95031
خطبة الجمعة - الخطبة 0968 : خ1 - المخدرات ، خ 2 - معرفة مدمن المخدرات.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-06-24
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

حقائق عن المخدرات:

هناك 180 مليون شخص على الأرض يتعاطون المخدرات
أيها الإخوة الكرام، من الحقائق المذهلة أن الإدمان على المخدرات موجود عند أكثر من مئة وثمانين مليون إنسان في الأرض، مئة وثمانون مليون إنسان يتعاطون المخدرات، وأربعون مليون يتعاطون القات في دول عديدة من إفريقية وآسيا، وأن الإنفاق الحكومي على مكافحة المخدرات بكل أنواعه وأساليبه يصل إلى مبلغ فلكي، لو أنفق على التنمية لكان أهل الأرض في حال غير هذا الحال.
أيها الإخوة الكرام، أضرار بالغة تلحق في اقتصاديات العديد من الدول، فضلاً عن أن هذا المدمن خسر آخرته، وخسر إيمانه، وخسر كل ثمار الإيمان التي وعد الله بها المؤمنين.
أيها الإخوة الكرام، الحقيقة المرة الثانية أن المضبوطات من المخدرات لا تزيد على عشرين بالمئة فقط من حجم المخدرات التي يتعاطى بها المدمنون في العالم، بل إن موظفي الجمارك يؤكدون أنهم لا يضبطون إلا عشرة بالمئة بسبب إخبارية، أو بالصدفة.

تأثير المخدرات على المدمن:

أيها الإخوة الكرام، آفة خطيرة تهدد كل شعوب الأرض، أكبر خطر عند المدمن أنه يصل إلى حالة نفسية وعضوية، ورغبة قهرية ترغمه على محاولة الحصول على المادة المخدرة بأي ثمن، إن كانت فتاة.. تبيع عرضها، وإن كان شاب.. يسرق، وقد يرتكب جريمة، الحالة القهرية التي يصاب بها المدمن تفوق حد الخيال، والقصص التي أدرجت في المواقع المعلوماتية عن ضحايا هذه الآفة الخطيرة يشيب لهولها الولدان.
تأثير المخدرات على الجسم تأثير خطير
أيها الإخوة الكرام، تؤثر المخدرات على متعاطيها على نحو خطير في بدنه ونفسه، وعقله وسلوكه، وعلاقاته بالبيئة المحيطة به، من نتائجها الخمول والكسل، وفقدان المسؤولية والتهور، واضطراب الإدراك، والتسبب في حوادث مرورية، وإصابات العمل، وتجعل المدمن قابلاً للأمراض النفسية والبدنية والعقلية، وقد يصاب بفقدان المناعة فيصاب بمرض الإيدز.
أيها الإخوة الكرام، إن المخدرات تحدث تغيرات حادة في المخ تؤدي إلى كوارث على مستوى الفرد كتفكك الأسر، وانهيارات العلاقات الأسرية والاجتماعية، والعجز عن توفير المتطلبات الأساسية للفرد والأسرة، ويقع المدمن غالباً تحت تأثير الطلب على المخدرات، فيصل إلى جرائم السرقة، وترويج المخدرات، والسطو والقتل، والقمار والديون والدعارة، أعاذنا الله وإياكم من هذه الآفة الخطيرة.
أيها الإخوة الكرام، الذي يلفت النظر أن الشاب الذي يستدرج إلى الإدمان غالباً ما يشكو من تفكك أسرته، ومن ضعف تعليمه، ومن فقر الكسل الذي يصيب أسرته، أقول: فقر الكسل، لأن هناك فقر القدر وهناك فقر الإنفاق وهناك فقر الكسل.
أيها الإخوة الكرام، مروجو المخدرات يستخدمون غطاءً اقتصادياً شرعياً، وأنشطةً اجتماعيةً تحميهم من الملاحقة، فهم على مستوى عالٍ من الذكاء.
لو أن أحدكم سألني: ما أسباب تعاطي المخدرات؟
هناك أسباب تعود للفرد المدمن، وأسباب تعود للأسرة، وأسباب تعود للمجتع.

الأسباب الشخصية لتعاطي المخدرات:

أول الأسباب العائدة للفرد المدمن:

1) ضعف الوازع الديني:

قال تعالى:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

( سورة الحشر، آية19 )

2) رفقاء السوء:

أيها الأب، أيها المعلم، أيتها الأم، يجب أن تعلم من هو صديق ابنك، لأن قوة تأثيره يزيد على ستين بالمئة من مجموع تأثير الأب والأم والمعلم والموجه والشيخ في سن المراهقة، فمجموع تأثيرهم لا يصل إلى الأربعين بالمئة، بينما رفيق السوء يصل تأثيره إلى ستين بالمئة، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾

( سورة المائدة، آية77 )

3) السفر إلى بلاد المعاصي:

أيها الإخوة الكرام، ويقع في الأسباب سفر الشاب وحده إلى بلاد الغرب، أو بلاد الشرق، أو إلى بلاد بعيدة حيث وسائل الإغراء، وأماكن اللهو، وعدم وجود رقابة في هذه البلاد، فيذهب إلى هذه البلاد ليتعلم اللغة الإنكليزية، فيعود مدمن مخدرات، وقد انتهى.

4) الفراغ وانعدام الهدف:

شيء آخر أيها الإخوة الكرام، الشاب الفارغ بلا هدف، بلا رسالة، بلا قيم، بلا طلب علم، أخطر شيء في حياة الشاب الفراغ، عدم وجود مناشط تربوية، مناشط إسلامية، مناشط علمية، مناشط ثقافية تمتص وقت الفراغ، فوقت الفراغ خطير جداً، أحياناً يمكن أن يكون سبب حب التقليد للكبار أحد أسباب الإدمان على المخدرات.

5) السهر خارج البيت:

من الأسباب أيضاً أيها الإخوة الكرام لدى الفرد السهر خارج المنزل، هذا الذي يسمح لأولاده أن يأتوا في الساعة الثانية ليلاً، بعد منتصف الليل.. أين كانوا؟ هل يعلم الأب أين كانوا؟ وماذا جرى في السهرة؟ وماذا رأوا من أفلام؟ وماذا أغراهم أصدقاؤهم من موبقات؟

6) المشكلات الأسرية:

وقد يقع في أسباب تعاطي المخدرات المشكلات الاجتماعية، والهموم الطاحنة التي تضج بها الأسر، أب شارد، أم غارقة في هموم زينتها، وجيرانها، وابن قد ترك هملاً، عندئذ التفكك الأسري والضغط الاجتماعي يمكن أن يكون وراء هذه الأسباب.

7) الجهل والأمية:

ويقع أيضاً في قائمة الأسباب انخفاض مستوى التعليم لدى الذي يقدم عن المخدرات.
هذه أسباب تعود إلى الفرد فما الأسباب التي تعود إلى الأسرة ؟

الأسباب الأسرية لتعاطي المخدرات:

أول الأسباب التي تعود للأسرة:

1- اضطراب الاستقرار الأسري:

أيها الإخوة الكرام، شيء مؤلم جداً، وخطير جداً، أن اضطراب الاستقرار في جو الأسرة متمثلاً في انخفاض مستوى الوفاق بين الزوجين، وتأزم الخلافات بينهما إلى درجة الهجر والطلاق يولد أحياناً شعوراً غالباً لدى الفرد بعدم اهتمام والديه به، تفكك الأسرة ربما كان سبباً لأعراض كثيرة يعاني منها أفراد المجتمع، الخلافات الزوجية، العداوة والبغضاء والمشاحنة.

2- القدوة الأبوية السيئة:

الأب المتفلت السيء أحد أسباب ضياع الأبناء
أيها الإخوة الكرام، من أبرز أسباب تعاطي المخدرات، والتي تعود إلى الأسرة أن يشكل أحد الوالدين، أو كلاهما قدوة سيئة للولد، أب مستهتر، أب متفلت، أب له سهرات مديدة يهمل أبناءه، هذا الأب غير المنضبط الذي لا يقدم قدوة لأبنائه، ربما كان سبباً في زلة قدم أبنائه إلى المخدرات، أو كما قال بعض العلماء: " إدمان أحد الوالدين سبب كبير في انتشار الإدمان عند الأولاد" أو أن بعض الآباء يسافرون ليحصلوا دخلاً إضافياً فيهملون أولادهم، وقد لا تستطيع زوجته أن تضبط أولادها، فجاء بمبلغ، لكنه ضيع أولاده، وعند علماء النفس لا يعد النجاح إلا كاملاً..
أن تنجح في عملك، وأن تخسر أسرتك هذا ليس نجاحاً.. أن تنجح في عملك، وأن تخسر دينك هذا ليس نجاحاً، وكنت أقول دائماً: لابد أن تنجح في علاقتك مع ربك، وعلاقتك مع أهلك، وعلاقتك مع صحتك، وعلاقتك مع عملك..
نجاحك في عملك، وفي صحتك، ومع أهلك، ومع ربك، هذه النجاحات تشكل نجاحاً شمولياً.

3- عدم التكافؤ بين الأبوين:

أيها الإخوة الكرام، أحياناً عدم التكافؤ بين الزوجين، الزوجة من أسرة رفيعة المستوى اقتصادياً واجتماعياً، والزوج أقل منها، لا تفتأ تذكره بغنى أهلها، وبأناقة أهلها، وببيت أهلها، يضجر الزوج، ينصرف من المنزل إلى رفقائه، وتنصرف إلى جاراتها، ويضيع الأولاد.

4- القسوة على الأبناء:

بعض هذه الأسباب التي تعود إلى الأسرة، القسوة الزائدة في معاملة الأبناء، الضرب المبرح، التوبيخ، الإهانة، ربما ألجأ الأولاد إلى رفقاء السوء، ورفقاء السوء كانوا سبب الوقوع في هذه المأساة الكبيرة.

الأسباب الاجتماعية لتعاطي المخدرات:

أيها الإخوة الكرام، والمجتمع مسؤول أيضاً، وأنا أقول لكم دائماً: ما من مشكلة يعاني منها المجتمع إلا ونحن جميعاً مسؤولون عنها أفراداً وجماعات، ومنظمات، وهيئات رسمية وهيئات غير رسمية، المجتمع كل متداخل فلا بد من وعي، ولا بد من حركة نحو الإصلاح.

1] وجود المواد المخدرة في المجتمع:

فمن الأخطار التي تهدد المجتمع، والتي يعد المجتمع مسؤولاً عنها: وجود هذه المواد في المجتمع، سمعت أنه في بلاد الرافدين بعد الاحتلال تباع المواد المخدرة على الرصيف من دون محاسبة، ومن دون ملاحقة، ومن دون متابعة.

2] وجود أماكن اللهو والفجور:

أيضاً وجود بعض أماكن اللهو في المجتمع، هذه النوادي الليلية لا يعلم إلا الله ما يجري فيها، فإذا دخلها الشاب زلت قدمه، وعاد مدمن مخدرات، وانعكس هذا على أسرته، وكم من أب أصيب بأزمة قلبية أودت به إلى القبر حينما علم أن ابنه أصبح مدمن مخدرات.

3] السياحة غير المنضبطة:

أيضاً السياحة أيها الإخوة الكرام، هذه السياحة التي هي إله يعبد من دون الله، من أجل النمو الاقتصادي نضحي بأخلاق شبابنا، وأخلاق شاباتنا، نستقدم السائحات العاهرات، ونظن أن هذا يرقي صناعة السياحة في بلادنا، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة التوبة، آية 28)

4] صرف الأدوية بلا ضوابط:

أيها الإخوة الكرام، حتى العقاقير الدوائية التي فيها بعض المسكنات والمهدءات، هذه في بعض البلاد لا تباع إلا بوصفة من طبيب، بشروط قاسية جداً، لأن بعض الذين أدمنوا المخدرات يستغنون بهذه الأدوية المسكنة عن المخدرات إن لم توجد، فمثل هذه الأدوية يجب أن يكون هناك شروط قاسية جداً في بيعها وفق وصفات طبية مسجلة، ويسأل عنها الأطباء والمرضى معاً.

5] غياب رسالة المدرسة التربوية:

أيها الإخوة الكرام، ومن أسباب انتشار المخدرات التي تعود للمجتمع غياب رسالة المدرسة، المدرسة مؤسسة تربوية، وليست تعليمية فقط، فإذا قصرناها على إلقاء العلم وأداء الامتحانات، وغابت رسالتها التربوية فنحن في طريق الهاوية.

الحكم الشرعي للمخدرات:

أيها الإخوة الكرام، يوم ظهرت هذه الآفة (الحشيشة) أجمع العلماء على تحريمها، ولم يشذ عن ذلك فقيه واحد، ولا مذهب من المذاهب، كلهم أقروا حرمتها، فهي حرام، بل هي كبيرة، وقالوا: إن من استحل شربها أو تداولها أو تعاطيها ينبغي أن يستتاب، أي أن تطلب منه التوبة، فإذا تاب ورجع فبها ونعمت، وإلا عوقب كما يعاقب المرتد عن الدين، لأن حكم تعاطي هذه المخدرات أمر محرم علم من الدين بالضرورة.

كل ما أذهب العقل فهو خمر:

أيها الإخوة الكرام، حرم الإسلام الخمر، ولعن عاصرها، ومعتصرها، وحاملها، وبائعها، وشاريها، وشاهدها... أي كل من ساهم فيها من قريب أو بعيد، فما هي الخمر؟
كل ما أذهب العقل فهو خمر
يقول عمر بن الخطاب وهو على منبر النبي عليه الصلاة والسلام: " إن هذه الخمر قد حرمت، وهي من خمسة أشياء كانت موجودة في الحجاز هي: العنب والتمر والعسل والبر والشعير، والبر يعني القمح، ثم قال: والخمر ما خامر العقل، ألاَ إن الخمر ما خامر العقل، ألا إن الخمر ما خامر العقل "، أعطى صفة الخمر، فأي مادة صلبة أو مسحوقة أو سائلة أو غازية تخامر العقل، وتبعده عن أن يحقق وظيفته، فهي خمر، وتأخذ حكم الخمر، فحينما يتناول هذا المدمن المخدرات يخلط بين الأشياء، يرى البعيد قريباً، والقريب بعيداً، يرى المحال معقولاً، والمعقول محالاً، لا يميز بين صواب وخطأ، ولا بين نفع وضر، ولا بين خير وشر، وكل ما أخرج العقل عن طبيعته، وألغى مهمته فهو خمر، هذا كلام سيدنا عمر، وكل ما أخرج العقل عن طبيعته، وعطله عن أداء مهمته فهو خمر، وقد سمع هذه الخطبة الصحابة الكرام، وأجمعوا على صوابها وصحتها.
إذاً أيها الإخوة الكرام، كل هذه المخدرات النباتية والكيماوية، والسائلة، والمسحوقة، والصلبة، هذه كلها من المخدرات، ومن الخمر بمعناه الواسع، لأنها تحجز العقل عن أداء مهمته.

النهي عن إهلاك النفس:

أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة، آية 195)

ومن أروع الإعلانات عن التدخين أنه رسمت رصاصة، وكتب تحتها: " موت سريع "، ورسمت دخينة (سيجارة)، وكتب تحتها: " موت بطيء "، فالذي يتناول المخدرات ينتحر، لكن لا يموت فجأة، يموت في أمد طويل.
قال تعالى:

﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

( سورة البقرة، آية 188)

من يكسب رزقه من بيع المخدرات فقد أكل أموال الناس بالباطل
كل من يحقق ربحاً من بيع هذه المواد أكل أموال الناس بالباطل.
أيها الإخوة الكرام، أتمنى من الله أن تكون هذه الحقيقة واضحة، دخان، فخمر، فمخدرات، فهلاك، القصص التي أدرجت في مواقع المعلومات عن ضحايا المخدرات لا تعد ولا تحصى، ولكن الذي يلفت النظر أن بعض المدمنين من أجل أن يحصلوا على كمية من المخدرات يبيعون أعراضهم، أعراض أخواتهم الشابات، يتجسسون ويصبحون عملاء للعدو، لأن الجسم حينما يتعاطى هذه المادة يحتاج إليها بشكل مستمر، فمن أجل الحصول عليها أو على ثمنها يرتكب الجرائم.. يسرق، يزني، إن كانت شابة تبيع عرضها، إن كان شاباً يبيع إخلاصه لبلده ولوطنه، وقد يبيع نفسه للشيطان، وقد يبيع نفسه للعدو، فالقضية خطيرة جداً، أعداء الأمة أيها الإخوة الكرام يعرفون هذه الحقائق، لذلك يستغلون المدمنين لحسابهم، يلجئون المدمنين إلى أن يعملوا لحسابهم، لذلك انتشار المخدرات وسط الشباب أحد المزالق لخيانة الأمة، ولخيانة هذا الدين العظيم.

الاستقامة هي سبيل النجاة:

أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل بهذا المنهج القويم الذي أنزله على النبي الكريم، بهذا القرآن الكريم، وبتلك السنة المطهرة، بهذين الوحيين: المتلو وغير المتلو، جعل منهجاً لنا نحن المسلمين، فنحن حينما نربي أبناءنا على معرفتهم بسر وجودهم، وغاية وجودهم، نربيهم على اتباع منهج ربهم، نكون قد حققنا الكثير لهؤلاء الشباب الذين هم عماد الأمة، لهؤلاء الشباب الذين أمل الأمة.
أيها الإخوة الكرام، كما بدأت أعود، وأقول: رواد المساجد ـ والحمد لله ـ أبعد شيء عن هذه الآفة كبعد الأرض عن السماء، ولكن هناك من يلوذ بهم من أقربائهم الأباعد، هناك من يصل إلى سمعهم مأساة في أسرة أساسها المخدرات، فلا بد من أن تكون هذه الخطبة ذات نفع عام إن شاء الله تعالى.

وأخيراً:

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صفات مدمن المخدرات:

أيها الإخوة، كيف يعرف الأب أن ابنه مدمن على المخدرات؟ صعب جداً معرفة المدمن في أول إدمانه، لكن سهل جداً أن تعرف المدمن بعد حين.
من هذه الظواهر: شرود ذهني كبير، تذبذب في الانفعالات ما بين الحدة والصبر، غضب سريع، حساسية زائدة، ردود فعل قاسية، ميل إلى العزلة، تحاشي الجلوس مع الأسرة، تراجع في العلامات الدراسية، أو انقطاع عن الذهاب إلى المدرسة أو إلى الجامعة، هذه كلها مؤشرات تشير إلى أن هذا الشاب وقع في هذه المأساة الخطيرة.

سبل العلاج:

أيها الإخوة الكرام، القضية لا تحل بالضرب، لا تحل بغضب جنوني من الأب، لا، هناك مصحات، هناك علاجات طبية، الأمر يحتاج إلى هدوء، لأن القسوة البالغة والسحق الكامل قد يغيب الابن كلياً، وقد يبيع نفسه للشيطان.

قصص مؤلمة:

ومرة ثانية ـ أعاذني الله وإياكم من هذه المأساة التي تنهدم بها الأسرة ـ والله قرأت قصصاً عن ضحايا المخدرات لا يملك الإنسان إلا أن يبكي:

فتاة تدمن بسبب أخيها:

أخت صالحة جداً أخوها تعاطى المخدرات، تغيرت أخلاقه، تغير مزاجه، تغيرت طباعه، غاب كثيراً، ثم احتاج إلى الثمن، فعرضوا عليه أن يعطي أخته هذه المخدرات حتى تكون ضحية أصدقائه، عودها على المخدرات، ثم باع عرضها لهم إلى أن ماتت بحادث سير، هذه قصة مدرجة في مواقع المعلومات طويلة جداً يبكي لها الإنسان.

شاب يعدم بسبب الإدمان:

شاب في بلد مجاور درس العلوم الشرعية، وصادق صديق سوء، فدله على المخدرات، وانتهى به الأمر إلى الشذوذ، ثم صار عميلاً لجهة عدوة، انتهى عليه الحكم بالإعدام، وشنق. من هذا النوع قصص لا تعد ولا تحصى..

فتاة تنحرف دون علم أهلها:

والله هناك قصص أيها الإخوة الكرام لا تصدق، فتاة انحرفت، وبالغت في الانحراف سنوات طويلة، وأهلها لا يعلمون، آلاف الأسر حدثت انحرافات خطيرة في أبنائهم، والأهل لا يعلمون، هذه الغفلة، وهذه السذاجة، وهذا الإهمال، سوف يحاسبون عنه يوم القيامة، ففي الأثر ورد أن فتاة استحقت دخول النار، تقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، هو الذي أهملني، هو الذي لم يعلمني، هو الذي لم يدقق في سلوكي.
أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (*) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

( سورة التكوير، آية 9،8 )

الموءودة ليست مكلفة، ستدخل الجنة، أما هذه الفتاة المنحرفة، إذا كبرت وانحرفت، مصيرها النار: كما قال تعالى:

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾

( سورة البقرة، آية 191)

اهتموا بتربية أولادكم:

ابنك ابنك، هو سر سعادتك
أيها الإخوة الكرام، أنا أحسن الظن بالمسلمين جميعاً، ولكن ينبغي أن يكونوا يقظين، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾

( سورة النساء، آية 71 )

ابنك ابنك، إنه سر سعادتك، لو ملكت أعلى منصب، وجمعت أكبر ثروة، وبلغت أعلى درجة علمية، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
إن خير كسب الرجل ولده، سبل الانزلاق كثيرة جداً، أينما سار الإنسان، أينما تحرك فهناك تباع الأقراص المدمجة الإباحية، في كل مكان، والمخدرات، وكلما علا سعرها فهذا دليل على أن هناك مكافحة فعالة لها.
فالبطولة لا أن تنجب أولاداً، لكن البطل هو الذي يربيهم تربية صالحة، هو الذي يحرص على إيمانهم، يحرص على استقامتهم، يعيش لهم، يهتم بهم، يتفرغ لهم، يدقق في أصدقائهم، يسأل عنهم أين كانوا، ومن أين جاؤوا.
أيها الإخوة الكرام، تجار المخدرات يحققون أرباحاً تفوق حد الخيال، ثمنها في مكان زراعتها إلى مكان استعمالها قد يتضاعف مئة ألف مرة، مئة ألف، من مكان زراعتها إلى مكان تداولها، أرجو الله لي ولكم أن يحفظنا جميعاً، ويحفظ أولادنا ومن يلوذ بنا وطلابنا وشبابنا وشاباتنا.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS