18494
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 17 - 17 ) : واجبات الرجل تجاه ديمومة الزواج .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-01-29
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تذكير وتمهيد

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس الزواج، وهو الدرس الأخير من هذه السلسلة التي تعني معظم المسلمين شباباً وشاباتٍ ومتزوجين.
ذكرت لكم في دروسٍ سابقة أن الزواج الإسلامي فيه عوامل استمراره، وأن الزواج غير الإسلامي فيه عوامل انهدامه، وذكرت لكم الشروط التي يمكن أن تكون سبباً في ديمومة الزواج، وكما قلت في درسٍ سابق: العالم الإسلامي على تقصيره، وعلى تفلّته من معظم منهج الله عزَّ وجل، إلا أنه يحافظ على نسبٍ منخفضة من الطلاق، وقد ذكرت لكم الرقم الذي بُيِّن في درسٍ سابق، فنسب الطلاق في مجتمعات أمريكا 62 بالمئة، و36 بالمئة في المجتمعات الأوروبية، و3 من الألف في المجتمعات الإسلامية، هذا دليل أن المسلم حينما يتزوج إذا طبق بعضاً من منهج الله يقطف ثماره ديمومةً في زواجه، أما إذا طُبقت تعليمات الخالق كلّها فهذا شيءٌ يضمن للزواج أن يقطف الإنسان ثماره، وأن يستمر هذا الزواج.
الدرس الماضي كان حول الشروط التي على المرأة أن تقوم بها لتكون سبباً في ديمومة الزواج، واليوم ماذا على الرجل أن يفعل من أجل أن يسعد في زواجه ؟.

الآداب التي تجب على الرجل أن يراعيها حفاظاً على العلاقة الزوجية

أيها الإخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام ورد عنه:

(( أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ))

[أحمد]

أي مستحيل بعد أن جاءت الدعوة الإسلامية أن ينشأ في العالم الإسلامي عبادة أصنام، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ابن ماجه]

إن موضوع الأصنام انتهى مع مجيء الدعوة الإسلامية، فالشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
مثلا: هناك بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، الخط الرئيسي مقطوع بقدر ميليمتر أو سنتيمتر، أو 10سنتيمتر، أو متر، أو خمسة أمتار، فالنتيجة واحدة، الصغائر بالإصرار تنقلب إلى كبائر

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ))

ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، في الأعم الأغلب المسلم لا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب الخمر، فما الذي يبعده عن الله عزَّ وجل ؟ ما يتوهم أنه صغائر، وهذه الصغائر لو أصرَّ عليها انقلبت إلى كبائر، انقلبت إلى كبائر حكماً، لأنها تلتقي مع الكبائر في قطع الإنسان عن الله عزَّ وجل.
أحياناً لا يحتاج هذا الدين العظيم إلى توضيحٍ شديد، هو واضح جدًّا، نحن عقَّدنا هذا الدين، هو أعظم وأجلُّ من أن يكون معقَّدا، القضية في الدين أنه إذا صحت عقيدتك، واتصل قلبك بالله قطفت ثمار الدين، صحة العقيدة تحتاج إلى شيئين ؛ إلى طلب علمٍ، وإلى تفكرٍ في خلق السماوات والأرض، وصحة الوجهة تحتاج إلى استقامة، لكن هناك نشاطات إسلامية كثيرة، كقولهم: فلان فكره إسلامي، وفلان مشاعره إسلامية، وفلان مهتم بقضايا المسلمين في العالم، فلان مهتم بالتأليف الإسلامي، فلان مهتم بالمشاريع الإسلامية، هذه النشاطات الإسلامية على جلالة قدرها بمجموعها من دون استقامةٍ تامة لا تنهض لتكون سبباً لقطف ثمار الدين، لأنّ قطف ثمار الدين تحتاج إلى صحة عقيدة، وإلى استقامة، لذلك: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلِّط.

1– غضُّ البصر

فالزوج الذي يتمنى أن يسعد بزوجته، وأن تسعد به زوجته، والزوج الذي يتمنى أن يدوم هذا الزواج، وأن تتنامى العلاقة بين الزوجين على مرِّ الأيام والشهور، هذا الزوج عليه أن يغضَّ بصره عن محارم الله، لأن الإنسان إذا أطلق بصره دفع الثمن باهظاً، دائماً يجب أن تعتقد أن بين الطاعة ونتائجها علاقةٌ علمية، وأن بين المعصية ونتائجها علاقةً علمية، هذه العلاقة إطلاق البصر يؤدِّي إلى فساد ذات البين، وغضُّ البصر يؤدي إلى الموافقة فيما بين الزوجين، يا ترى هل غض البصر وحده يؤدي إلى هذه السعادة ؟ أم أن العناية الإلهية تتدخل لهذا الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾

( سورة النازعات )

الأدلة على تحريم نظر الرجل إلى المرأة والمرأة إلى الرجل

الله يلقي المحبة بين الزوجين المطيعين
فيلقي في قلب الزوجة حبَّ زوجها، ويلقي في قلب الزوج حبَّ زوجته، إما أن غض البصر وحده يعدُّ سبباً كافياً، على اعتبار أن الإنسان ليس في عالمه إلا زوجته، أو أن العناية الإلهية تتدخل تدخلاً مباشراً لتلقي في قلب كلٍ من الطرفين حبَّ الطرف الآخر، وليس غريباً أن تنفرد آيةٌ كريمةٌ في كتاب الله واضحة الدلالة، تشير إلى غض البصر:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

( سورة النور: آية " 30 " )

أي أن الزوج الذي يتمنى أن تستمر سعادته الزوجية، وأن تتنامى، عليه أن يغض بصره عن محارم الله، وقلت لكم من قبل أشياء كثيرة في هذا المعنى، أن الله سبحانه وتعالى جلَّت حكمته، شرعه أو بعض بنود شرعه يتوافق مع القوانين الوضعية، فإذا كفَّ الإنسان نفسه عن السرقة، ربما كفَّ نفسه عن السرقة خوفاً من الله تعالى، وربما كفَّها خوفاً من عقاب القانون الذي لا يرحم أحياناً، لكن شاءت حكمة الله أيضاً، أن ينفرد الدين بأوامر ليس في الأرض كلّها تشريعٌ يحظرها أو يمنعها، كالنظر إلى النساء، لا في القوانين القديمة، ولا الحديثة، لا المتقدمة ولا المتخلفة، لا قبل مجيء السيد المسيح، ولا بعده مجيئه، موضوع إطلاق البصر وغض البصر ما تدخلت به القوانين إطلاقاً، فهذا الذي يغضُّ بصره عن محارم الله، هل تستطيع أن تفسر عملّه هذا خوفاً من القانون ؟ هذا مستحيل، لا يفسر غض البصر إلا إخلاصاً لله عزَّ وجل وإلا خوفاً منه.
أمر الرجال بغض البصر وأمرت النساء بالحجاب
فأنا قلت لكم سابقاً: إن الإنسان يصلي في اليوم خمس مرات، لكن إذا سار في طريقٍ، وغض بصره غضاً حازماً، مع كلِّ نظرةٍ صرفها عن محاسن امرأةٍ أجنبيةٍ يرقى بها عند الله، فكما أن الله عزَّ وجل جعل لك الصلوات الخمس مناسباتٍ تتصل بها بالله عزَّ وجل، جعل لك غض البصر منسباتٍ عديدةً جداً تتصل بالله عزَّ وجل فيما بين الصلوات.
لذلك ما من دعوةٍ إلى الله تهمل غض البصر إلا وقعت في مطبٍ كبير، ما هو هذا المطب ؟ أن الإنسان إذا أطلق بصره حجب عن ربه، فإذا حُجب عن ربه، شعر أن عبادته اقتربت من أن تكون جوفاء، شعر أن الصلاة لا طعم لها، وأن تلاوة القرآن لا طعم لها، وأن ذكره ليس له مردودٌ في قلبه، فلذلك إذا أراد الزوج أن يسعد بزوجته فعليه أن يغض بصره عن محارم الله، تنفيذاً لأمرٍ قرآنيٍ قطعي الدلالة:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

( سورة النور: آية " 30 " )

طبعاً الشريعة متكاملة، أمرت النساء بالتحجُّب، لكن لو أن النساء لم يأتمرن بهذا الأمر، ماذا يفعل الرجل ؟ أُمِر بغض البصر، لأنّ غض البصر يصلح في مجتمع منضبط ومجتمع متخلف، فإذا تفلَّت المجتمع فغض البصر هو الرد الحقيقي على طريقٍ ممتلئ بالنساء الكاسيات العاريات، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

( سورة النور )

معاني قوله تعالى: أبصارهم

لكن كلام الله عزَّ وجل يأخذ بالألباب في كلمة ( مِنْ ) في قوله:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

المعنى الأول:

لو الله عزَّ وجل قال: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم، معنى ذلك لا يصح لرجلٍ أن ينظر إلى أنثى كائنةً من كانت، قل للمؤمنين يغضوا أي أن هناك نساء لك أن تنظر إليهن، كالزوجة، والأم والأخت والبنت، والعمة والخالة، وبنت الأخ وبنت الأخت، هؤلاء هن المحارم، فأنت تغض بصرك، أي تغض من بصرك، تغضُّ بعض بصرك عن النساء الأجنبيات، ولك أن تنظر ببصرك إلى النساء المحارم، هذا أول معنى من معاني ( من ).

المعنى الثاني:

أنك إذا نظرت إلى من أحلَّ الله لك أن تنظر إليه فيجب أن تغض من بصرك، أي ألاّ تحدق في التفاصيل، ألاّ تدقق في الخطوط، ألاّ تتصور ما وراء هذا الحجاب، أو ما وراء هذه الثياب، هذا من أدب المسلم في نظره إلى محارمه، وهناك أناس لا يعرفون حدود الشرع، فأخته مثلاً لها حرمة، لك أن تجلس معها، ولك أن تأكل معها، ولك أن تسكن معها في بيت، لكن بثياب محتشمة سموها ثياب الخدمة، أي لا يقصر الكمُّ عن المرفق، ولا تنزل فتحة الثوب عن الصدر، ولا يرتفع الثوب عن الركبة، هذه ثياب الخدمة، وإذا نظرت إلى المحارم فانظر بعض النظر، نظرة إجمالية من دون تدقيق، وبدون تفحُّص، ومن دون تركيز على الجزئيات هذا معنى ( من ).

المعنى الثالث:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

أي أنهم إذا نظروا إلى امرأةٍ أجنبيةٍ فجأةً هناك منعطف، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي فَقَالَ:

(( اصْرِفْ بَصَرَكَ ))

[احمد]

هو نظر بعض النظر، وغض بصره فوراً، هذا هو المعنى الثالث.
عندنا تبعيض نوعي، وتبعيض كيفي، وتبعيض فُجائي، التبعيض النوعي لك أن تنظر إلى المحارم، وعليك أن تغض البصر عما سواهن، التبعيض الكيفي إذا نظرت إلى المحارم فينبغي أن يكون النظر معتدلاً، المعنى الثالث: أنّك إذا نظرت فجأةً إلى امرأةٍ أجنبية فعليك أن تصرف عنها بصرك فوراً، أما أن تأتي الآية الأولى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

أتى غض البصر قبل حفظ الفرج، هذا الترتيب ترتيب سببي، أي سبب حفظ الفرج هو غض البصر، وحفظ الفرج نتيجة، أما التعليل:

﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور: آية " 30 " )

أطهر، أرقى، أصفى، أنجى، أتقى:

﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

يمكن للإنسان أن يوهم الآخرين أنه يغض بصره، لكن الله وحده يعلم خائنة الأعين:

﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

يمكن أن توهم من حولك من الملتزمين أنك تغض البصر، فإذا التفتوا إلى جهةٍ، أنت نظرت إلى جهةٍ التي لم تكن تنظر إليها من قبل، فهذا الاختلاس ممكن، كما أنه يمكن للطبيب وقد سمح له أن ينظر إلى جسد المرأة بحكم الضرورة يمكن أن ينظر إلى مكانٍ لا تشكو منه المرأة، هذه اسمها خائنة الأعين:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )

فموضوع غض البصر مؤشر دقيق لمراقبتك لله عزَّ وجل، والحقيقة واللهِ أيها الإخوة يجوز لأحدكم أن يقول: نحن يبالغ في هذا الموضوع، الآن سأسمعكم أقوال العلماء الكبار حول هذا الموضوع.
غض البصر طريق قصير إلى الله
إنّ غض البصر طريقٌ قصيرٌ إلى الله عزَّ وجل، طريقٌ قصيرٌ إلى أن يعمر القلب إلى ذكر الله، ماذا يقول الإمام القرطبي في تفسيره الشهير الجامع لأحكام القرآن حول هذه الآية ؟ يقول: " هو الباب الأكبر إلى القلب "، أي إذا أردت باباً واسعاً يدخل منه النور إلى قلبك فهو غض البصر، " وأعمر طرق الحواس إليه "، عندك خمس حواس، العين حينما تغض بصرها تعمِّر القلب بالقرب من الله، غض البصر يعمِّر القلب، هذا رأي الإمام القرطبي في غض البصر، والتجربة أكبر برهان، فنحن على أبواب رمضان، فإذا بالغ الإنسان في غض بصره، وأداء صلواته، وضبط لسانه، وأنا هذه أذكرها كثيراً: ضبط الدخل، ضبط الإنفاق، ضبط الجوارح، ضبط اللسان، أداء الصلوات، قراءة القرآن، لا تشعر إلا وأنك تحلق في أجواء القرب الإلهي.
ويقول الإمام القرطبي أيضاً: " والبصر يكثر السقوط من جهته، ويجب التحذير منه "، كما أن هذه الحاسة حاسة البصر تعمر القلب بالقرب من الله، وهي آكد الطرق إلى القلب، هي المزلة والسقوط التي تودي بالقلب إلى البعد عن الله عزَّ وجل.
ويقول عالمٌ آخر في شأن غض البصر: " النظر داعيةٌ إلى فساد القلب ".
وقال بعض السلف: " النظر سهم سُمٍ إلى القلب ".
والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ))

[الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف]

وروعة الحديث أن هذا السهم مسموم، لأن الإنسان إذا طعن بسهمٍ غير مسموم تأثر مكان الطعن فقط، أما إذا طعن بسهمٍ مسموم سرى السم في كل أعضاء الجسم، لذلك إذا أطلق الإنسان بصره تضطرب دراسته، وتضطرب أسرته، ويضطرب عمله، ويضطرب مزاجه، وتضطرب أعضاؤه، لأنه تتسمم لأن

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ))

فأنا أرى أن كلَّ إنسان له مأخذ أو نقطة ضعف يؤخذ منها، وأن الشباب وغير الشباب في زمن الفتنة أكبر مأخذٍ يؤخذون منه، وأكبر مزلة قدمٍ يزلّون فيها موضوع البصر، ومن لوازم المؤمن غض بصره عن محارم الله، لذلك أمر الشرع الحنيف بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار، وجعل غض الأبصار ثمناً لحفظ الفروج.
وقال الشيخ القاسمي في تفسيره لهذه الآية: " النظر بريد الزنا، وغض البصر من أجل الأدوية لعلاج القلب، وفيه حسمٌ لمادته ".
إذا نشأت مع الإنسان مشاحنة أحياناً، أو نفور أو تباغض فلعله تساهل في هذه العبادة، عبادة غض البصر، فكان العقاب العاجل هذه المشاحنة، وتلك البغضاء بين الزوجين، لأن الإمام الشعراني يقول: " أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي ".
ويقول ابن كثير في تفسيره للآية:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

" أي ذلك أطهر لقلوبهم، وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته ".
هناك بصر وهناك بصيرة " من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته "
اللذة العابرة تنتهي بكآبة وضيق
دائماً هناك لذات قريبة، وهناك سعادة متنامية، اللذات القريبة إذا ضحَّيت بها كسبت السعادة المتنامية، والسعادة المتنامية تضيع منك إذا آثرت عليها اللذات القريبة، وأنا أرجح أن أسمِّي اللذة الناتجة عن عضوٍ حسي، واللذة العابرة التي تنتهي بكآبةٍ وضيق، أن أسميها لذةً، ولا أسميها سعادةً، والسعادة الناشئة عن اتصال الإنسان بالله عزَّ وجل، وعن استقراره وسكينته، هذه السعادة المتنامية أنا أفضل أن أسميها سعادة لا لذة، السعادة تعني أنه يغلب عليها الطابع النفسي، وطابع الديمومة، وطابع التنامي " النماء "، واللذة يغلّب عليها الطابع الحسي، وطابع الانقطاع، وطابع الانكماش.
روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
السعادة الحقيقية تنمو مع الوقت

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ))

[أحمد]

عندنا مقياس، هل تشعر بحلاوةٍ تذوق طعمها عند غض البصر ؟ قد يشعر الإنسان بقيمته الإنسانية، وبقوة إرادته، أحياناً تتوهم المرأة وهي جاهلة أن معها سلاحاً قوياً ضد الرجل، طبعاً أقصد الأجنبية، أما إذا رأت إنساناً لا ينظر إليها اعتراها الفشل والحزن.
كنت في الحج قبل عدة أعوام، فأُشيرَ إلى شابٍ ألماني مسلمٍ، حُدِّثنا عن سبب إسلامه ؛ أن هذا الشاب هو ليس شاباً بل هو كهل، أن هذا الإنسان الألماني له بيت في مدينة في ألمانيا، وجاءه طالب من سورية سكن في إحدى غرف البيت، وفي هذا البيت فتاةٌ جميلة هي ابنته، وبحسب قيم هؤلاء وعاداتهم وتقاليدهم، ليس عنده ما يمنع من أن تكون هناك علاقة بين هذا الشاب الضيف وفتاته، لكن الذي لفت نظر هذا الإنسان أن هذا الشاب تمنى أن يضبطه مرةً واحدة ينظر إلى ابنته، مرة أو مرتين، أو أسبوعًا أو أسبوعين، أو في أوقات منتظمة أو غير منتظمة، لكن هذا الشاب يغض بصره غضاً حازماً، وهذا نموذج نادر وغير مألوف هناك، فلا مانع لديه في أن يكون هناك مودة أو لقاء بينه وبين ابنته، فلما جلس إليه ليناقشه قال: هكذا ديننا أمرنا بغض البصر، وبعد مناقشاتٍ طويلة، كان إسلام صاحب البيت على يد هذا الشاب، وقد رأيناه في الحج، فالانسياق مع الشهوة لا تحتاج إلى بطولة أبداً، فأي إنسان مهما كان مستواه منخفضًا فانطلاقه مع شهواته قضيةٌ لا تكلّفه شيئاً، بل تمتعه، لكن البطولة أن تكفَّ نفسك عن شهوةٍ حرمها الله عليك.
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلاوَتَهَا ))

وقد روى الإمام مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

(( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي ))

هذه أيضاً من معاني ( من ).
أحياناً يكون في الطريق منعطف حادٌّ، فينعطف الإنسان، فإذا بامرأةٌ أمامه، يفتح الباب فيجد امرأة أمامه، وفي أحيان كثيرة يشاهد امرأةً أمامه، فالأمر الإلهي أن يغض بصره، أما ما روي عَنْ بُرَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ:

(( يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعْ النَّظرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ ))

[الترمذي]

الأولى أقلّ من ثانية، أما عشر ثوان فلا !! هذه عشر نظرات.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى، وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ ))

[مسلم]

يعني بالنصيب هنا تبعة هذا العمل، فأيُّ عملٍ من هذه الأعمال ؛ زنا العين، زنا الأذن، زنا اليد، الرجل، القلب، زنا الفرج، أي نوعٍ من أنواع الزنا، كتب على الإنسان تحمُّل تبعته، أي عقابه، فالمعنى ليس جبرياً، بل المعنى ردعي، انتبه لهذا، فكل هذه الأنواع كتب عليك تحمل عقابها، هذا هو المعنى الصحيح.
لكن الذي يلفت النظر في هذا الحديث أن أنواع الزنا كثيرة ؛ العين، والأذن، واللسان واليد، والرجل، والقلب، والفرج، بماذا بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ؟ بدأ بالعين، لأنها هي الأصل، منها تنطلق بقية الخطوات.
والحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
المؤمن مرتبته الإيمانية في تصاعد مستمر

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ))

[احمد]

هذا كما قلت قبل قليل: النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وإبليس كما تعلمون طلاعٌ رصّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، لذلك اتقوا النساء فإنهن حبائل الشيطان.
وقد أَلِفَ بعض المسلمين أن ينصاعوا إلى الله في هذه العبادة بالذات في رمضان، ولكن إذا عادوا إلى ما هم عليه بعد رمضان، فكانت حياتهم كهذه الحركة، صعود وهبوط إلى أن يأتي الأجل والمحصلة صفر.
أما المؤمن فإنه يصعد في رمضان، ويحافظ على هذا الصعود طوال العام، وفي رمضان الثاني له صعود آخر، ثم صعود ثانٍ، وثالث، ورابع، وخامس، فالمؤمن تتصاعد مرتبته في الإيمان، ويتابع الترقي، أما ضعيف الإيمان فيُدافع التدني، هناك فرقٌ كبير بين متابعة الترقي ومدافعة التدني، دائماً يخطئ ويتوب، ويخطئ ويتوب، ويتوب ويخطئ، والمحصلة صفر، فهو يراوح مكانه، فلا يوجد تقدم، فالذي أرجوه من الله جلَّ جلاله أن كل شيء في رمضان قدرت على نفسك به، أن تحافظ عليه بعد رمضان، كما حافظت عليه في أثناء رمضان.

2– عدم لمسِ الرجلِ المرأةَ الأجنبيةَ

الباب الثاني في الدرس: الأمر باجتناب لمس المرأة الأجنبية، فالنظر انتهينا منه، وأنا لا أبالغ أن هناك مدرسة في الإسلام اسمها مدرسة غض البصر، مدرسة فيها آية صريحة، آية بكاملها واضحة الدلالة جداً، تأمر المؤمن بغض البصر، معنى ذلك أن أكثر أغلاطه، وأكثر مشكلاته إذا لم يطبِّق هذه الآية مبعثها من هذا القبيل.
لقد حرَّمت الشريعة الإسلامية اختلاط النساء بالرجال، لهذا أُمرت النساء بالابتعاد عن مواضع الاختلاط.

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة القصص]

بنات سيدنا شعيب لا يزاحمن الرجال في سقي الغنم.
روى الإمام البيهقي عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال:

(( لأن يطعَن أحدكم رأس أحدكم بمخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلّ له ))

إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فأنا ألاحظ بعض الصيادلة يضعون صحنًا، فإذا أرادوا أن يعطوا امرأةً بقية ثمن الدواء يضعون المبلغ على الصحن، فلا ينبغي أن تلمس يدك يد امرأةٍ أجنبية، هذا الأكمل، وهذا الشرع، وسأسرد عليكم الأحاديث المؤيدة لهذا.
أذكر قصة أظن أني رويتها لكم، جاءت وزيرة، واستُقبِلت في المطار، وكان من بين المستقبلين أحد كبار موظفي الوزارة، وهذا الموظف ملتزم، فلما مدت يدها كي تصافحه، وكان في استقبالها بحكم وظيفته، لم يصافحها، بل سحب يده، فانزعجت أشد الانزعاج، لكنها في قاعة الشرف سألت: من هذا الموظف الذي لم يصافحني ؟ وكأنها عدَّت ذلك إهانةً لها، فقال لها الوزير المستقبل: هو له عقليةٌ خاصة، معتذراً عنه، وانزعج منه أشد الانزعاج، لكنها أصرت على أن تلقاه على طعام الغداء، وقد صرفه الوزير بألاّ يحضر معهم طعام الغداء ما دمت وقفت هذا الموقف، ففي الظهيرة سألته: لمَ لمْ تصافحني ؟ قال: إن ديني يمنعني من مصافحة امرأةٍ أجنبية، فقالت: لو أن المسلمين أمثالك لكُنَّا تحت حكمكم، هكذا قالت.
شيء رائع جداً أن إنسانًا يكون ملتزمًا مطبقًا، هذا الشيء يرفع من قيمته عند الله، وعند الناس.
إذاً الموضوع الآن غير النظر، إنه موضوع مس يد امرأة لا تحل لك، هذا منهيٌ عنه أشد النهي.

أدلة تحريم لمس المرأة الأجنبية

مصافحة النساء لا تجوز وهي جمرة يوم القيامة
يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من مس كف امرأةٍ ليس منها بسبيلٍ وضع على كفيه جمرةً يوم القيامة ))

[ورد في الأثر]

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))

[النسائي عن أميمة بنت رقية]

والإنسان لا يستحي بدينه، أي لا يصافح، وانتهى الأمر، ليفسروا هذا كيفما شاءوا.
وكان عليه الصلاة والسلام يحرص على أن لا تمس يده يد امرأةٍ، فقد روى الإمام مسلمٌ أن عائشة زوج النبي قالت:

(( كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ )، إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ ـ أي بالامتحان ـ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا ))

[مسلم]

سمعت أن شخصًا أراد أن يبايع مريدة عنده، يضع وعاء به ماء، فتغمس يدها فيه، ويغمس يده فيه، لأن الماء ناقل للكهرباء.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح إطلاقاً، وهو الأكمل، ويقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث: " إن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كفٍ، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة ".
أما الضرورة كالطبيب فيجوز، مثلاً قد يكون طبيب الأسنان لقلع ضرس، إذا لم يكن هناك طبيبة، أو طبيب معالج.
وقد روى الإمام الطبري رحمه الله تعالى عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له ))

[الترغيب والترهيب للمنذري بسند فيه ضعف]

أي إذا كان الطريق مفعما بالنساء تدخل بينهن وتزاحم، فأحياناً يمس كتفك كتف امرأة بالازدحام، فلذلك النبي الكريم يقول:

(( لأن يزحم رجل خنزيراً متلطخاً بطينٍ أو حمأةٍ خيرٌ له من أن يزحم منكبه منكب امرأةٍ لا تحلُّ له ))

إنّ هذه إذا طبقها الزوج، فلم ينظر، ولم يصافح فقد أدى ما عليه من أسباب ديمومة الزواج، وسعادة الزواج.
وترون معي أيها الإخوة كيف أن الزواج الذي هو أقدس عقدٍ على الإطلاق بين رجلٍ وامرأة، هذا العقد يحتاج إلى محافظة، ويحتاج إلى تدعيم، تدعيمه تطبيق الشريعة، وأذكِّر أنه في زمن الفساد، وزمن الفتن اليقظة، وزمن الشهوات المستعرة، وزمن التفلُّت، وزمن الشوارع المفعمة بالنساء الكاسيات العاريات، وزمن أن كلَّ شيءٍ أريد له أن يروج، لا بدَّ أن يكون عليه صورة امرأةٍ متبذلة، أي بضاعةٍ، أو أي شيءٍ تشتريه من أجل أن يروّج، لا بدَّ من صورة امرأة متبذلة توضع عليه، في مثل هذا الزمن الصعب يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))

فالإنسان كما ورد في القرآن الكريم بتوسع:

الإنسان كهفه هو بيته ومسجده

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

( سورة الكهف: آية " 16 " )

فالإنسان كهفه هو بيته، وكهفه مسجده، وإذا كان يقدر أن لا يدخل إلى الأسواق في أوقات الازدحام فليبتعد، ويختار وقتًا لا يجد فيه ازدحامًا، وإذا كانت الطرق موبوءة فليختَرْ الطرق الفارغة، وإذا كانت الأماكن الجميلة في الصيف مفعمة بالنساء، فهذا المكان ليس لك في هذا الوقت، اذهبْ في أوقات أخرى.
أحياناً يخرج الإنسان إلى مكان ما، أو إلى مصيف، أو إلى ساحل، هذا المكان ليس للمسلم، مستحيل، تجد العورات كلّها مكشوفة، والمعصية محققة، فالمؤمن يفرُّ بدينه حفاظاً على سلامة اتصاله بالله عزَّ وجل وسلامة قلبه، لكن ربنا سبحانه وتعالى من عظيم كرمه أن كلَّ مؤمنٍ آثر رضوانه على شيءٍ مألوفٍ عند الناس، ومباحٍ عند معظم الناس يعوضّه الله عزَّ وجل عطاء وسكينة ورحمة يجد حلاوتها إلى يومٍ يلقاه.
فدرسنا اليوم كان للشباب وللمتزوجين، لكن الشباب ولا سيما في زمن الفساد، وزمن التفلُّت، وزمن الفتنة المستعرة، هم في أشد الحاجة إلى هذا الأمر الإلهي، هذا الأمر يحصنه، يقول لك: كبْت، الكبت لا يأتي إلى رجل مستقيم، الكبت إثارة ومنع، أما إذا غض الإنسان بصره قطع عنه الإثارة، الكبت أساسه إثارة ومنع، وهذا شيء صعب جداً، أما إذا ابتعد الإنسان عن أماكن الشبهات، ومواطن الفساد، وعن الأماكن الموبوءة، وعن ازدحام الأقدام غير الملتزمة، وعن الأماكن السياحية الموبوءة بالنساء، إذا ابتعد وخطط لنفسه وقتًا مناسبًا ما فيه ازدحام، وبعيدًا عن الاختلاط فهو الأفضل، والله عزَّ وجل مع المؤمن، فهو يتجلىَّ على المؤمن تجليًّا ينسيه كل هذه الفتن التي ابتعد عنها باختياره. ‍
هذا الدرس عام للأزواج وللشباب، والمأخذ الوحيد الآن للشباب موضوع النساء، فهو مأخذ كبير، وسبحان الله !!! حينما ينصرف الشاب إلى الله عزَّ وجل، ويغض بصره تنتظم أموره، ويبني نفسه بناء صحيحا، ويتفوق في دراسته، وينجح بعمله، لأنه أصبح في صفاء، ولأن هذا الشيء يشوش، الشيء مبذول، وله شعور بالذنب كبير، يعقبه شعور بالكآبة، أما إذا وطن الإنسان نفسه على طاعة الله فقد انتهى الأمر، فبهذا ينتهي موضوع الزواج الذي بقي في دروسٍ عشر.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الآيات وتلك الأحاديث التي وردت في هذه الدروس، منارات للمؤمنين، ومبادئ أساسية يستلهمون منها سلوكهم، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بطاعته.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS