8613
أحاديث رمضان 1430هـ - الفوائد - الدرس ( 11-31) : الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العلائق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الإسلام بناء شامخ و منهج كامل:

 أيها الأخوة الكرام، مع فائدة جديدة من فوائد كتاب الفوائد القيم لابن القيم رحمه الله تعالى.
هذه الفائدة تقول: الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد وقطع العلائق.
أيها الأخوة، عامة المسلمين يصلون، ويصومون، والغني منهم يحج بيت الله الحرام، ويؤدي زكاة ماله، ومظاهر الإسلام واضحة في بيوتهم، هناك لوحة أسماء الله الحسنى، لوحة آية الكرسي، في مركباتهم مصحف، في  محلاتهم التجارية إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، يوم الجمعة يرتدون ثياباً إسلامية، يتعطرون، هذا الوضع لا يكفي لأن الإنسان كلفه الله أن يعبده، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
 العبادة غاية الخضوع لله، غاية الحب، العبادة ليست كما يتوهم معظم المسلمين تلك العبادات الشعائرية من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة ليس غير، هذه أركان الحياة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[البخاري عن عبد الله بن عمر ]

 هذه أعمدة، أما الإسلام بناء شامخ، الإسلام بناء أخلاقي، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إنصاف، الإسلام ورع، الإسلام أداء الحقوق، الإسلام أداء الواجبات، الإسلام منهج كامل يبدأ من فراش الزوجية وينتهي  بالعلاقات الدولية، فلذلك هذه الجنة التي وعد الله بها المؤمنين والتي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه الجنة لا تنال بركعتين ودفع ليرتين، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية.

ما دامت الحياة الغربية مسيطرة على حياة المسلمين فالطريق إلى الله ليس سالكاً:

 الله عز وجل عزيز لا يمكن أن يتجلى عليك، أن ينزل عليك السكينة، لا يمكن أن تقطف ثمار هذا الدين بعبادات شكلية، أما في حياتك اليومية تعيش كما تشتهي، هناك مخالفات في العلاقات، مخالفات بكسب الأموال،  مخالفات بإنفاق الأموال، مخالفات بعقود الزواج، مخالفات بالمناسبات السارة والحزينة، مخالفات بالرحلات، ما دامت الحياة الغربية مسيطرة على حياة المسلمين، وعلاقة المسلمين بالإسلام هذه الصلاة، والصوم، والحج،  والزكاة، وهذه المظاهر الدينية، فالطريق إلى الله ليس سالكاً:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24) ﴾

( سورة التوبة)

الوصول إلى المطلوب منا موقوف على هجر العوائد:

 الحكمة اليوم متعلقة لا بعامة المؤمنين متعلقة بالسالكين إلى الله، بالسالكين إلى الله سلوكاً حقيقياً، متعلقة بكبار المؤمنين، متعلقة بالذي أراد وجه الله عز وجل، متعلقة بالذي قال:

﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

 فالوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد.
 لنأخذ بعض الأمثلة: في هذه البلاد أَلِف الناس في عقود القران أن يجلس العريس مع العروس على منصة، وأمامه كل المدعوات من النساء الكاسيات العاريات، هذا الذي ألفه الناس من عوائد الزواج عند المسلمين، هذه مخالفة صريحة للشرع، شاب في مقتبل الحياة يرى معظم النساء بأبهى زينة، بثياب فاضحة، هذا المألوف ! هذه عادة من عوائد المسلمين! يمكن أن نصور اللقاء الطيب، أو عقد القران بفيلم، والفيلم متداول والرجل  يرى هذا الفيلم، هذه من ؟ زوجة فلان، ما شاء الله أحسن اختيارها، هذه من ؟ أقسم لكم بالله الإسلام ليس في المسجد، في المسجد تتلقى التعليمات فقط والإسلام في بيتك، الإسلام في أفراحك، الإسلام في تجارتك، الإسلام في محلك التجاري، الإسلام في معملك، الإسلام في وظيفتك، الإنسان إذا أراد أن يكون مسلماً عادياً هذا سهل جداً يمكن أن يصلي، ويصوم، ويحج، الناس كلها صائمة، كيف سهروا الليلة، على أي مسلسل ؟ على أي لقاء ؟ على أي حديث ؟ على أي غيبة ؟ على أي نميمة ؟ على أي اختلاط ؟ على أي غمز ؟ على أي لمز ؟ صائم، هذا النمط في الإسلام عند الله مرفوض، هذا الإسلام إسلام اجتماعي، إسلام لقاءات، إسلام ولائم، إسلام دنيا، أما الدرس اليوم للسالكين إلى الله، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية.

المؤمن الصادق السالك إلى الله يرفض كل العادات التي تتناقض مع دينه:

 المؤمن الصادق السالك إلى الله كل العادات التي تتناقض مع دينه تحت قدمه، هل من الممكن مصمم أزياء في باريس يتحكم بثياب المسلمات ؟ مسلمة تنتمي لدين عظيم هل يجب أن يكون الثوب ضيقاً وإلا فهي متخلفة ؟ يجب أن يكون هناك فتحة، هناك تقصير، هناك تطويل، هل من الممكن إنسان يتحكم بثياب المسلمات ؟ هذا الوضع لا يستأهل أن ينصرنا الله عز وجل، كم كبير، مليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم عند الله، ليس أمرهم بيدهم، ليست كلمتهم هي العليا، للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لا يوجد استقامة، هناك مظاهر دينية صارخة، والله دخلت إلى مسجد في بلد في شمال إفريقيا، يعد من أكبر المساجد في العالم، مئذنته جامعة، المئذنة فقط وإذا جلست في الحرم ترى البحر، هو فوق البحر، شيء يفوق حدّ الخيال، مساجد كبيرة مزخرفة، احتفالات، مؤتمرات، كنت في مؤتمر إسلامي الصحفية بأبهى زينة، بثياب فاضحة، تجري مقابلات مع رؤساء الوفود، شيء طبيعي جداً، المؤتمر إسلامي لكن الجو غير إسلامي.
 أنا أقول: الدين أصبح عادات، وتقاليد، وتراث، وعبادات شعائرية، مظاهر الدين الآن صارخة، تجد برامج دينية، محاضرات إسلامية، شيء رائع جداً، لكن يا ترى سلوك المسلم اليومي منضبط ؟ بأي جلسة هناك غيبة ونميمة، والغيبة أشد من الزنا في بعض الأحاديث، هناك بهتان، و هناك كبر.
 أنا أقول: السالك إلى الله ما لم يضع تحت قدمه كل التقاليد والعادات، كل العوائد، كل شيء ألفناه، المؤمن متميز لا بصلاته وصيامه فحسب، بل متميز بأخلاقه، متميز بمنطلقاته النظرية، متميز بقيمه، الفرق صارخ جداً، الفرق بين مسلم وغير مسلم ليس فرقاً شكلياً، هذا يصلي وهذا لا يصلي، فرق كبير جداً بالمبادئ والقيم، إنسان يقول: أنا ساكن في بيت صاحبته في تركيا، ثمنه تقريباً سبعة ملايين، استطعت أن أخلصه بسبعمئة ألف، يفتخر بهذه القصة، يسكن في بيت ثمنه سبعة ملايين، استطاع بذكاء، واحتيال، وإيهام أن يشتريه من صاحبته بسبعمئة ألف، ويظن أن هذا شطارة، لذلك الاستقامة مئات البنود بل آلاف البنود بل مئات ألوف البنود، في طعامك هناك أحكام شرعية، في نومك هناك أحكام شرعية، في علاقتك بزوجتك هناك أحكام شرعية، فحينما ترى الإسلام عملية عبادات تؤديها وانتهى الأمر، مرة بلغني أن شخصاً يصلي في الجامع في الصف الأول حرفته يبيع أقراص مدمجة إباحية، الشاب يشتري هذا القرص، أين صلاته ؟ وأين صيامه؟ وأين قراءة القرآن ؟ انتهى، أنت تخرب الفطرة السليمة في الإنسان وأنت تصلي؟ الذي أعجب منه أشد العجب كيف الإنسان يتوازن بعمل يبنى على إفساد الناس وهو يصلي ؟ مسبح مختلط عمل فيه مولداً، ودعا من يتكلم ويثني عليه، الحالة بهذا الشكل مؤلمة جداً.

الشيء إذا عمّ و شاع لا ينقلب إلى حلال بل يبقى حراماً:

 فلذلك الوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد، أي ما ألفناه من عادات، المؤمن يعمل، تمحيص هذه العادة تناقض شرع الله تحت قدمك، هذه الثياب ممنوعة في الإسلام ولو أنها حديثة جداً، والله مرة كنت في الصين لفت نظري أن هناك مؤسسات كبيرة جداً للطعام الحلال، في الصين ثمانون مليون مسلم، هذا الشيء مألوف أما الذي لفت نظري أكثر أن هناك معامل عملاقة للثياب الحلال، إذاً هناك طعام حلال وهناك ثياب حلال، فإذا أحب الإنسان أن يشتري لزوجته ثياباً كل شيء يباع في الطرقات خلاف المنهج، يمكن هذا الثوب أن يُرتدى للزوج فقط أما لغير الزوج لا يجوز هناك محارم، الزوجة لها ابن كبير، لها أخ، لها ابن أخت، المشكلة أننا نحن ألفنا الدين في المسجد، يدخل للمسجد، النبي عليه الصلاة والسلام علمنا إذا دخلت المسجد:

(( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك))

[مسلم عن أبي حميد]

 أنت تأتيه مرتين، مرة لتأخذ تعليمات الخالق، ومرة لتقبض الثمن، نفذت التعليمات الآن دخلت لتصلي في الصلاة يأتي الثمن، أما حياتي في واد والإسلام في واد وأنا مسلم، هذه المشكلة، لذلك العوائد السكون إلى الدعة، إلى الراحة، إلى ما ألفه الناس من أوضاع جعلوها مقدسة كالشرع تماماً، إن لم تعمل عقد قران للنساء لم يعد هناك اختلاط وكأنك خارج المنظومة، خارج السرب، فأي شيء تفعله وفق الشرع كأنك فعلت منكراً، هذه مشكلة  كبيرة جداً، ألف الناس الاختلاط، ألف الناس الغناء، الغناء شيء طبيعي جداً، الغناء ليس طبيعياً، الغناء محرم، المشكلة أن الشيء إذا عمّ وإذا شاع لا ينقلب إلى حلال يبقى حراماً، لذلك:

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 حينما تشعر بالغربة هذا الشعور صحي:

(( عبادة في الهرج كهجرة إلي ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

 العبادة في الفتن، في زمن النساء الكاسيات العاريات، في زمن إطلاق البصر، تغض أنت البصر، غض البصر فيه آية قرآنية:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 30 )

 غض البصر من صفات المؤمن.

الإسلام منهج و تشريع خالق السماوات والأرض:

 أيها الأخوة، هذه الأوضاع، والعادات، والتقاليد المخالفة للشرع ألفها الناس، وأصبحت هي الأصل، وإذا إنسان الآن لم يرضَ أن يجلس بسهرة مختلطة يذمه والده الذي يصلي في المسجد، الأب يصلي في المسجد في الصف الأول فإن لم يجلس ابنه مع أقاربه اللواتي لا يجوز أن يلتقي بهن يقيم عليه الدنيا، من أين جئتم بهذا الدين ؟ من يهاجمه ؟ أقرب الناس إليه، رواد المساجد، يجب أن تكون مثل أهلك.
الإسلام منهج، والله أيها الأخوة، بخبرتي المتواضعة في الدعوة إلى الله ما من شيء نهى الله عنه إلا عندي عنه مئات القصص من الأوضاع الخطيرة التي نتجت عن هذه المخالفة، هذا تشريع خالق السماوات والأرض.

العوائد و العلائق:

1 ـ العوائد ما ألف الناس من عادات:

 أيها الأخوة الكرام، العوائد ما ألفه الناس من عادات، هناك كلمة مشهورة العادات والتقاليد، هذه يجب أن تمحص، ما كان موافقاً منها للشريعة على العين والرأس، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 الشجاعة شجاعة والكرم كرم، وإذا كان بعاداتنا إسلامي فمرحباً به لا يوجد مشكلة نحن ضد الخطأ، ضد التفلت، ضد ابتزاز أموال الناس، يقول لك: إذا لم أغش لا أستطيع أن أعيش، مسلم تغش المسلمين بأسلوب ذكي جداً وبظنك إذا لم تغش لا تعيش ؟ لا تستطيع تعيش بدون غش ؟ هذه العوائد.

2 ـ العلائق أن تحب شيئاً لا يرضي الله:

 أما العلائق تحب شيئاً لا يرضي الله، تحب سهرة لا ترضي الله، تحب نزهة لا ترضي الله، تحب احتفالاً لا يرضي الله، تحب هواية لا ترضي الله.

الجنة لا تأتي بركيعات مع غفلة ولا بدريهمات تنفقها بل تأتي بالتزام كامل بمنهج الله تعالى:

 عندنا عوائد جمع عادة وعادات، وعندنا علائق، أشياء تحبها لا ترضي الله عز وجل، و عندنا عقبات، كل مخالفة عقبة، القصة أنت تطلب جنة عرضها السماوات والأرض، تطلب حياة أبدية، تطلب أعلى عطاء إلهي، الإنسان هو المخلوق الأول، كلفه حمل الأمانة وقبل حملها، فهيأ له الجنة، أنت مخلوق للجنة، فهذه الجنة لا تأتي بركيعات مع غفلة، ولا بدريهمات تنفقها، تأتي بالتزام كامل، فهذا الدرس للسالكين إلى الله، حينما ترى أن شهوة أغلى عليك من الله عز وجل اعلم أن الطريق إلى الله غير سالك:

﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

 لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: " وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ".
أي إذا أكرمنا الله عز وجل، وعالجنا، وامتحننا، وضيق علينا، وشدد علينا، حتى أوصلنا إلى شفير القبر ونحن طاهرون، هذا أكبر عطاء إلهي تأتي بعده جنة عرضها السماوات والأرض.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS