6466
أحاديث رمضان 1426هـ - الفوائد - الدرس (18-36) : أنواع الابتلاء
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-10-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تفسير الإسلام للكون و الحياة و الإنسان

 أيها الإخوة الكرام، لقد قدم الإسلام للإنسان تفسيراً عميقاً جداً ودقيقاً ومتناسقاً للكون وللحياة والإنسان، وبحسب المنظور القرآني والنبوي

خلق الإنسانُ للجنة في الأصل

 خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، ولأن الله هو الخبير، خبير بطبيعة النفس البشرية،

النفس البشرية لا تسعد إلا عقب جهد مبذول

 النفس البشرية لا تسعد إلا عقب جهد مبذول من قِبل الإنسان، دقق في الحياة الدنيا، الذي ورث مالاً عريضاً وهو جاهل لم يبذل جهداً في تحصيله، ولم يبذل جهداً في تثقيف نفسه، تجده تافهاً على الرغم من غناه، أما الذي نال شهادة عليا بجهد كبير فهو يستمتع بالحياة أضعافاً مضاعفة مما يستمتع بها الجاهل.

الجنة التي خُلق الإنسان لها حياة دنيا يمتحن فيها

 إذاً حكمة الله تقتضي أن تكون لهذه الجنة التي خلق الإنسان لها حياة دنيا يمتحن فيها، هل من معهد على وجه الأرض في القارات الخمس بلا امتحان ؟ مستحيل.

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾

( سورة الأنفال الآية: 42 )

 لو أن المدرس أمر بعدم نجاح الطالب بعلمه، يدّعي الطالب ويقول: إنه أول طالب في الصف، أما عقب الامتحان فيسكت.
إذاً أول نقطة في هذا الدرس، لا بد من أن تمتحن، شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت.

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

( سورة المؤمنون )

 مستحيل أن إنساناً ينجو من الابتلاء، مهما كان عظيماً، حتى لو كان نبياً.
 عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قُلْتُ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ))

[رواه الترمذي، وابن ماجه وابن حبان والحاكم]

 أنت حينما توطن نفسك على أنه لا بد من أن تبتلى تتقبل الامتحان بنفس راضية، والابتلاء هو الامتحان، والامتحان عند الله بزمرتين من المقررات، بالسراء، هذه زمرة، وبالضراء هذه زمرة، بإقبال الدنيا أو بإدبارها، بالقوة أو بالضعف، بالغني أو بالفقر ، بالصحة أو المرض، بزوجة رائعة مؤمنة، أو وزوجة متعبة، لمجرد أن توطن نفسك على أنك مبتلى تتلقى هذا الابتلاء على أنه متوقع، وعلى أنه شيء طبيعي في الحياة، فلا ينجو إنسان كائناً من كان، مؤمناً أو غير مؤمن، من ابتلاء في ماله، في نفسه، في أهله، فيمن حوله في صحته.
لذلك أيها الإخوة، لا بد من الابتلاء، ولا خلاص لأحد إلا بالابتلاء، لا يمكن أن تنال الشهادة إلا بامتحان، بالضبط يجب أن تعد الابتلاء امتحانًا، لا يمكن أن تعطى دكتوراه إلا بامتحان، صعب،

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

أنواع الإبتلاء

الإبتلاء بالسراء

 الآن أيها الإخوة، النقطة الدقيقة أنه يمكن أن تبتلى بالسراء، بالغنى، أنت حينما يأتيك المال فيجب أن تعلم أنك محاسب عليه، لذلك الناس يوم القيامة يسألون: من أين اكتسبوا ؟ وكيف أنفقوا ؟ فهم أربع فرق: فريق جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام، فيقال: خذه إلى النار، جمعه من حلال من تجارة مشروعة، لكنه أنفقه على الموائد الخضراء، والليالي الحمراء، فيقال: خذوه إلى النار.
وفريق جمع المال من حرام، عنده ملهى، وأنفقه في حلال، تزوج، وأنجب أولادًا ، وربى أولاده، فيقال: خذوه إلى النار.
وفريق جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، هذا بديهي أنه إلى النار.
لكن الفريق الرابع جمع المال من حلال، وأنفقه في حلال، هذا يحاسب، قال: قفوه، فسألوه: هل تاه بماله على من حوله ؟ هل قال من حوله: يا رب، لقد أغنيته بين أظهرنا، فقصر في حقنا.
فأجمل ما في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام انتظر، انتظر، ثم قال: فما زال يسأل ويسأل، وهذا شيء ممل، فما زال يسأل ويسأل.

الإبتلاء بالضراء

 إذاً أن توطن نفسك على أنه لا بد من أن تبتلى، وزمر الابتلاء زمرتان: السراء والضراء، بما يرضيك، وبما لا يرضيك، بما يسرك، وبما لا يسرك، بما يسعدك، وبما لا يسعدك.

﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

( سورة الأنبياء الآية: 35 )

 والفتنة الامتحان.
 الآن أيها الإخوة، إلى بعض الآيات:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

( سورة الكهف )

 شيء جميل، لكنك لا تملك ثمنه، أتصبر عنه أم تكسب المال الحرام من أجله ؟ هذا ابتلاء،

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

 ، تسكن في بيت والقانون معك، والبيت ليس لك، وأصحابه في أمسّ الحاجة إليه، و لكن هذا البيت أرقى، أيعجبك هذا البيت فتغتصبه بقوة القانون أحياناً ؟ امتحنك الله عز وجل، أم تعطيه لأصحابه لأنهم أحق به ؟ وعندك بيت آخر، هم ليسوا مكلفين أن تسكن في بيت كبير بأجر يسير.

وقت الإمتحان

 صدقوا أيها الإخوة، أنك ممتحن في كل دقيقة،

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾

( سورة الأعراف الآية: 168 )

 يجعلك قوياً، هل تدعوك قوتك إلى ظلم الناس ؟ إنسان قدم لك نصيحة تسحقه، لأنك قوي، إنسان لم يبالغ في تعظيمك فتوقع به أذًى كبيرًا ؟ القوة امتحان، أعطاك مالاً، هل تنفقه في المعاصي والآثام، أم في البر والإحسان ؟

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

( سورة الأعراف الآية: 168 )

﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

مدة الإمتحان و نتيجته

 أحياناً البلاء قد تنجح فيه، وأحياناً لا تنجح، لكن الدقة وسأوضحها بمثل:
 لو أن رجلين عاشا بعمر محدود، كل واحد عاش ستين عامًا، واحد امتحانه الفقر، والثاني امتحانه الغنى، افتراضاً لو أن الغني سقط في امتحان الغنى، فاستعلى بماله، وأنفقه في الحرام، ولو أن الفقير فرضاً نجح في امتحان الفقر، فصبر، وتجمل، وانتهى العمر، الفقير الذي عانى من قلة الدخل، وعانى من شغف العيش، ومن خشونته سيتمتع من جنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، والذي رسب في امتحان الغنى تمتع بالمال وقتًا محدودًا انتهى بالموت، وسيدفع ثمن هذا الرسوب إلى أبد الآبدين،

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

 النص الآخر:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾

( سورة البقرة )

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

( سورة البقرة )

﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

( سورة النساء الآية: 79 )

﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

( سورة آل عمران )

وطّن نفسك على أن تُمتحن

هذه آيات في كتاب الله، في مجملها يتضح أن الابتلاء حتمي، لذلك حينما سئل الإمام الشافعي رحمه الله: " أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى ".
أنا بهذا الكلام لست متشائماً، لكنني واقعي، وطن نفسك على أنه لا بد من أن تمتحن، حتى ولو كنت مؤمناً.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

( سورة البقرة )

 أيها الإخوة، آية أخرى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

( سورة الشورى )

عند المصيبة لا تلومن إلا نفسك

 يمكن أنه كلما أصابتك مصيبة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن تلوم زيداً أو عبيداً، أو فلاناً أو علاناً، فلان غدرني، وفلان أساء لي، لكن لو كنت فقيهاً، لو كنت متعمقاً في الدين لا تلومن إلا نفسك.

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ـ الآن دققوا ـ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[مسلم عن أبي ذر]

 الخير الذي أصابك محض فضل من الله.

(( فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ))

 ، شيئًا ما أعجبه، زواجًا غير موفق، تجارة غير رابحة، جارًا سيئًا جداً.

(( وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

 إخوانا الكرام، هذه بطولة، كلما أصابك مكروه دعك من الناس، ما الذي فعلته حتى أستحق من الله هذا ؟ تجد الإنسان الجاهل صخّابًا، يلعن فلانًا، ويلعن علانًا، ويندب حظه، ويتبرم ويسخط، ويقول لك: الزمن صعب، وما فيه خير، واتّقِ شر من أحسنت إليه، هذا كلام إنسان لا يعرف  الله، أما حينما تعرف الله تقرأ قوله تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

( سورة النساء الآية: 147 )

 فيقشعر جلدك.
 اتهم نفسك، لا تحابِ نفسك، اتهم نفسك، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، غني عن إيقاع الأذى بنا، غني عن الألم، غني عن الفقر، هو غني، لذلك: عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمنِ بما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد .

إذا كنت في كل حال معي  فعن حملي زادي أنا في غنى
***

 الله موجود، ولا موجود سواه.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح الآية: 10 )

  لا تقل: الطغاة البعيدون أوقعوا الأذى بنا، نحن السبب، وتقصيرنا جلب عدوان الطغاة علينا، بتفلتنا من منهج سلط ربنا الأعداء علينا.

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، ولا يلومن إلا نفسه ))

[علل ابن أبي حاتم ]

  صدقوا أيها الإخوة، أن منتهى العقل أن تلوم نفسك وحدها، أنا مقصر، هناك واجب لم أؤدّه، هناك معصية ارتكبتها، هناك مال ليس مشروعاً اكتسبته، هناك علاقة آثمة فعلتها، فاستحق من الله هذا التأديب، أنت حينما تتعامل مع الله في هذا المنطق، وبهذا الفهم، وبهذا التنزيه للذات العلية، لا يلومن أحد إلا نفسه،

لوم نفسك لا يعني عدم المطالبة بحقك

  لا أنفي أن تطالب بحقك، لا، هذا موضوع ثانٍ.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

( سورة الشورى )

  تطالب بحقك، هل أسمح لإنسان أن يقود مركبة بشكل طائش، وأن يرتكب حادثًا وأن أقول: هذا ترتيب الله ؟ لا، أحاسبه، وأضعه في السجن تأديباً له، هذا موضوع آخر ، أنا أتحدث عن التوحيد، لئلا تحقد على أحد، هذا الذي أوقع بك أذىً سمح الله له أن يفعل ذلك، ولولا هذا الذي وقع  بك له حكمة بالغة قد تكشفها بعد حين لما وقع، لذلك عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]

  أنا أخشى أن يفهم من كلامي هذا أنه إذا دخل إلى بيت إنسانٍ سارقٌ يقول: هكذا ترتيب الله، ماذا نفعل ؟ سمح الله له، وتقف أنت مستسلمًا كما يفعل المسلمون اليوم، ينتظرون رد الفعل، هم لا يفعلون شيئاً، ينتظرون ماذا يفعل بهم، بين أن تفعل، وبين أن يفعل بك فرق كبير.
  أوضحُ مثلٍ حديث الإفك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

( سورة النور الآية: 11 )

  أن تُتّهم السيدة الأولى، السيدة عائشة بالزنى ؟‍ خير، هكذا قال الله، لأن الله عز وجل امتحن المؤمنين، الذي ينطوي على إيمان ضعيف، أو الذي يقترب من النفاق روّج الخبر وفرح به، وفضح نبيهم، وأما المؤمن فظن في نفسه خيراً، واللهُ فَرَز المؤمنين، أنت قد تقول: إن الذي روج الخبر لا ذنب له إنسان لأن الله شاء أن يفتضح هذا الأمر.

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

( سورة النور )

 ردققوا في هذه الكلمة: التوحيد لا يعفي من المسؤولية، حديثي فقط من أجل ألا تحقد، من أجل ألا تنقم على أحد، من أجل ألا تسحق، لكن الخطأ خطأ، ومحاسب عليه.
أضرب مثلًا آخر: لو جاء مريض في حالة إسعاف، والطبيب المناوب يدير حديثًا آثمًا مع ممرضة، قال لهم: دعوه قليلاً، فمات، لو أن الطبيب قال: سبحان الله ! مات بأجله، هذا إنسان كاذب، يحاسب كقاتل، لأنه قصر، كان من الممكن أن يسعفه.
 رتقول: هكذا ترتيب الله عز وجل، وترتيب سيدك، وماذا بيدنا، وما بيدنا شيء، هذا كله كلام زعبرة وتلبسة، أنت حينما تؤمن أن الذي وقع أراده الله هذا لا يعفيك من المسؤولية، تحاسب، لكن التوحيد من أجل ألا تحقد، من أجل ألا تندب حظك، من أجل ألا تتهم الله بالظلم، دقق:

﴿ فَاعْلَمْ﴾

  ما قال: فقل:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

( سورة محمد الآية: 19 )


 كل شيء بيده، وإن جاءني شيء لا يعجبني، جاءني قضاء مكروه، قال:

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾

( سورة محمد الآية: 19 )

 ما علاقة القسم الثاني بالقسم الأول ؟

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 ، كل شيء وقع أراده الله، يا رب، لماذا أوقعت بنا هذا المصاب ؟ قال له:

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

 ، لولا أنك فعلت شيئاً يستوجب هذا لما وقع، هذه الحقيقة المرة، لكن من السهل جداً أن تقول: استعمار، والموساد ، والغرب، وطغيان، القضية سهلة جداً، أنت مرتاح، لا تقدم ولا تؤخر، والأخطاء كلها أنت مصرٌّ عليها، وتتهم الطغاة في العالم، لا، الله عز وجل بيده كل شيء،

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي السعي

 الفكرة في هذا الدرس: أنه إذا أصابك بغي فينبغي أن تنتصر،

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

 ، ولكن ينبغي ألا تحقد، لا تحقد، هذا الذي أوقع الأذى بك سمح الله له لحكمة بالغةٍ بَالغةٍ بالغة، إذا كشفت لك ذبت لله محبة وشكراً.
 كم من إنسان سُلِّط على إنسان، فكان هذا التسليط سبب هدايته، وسبب توبته، أخشى ما أخشاه أن يفهم الدرس خطأ، أن نستسلم، أن نقعد، أن ننتظر ماذا يفعل بنا، الحياة فيها فعل، وفيها رد فعل، الإنسان الموفق يفعل، ويضع الآخرين في موقف حرج ، يتصرفون بحسب ما خطط، أما إذا قصر واستسلم، ومال إلى الراحة، ينتظر ما يفعل به ، الآخرون يخططون له، وهو ينتظر ماذا سيفعلون ؟ هذه مشكلة كبيرة جداً، البطل هو الذي يفعل، ويوقع الآخرين في حرج، الآخرون مكلفون برد فعل لفعله، أما إذا ترك المبادرة، واستسلم، ينتظر ما يفعل به، وهذه مشكلة كبيرة، في النهاية إما أن تخطط، وإما أن يخطط لك، إما أن تخطط، وإما أن تكون رقماً لا معنى له في خطة عدوك.
إذاً الإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي السعي، والإيمان بالقضاء والقدر لا يلغي المسؤولية، والإيمان بالقضاء والقدر لا يعني أن تستلم.
 أوضح شيءٍ لص دخل بيتًا، هل تقول: دخل بمشيئة الله، لا إله إلا الله، لكن أن تنهض، وتقبض عليه، وتسلمه للشرطة، ما كل قضاء نستسلم له، أما المرض ما بيدنا شيء، الأطباء قالوا: مرض عضال، أنا أستسلم، ماذا أفعل، أما عدو اقتحم بلادي أستسلم ؟ ممكن أن أصحح هذا الخطأ، لا أصحح ؟ هذا كلام مرفوض.

الناجحين في ابتلاء القوة والغنى قلة، وأن الناجحين في ابتلاء الضعف والفقر كثرة

 الملخص: لا بد من أن نبتلى، شئنا أم أبينا، وقد نبتلى بالغنى، وقد نبتلى بالقوة، لكن الملاحظة أن الناجحين في ابتلاء القوة والغنى قلة، وأن الناجحين في ابتلاء الضعف والفقر كثرة، فلما سئل النبي عليه الصلاة والسلام، وخُيِّر: أتحب أن تكون نبيا ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يرماً فأشكره.
 امتحان الفقر والضعف قد يكون أسلم من امتحان القوة، الغني يطغى أحياناً، والدليل:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾

( سورة العلق )

 حينما يغتني الإنسان ينسى الله عز وجل، وهذا شيء ـ واللهِ ـ ملاحظ، في البلاد الغنية جداً أهلها استغنوا عن الله عز وجل، استغنوا عن طاعته، والبلاد التي تعاني ما تعاني لعل هؤلاء في العناية المشددة، الضغوط التي عليهم لعلها تدفعهم لباب الله عز وجل ، الضغوط التي لا تحتمل  لعلها تدفعنا جميعاً إلى الصلح مع الله، لذلك:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

 أختم هذا الكلام بقول الإمام الشافعي مرةً أخرى: " يا إمام، أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى ".
وطن نفسك أن هناك امتحانًا، وقد يكون الامتحان صعبًا، والبطولة ليست ألا تبتلى، البطولة أن تنجح فيما تبتلى، لست بطلاً إن لم تبتلَ، لكنك بطل إذا ابتليت، ونجحت في الابتلاء،

امتحانات النبي

امتحان الفقر

 النبي عليه الصلاة والسلام امتحن بالفقر فصبر، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:

(( دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ ))

[مسلم]

امتحان الغنى

 ابتلي بالغنى فأنفق، نجح، امتحن بالقهر في الطائف، فصبر:

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى ))

[السيرة النبوية]

امتحان النصر

 امتحن بالنصر بمكة، دخل مطأطأ الرأس،

امتحان فقدان الولد

(( إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ عن أنس]

امتحن بتطليق البنتين

 طُلّقت بنتاه،

امتحن بحادثة الإفك

 وامتحن بسمعة لا تحتمل بزوجته السيدة عائشة، وامتحن بالهجرة، امتحن بالغنى، والفقر، والنصر، والقهر، وموت الولد، وتطليق البنت، امتحن امتحانات لا تعد ولا تحصى، لذلك قال عن نفسه:

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنهما ]

 هذا المقام العلي الذي وصله بعد امتحان طويل.

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾

( سورة البقرة الآية: 124 )

 متى جعله إماما ؟ بعد أن امتحن ونجح.

﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾

( سورة الأنفال الآية: 42 )

 تمتحن بالفقر، هل تمد يدك إلى الحرام ؟ تمتحن بالغنى، هل تنفق المال على ملذات لا ترضِي الله، تمتحن بالقوة هل تسحق من يعارضك ؟ يا رسول الله، مثّل بهم، مثّلوا بعمك حمزة، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي، ولو كنت نبياً.
وجد تمرة على السرير، قال: يا عائشة، لولا أنني أخاف أنها من تمر الصدقة لأكلتها، تمرة اشتهت نفسه أن يأكلها، تمرة واحدة، الآن يبلع كل شيء، لا يعرف أحرام هو أم حلال.
أيها الإخوة،

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

 ، أسأل الله عز وجل أن يعيننا على أن ننجح في الابتلاء.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS