيمان بالله واليوم الآخر إيمانان متلازمان ومتكاملان، الأول يمنعك أن تعصيه، والثاني يمنعك أن تعتدي على مخلوق كائناً من كان.
أيها الأخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجم إيماننا إلى استقامة، إلى سلوك، إلى خوف من الله.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS