34905
الفقه الاسلامي - العلاقات الأسرية - الزواج - الدرس ( 01 - 17 ) : شروط الزواج.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1984-01-29
بسم الله الرحمن الرحيم

تحريم الزواج بالمشركة :

أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء . من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة ، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة ، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر ، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة أي هذا اللانمطي ، اللاديني ، الذي لا يؤمن بشيء ، ويفعل كل شيء ، هذه الإباحية ، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها .
فالوثنية من تؤمن بالوثن ، من تعبد صنماً ، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية، والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت ، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة كالوجودية ، ونحوها من مذاهب الملاحدة ، هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن . ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾

[سورة البقرة : 221]

الزوجان المؤمنان يدعوان إلى الله والدار الآخرة والجنة
أي الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة ، وإن كانا على خلاف ذلك ، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم ، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم .
الحقيقة هناك سبب أو علة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة ، هذا الإنسان الذي لا دين له . . ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواه ، فيه نظام ، فيه ما يجوز وفيه ما لا يجوز ، فيه ما هو مباح وفيه ما هو غير مباح ، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء ، أي اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

[سورة البقرة : 222]

خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة : 183]

هذه العلة ، السبب ، الهدف . .

﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾

[سورة البقرة : 222]

فالزوج المشرك أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً ، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به . هذه العلة ، فالإنسان الذي لا دين له ، لا كتاب سماوي لديه ، لا يخاف من الله ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخـــف من لا يخافني " .
هذا الذي لا يخاف الله يخيف ، ليس عنده رادع ، ليس عنده شيء لا يجوز ، ليس عنده شيء حرام ، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية ، للرحمة ، للقيم . دابة فلتانة .

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

[سورة الكهف : 28]

علة الزواج بكتابية :

أما الكتابية فشيء آخر ، الكتابية تؤمن بالله ، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى ، تؤمن بشيء لا يجوز وشيء يجوز ، فالكتابية شيء ، والمشركة شيء آخر ، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها .
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب .
الحقيقة يوجد آيتان ، آية تبيح وآية لا تبيح ، وبعضهم جمع بينهما ، لأن هناك حالات تبيح ، وهناك حالات لا تبيح ، أي إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين ، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين ، فإذا كان الدين المسيحي أقوى من الإسلام في العالم ، وله مركز الصدارة ، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين ، أو لدين أقوى الأبوين ، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين .
شيء عانيته بنفسي ، زرت صديقي ، هو متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب ، قال لي: أولادي على دين أمهم ، يميلون إلى أمهم . حتى طالب كان ديانته الإسلام ، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه ، أي إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الأولاد على دين أمهم . أما إذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً ، لكن المسلمين هناك مراحل يكونون فيها في مركز الصدارة ، وفي مركز القوة ، و مراحل أخرى ينتابهم الضعف ، فإذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو مركز الصدارة ، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً ، دينك هو الأقوى .
هناك شيء آخر : الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود ، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج ، فلعل هذه المرأة الكتابية إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء ، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً ، في هداية زوجته وأهل زوجته . أي لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ ، لسبب وجيه ، أن يأخذ بيدها ، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها ، أو إذا كان دينه هو الأقوى . أما في بعض الحالات فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشؤون تنشئة لا ترضي الأب ، وهذا ما يحصل كثيراً ، كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها .

تحريم زواج المسلمة بغير المسلم :

القيادة للزوج لذلك حرم الإسلام على المرأة الزواج إلا من مؤمن
أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً ، هناك حكمة بالغة ، لأن للرجل القوامة ، الرجال قوامون على النساء ، مسلمة تخاف من الله ، تحب أن تطيع الله عز وجل ، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور ، لا يمكن هذا ، يأمرها أن تختلط مع الرجال، يأمرها بما لا يرضي الله ، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع ، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده ، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده ، والولاية له ، والقوامة عائدة للزوج ، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾

[سورة الممتحنة :10]

هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم .

تعدد الزوجات :

أما الزيادة على الأربع فطبعاً ربنا عز وجل قال :

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾

[سورة النساء : 3]

شرط التعدد العدل بين الزوجات
طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة ، مثنى وثلاث أي اثنتان زائد ثلاث صاروا خمس ، ورباع زائد أربع صاروا تسع ، بعضهم فهم مثنى على اثنتين اثنتين أي أربع ، وثلاث ست صاروا عشر ، ورباع ثماني صاروا ثماني عشرة . طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس ، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنتين ، ثلاث ، أربع ، ما أحد فعلها إطلاقاً ، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب إطلاقاً ، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى ، ثلاث ثلاث ، رباع رباع ، إذا أردت التكرار تكرر .
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير ، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية ؟ لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة ، مثنى أو ثلاث أو رباع ، لو استخدمنا أو فهذه للتخير ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إما اثنتان وإما ثلاث ، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاث ، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل ، هي أوضح شيء مثنى وثلاث ورباع ، فقال الإمام الشافعي : بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة ، وهناك أدلة أخرى . النبي الكريم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : اختر منهن أربع . إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع ، أما في هذه الأيام فالواحد ليس بمقدوره أن يأخذ أكثر من واحدة .
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات ، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات .

* * *

المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم :

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة .

((إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم))

[ الطبراني عن أبي أمامة ]

هذا الحديث له معنيان ، المعنى الأول : أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل ، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير ؟ تنتظر إكراماً من إنسان مقطوع عن الله ، تنتظر إنساناً لا يعرف الله أن ينصفك ، مستحيل ، تنتظر إنساناً يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل ؟ مستحيل ، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب . . الناس يستخدمون عبارة أن فلاناً ابن عائلة أي ابن أسرة عريقة ، يبدو أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة ، لها تقاليد ، لها عادات مقتبسة من الدين ، فالإنسان يردعه دينه ، أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب ، الدين بحكم العقل دين ، أما أولاد الأسر الراقية فبحكم العادة ، ألفوا عادات راقية ، فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين ، وأن هذا الدَّيِّن يعرف مهمته في الحياة ، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح ، وهذا العمل هو بغيته ، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود ، هذا الدين ، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية ، هذه الأسرة كما قلنا : لها تربيتها ، لها عاداتها ، فيها الحياء ، فيها الوقار ، الصغير يحترم الكبير ، الكبير يحنو على الصغير ، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة ، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم .
أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين ، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع ، فقلت لابنه : ألا تغار على سمعة أبيك ؟ قال : نعم ، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك ، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور ، أي يخاف على سمعته ، يخاف على سمعة أبيه ، يخاف على اسم أبيه ، فهذا ليس بداع ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة ، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة ، أما الأول فبحكم العقيدة . أو بذي حلم ، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة ، أي إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضجاً جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم ، حتى إني أقول كلمة : إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج ، ويختلف عنه في البواعث .
مثلاً مدير دائرة مؤمن ، ومدير دائرة ذكي ، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل ، بحكم ورعه ، بحكم خوفه من الله عز وجل ، يعدل بين الموظفين ، يتواضع لهم ، يبحث في مشكلاتهم ، يعين ضعيفهم ، يقبل العذر من المقصر، لطيف ودود ، هذه صفات المؤمن .
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين ، لا حباً بالله ، ولا خوفاً من عقاب الله ، ولا يبتغي بهذا العمل رضا الله أبداً ، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس ، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة ، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين ، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع ، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس ، ينتزع محبتهم ، ينتزع مودتهم وتكون له هذه ، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق . هذه المشكلة التي تحير المؤمن . يا أخي الجماعة في أوربا صادقون . . نعم ، لا يغشون . . نعم ، بضاعتهم درجة أولى صحيح ، يصنفونها لك تصنيفاً صحياً ، الشحن ، المواعيد كلها مضبوطة ، لا يوجد عندهم غش ، لا يوجد عندهم خداع ، نعم ، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث ، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل ، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا ، فرق كبير . . هذا الذي يعانيه بعض المسلمين . الإنسان الذكي لا يكذب ، الذكي لا يخلف وعده ، الذكي لا يتكبر . .
الآن إذا رجل تكبر ، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه ، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس ، وسخريتهم لا تحتمل . يأتي إنسان يتواضع ، إذا تواضع يثنون عليه ، يا أخي ما هذا ؟ متواضع ، نفسه هنية مثلاً ، لا يتكبر ، عطف علينا ، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له : الله يعطيك العافية ، كيف صحتك ؟ كيف أولادك ؟ هل يلزمك شيء ؟ هذا العمل يقوم فيه ذكي ، حتى ينتزع إعجابه ، الآذن يتكلم ، يقول لك : ما هذا ؟ مديرنا متواضع ، مديرنا الجديد ابن حلال ، هو هكذا يريد ، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول : " يا رب ، قرأنا القرآن من أجل رضاك ، يقول لهم : كذبتم ، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل، تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل ، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل " لما الإنسان يكون ذكياً يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين ، أما بالنوايا فشتان بينهما أين الثرى من الثريا ؟
الموقف الكامل أن تفعل الخير بإخلاص وليس لتنتزع إعجاب الناس
التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين ، أو لذي حسب ، أو لذي حلم ، طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجلاً جريحاً ، ورأى جمهرة من الناس حوله ، وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه ، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح ، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى ، إذا كانت نيته تكثير الزبائن - لأن الناس يثنون عليه - فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة ، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة ، عمله رحيم وهو خال من الرحمة . أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي ، يأتيه شخص له قيمته ، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي ، وهذا الشخص الوجيه الكبير الحق ليس معه ، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير والحكم انتشر وبلغ الناس ، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته ، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء ، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً ، حكمه عادل وهو ليس بعادل . لذلك النوايا دقيقة جداً ، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير ؟ هل أبتغي به السمعة والجاه ؟

(( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[متفق عليه عن عمر ]

(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))

[شعب الإيمان عن معاذ]

إذاً : " إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب ، أو لذي حلم " .
هذا أخلاقي ، أخلاقه جاءت من ذكائه ، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته ، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه ، هذا متدين ، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل ، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً . إذا إنسان رأى ابنه اقترب من المدفأة ، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه ؟ بشكل لا شعوري يصرخ فيه ، توبيخ الأب أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفأة ليس عملاً إرادياً ، عمل لا إرادي عفوي .

المعروف عفوي عند المؤمن :

المعروف بالمؤمن عفوي ، غير مقصود ، لا يفكر ، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً ، شخص استجار به يجيره ، استغاث به يغيثه ، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعدها فوراً ، لا يناقش الأمور . أعمل أم لا أعمل ؟ ماذا سيتكلمون عني ؟ هذا شيء بالمؤمن غير وارد ، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة ، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه ، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه ، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز ألا يبيعه شقة ثانية ، ليس من باب وفاء دين ، لا ، لكن إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا ، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمئة ألف ، حسابه معي عشرون ألفاً سأدفعه قبل أسبوع ، إن دفعته قبل أسبوع سيحس هذا البائع الكبير أنني أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط ، أما أنا فمتأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع و طلبت منه مئة ألف سيعطيني ، ولكن بعد أن آخذ هذه المئة ألف أماطله . يقول لك : دخل في قلبي غرقنا ، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان ، يسمونه تكتيك ، بالتعريف الحديث مناورة . أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك ، مخادعة ، مناورة ، تكتيك . عندك تكتيك واستراتيجية المؤمن أخلاقه ثابتة لا تتغير حسب الظروف
المؤمن أخلاقه استراتيجية ، أي ثابتة ، لا يغير ، لا تحت ضرورة ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط ، أخلاقه هي هي ، أما الكافر فأحياناً يعمل خطة مرحلية ، أحياناً إنسان يقول لك : أتضع أموالي عندك ؟ تقول له : نعم ، أنا أعطي بالمئة ثمانية وأربعين أرباحاً ، ما هذا الكلام ؟ مبلغ مذهل ، أين ما كان بالمئة عشرة ، أو بالمئة خمسة عشر ، بالمئة عشرون إذا كان الإنسان موفقاً جداً ، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة ، عندئذ يأخذها ويهرب بها . وهذا شيء يقع باستمرار . هذا المعنى الأول : أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية ، أن هذه الأسرة لها عادات راقية بحكم العادة ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق ، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء . والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً ، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة ، وهناك شكاوى كثيرة تصلني ، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا ، وفعل معي كذا وكذا وكذا ، كان الرد بمنتهى الوقاحة ، بمنتهى اللؤم ، كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة ؟ لأن هذا ليس صاحب دين ، وليس صاحب نسب رفيع ، وليس صاحب ذكاء عال . . لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة ، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته ، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروفاً مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً ، أو رداً سيئاً ، أو رداً فيه مقاومة ، فالإنسان لا يُفاجأ ، و قد جاء في الحديث الشريف :

((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))

[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]

أي الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين ، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى ، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم ، لا ، أولادك أولى ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا مستجير بك ، فتعطيه من قوت أولادك ، تعطيه من حصة أولادك ، وتنجده ، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم .

المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة هم المقلون يوم القيامة :

و:

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]

إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . طبعاً الحديث طويل ، وهذه أول فقرة منه ، المكثر يقول : عندي مال لا تأكله النيران ، أهلكت مالاً لبداً ، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة ، وبأن أموالهم لا تفنى ، وأن أموالهم بازدياد ، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا ، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة ، هم الفقراء ، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا ، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال ، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح ، هو الذي يجدي .

(( . . .إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . .))

[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]

من كثر ماله وقل عمله جاء يوم القيامة فقيرا
لذلك قال الله تعالى :

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

[سورة الزخرف : 32]

النبي الكريم استثنى ، قال :

(( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . .))

[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]

هنا في الحديث دقة بالغة ، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً . لذلك قال العلماء : لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله ، قال تعالى :

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾

[سورة الفجر : 15-17]

قال ربنا له : كلا . . ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام ، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل .

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي . .﴾

[سورة الفجر : 15]

أي أدخل إلى بيته كل وسائل الراحة .

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي . . كلا﴾

[سورة الفجر : 16-17]

ربنا عز وجل قال : كلا . . وكلا أداة ردع ، أي لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق ، لا هذا القول صحيح ، ولا هذا القول صحيح ، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكراماً ، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة ، إنه معالجة ، الحرمان معالجة ، والعطاء إكرام . النبي الكريم قال : " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - لماذا سماه النبي خيراً - قال : فَنَفَحَ - نفح أي أعطى - فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". .
أي سأله عن يمينه شخص فأعطاه ، عن شماله فأعطاه ، سأله شخص قرضاً لثمانية أشهر دفع له ، سأله شخص عطاء من دون قرض ، فدفع له . أي اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير . وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . . قال : هذا الإنسان المكثر هنيئاً له ، هذا قد يسبق المقل ، لأن المال قوة ، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله . وحبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي .

التيسير و التعسير :

وفي حديث آخر :

(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم ، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم ، الملائكة تكرم طالب العلم ، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير .
من طلب العلم تكفل الله برزقه
هذا المعنى معنى تكريم ، أي الملائكة تكرم طالب العلم ، بعضهم توسع في هذا المعنى ، فقال: الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه ، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم ، ما الذي جعل أبو حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مرّ في الحج بشيخ يدرس في الحرم ، وقد سمع منه هذا الحديث :" من طلب العلم تكفل الله له برزقه " يلهمك إذا كنت تاجراً يلهمك الصفقات الرابحة ، فيكون عملك قليلاً وربحك كثيراً . إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى ، أخلاقهم عالية ، شراؤهم سهل ، دفعهم جيد . إذا كنت موظفاً تنتزع ثقة رؤسائك ، يعطونك إضافات ليست لغيرك . أي مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه . أب عادي يكون راغباً أن يكون ابنه طبيباً ، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوقاً بدراسته ، وأحياناً عنده فحص لا يدع أحداً يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له : أنا أحضر الخبز ، اجلس وادرس ، إذا جاءه ضيوف ، ويريدون غرضاً إذا قالوا : أوصل فلانة خالتك ، الأب ينهى الأم يقول : دعيه يدرس ، أي إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوقاً يريحه من أعباء البيت ، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة ، يمكن أن يبالغ بإكرامه . فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه . معقول إذا اتجه إنسان إلى الله يتعب بحياته ؟ العكس هو الصحيح . الإنسان عندما يتجه إلى غير الله عز وجل ، يذيقه الله مرارة الدنيا . الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر . . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . تسمع من الناس قصصاً ، ترى رغم ذكائهم ، رغم تقديرهم للأمور ، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان ، تأتيهم مزعجات ، يتورطون تورطات ما كان لهم بها .
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا ، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً ، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل : 5-7 ]

تلقى شخصاً تريده ، بيته بعيد ، الحاجة لا تجدها فوراً . آلة منتجة تعطلت ، تحضر خبيراً فيخربها ، يكسر قطعة فيها ، بدلاً من أن يصلحها . إذا كنت موفقاً تحضر شخصاً يلهمه الله إلى الحق ، يقول لك : العطل من هنا ، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخصاً بدل أن يعطلها خمسة أيام يصلحها في ساعة ، إن كان في التجارة ، أو في الصناعة ، أو في الزراعة فالإنسان عندما يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه . ليس معنى هذا أن يمد يده إلى الناس ، لا ، ليست واردة ، معنى يتكفل له برزقه يلهمه أعمالاً مريحة ، ودخلها معقول ، انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل ، يقول لك : آه ، يخرج منه آهة محروقة حرقاً ، يقول : اشتغلنا ثلاث سنوات بلا مقابل ، يدخل بمشروع ، يدفع ، يسهر ، يركض ، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات عمل ، انظر إلى الدنيا ما أصعبها الخسارة مؤلمة جداً . إنسان يتعب ، يحضر بضاعة ، يبيعها ، يشحنها ، يحصل ثمنها ، يشتغل فيها سنتين ، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة ، هذا عمل بلا مقابل ، فالله عز وجل قادر أن يشغل الإنسان بلا مقابل طول عمره ، يقول لك التجار كلمة مضحكة : مثل مطحنة الجن ، خرير وعجيج على الفاضي ، يشغله ، يشغله ، بالآخر لا يوجد محصول ، لا يوجد نتيجة ، أما المؤمن فموفق .

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]

إعانة الملائكة طالب العلم على أمر معاشه :

(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

أي أول شيء تعينه على أمر معاشه ، أنا أدعو هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا - الإنسان ينضبط بالدين ، يعرف الحرام من الحلال ، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز ، عنده منظومة قيم ينضبط فيها - وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا - أيضاً الدنيا إذا إنسان بحاجة إلى المال ، ما عنده قوام الحياة شيء صعب - وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر " فالملائكة تعينه على حوائجه ، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه ، الملائكة تكرمه . .

على الإنسان أن يسعى للدار الآخرة :

انظروا إلى الحياة الدنيا ، انظروا إلى عمارة ترتفع ، نشاط ، اليوم جبل إسمنت ، ثاني يوم جاء الإسمنت ، ثالث يوم جاء نجار الباطون ، ترى الذي يبني العمارة كتلة انتباه ، كتلة يقظة ، نشاط البناء ، نشاط التجارة ، نشاط الصناعة ، نشاط العلم ، دراسات في الجامعة، أي هناك نشاطات عديدة ، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي ، لا يوجد نشاط عند الله أكثر قدسية منه ، تذهب تزور أقرباءك ، تحصّل مبلغاً ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة ، تشتري بيتاً ، تبيع بيتاً ، تبدل سيارتك ، تعمل نزهة ، هذه نشاطات مشروعة ، مباحات ، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم ، أن تعرف الله عز وجل ، خُلقت من أجل أن تعرفه ، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

حقيقة كبيرة جداً إنسان يظن أن هذا مات ، لذلك النبي الكريم قال :

(( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))

[التمهيد لابن عبد البر عن عائشة]

نشاط العلم من أقدس النشاطات
إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً ، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به ، هذا عمل فيه إهانة ، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل ، إهانة له . حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين . قال : يا أمية بن خلف ، يا هشام بن عيينة ، يافلان ، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس . . الحديث طويل ، الصحابة تعجبوا ، قالوا : يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني - يسمعون مثلكم - فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى ، ومن فرح ، و من أهانه يرى الميت كل ذلك، ويسمع ما يقولون ، فالنبي الكريم يقول : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

وقال :

((إن العبد إذا وضع في قبره , وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ..))

[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]

أما هذا الشعور الذي لا يوصف فهو اشترى البيت ، هو فرش البيت على ذوقه ، قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى ، جاءه تاجر ، قال له : أريد غرفة نوم من خشب الجوز ، قال له : والله لا يوجد جوز عندنا زان . . قال : أريدها جوزاً ، قال له : إذاً اشتر لي خشب جوز ، اشـتروا خشب جوز ، قال : هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة ، يكون أبيض بعد تخميره سنة يصير أسود ، أخذنا له خشب الجوز ، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهراً ، قال : ما مرّ بحياته كهذا الزبون ، زار الخشبات وقت التخمير مرتين أو ثلاث ، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم ، قال لي : هناك عقدة بالخشب بالرجل من الداخل ، فرفض و قال : بدل لي إياها ، كل أسبوعين أو ثلاثة له زيارة ، يتفقد غرفة النوم ، الخزانة ، البخ ، المسكات ، المرايا . هذا معه وسواس . وبعد ذلك ، قال له : اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة ، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة ، ورتبوها ودوكروها ، قال له : أما تريد أخذ الغرفة إنها حاجزة محل عندنا ؟ قال له : غداً إن شاء الله ، خبرته ليأتي ليأخذها رفعت السماعة سمعت ضجيجاً ثم جاء إلى التلفون من يكلمني فكانت امرأة قلت لها : أختي الغرفة ، قالت : لا نريد الغرفة مات صاحبها . غضبت . سبحان الله ، فعلى الإنسان أن يسعى للدار الآخرة .

((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

((العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. . .))

[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]

هو عمر هذا البيت ، هو فرش هذا البيت ، هو رتب هذا البيت ، دفنوه بنفس اليوم، قال لي شخص : شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء ، مع أنه مكروه ، ما الدليل ؟ معنى هذا أن هناك مشكلة بالبيت ، هو اشترى البيت !!
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه ، يعلق آماله بولده . . قال رجل لشاب : أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً : رايح أسكر على روح أبي . أبوه خلف له مالاً كثيراً ومات ، فهذا الابن يشرب خمراً على روح والده . قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال له : عبدي أما علمت أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - أي جعلتهم فقراء ، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم - والثاني قال له : ماذا صنعت في المال ؟ قال له : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين . فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ". اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك فقط . الله عز وجل يرزقهم ، ويعافيهم ، ويهديهم ، ويجعلهم قرة عين ، ويجعلهم خلفاء لك ويجعل لهم أعمالاً صالحة مستمرة .

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))

[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه :

الحديث قبل الأخير :

(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]

تعلق بالقرآن يرفعك الله
أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء ، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق ، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله ، هناك أشياء غالية كثيراً ، معنى هذا أن عليها طلباً كثيراً ، وقد تكون تغضب الله عز وجل ، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد ، إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ، قرأت مقالة لكاتب أن حجزاً برأس السنة لا يوجد ، كل الأماكن لا يوجد بها محلات ، معنى هذا أن الطلب كثير على الفنادق ، سهرة بالفندق الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، عشاء مع أعمال لا يعلمها إلا الله ، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله ، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة ، لا يوجد محلات ، واضطر أن يعملها بالبيت ، أحضر رفاقه وعملها بالبيت . قال :

(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]

أي أنت تعلق بالذي رفعه الله ، الله رفع قراءة القرآن ، رفع فهم القرآن ، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن ، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل ، رفع أن تكون محسناً ، رفع أن تكون محباً لله ورسوله ، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع ، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل بما عنده من متاع . أي يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته ، وأجهزته فقط . لكن المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه .

(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]

الأولاد مجبنة و مبخلة :

ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن الولد مبخلة ، مجبنة ، مجهلة ، محزنة ))

[ صحيح الجامع عن الأسود بن خلف و خولة بن حكيم ]

أي هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف ، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاداً يجب أن يعتدل ، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل . أما معنى مبخلة أي قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده ، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا ، لأن الله عز وجل قال :

﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة 272]

فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح ، بالخير ، بالإنفاق ، بالمال الخوف على الأولاد من بعده . مبخلة ، أي إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع ، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم . وسيدنا الصديق أعطى كل ماله ، فلما قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله . ممكن أتصور إنساناً ينفق ماله ثم يفقره الله ؟ هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات ، أنفق أنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً . لا يمكن ، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان . جعله بخيلاً ، الابن جعل أباه بخيلاً ، هذا معنى مبخلة .
مجبنة : أي الإنسان أحياناً يقف مواقف مشرفة ، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يخزي بيت عمه ، يقف موقفاً لا يليق به ، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق ، هذا العمل لا يجوز، أي شخص دين يصلي يعمل عرساً مختلطاً بفندق ؟ هذه مشكلة ، هكذا طلبوا بيت العروس ، طلبوا عرساً مختلطاً بالذات ، أي رجال ونساء ، المرأة بأبهى زينة ، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم ، فلان وزوجته ، هذه زوجته ، هذه زوجة فلان ، جاؤوا بأحدث طرز ، كلها فتنة ورجال ونساء . دين وتصلي وتعمل عرساً مختلطاً بفندق !! جبن أن يرفض بسبب الابن ، فالأولاد مبخلة مجبنة ، الإنسان أحياناً يسافر في طلب العلم ، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً ، هذه على موضوع الفقر فسرها الفقهاء . لها تفسير آخر : إذا الإنسان جالس مع أولاده ، وحان درس العلم و تريد ابنته أن تأتي إليه هي و زوجها ، يتخلى عن الدرس ، عليه أن يقول لها : لا يا ابنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك ، أنا سأغيب ساعة وأرجع ، مكانتك محفوظة أما هذا فمجلس العلم لابد منه . فأحياناً الإنسان من أجل أولاده يجهل أي يصير جاهلاً هذا معنى مجهلة .
أما محزنة : إنسان قبل الزواج ، أو قبل أن ينجب أولاداً ، تهمه صحته ، بعدما أنجب أولاداً ، وابنه ارتفعت حرارته يا ترى التهاب سحايا ؟ يا ترى التهاب أمعاء ؟ صار الأب لا ينام الليل ، طبعاً صار معه متاعب ، ومشاغل ، وأسباب للحزن عن طريق أبنائه ، الحديث ليس فيه نهي ولا أمر ، الحديث فيه تقرير ، أي من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل ، وعلى الجهل ، وعلى الحزن ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً . سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى ، قالت ممرضة : دخلت لبيت فولدت المرأة بنتاً فبكوا كثيراً ، من غرائب الصدف بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر ، البيت الآخر جاءهم صبي بكوا كثيراً لأن هذا الصبي السابع ، فهذا الحديث فيه تقرير ، تقرير لحقيقة أن الذي عنده بنات الحمد لله ، والذي عنده بنات وذكور الحمد لله ، والذي لا يوجد عنده أي الله فرغه لطاعته ، الحمد لله .
والله هناك دعاء هذا الدعاء من أدق الأدعية ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

[الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS