2982
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام 1994- الدرس (27-51) : التربية الإجتماعية -14- أدب عيادة المريض
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-10-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون لازلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام ومع الدرس السابع والعشرين من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا مع مسؤولية الآباء في تربية أبنائهم التربية الاجتماعية، ولازلنا في موضوع الآداب الاجتماعية، وها نحن اليوم ننتقل إلى أدب عيادة المريض.

حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض:

 أيها الأخوة الكرام من الثابت أنَّه لا شيء يسعد المريض وهو في مرضه كأن يزوره أخوه في الإسلام، هذه الزيارة بلسمٌ لهذا المريض، وأتمنى عليكم جميعاً أن لا تقللوا من شأنها، أي قد يعين أحدكم أخاه على مرضه بزيارته، وقد يُعجِّل شفاءه بزيارته، قد يرفع معنوياته بزيارته، وهذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تقل لا يوجد عندي وقت، هذا واجبٌ عليك تجاه أخيك، هذا حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض، وأقول لكم مرةً ثانية المؤمن حينما يأتيه أخوانه يعودونه يشعر كأنَّ روح الحياة تودع في نفسه، فهذا واجب.
 يقول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة:

(( عائد المريض يخوض في الرحمة فإذا جلس غمرته ))

[ابن عساكر عن أنس]

  الأعمال التي فيها مصالح نحو قبض المال، أو عقد صفقة، أو استقبال زبون، أو بيع، أو قضيَّة هذه ليس لك فيها أجر فهذه من مصالحك، أما حينما تذهب لعيادة أخٍ في الله لا يحدوك لهذا العمل إلا إرضاء الله عزَّ وجلَّ هذا هو العمل الذي يرضيه، فلذلك:

(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))

[ متفق عليه عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما]

  أمرنا أي أمر فقد قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾

( سورة الأحزاب )

أي أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم ليس للمؤمن الخيار في قبوله أو رفضه:

 أنت لك الخيار ماذا تأكل اليوم، و لك الخيار إلى أين تسافر، ولك الخيار أي عمل تعمل، هذا ضمن خيارك، أما إذا كانت قضية أمر إلهي في القرآن، أو أمر نبوي في السنة إذا كنت مؤمناً ليس لك الخيار، أما إن لم تكن مؤمناً فلك الخيار، أفعل أو لا أفعل أمراً أمر به النبي، إذا كنت قد أدخلت هذا الموضوع في مجال البحث والمداولة تفعل أو لا تفعل فإنك غير مؤمن، لا تكون مؤمناً إلا إذا أُلغِي اختيارك في أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم، قضية دقيقة جداً وهي الآية والدليل:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾

( سورة الأحزاب )

 آية قرآنية أخرى صريحة:

﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

( سورة الحجرات آية "12" )

  أنا أغتاب بنيّة حسنة، كلام فارغ، من يقول أنه يزني بنية حسنة، الزنا محرم، لا يوجد نوايا هنا، ما دام يوجد أمر فيه تحريم لا يوجد اجتهاد، اسأل طالباً في الصف السابع الشرعي يقل لك: لا اجتهاد في مورد النص، إذا كان لا يوجد نص أو أن يكون النص ظنيَّ الدلالة، في النص ظني الدلالة يوجد اجتهاد، أما إذا وجد نص قطعي الدلالة:

﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

( سورة الحجرات آية "12" )

  فإنَّ أقل طالب علم شرعي يقول لك: لا اجتهاد في مورد النص انتهى الأمر.

على المؤمن ألا يُدخِل موضوعاً بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:

 أخواننا الكرام هناك نقطة دقيقة جداً، أنت كمؤمن هويتك مؤمن، ويظن أنك مؤمن، ومحسوب على الناس مؤمن، لك خلفية إسلامية، اتجاهك إسلامي، ما كان لك أن تُدخِل موضوعاً ما بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾

( سورة الأحزاب )

  أمرك الله عز وجل بغضِّ البصر انتهى هذا الأمر، أمرك بإمساك اللسان، أمرك بالصدق، أمرك بالاستقامة، أمرك بالأمانة انتهى الأمر، فهنا يوجد أمر بعيادة المريض استمعوا إلى الحديث مرّة ثانية الذي رواه الشيخان أي البخاري ومسلم، وإذا قلنا الشيخان أي أعلى درجات الحديث في الصِحَّة، روى الشيخان عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما:

(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرارِ القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))

[ رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما]

  يحلف الزوج على زوجته بالطلاق، سبحان الله لا يحلو لهذه الزوجة إلا أن تذهب إلى مكانٍ قد حلف عليها زوجها بالطلاق أن لا تذهب إليه، يقول لي: حلفت عليها وراحت، أين عقلها ؟ طلقت، يقول لي: ذهبت، شيطان يوسوس لها، لا يحلو لها إلا أن تفعل شيئاً يوقع زوجها في الحرمة، إذا أقسم عليك إنسان يجب أن تبرَّ بقسمه، إنسان دعاك إجابة الداعي واجبة وإفشاء السلام كذلك.

الله يفرح بالمؤمنين لأنهم كتلة واحدة:

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( حقُّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميتُ العاطس ))

[ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه]

  هذا حقّ المسلم على المسلم، أحياناً هناك شيء يؤلمني والله إلى أقصى درجة، أخ يمرض يوماً واثنين وثلاثة وخمسة حتى الشهر ولا أحد يزوره، أقول لكم الحقيقة جزء من الحق عليه وجزء من الحق على أخوانه، الجزء الذي عليه هو دوامه الغير منتظم في المسجد، فإذا غاب ظن الناس أنه لا يأتي اليوم وقد يكون مريضاً، فالذي دوامه منتظم إذا غاب درساً واحداً افتُقِد على الفور، وترى الناس يقولون لعله مريض، أما إن كان دوامه مخلخلاً لم يعرف مريضٌ هو أم غائب، فإذا أنت لزمت مسجداً الأكمل أن تداوم، الأكمل أن تواظب، الأكمل أن تكون أحد أركان المسجد، الأكمل أن تكون عنصراً فعَّالاً في المسجد بالحضور الدائم، الآن يوجد جامعات في العالم إذا كان الدوام كاملاً فالطالب ناجح، غير معقول طالب مقبول قبول انتقائي وحضر المحاضرات كلها، وداوم دواماً جيداً معنى ذلك أن الطالب حصَّل العلم، ما دام القبول انتقائياً في مستوى الفرع وداوم دواماً كاملاًَ، الدوام وحده يكفيه، كما توجد جامعات تغيب ثلاث حصص عن المقرر تحرم من تقديم الامتحان في المقرر، أصبح هناك خلخلة في تحصيل العلم.
 الدروس كلها سلسلة، دروس التفسير، دروس الحديث، ودروس الفقه كلها سلاسل تتراكم، ومجيء الدرس فيه دعم للحق، حضور الدرس فيه دعم لمكانتك في المسجد فالذي له حضور قوي في المسجد إذا غاب ساعة واحدة عرف غيابه فيتفقدوه، أما إذا كان حضوره للدرس مرّة يأتي ويغيب عشرات المرّات ثم يقول: أنا مرضت ولم يزرني أحد، فو الله الحق عليك أنت بالأساس دوامك مخلخل، ونحن لا نعلم الغيب، ولم يخبرنا أحد.
 الإنسان عضو في جماعة، عندنا درس في الطاووسيّة في أيام السبت، والأحد، والاثنين بعد صلاة الظهر، فكان يحضر عندنا أخ رحمه الله وكان يعمل في القضاء نائباً لرئيس محكمة النقض، وله كرسي خاص، وله سمت حسن ومحب ووجهه يشع نوراً، وكان دائماً كلّما انتهى الدرس سلَّم علي وأثنى على الدرس، وهو مثقف ثقافة عالية وقد توفي البارحة رحمه الله، وقد تكلَّمت عنه في الدرس وطلبت من أخواننا تعزية أهله فهذا واجب، وقد قلت لهم إننا أسرة واحدة، وأنت عضو بهذه الأسرة، وما يؤلمك يؤلمنا وما يفرحك يفرحنا، يفرح كلّ أخوانك، فالله يفرح بالمؤمنين، ونحن كتلة واحدة فآلامك آلامٌ لنا جميعاً لا سمح الله، أفراحك أفراحنا، فإذا تزوَّجت نحضر، لأنّ تلبية الدعوة واجب.

الإسلام صعَّد الدافع الاجتماعي وسما به ليصبح في خدمة الجماعة تقرباً إلى الله تعالى:

 خطبة الجمعة القادمة إن شاء الله حول هذه المعاني، كيف أنَّ الإنسان كيانه اجتماعي، وكيف أنّ الله سبحانه وتعالى قد غرس فيه الطابع والدافع الاجتماعي، ولكن الإسلام صعَّد هذا الدافع وسما به، فقد يكون الدافع الاجتماعي عند عامَّة الناس مربوطاً بالمصالح، فما دام هناك مصالح فهناك دافع اجتماعي، فإذا تضاربت المصالح مع الدافع الاجتماعي آثر مصالحه الشخصيَّة، أما القرآن والإسلام قد هذَّب هذا الدافع عند المؤمن وسما به إلى درجة أصبحت خدمة الجماعة تقرُّباً إلى الله عزَّ وجلَّ، قال عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه:

(( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من شهد منكم جنازةً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من أطعم اليوم منكم مسكيناً. قال أبو بكرٍ: أنا. قال مروان أحد رواة الحديث: بلغني أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ما اجتمعت هذه الخِصال في رجلٍ إلا دخل الجنّة ))

[ رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

  صام، وعاد مريضاً، وشهد جنازةً، وأطعم مسكيناً في يومٍ واحد، فنحن كما قلنا أسرة واحدة، فإذا تزوَّج أخ يجب علينا تلبية دعوته، أو لا سمح الله مرض يجب أن نعوده، أو توُفّي أحد أقاربه يجب أن نعزّيه، هذا حقُّ المؤمن على المؤمن، هذه تمتِّن العلاقات، تجعل المؤمنين أسرة واحدة، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى.
 لا تنسوا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث متواتر تواتراً معنوياً:

(( يدُ الله مع الجماعة ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

  أنت في جماعة، فأنت في رحمة الله، في مظلَّة الله عزَّ وجلَّ.

آداب عيادة المريض:

1ـ المسارعة إلى عيادته:

  أخواننا الكرام الأدب الأول في عيادة المريض المسارعة إلى عيادته، لقوله عليه الصلاة والسلام:

(( وإذا مرض فعده ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

  تعلمون حديث الجار:

(( إذا استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيَّعته، وإن أصابه خيرٌ هنّأته، وإن أصابته مصيبةٌ عزّيته، وإذا اشتريت فاكهةً أهديته، وإذا لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))

[ رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]

  هذا حقّ الجار على الجار، فكيف يكون حقُّ المسلم على المسلم ؟ أقوى، لو كان لك جار غير مسلم فله عليك حق، فكيف إذا كان الجار مسلماً فله عليك حقان، وإذا كان الجار مسلماً وقريباً فله عليك ثلاثة حقوق.
لكن قد يبدو لكم في الأحاديث مفارقة بين أن تعود أخاك فور سماعك بمرضه أو فور إصابته بالمرض، وبين أن تعوده بعد ثلاثة أيام.

(( كان عليه الصلاة والسلام لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث ))

[ رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

  كيف نوفِّق بين هذا الحديث، وبين حديث:

(( وإذا مرض فعده ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

  أحياناً تكون قد أجريت له عمليَّة خطيرة وبالعناية المشددة وممنوع زيارته وفي غيبوبة، فانتظر ليستفيق ويصحو، ففي بعض الحالات تمنع زيارة المريض والدخول عليه، ثانياً هو في غيبوبة، وثالثاً في العناية المشددة، ورابعاً ممنوع من التكلّم مع أحد بأي كلمة، فإذا كان المرض بهذه الدرجة فالأكمل أن تؤخِّر الزيارة يومين أو ثلاثة حتى يعي من حوله وإذا شاهدك يرحِّب بك، أما إذا كان في حالة الغيبوبة فلن يستفيد من زيارتك.
 أما إذا كان مرضه مرضاً بسيطاً ويعي من حوله وصاحياً، فقم بزيارته على الفور، إذا مرض فعُده مباشرةً.

(( العيادة بعد ثلاثٍ سُنَّة ))

[رواه الطبراني عن ابن عباّسٍ رضي الله عنهما ]

  هناك حديث ثالث يجمع بين هذين الحديثين، يروى عن الأعمش قال:

(( كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيّام سألنا عنه، فإن كان مريضاً عُدناه. ))

[البيهقي عن الأعمش]

  في اليوم الأول لم يأتِ خيراً، واليوم الثاني والثالث لم يأتِ فمعنى ذلك هناك مشكلة، أو قد يكون مريضاً فالآن نزوره.

قصص من الحياة العامة عن التدابر والنفور بين الناس في العالَم الغربي:

 سمعت ببعض البلاد الغربية أنّ موزِّع الحليب يضع كلّ يوم قارورة من الحليب أمام عتبة باب البيت، فإذا وجد القارورة الأولى والثانية والثالثة ما زالوا موضوعين أمام الباب فيعني ذلك أنّ صاحب البيت ميّت في الداخل، من هذا التدابر الشديد في العالم الغربي لا يعرفون بموت الإنسان إلا من قوارير الحليب.
 حدَّثني أخ كان يعمل في إنكلترا قائلاً: كان لي صديق هناك طرقت بابه فلم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورة من الحليب، وفي اليوم الثاني طرقت الباب عليه ولم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورتين، وفي اليوم الثالث وجدت ثلاث قوارير فأخبرت الشرطة، فقاموا باقتحام البيت فوجدوه ميّتاً.
زارني مرّة شخص حاصل على الدكتوراه وطلب معادلة شهادته الثانويّة مني وقد كنت أفحص المتقدمين للغة العربيّة، فكان هناك قانون إذا لم يحصل المتقدِّم للعمل على الشهادة الثانويّة ولو معه أعلى شهادة فلا يُعيَّن في الدولة، وبعد ذلك تمّ تعديل هذا القانون بسبب أننا كدنا أن نخسر خبرات عديدة وكثيرة جداً، فأصبح يجرى للحاصل على الدكتوراه ولم يكن حاصلاً من قبل على الشهادة الثانويّة فحصاً ولو شكلياً ليعادل الشهادة الثانويّة حتى يُعيّن في بلده، فزارني هذا الطبيب وهو يعمل في بريطانيا بمقاطعة مانشستر، وقال لي: أنا عندي فيلا فخمة ودخلي كبير ومع ذلك آثرت أن أعود إلى بلدي ـ  وقد يكون ما سيحصل عليه من الدخل يعادل عشر ما يحصل عليه هناك ـ فسألته عن السبب ؟ فقال لي: هناك بناء قريب من سكنه يرتفع ستة طوابق، ولندن ذات جوٍ بارد وكان في الطابق السادس من هذا البناء يسكن شخص قد مات منذ أكثر من ستة أشهر ولا أحد يعلم بموته، وبسبب سكنه في الطابق الأخير والغرف محكمة الإغلاق، والبرد الشديد، ثم خرجت الروائح النتنة فاقتُحم البيت فوجدوه ميّتاً من ستة أشهر.
 هذه القصّة حملت هذا الطبيب على العودة إلى بلده ولو بدخلٍ قليل والسبب أنّ لهذا الإنسان ستة أولاد مقيمين في لندن، وما خطر في بال واحدٍ منهم أن يزور أباه في هذه المدةِ من الزمن مرّةً واحدة، تدابر، تقاطع، ووحشة، فالإنسان في بلاد الغرب إذا تجاوز الأربعين أو الخمسين عاماً فقد انتهى، وعاش في عزلة وأصبح على الهامش.
 عندنا في الحالة الأولى أنّه قد بلغك مرض أخيك، ومرضه عادي فيجب أن تسارع إلى عيادته، وإذا كان ـ لا سمح الله ـ المرض خطيراً كأن يكون في غيبوبة أو في العناية المشددة، وممنوع من الزيارة أو الكلام، فبعد ثلاثة أيام، وبالأحوال العاديّة إذا غاب الأخ ثلاثة أيام يجب أن نسأل عنه، وقد كنت دائماً وأبداً أقول ومن أعماقي أرجو أن يتولّى كلّ أخ أخاً آخر واحداً فقط، تعاهده، فإذا غاب سألت عنه، خذ رقم هاتفه واختر أخاً قريباً من بيتك، أو يعمل معك في العمل، أو قريباً من سنِّك، أو جئتما معاً إلى المسجد، اختر أخاً من أخوانك وتآخيا في الله اثنين اثنَين كما قال عليه الصلاة والسلام، هو يتولّى أمرك وأنت تتولى أمره، أكون مسروراً جداً إذا أبلغني أحد الأخوة بوفاة والد أحد الأخوة للقيام بتعزيته، فإن كانت عندي إمكانيّة ذهبت، وإلا فالأخ يذهب بدلاً عني للتعزية، وأحياناً يكون عندي وقت فأقوم بالتعزية.

2ـ تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض:

 الآن الأدب الثاني في العيادة تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض، فهناك حديث:

(( العيادة فُواقُ ناقة ))

[ رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

  أي مقدار حلب ناقة، أي عشر دقائق أقصى شيء، لكننا نفصِّل في هذا الموضوع، أحياناً يكون المريض في حالة النقاهة، ولا يوجد لديه شيء، فقد تناول طعامه وفي راحة تامّة والورود حوله، وهو نظيف، وفراشه نظيف، وهو في حالة ملل وضيق خلق بسبب مكوثه في البيت وقال لك: امكث عندي، وأنت ليس لديك عمل، فاقعد عنده وآنسه نصف ساعة أو ساعة حسب حاله وتكلّم عن الله وذكِّره به، لكنك إذا رأيت السيروم معلّقاً والإبرة في يده، أو يريد أن يأخذ حقنة، أو لم يتناول طعامه بعد، وتجلس عنده وتنسى أنه مريض فهذا غير معقول أبداً، فالعيادة فواق ناقة عندما تكون هناك ظروف صعبة وإذا كان مرتاحاً فاقعد معه.

3ـ الدعاء للمريض عند الدخول عليه:

  الأدب الثالث الدعاء للمريض عند الدخول عليه:

(( النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم كان يعودُ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: أذهب البأس ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شِفاء إلا شِفاؤك، شفاءً لا يُغادرُ سقماً ))

[رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها]

  حدّثوني عن أخ طبيب، شديد الصلاح، قائم الليل وحافظ للقرآن، يقسمون بالله لمجرّد أن يدخل عليه المريض يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتجد المريض اطمأن وطاب فالمريض له معنويّات فإذا كان الطبيب مؤمناً فالشفاء يحصل بسبب كلامه الطيّب كأن يقول: بسم الله، لا شافي إلا الله، فتجد المريض هدأ وشعر براحة.
 أما الأطباء الغير مؤمنين فقد يقيس الضغط للمريض ويقول: ضغطك يبلغ الثلاثة والعشرين أعوذ بالله هذا الضغط مميت، إلى الآن لم تمت ؟ فهناك طبيب يبني دخله على تخويف المريض وتحطيمه، أما المؤمن فيبني معالجته على إرضاء الله عزَّ وجلَّ فلا تهمّه المادّة ولكن يهمّه أن ترتفع معنويّات المريض، فالطبيب المؤمن التّقي الصادق الموصول بالله مجرّد حديثه مع المريض تجد أنّ أربعة أخماس مرضه شفي منه.
 أذكر ذات مرّة أني أحضرت طبيباً لقريبة من أقربائي وكان مرضها خطيراً، وكان الطبيب عنده حكمةٌ بالغةٌ فقال لي: كنت من المفروض أن لا تحضرني فمرضها بسيط جداً وقد تكلّفت بأجرة السيارة وليس عندي وقتاً كافياً، وتشاجر معي ونهرني أمام المريضة، فأصبحت لا تشعر بشيء وانتعشت وكانت مريضة بمرض خطير، فالحكيم لماذا أسموه حكيماً ؟ لأنه أحياناً بكلمة بسيطة ولطيفة يرفع معنويات المريض.

على المؤمن أن يدعو لأخيه المؤمن بخشوع وإقبال والتجاء إلى الله:

 كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل على مريض يضع يده اليُمنى على جبينه ويقول:

((اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً ))

[رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها]

 هكذا السنّة.

(( من عاد مريضاً لم يحضُره أجله، فقال عنده سبع مرّاتٍ: أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض ))

[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]

  الله يحب أن نتبادل الدعاء، يحب أن يظهر آياته وإكرامه للمؤمن أولاً، أنت ادعُ له بخشوع وإقبال وبالتجاء إلى الله، كأن تقول له كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:

((أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض))

[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]

  أحياناً أخواننا يطلبون منا قراءة الفاتحة ليشفيهم الله، وأحد أخواننا طلب إلينا ذلك ذات مرّة وبعث إليّ برسالة بعد قراءتنا للفاتحة أخبرني بنجاح العمليّة نجاحاً باهراً، فقد ألهمه الله أنّ النجاح لهذه العمليّة بسبب دعاء أخوانك وهذا ممكن، ومن السنّة أيضاً:

(( أنّه اشتكى إلى النبيّ الكريم وجعاً يجدُه في جسده فقال عليه الصلاة والسلام: ضع يدك على الذي يؤلمُك من جسدك وقل ثلاثاً: بسم الله. وقل سبعة مرّات أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر ))

[رواه الإمام مسلم عن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص]

 هذا إيمان بالله عزَّ وجلَّ، ضع يدك مكان الألم وتوجّه إلى الله بالشفاء منه، فالله تعالى هو الشافي، وبالطبع هذا لا يُغني عن سؤال الطبيب وأخذ الدواء، فهذا يعتبر اتجاهاً وهناك خطٌّ واتجاه آخر.

4ـ سؤال أهل المريض عن حاله:

  الأدب الآخر من آداب عيادة المريض أن تسأل أهل المريض عن حاله، كأن تقول: كيف حالة الوالد، إن شاء الله يكون مرتاحاً، ومَن الطبيب الذي قام بعلاجه ؟ وهل يلزمكم مساعدة ؟ وما الأدوية وهل هي متوفِّرة ؟ هذا من السنّة.

(( أنَّ عليَّاً بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توُفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن.. كيف أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً ))

[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]

  كذلك سؤال أهله من السنَّة، وأن تدعو له من السنَّة، وأن تضع يدك على جبينه من السنّة.
 من السنّة أيضاً أيّها الأخوة أن تقعد عند رأس المريض، فأحياناً يكون مضطجعاً على سريره وهناك كرسي عند أرجله وآخر بجواره، فالسنّة أن تجلس عند رأس المريض قريباً منه، ليس بآخر الغرفة.

(( كان النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك. فإن كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه ))

[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]

 يقولها سبع مرّات، وفي قول الشاعر:

إنّ الطبيب لـه علمٌ يُـدلُّ به              إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيّام رحلته              حـار الطبيب وخـانته العقاقير

***

 ما دام هناك تأخير فالشفاء حاصل.

5ـ استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل:

  استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل، هذا الأدب قلّما يخطئه أحد، كأن تقول له: إن شاء الله اللهُ يعافيك ربنا كريم، ونخرج معك للنزهة، فهناك كلمات تبُثُّ الأمل في الإنسان، فدائماً إذا عدْت مريضاً فينبغي أن تُنَفِّس له في الأجل ولو كان المرض خطيراً، فأعرف شخصاً كُتبت نعوته وطبعت، ورتّب كلَّ شيء، وقد علمت بأنّه قد تُوُفِّي، وخرجت إلى صلاة الفجر لأرى النعوة على باب المسجد فلم أجدها، فتعجّبت من ذلك، ففي البارحة اشترت النساء الثياب السوداء وسلِّمت غرفته بالمشفى، وطبعت النعوة، ولم أجدها على الحائط، فسألت عن ذلك ؟ فقالوا لي: والله قد تحسَّن تحسُّناً طفيفاً في الثالثة صباحاً، وقد بدأ النبض في التحسُّن وعاش المريض، والذي كتب النعوة مات قبله.

المرض لا ينهي عمراً قدّره الله فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله:

 أحد أخواننا الكرام يسكن في بيت عربي يوم أن ولد كانت زوجة عمِّه بالغرفة الثانية ـ وقديماً كان الأقارب يسكنون معاً ـ وكانت مريضة مرضاً خطيراً جداً، وجاء الطبيب وقال لهم: انتهى أمرها ولن تستطيعوا معها، وهذا الأخ قد كبر وعمل في التجارة وانتقل إلى بيت في حي العدوي وسكنه وأصبح يبلغ من العمر خمساً وأربعين سنة وجاءت لزيارته زوجة عمِّه التي كانت في عداد الأموات، فقد عاشت خمسة وأربعين سنة بعد أن قال عنها الطبيب أنّها قد انتهت وليس هناك خيطاً من الأمل، فالآجال عند الله عزَّ وجلَّ.
 أيها الأخوة الكرام المرض لا ينهي عمراً قدّره الله، فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله، تجد إنساناً صحيحاً وغير مريض مات من غير علّةً، وتجد آخر سقيماً عاش حيناً من الدهر، فلا أحد ينتظر أحداً، يمكن للمنتظِر أن يموتُ قبل المنتظَر، فبعض الناس يخططون من أجل الإرث ويحسب أنّه لو مات فلا يرثه فلان، فيموت قبله المخطط وتنعكس الآية وهناك قصص كثيرة جداً.

(( إذا دخلتم على مريضٍ فنفِّسوا له في أجله، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شيئاً ويُطيُّب نفسه ناقة ))

[رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه]

  وهناك قولٌ آخر يقول:

(( لا بأس طهورٌ إن شاء الله. )).

[رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]

  كما جاء في حديث ابن عبّاس.
 أحياناً يقول المريض لأحد: ضغطي مرتفع يبلغ الثمانية عشر، فيقول له المستمع: إنّ هذا شيء خطير، وقد مات ابن عم لي بهذا المرض، وكذلك فلان وفلان ماتوا بهذا المرض، فهذا الكلام غير لائقٍ، ولا أقول أنّه يقولها قصداً ولكن أحياناً يسترسل الإنسان ناسياً أنّه مريض ويذكِّره بأناسٍ ماتوا بالمرض نفسه، فهذا سوء أدب من الإنسان.
 بعكس ذلك هناك قصص أعدّها في منتهى الحكمة، فإذا كان الإنسان مريضاً وتعرف أنّه مريض به منذ ثلاثين سنة وإلى الآن ليس فيه من البلاء شيء، فاذكر مثل هذه القصّة تنفِّس في أجله كثيراً، وإذا عرفت عن مريضٍ كان مصاباً بالمرض نفسه وعافاه الله فاذكر له مثل هذه القصّة.

ذكر قصص للمرضى من الحياة العامة للرفع من معنويّاتهم:

  عندي عدد من القصص ولكن من الدرجة الحادة والصارخة، فأحد الأشخاص مصابٌ بمرضٍ خبيثٍ ومن الدرجة الخامسة، والطبيب الذي يعالجه من أحسن الأطباء، وأُخذت خزعة من الورم للتحليل في مخابر بريطانيا، وقد قمت بزيارته أكثر من مرّة، ومثل هذه العمليّة في أمريكا تكلِّف مليون ليرة وهذه القصّة من اثنتي عشرة سنة، وكان بيته ممتازاً ويبلغ ثمنه مليوناً ويقع في الميدان، وله ابن صغير، وسيباع البيت، ونسبة نجاح العمليّة ثلاثون بالمئة فقط، ثمّ تراجع المرض دون أي تدخُّل من أحد، وهذا الشخص صديق لي وأعرفه كما أعرف نفسي، وقد قام بعلاجه كبار الأطبّاء، وحُلِّلت له الخزعات في أكثر من مكان، والتشخيص سرطان خبيث في الرئة، ولكنّه تراجع ذاتياً، وإلى الآن هذا الصديق حيُّ يرزق.
 هناك عدد من القصص يمكن أن تذكر للمرضى لترفع من معنويّاتهم، وهناك أمراض مستعصية والله عزَّ وجلَّ يقيم آياته ويقيم حُجَّته، يقولون لك: شفاء ذاتي.
 ذكر لنا أحد الأخوة عن مرضه الخطير جداً ونسبة حدوثه في العالم واحد على ستّة عشر مليوناً، ذهب إلى فرنسا وقام بمعالجته أشهر وأحسن مختص في العالم في هذا المرض، فقال له: أنا أعلى مستوى بالعالم ومرضك لا أمل في شفائه، عليك بالذهاب إلى الهند فهناك مهراجا لعلّه يخفف من آلامك، هكذا ذكر الطبيب في فرنسا، وفي الشام عاده سبعة وثلاثون طبيباً ولا أمل في الشفاء، وفي فرنسا أبلغوه أنّ ذهابه وإيابه وإقامته على حساب الحكومة الفرنسيّة لا حباً فيه ولكن لندرة المرض وليتعلموا ويجروا عليه التجارب، فظلَّ هناك ستّة أشهر وفقد الأمل من الشفاء، فجاء إلى الشام وحضر درساً من الدروس الدينيّة، وكان شاباً في ريعان شبابه وحاصلاً على شهادات عُليا واستمع إلى الدرس فتأثَّر وقال في نفسه: يا رب إن شفيتني سوف أُصلّي لك، فقد كان لا يصلّي إطلاقاً، وحضر درساً ثانياً فألهمني الله تعالى بالقول: أنّ الله لا يشترط عليه ولا يُجرَّب، فصلّى مرةً وأخرى وفي الثالثة أذن الله عزَّ وجلَّ له بالشفاء، وكان مرضه عصبياً وكاد أن يصعق من المفاجأة.
 هناك آيات صارخات وقل ما شئت عن الأمراض أنّه مرضٌ خطير أو عُضال وليس له دواء وقد أجمع الأطباء على ذلك، وغير ذلك، فكل هذا الكلام كلام بشر وما عند خالق البشر ليس موجوداً عند البشر، فهذه القصص ترفع من المعنويّات عالياً، وتعطي أملاً في الشفاء، فانتقِِ من هذه القصص ومن أمثالها واذكرها للمريض حتى لا يظّنَّ أن مرضه كبير وخطير، ولكي يعرف أنّ الله شفى من كان مرضهم أخطر وأكبر.

لا شيء يعين على الشفاء و رفع المعنويات كالثقة بالشفاء وإيمان المؤمن بالله:

 ذكر لي مريض ذهب إلى بريطانيا لإجراء جراحة في القلب فقال لي: قبل إجراء العمليّة بساعتين أو ثلاث دخلت ممرّضة ولكن على مستوى رفيع جداً لتنسيق الأزهار فقط، وهي تقوم بتنسيق الأزهار تكلّمت معه دون أي اهتمام به قائلة: من هو طبيبك ؟ فقال لها: فلان، فدهشت وقالت له: فلان !!! فقال لها: نعم، فقالت له: وهل قبل أن يجري لك هذه الجراحة ؟! فقال لها: نعم فقد حضرت بناءً على موعد معه، فقالت: هذا غير معقول، فقال لها: ولماذا غير معقول ؟ فقالت له: ليس عند هذا الطبيب وقت كافٍ وهو أجرى أكثر من عشرة آلاف عمليّة كلّها ناجحة، وبعد انتهاء العمليّة ونجاحها وجد في الفاتورة مكتوباً: رفع معنويَّات.. ألفان من الجنيهات، ظهر أنّها ليست ممرِّضة بل طبيبة في علم النفس.
 نحن لا نريد هذه المعنويَّات فإيماننا بالله يرفع هذه المعنويَّات، فقد ثبت للأطبّاء أنّه إذا ارتفعت معنويّات المريض تغلّب على عضويّته وغلب المرض، وعندما ينهار يزداد مرضه، فلا شيء يعين على الشفاء كالثقة بالشفاء، والمؤمن واثقٌ من الله عزَّ وجلَّ، فالعلماء الذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون به درسوا هذا العلم ووجدوا وعرفوا أنّ هذا الإنسان إذا كان عنده معنويات عالية فالعمليّة تتم بكل بساطة، فالممرّضة تكلَّمت عن الطبيب وعن عملياته وبراعته وكيف قبل إجراء العمليّة له، وكلّ ذلك الحديث وهي تنسِّق الأزهار ودون انتباه منها له، ثم دفع ألفين من الجنيهات لرفع المعنويّات، فالمؤمن لا يحتاج إلى رفع المعنويات فإيمانه بالله هو الذي يرفع له معنويَّاته.
 أيها الأخوة الكرام يجب أن تذكر في حديثك للمريض قصّتين أو ثلاثاً من هذه النوعيّة بحيث يشعر أنّ مرضه بسيطٌ للغاية، والله هو الشافي وبيده كلَّ شيء، وليس هناك شيء صعب على الله تعالى فهو على كلَّ شيء قدير فقد قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

( سورة الشعراء )

  هذا الذي يذكر، لا أن تقول: فلان مات بهذا المرض، وفلان كذلك مات بهذا المرض، وأعوذ بالله هذا الضغط ضغط قاتلٌ، فهذا كلام بعض الناس.

6ـ طلب الدعاء من المريض لعله أقرب إلى الله منك:

 الأغرب من ذلك أنّك إذا زرت مريضاً فاطلب منه الدعاء، لعله أقرب إلى الله منك، فعندما يأخذ الله عزَّ وجلَّ صحّة عبد مؤمن يُعوِّضه عن ذلك تجليّاتٍ كثيرة، والدليل:

(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 قال ربنا عزَّ وجلَّ:

(( أوحى الله لموسى يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخر لله ساجداً، ثم قال: يا رب وكيف ذلك ؟ فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني.))

[رواه ابن شاهين عن جابر]

  عندما تؤخذ من المريض بعض صِحَّته، فالله جبّار للخواطر فيُعوِّضه القرب، والتجلّي، والنورانيَّة، والرِقَّة، فتجده سريع البكاء، ويمكن وهو صحيح البدن مثل الحصان لو حدّثته خمسين محاضرة تجد قلبه قاسياً، وإذا مرض رقّت نفسه بهذا المرض ودمعت عينه واضطرب قلبه وتأثر وبكى، فالمريض في الأعمِّ الأغلب أقرب إلى الله من الزائر، لذلك قل له: أطلب منك الدعاء.

((إذا دخلت على مريضٍ فمره فليدعُ لك، فإنَّ دعاءه كدعاء الملائكة ))

[رواه ابن ماجة وابن السنيِّ عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ]

  قل له: ادعُ لنا، كذلك فيها رفع للمعنويّات، الدعاء منك، أنت ينبغي أن تدعو لنا فأنت أقرب إلى الله منّا، وأنت رقيق الحال في هذه الساعة وفي حالٍ نفسيٍ من الشفافية.

7ـ تذكير المريض في حالة الاحتضار بلا إله إلا الله:

  إذا كان مريضاً ـ لا سمح الله ـ في حالة الاحتضار فيجب عليك تذكيره بلا إله إلا الله.

(( لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله محمد رسول الله ))

[ رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]

  إذا المريض يحتضر فينبغي أن تُلَقِّنه لا إله إلا الله، هذه آداب عيادة المريض.

آداب التعزية:

 أما آداب التعزية:

(( ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عزَّ وجلَّ من حُلَلِ الكرامة ))

[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده]

  نعود المريض ونعزي أهل الميت، ما من مؤمنٍ يُعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز وجل من حُلَلِ الكرامة.

(( من عزَّى مصاباً فله مثل أجره ))

[رواه الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه]

  هذا شيء دقيق من عزَّى مصاباً، المصاب المؤمن إذا عزَّيته فلك مثل أجره، ينبغي أن تكون التعزيةُ لجميع أهل البيت وأقاربه الكبار والصغار، والرجال والنساء، وقد استثنى العلماء المرأة الشابّة فهذه لا يُعزِّيها إلا محارمها.
 إذا دخل أحد إلى بيت للتعزية فليقل: أين أولاد المرحوم ؟ وليعزهم واحداً وَاحداً وأين أخواته ؟ هكذا السنّة، أما المرأة الشابّة فهذه لها حكمٍ خاص لا يُعزِّيها إلا محارمها.
 التعزية إلى ثلاثة أيّام، وتلك هي السنّة، إلا إذا كان المعزّي أو المُعَزَّى غائباً فلا بأس بالتعزية بعد ثلاث.
 أحياناً يموت قريب لأخ من الناس، وهذا الشخص كان مسافراً فيذهب إلى بيته ويقدِّم له التعازي ولو بعد ثلاثة أيّام فترة التعزية، وأحياناً أنت لا تعلم أنّه توفّي ومضت الأيام الثلاثة، والتعزية واجبة، فبعد هذه الأيام الثلاثة اذهب إليه وعزِّهِ.
 من مدة أبلغوني أنّ والدة أحد أخواننا وليس لدي علم توفِّيت، وكنت مسافراً، بعد يومين من انتهاء التعزية عزَّيته، فإن كان الخبر قد بلغك ضمن الأيام الثلاثة فالأكمل أن تُعزِّيه ضمن المكان المناسب وفي الوقت المناسب، أما إذا بلغك الخبر وقد كنت مسافراً فليس هناك مانع أن تُعزِّيه بعد الثلاثة أيّام.

1ـ أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن:

 أول سنّة في التعزية أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن.

(( أرسلت إحدى بنات النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه أنّ صبياً لها في الموت. فقال لمن أرسلته: ارجع إليها فأخبرها أنَّ لله ما أخذ ولهِ ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مُسمّى، مُرها فلتصبر ولتحتسب ))

[صحيح البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما]

  أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميِّتك، هذا التعبير النبوي المسنون.
 الآن يقولون: عظَّم الله أجرك.

2ـ استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت:

  استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت، وهذا عكس ما يفعله الناس الآن، وأتمنّى منكم ألا تستجيبوا لدعوة فيها طعام صنعها أهل الميِّت، فهذا لا يجوز وهو خلاف للسنَّة، فوق مصيبتهم وهمِّهم وبكائهم وعويلهم عليهم القيام بتأمين الطعام للناس وإطعامهم، لذلك من السنَّة أن تصنع لهم أنت طعاماً، وهذا عملٌ طيِّبٌ، فإذا كان أحد الناس ميسور الحال وله أقرباء توفيَ رجلهم في البيت وأحضرت لهم طعاماً للبيت هذه هي السنة، أما أن تذهب لتأكل فهذا خلاف السنة لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:

(( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمرٌ يشغلهم ))

[عن عبد الله بن جعفر رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح]

  اتفق الأئمّة على كراهة صنع أهل الميت الطعام لحديث جرير قال:

(( كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة ))

[رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه]

  أي إذا أهل البيت أحضروا طعاماً إلى المعزين فهذه من النياحة التي حرمها النبي عليه الصلاة والسلام.

3ـ على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي:

 على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي، طبّق السنة ولا تقل عيب يتكلمون علينا، كلام الناس تحت قدمك، طبّق السنة وانصر دين الله عزَّ وجلَّ.

4ـ إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم:

  كذلك من السنَّة أيضاً إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم، فقد كنت سائراً ذات مرَّة خلف جنازة، ويمشي خلفي اثنان، والله الذي لا إله إلا هو كانوا يتكلَّمون عن مشروع تجاري يتعلق بالعمار من مكان انطلاق الجنازة إلى القبر، ولم أسمع أو أفهم كلام المؤذِّن من صوتهم العالي وهم يقولون نربح فيه أو نخسر والأحسن أن نلزمه لأحد المتعهدين، أو نبيعه على المخطط، ووصل النعش إلى المقبرة وهم يتابعون الحديث، وألقى أحد أخواننا كلمة لتأبين الميِّت ولم يتوقفوا عن الكلام وشوَّشوا على الحضور، اقعد في بيتك فهذا أحسن واعمل الاجتماعات في بيتك، فإذا كنت في تعزية فكن أديباً، وأول شيء يجب عليك فعله أن تصمت.
 يقول سيِّدنا سعد رضي الله عنه: " ثلاثةُ أنا فيهنَّ رجل ـ من هذه الثلاثة ـ.. وما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها."
ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك: أنَّ هذه الجنازة لها كلام بالسرياني وليس باللغة العربية، أي معانٍ تسري إليك أن هذا الذي على النعش أين كان أمس ؟ على السرير، له زوجة وأولاد، ومهندم الثياب، وسيارته تنتظر أمام بيته، فأين هو الآن ؟!! كان يسكن في بيت أربعمئة وخمسين متراً، وفيه العديد من الصالونات وغرف الضيوف أو النوم وحمامان وحمام آخر خاص بغرفة النوم، فأين هو الآن ؟ هل هناك قبر خمس نجوم ؟ القبر فيه نجوم الظهر، وليس فيه خمس نجوم، فالجنازة تقول وتتكلَّم معك:
" ما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ؟"
 تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه، فالهناء لكم والتبعة علي.

5ـ التنبيه إلى المنكرات إن وجدت:

  إذا رأيت بالتعزية منكرات فعليك أن تُنبِّه إليها، هكذا السنَّة، أحياناً ترى لطماً للخدود، وشقّاً للجيوب، وشداً للشعر، وعويلاً، وصراخاً، ونواحاً، وأُناساً يقرؤون القرآن بالأجر كالمرتزقة، ومنكرات كدخول النساء على الرجال، فهذه كلَّها من المنكرات فعليك أن تُنبِّه إليها إن كانوا من أقربائك.

من تكلَّم بالحق رفع الله شأنه و أعزّه:

 لندقق في هذا الحديث فهو حديث خطير:

(( لا يحقِرنَّ أحدكم نفسه. قال: يا رسول الله: وكيف يُحَقِّر أحدُنا نفسه ؟ قال النبي الكريم: يرى أنَّ عليه مقالاً ثم لا يقول فيه ))

[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]

  أي استحى أو خاف، فإذا كان معك كلمة حق وفيها شفاء ودواء وفيها موعظة وتبيين لحقيقة وجلاء ظلمة، فلماذا تسكت ؟ يقول لك: والله قد استحيت، أو خفت، فهم أحرار، ولا أريد أن أنصح أحداً، فمن يفعل هذا فقد احتقر نفسه:
(( لا يحقر أحدكم نفسه ! قالوا: يا رسول الله ! كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول: خشية الناس، فيقول الله عز وجل: فإياي كنت أحق أن تخشى. ))
[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
 كان عليك أن تخشاني أنا أحق، أي معنى ذلك أن الإنسان إذا امتلك كلمة طيِّبة، أو حكماً شرعياً، أو تفسيراً لآية، أو بياناً للحق فلا يظل ساكتاً لأنَّ كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقرِّب أجلاً، فالله يعِزُّك.
 كان أحد الأشخاص يتكلَّم مع الخليفة الذي جاء بعد سيِّدنا عمر بن عبد العزيز وهو يزيد، فقال له: جدّك قطعني أرضاً وعمر بن عبد العزيز رحمه الله أخذها منّي، فقال له: عجباً لك الذي أقطعك الأرض لم تترحَّم عليه، والذي نزعها منك تترحَّم عليه ! لأنَّ سيِّدنا عمر كان معه الحق في ذلك فنزعها منه، وهو قد ترحَّم عليه، ومن أعطاها له لم يترحم عليه، فالإنسان إذا تكلَّم بالحق فالله يرفع شأنه ويُعِزُّه.

(( بايعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على السمع والطاعة والنصحِ لكُلِّ مسلم ))

[رواه الشيخان عن جريرٍ رضي الله عنه]

  في حديثٍ آخر أيضاً عن جرير سمعت النبيَّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:
((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلاّ أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ))
[رواه أبوا داود وابن ماجة عن جريرٍ رضي الله عنه]

 أي إذا كنت بمركز وتقدر على منع أحد عن المعصية ولم تمنعه فالله يغضب عليك، فإذا قلت هو حر في عمل ذلك فقد غششتَه ولم تنصح له.
 أيّها الأخوة الكرام إن شاء الله الكريم في درسٍ قادم نتابع هذه الآداب الإسلاميَّة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وأن تكون مترجمةً في سلوكنا.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS