8338
أحاديث رمضان 1425 هـ - ومضات ولقطات إيمانية - الدرس (26-64) : حاجة الإنسان إلى العلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004-10-27
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، من لوازم المؤمن أنه على علم، ذلك أن مرتبة الإيمان مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، وما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لذلك منزلة العلم إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، مسدود عليه سبل الهدى والفلاح، مغلقة عنه أبوابها، وهذا إجماع العلماء.
ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق ونواب إبليس، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
الطرق كلها مسدودة على الخَلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نقصد بالعلم هنا العلم بالكتاب والسنة، هذا العلم الذي يحقق للإنسان السلامة والسعادة، من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
ويقول عالم آخر: مقيد بأصول الكتاب والسنة.
وقال بعضهم: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا يعد في ديوان الرجال، و كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء برسول الله فهو عيش النفس مع هوى نفسه، والدليل:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص: الآية 50]

 ومن عمل عملاً بلا اتباع سنة فباطل عمله.
 وقال بعضهم: الصحبة مع الله بحسن الأدب، ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم، ومع أولياء الله بالاحترام والخدمة، ومع الأهل بحسن الخلق، ومع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً، ومع الجهال بالدعاء لهم والرحمة، ومع الحافظين أي الملكين بإكرامهما واحترامهما، وإملائهما ما يحمدانك عليه، ومع النفس بالمخالفة، ومع الشيطان بالعدم.
ومن أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة، قال تعالى:

﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾

[ سورة النور: الآية 54]

 العلم قائم، والخوف سائق، والنفس حرون، بين ذلك جموح، خداعة، رواغة فاحذرها، وراعها بسياسة العلم، وسقها بتهذيب الخوف يتم لك ما تريد.
الآن يوجد كلام يقال، أعتقد الآن هذه الأقوال قلّت، من هذا الكلام غير الصحيح قولهم: نحن نأخذ علمنا من الحي الذي لا يموت مباشرة، وأنتم تأخذونه من حي يموت، هذا كلام باطل.
وقال آخر، وقد قيل له: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق ؟ فقال: وما يصنع بالسماع من عبد الرزاق من يسمع من الخلاق ؟ هذا ادعاء وكذب أنه يتلقى العلم من الله مباشرة، هذه للأنبياء فقط عن طريق الوحي، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما الحلم بالتحلم ))

[الطبراني]

 هذا جهل، وكلام شيطاني، ولولا عبد الرزاق ـ نقصد علماء الحديث ورواة الحديث ـ لما وصل إلينا هذا الكم الكبير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أحالك على غير أخبرنا وحدثنا فقد أحالك على خيال شاطح، أو على قياس فلسفي، أو على رأي نفسي، فليس بعد القرآن وأخبرنا إلا الشبهات، ومن فارق الدليل ضلّ عن سواء السبيل، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة.
وكل طريق لم يصحبها دليل من القرآن والسنة فهي من طرق الجحيم والشيطان الرجيم.
أيها الإخوة الكرام، لا علم ينجي الإنسان في الدنيا إلا إذا كان مقتبساً من كتاب الله وسنة رسول الله e، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله و سنة رسوله ))

[النسائي]

 الآن: يوجد موازنة بين العلم والحال، الإنسان أحياناً يشعر بحال طيب، والحال الطيب مرغوب فيه ومسعد، لكن هذا الحال العلم حاكم عليه، كل إنسان يحقق نجاحاً حتى في الدنيا يشعر بحال طيب، السارق حينما ينجح في سرقة بيت يشعر بحال، من الذي يُقيم هذا الحال ؟ العلم، هناك حال شيطاني، فالعلم حاكم على الحال، العلم خير من الحال، نفع الحال لا يتعدى صاحبه، ونفع العلم كالغيث يقع على الوهاد والآكام، فرق كبير بين الحال الذي لا يتعدى صاحبه والعلم الذي ينتفع به الناس جميعاً.
دائرة العلم تسع الدنيا والآخرة، ودائرة الحال تضيق عن غير صاحبها، وربما ضاقت عليه، العلم هادٍ، والحال الصحيح مهتد به، العلم تركة الأنبياء، وأهله عصبتهم، وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين، وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال.
به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السابقين، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب، هو إمام، والعمل مأموم، هو قائد، والعمل تابع، هو الصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشبهة، والغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه.
مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربى، وبذله صدقة، وبذله ومدارسته تعدل الصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب و الطعام.
قال بعض العلماء: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه، لأنه ما من حركة ولا سكنة إلا و لها حكم شرعي، إما أنه فرض، أو واجب، أو سنة مؤكدة، أو سنة غير مؤكدة، أو مستحسن، أو مباح، أو مكروه كراهة تنزيهية، أو مكروه كراهة تحريمية، أو حرام، ما من حركة ولا سكنة على وجه الأرض إلا ويغطيها حكم شرعي، فأنت بحاجة إلى العلم كما تحتاج إلى التنفس.
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة.
يقول ابن وهب: كنت بين يد مالك رضي الله عنه فوضعت ألواحي، وقمت لأصلي فقال: ـ طبعاً قام ليصلي النافلة ـ فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت عنه ؟
واستشهد الله عز وجل بأهل العلم الآية:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 18]

 وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل المبطلين، العلم حجة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم، ودليلهم إلى جنته، ومدنيهم من كرامته ))

[أحمد دون زيادة " العلم حجة...." ]

 وقد فضل النبي عليه الصلاة والسلام العلماء على العباد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

[ مسلم، الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 طريق العلم طريق الجنة، والله عز وجل يقول:

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) ﴾

[ سورة طه: الآية 114]

 الشيء الدقيق أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، هذا الدين دين علم، أي من ادعى أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبلغه بشيء يخالف سنته ترد الرؤيا، ويثبت الحديث، ديننا دين علم، ودليل، ومن لم يأت بالدليل ضل سواء السبيل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وكل البدع التي دخلت على الدين بلا دليل.
 لذلك أنت أمام كم كبير من المقولات والتصورات والأطروحات في الدين ما أنزل الله بها من سلطان، والدين الصافي المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله يتوافق مع الفطرة، وأية إضافة، أو أي تحوير، أو تبديل، أو حذف نهايته إلى الإخفاق، لما أضفنا على الدين ما ليس منه تفرقنا، ولما حذفنا من الدين ما هو منه ضعفنا، العالم الإسلامي الآن بأسه بينه، لأنه فرق وطوائف وشيع، وكل فرقة تكفر الأخرى، حينما أضفنا على الدين ما ليس منه تفرقنا، وحينما حذفنا من الدين ما هو منه أصبحنا في مؤخرة الأمم.
هذا الدين لا يقبل الإضافة، ولا الزيادة، ولا التعديل، ولا التغيير، ولا التطوير، ولا الحذف، لأنه دين الله.
إن أردت أن تجدد فيه فالتجديد في الدين أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS