8589
أحاديث رمضان 1425 هـ - ومضات ولقطات إيمانية - الدرس (12-64) : الاستقامة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004-10-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من لوازم إيمان المسلم :

 أيها الأخوة الكرام، من لوازم إيمان المسلم: أنه مستقيم على أمر الله، ولعل الاستقامة أخطر موضوعات الدين، بل هي الحالة الوحيدة التي إذا كنت فيها قطفت كل ثمار الدين، وإن لم تكن فيها لم تقطف من الدين شيئاً، بل أصبح الدين ثقافة وعادات وتقاليد ليس غير، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[سورة فصلت الآية: 30]

 أيها الأخوة، تصوروا أن بيتاً فيه كل الأجهزة الكهربائية من دون استثناء، لكن الكهرباء مقطوعة عن هذا البيت، كل هذه الأجهزة لا معنى لها، كتل معدنية فقط، عبء، أما إذا سَرَت الكهرباء في البيت, فكل هذه الأجهزة تعمل، الثلاجة حفظت لك الطعام، والمكيف أمدك بالهواء البارد، والمكواة أعانتك على هندامك الحسن، وكل آلة في هذا البيت تعمل بانتظام، وتؤدي وظيفتها ما دامت الكهرباء في البيت سالكة، والإنسان إذا لم يستقم حجب عن الله، فإذا حجب الزواج, ليس له معنى كما أراده الله عز وجل، ليس للأولاد المعنى الذي أراده الله فيما لو كنت مستقيماً، المال الوفير ليس له معنى الذي أراده الله فيما لو كنت مستقيماً.

كلمة دقيقة :

 فلذلك: الكلمة الدقيقة، وقد نوهت البارحة إليها: أن المسلمين ليسوا على شيء ولا واحدًا بالمليون، أقلّ كلمة تشير على أقل شيء في اللغة شيء، ذرة غبار لا ترى بالعين هي شيء، فإذا قال الله عز وجل:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾

[سورة المائدة الآية: 68]

 ويا أيها المسلمون، لستم على شيء حتى تقيموا القرآن، لذلك: هناك مليون نشاط إسلامي لا قيمة لها إطلاقاً إن لم نستقم على أمر الله:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[سورة فصلت الآية: 30]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة الأحقاف الآية: 13-14]

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

[سورة هود الآية: 112]

 إياك أن تقول: أنا لست مكلفاً باستقامة الأنبياء، ومن قال لك: إنك إن استقمت كنت نبياً؟ من قال لك ذلك!!؟ إن الله أمر المؤمنين كما أمر به المرسلين، حينما يحتاج المريض إلى حقنة إبرة, أقلّ إنسان في عالم الطب عليه أن يعقمها، وأعلى إنسان في عالم الطب جراح قلب عليه أن يعقمها، فيستوي أقل ممرض مع أكبر طبيب في تعقيم هذه الحقنة, فلذلك: في أمور الاستقامة لا تفاوت بين الأنبياء والمؤمنين، الاستقامة حدية، بينما الأعمال الصالحة والنوايا الطيبة: هذه مختلفة من إنسان إلى آخر:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾

[سورة فصلت الآية: 6]

متى يقطف العبد ثمار الدين ومتى يحرم منها؟ :

 أخوتنا الكرام، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِي اللَّه عَنْه-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ شِبْتَ، قَالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ, وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ))

 ماذا في هود؟ هذه الآية:

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[سورة الجن الآية: 16-17]

 إذاً بالتعبير التجاري: الاستقامة ضربة المعلم، أنت حينما تستقيم قطفت كل ثمار الدين، يوجد في الدخل شبهة، وفي العلاقات الاجتماعية شبهة، وتقصير، واختلاط، ومصافحة، وإطلاق بصر، أعمالك الصالحة محفوظة, وقد تنال أجرها في الدنيا، إلا أن هذا التخليط بين الاستقامة وعدم الاستقامة, هذا المخلط بينه وبين الله حجاب, هو محروم من أن يقطف ثمار الدين، لذلك ورد:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

مشكلة المسلمين في هذا العصر :

 أيها الأخوة، مشكلة المسلمين في الأعم الأغلب: أن خمسة وتسعين بالمئة لا يقتلون, ولا يسرقون، ولا يزنون، ولا يشربون الخمر، هذه كبائر، لكن ما الذي حجبهم عن الله؟ ما توهموها صغائر! لذلك:
 لا صغيرة مع الإصرار.
 -لذلك الصغيرة إذا توهمتها صغيرة، وأصررت عليها انقلبت إلى كبيرة-.
 ولا كبيرة مع الاستغفار.
 إنسان يركب مركبة في طريق عريض عرضه ستون مترًا، لكن عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، الكبيرة حرف إدارة المقود تسعين درجة فجأة، على الوادي مباشرة، لكن لأن الطريق عريض, يمكن أن يتلافى السقوط بحركة معاكسة كبيرة، لكنه استغفر الله، وتاب منها، أما لو أثبتت المقود سنتيمترًا واحدًا بعد مئتي متر تكون في الوادي، الصغيرة حرف المقود سنتيمترًا، عندما ثبته على الوادي.
 لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.

تعريف الاستقامة :

 سيدنا الصديق سئل: ما الاستقامة؟ قال: ألا تشرك بالله شيئاً.
 الاستقامة تعني التوحيد، الصديق -رضي الله عنه- فهم الاستقامة بسببها، أنت حينما توحد تستقيم، لماذا لا يستقيم الإنسان؟
 أحياناً إذا رأى شخصاً قوياً إذا أطاعه فاز، وإن أغضبه خسر، فيعصي الله، ويطيعه، من ضعف توحيده خرق الاستقامة، سيدنا الصديق فهم الاستقامة بسببها، سيدنا عمر فهم الاستقامة بآليتها، قال:
 الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب،
 -أي الحيل الشرعية والمخاتلة، وفيها فتوى، وهذه شيخ الأزهر أفتى بها!-.
 وسيدنا عثمان فهم الاستقامة بسرها، وهو الإخلاص، فقال: استقاموا: أخلصوا العمل لله.
 وسيدنا علي فهم الاستقامة في حدودها الدنيا، قال: استقاموا؛ أي أدوا الفرائض.
 وسيدنا الحسن قال: استقاموا على أمر الله: عملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته.
 ومجاهد قال: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله.
 وبعض العلماء قال: استقاموا على محبته وعبوديته، فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة.

قف عند هذا الحديث :

 قال أعرابي: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد غيرك، يريد كلمة واحدة, تجد في أصول التفسير خمسين مرجعًا، التفاسير بالآلاف، في علم الحديث ثمانية آلاف مرجع! في تاريخ التشريع والمحكم والمتشابه وأصول الفقه والسيرة ملايين الكتب، هذا الأعرابي أراد من النبي أن يضغط الإسلام كله في كلمة واحدة.
 عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ:

((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ))

 أيها الأخوة، لذلك يوجد لهذا الحديث تتمة، قال: أريد أخف من ذلك، هذه ثقيلة علي، -صعب أن أضبط بصري، ولساني، وسمعي، ولا أغنية، ولا أتمتع بمنظر امرأة على الشاشة مثلاً, كل هذا حرام!؟ هذه ثقيلة-, قال: إذاً فاستعد للبلاء.
 حينما لا يستقيم الإنسان يحجب عن الله، فكل ثمار الدين: السكينة, والشعور الأمن، والحكمة، والتوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، كل هذا العطاء الكبير يلغى, ما دام في روغان كروغان الثعلب.

ثمار الاستقامة :

 الآن ثمار الاستقامة:
 عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ))

 يا ترى لن يحصوا نتائج الاستقامة, يا ترى سكينة؟ نعم، شعور بالأمن؟ نعم، حكمة؟ نعم ، توفيق؟ نعم، سعادة زوجية؟ نعم، أولاد أبرار؟ نعم، صحة طيبة؟ نعم، مكانة في المجتمع؟ نعم.

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ))

ما معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (قاربوا وسددوا)؟ :

 لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- يعيش معنا, لأن الله أخبره بما سيكون قال:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ))

 يوجد في آخر الزمان صعوبات، أنت لن تستطيع أن تركب مركبة إلا إذا دفعت رسم التأمين، والتأمين حرام، لكن هذا الرسم يقترب من الضريبة، هنا لم تسدد، لكنك قاربت الهدف ، لذلك قال سيدنا عمر:
 ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين, وفرق بينهما، واختار أهونهما.
 هذه حالة في آخر الزمان فيها صعوبات بالغة جداً، وأنت بأعلى درجة من الورع والاستقامة، لكنك أحياناً أمام شرّين، تتقي الشر الأكبر بالشر الأصغر، هذا معنى: (قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا).
 امرأة فرضاً متفلتة إلى أقصى درجة, لن تستطيع أن تجعلها تتحجب الحجاب الإسلامي الكامل، فإذا سمحت لها بمعظم الحجاب ريثما تألف هذا الحجاب، وتتصل بالله، وتذوق حلاوة الإيمان, هذا معنى: (قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا).
 الإنسان لا ينتقل فجأة من التفلت إلى الاستقامة التامة، كما فعل الله عز وجل في تحريم الخمر، أنت كداعية لو أعطيت هذا الذي يطلب الهدى كل التفاصيل لرفض هذا الدين، لكنك تعطيه الأشياء السهلة الواضحة، والتي يستطيعها، فإذا تمكن إيمانه في قلبه, أخذ الأشياء الأخرى، هذا معنى: (قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا).
 أنت مؤمن، لو دعوت إلى الله, فأنت تحتاج أن تكون مع الناس مرِناً، كما حرم الله الخمر بالتدريج.

هل يستطيع العبد أن يدفع ثمن دخول الجنة؟ كيف يحوز عليها؟ :

 آخر نقطة في الدرس:

((قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ))

 هذه تعني عندما يمتن الله عز وجل علينا بالجنة، هذه الجنة لا يستطيع مخلوق على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أن يدفع ثمنها، لكن يقدم سببها، بيت ثمنه مئة مليون، كل عملك الصالح في الدنيا، وكل استقامتك وورعك يساوي مفتاح البيت، خمس عشرة ليرة، فإذا كان معك مفتاح البيت فلا تقل: هذا البيت ملك لي، لا، قل: هذا بفضل الله عز وجل، أنت دمت ثمن مفتاحه فقط.
 الجنة عطاء لا يستطيع مخلوق أن يؤدي ثمنه، لكن يستطيع المؤمن أن يقدم سببه، وفرق كبير بين السبب والثمن، واحد استقام, صلى وصام، قال: أنا لي الجنة، هذا حقي، لا، ليست من حقك، الجنة بفضل الله عز وجل فقط، لكن النار بالعدل، فهي محض عدل، والجنة محض فضل.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS