23009
التفسير المطول - سورة النور 024 - الدرس (15-23): تفسير الآية 36 ، عن المساجد وآدابها
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-01-06
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة النور، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

(سورة النور: الآية 35)

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

تعليق الجارِّ والمجرور: فِي بُيُوتٍ:

 في بيوت: جار ومجرور بم يعلّق ؟ بعض العلماء يقول: هذا الجار والمجرور يعلق بالفعل يُسبح، يُسبح لله في هذه البيوت رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع.
 وفي بعض المعاني: أن في بيوت متعلقة بفعل يُسبح، أي رجال يسبحون الله في هذه البيوت، وبالمناسبة كلمة رجل لا تعني في القرآن الكريم أنه ذكر، الرجل تعني في القرآن الكريم أنه بطل، لذلك سيدنا سعد رضي الله عنه قال: << ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا سمعت حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى >>، فثلاثة أنا فيهن رجل، أي بطل.

ليس من يقطع الطرق بطل  وإنما من يتق الله البطل
***

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

المعنى الأول:

 فـ

﴿فِي بُيُوتٍ﴾

 معناها أن رجالا مسبحون الله في بيوت أذن الله أن ترفع.

المعنى الثاني:

 والمعنى الثاني: أن هذا المصباح:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾

 هذا المصباح يتألق في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه.

علاقة الآية بما قبلها:

 وقد يسأل سائل: ما علاقة هذه الآية:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾

(سورة النور)

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 بالآية التي قبلها ؟
 الجواب: أنّ الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض، ونوَّر السماوات والأرض، نوَّرها بالنبي العدنان، نوَّرها بالقرآن، نورها بالعقل، نوَّرها بالشرع، نوَّرها بعلم النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ينوب عن النبي في تلقين الناس العلم والقرآن الكريم، هذا كله أين تجده ؟

﴿فِي بُيُوتٍ﴾

 معلومات دقيقة في الطب، هذه المعلومات أين تجدها ؟ في كلية الطب، هذا النور الإلهي ؛ أن تعرف الحق من الباطل، وأن تعرف الخير من الشر، وأن تعرف الأحكام الشرعية، أن تعرف ما يجوز وما لا يجوز، هذه المعارف أين موطنها ؟ أين تجدها ؟

﴿فِي بُيُوتٍ﴾

 هذا النور الذي ذكره الله عز وجل، وذكر أنه يقذف في قلب المؤمن وذكر أنه:

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾

(سورة الأنعام: الآية 122)

 هذا النور تجده

:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 بعضهم قال: العلاقة بين هذه الآية:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 وبين آية:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 أنه كما أن المصباح يشرق بالنور في المشكاة كذلك قلب المؤمن يشرق بالنور في المسجد.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

فضل المساجد وروادها:

 على كلٍّ، البيوت المقصود بها المساجد.

﴿فِي بُيُوتٍ﴾

 أي في المساجد، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا))

[رواه مسلم]

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ - يعني يأتيها بشكل دوري، وبشكل مستمر - فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))

[الترمذي، أحمد]

 يعمرها بأن يشيد بناءها، ويعمرها بأن يحضر مجالس العلم فيها، ويقول بعض العلماء: من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه لماذا ؟ لأنه يستمع إلى كلامه، وإلى شرح كلامه، فما حقه أن يقول إلا خيرا، والحديث الذي تعرفونه جميعاً، عَنْ سَلْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَهُوَ زَائِرُ اللَّهِ، وحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ))

[مصنف ابن أبي شيبة، معجم الطبراني الكبير]

 حديث آخر ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً))

 أما الحديث الذي تهتز له الأعماق فهو ما يلي:

((إِذَا مَشَى الْمُؤْمِنُ إِلَى الْمَسْجِدِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي زَارَنِي، وَعَلَيَّ قِرَاهُ -القرى معناه الضيافة - وَلَنْ يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى لِوَلِيِّهِ بِقِرًى دُونَ الْجَنَّةِ))

[تفسير ابن كثير]

 قد تدخل بيت أخ عزيز، فيقدم لك ما لذ، وطاب من الطعام، هذا الطعام تأكله مرة واحدة، قد يدعوك مرة ثانية، قد يدعوك مرة ثالثة، ولكن عطاء الله عز وجل لا يمكن أن يكون محدودا، فعطاء الله عز وجل ليس له نهاية ينتهي عندها:

((إِذَا مَشَى الْمُؤْمِنُ إِلَى الْمَسْجِدِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي زَارَنِي، وَعَلَيَّ قِرَاهُ، وَلَنْ يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى لِوَلِيِّهِ بِقِرًى دُونَ الْجَنَّةِ))

عُمّار المساجد ضيوف الله:

 أنت كمؤمن، أنت كإنسان، لو أن أحداً طرق بابك، ودخل إلى بيتك يزورك ألا تحب أن تكرمه، ألا تشعر بحاجة ملحة أن تكرمه.

((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي زَارَنِي، وَعَلَيَّ قِرَاهُ، وَلَنْ يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى لِوَلِيِّهِ بِقِرًى دُونَ الْجَنَّةِ))

 عطاء الله عز وجل لا ينقطع، فالعطاء الذي لا ينقطع هو الجنة، أما الدنيا فهي عطاء ينقطع، إن الله يُعطي الدنيا لمن يحب، ولمن لا يحب، ولكن الجنة لا ينالها إلا من أحبه الله سبحانه وتعالى، ويقول عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُحِبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أَصْحَابِي، وَمَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي فَلْيُحِبَّ الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَلْيُحِبَّ الْمَسَاجِدَ))

[انظر لسان الميزان لابن حجر، وميزان الاعتدال عن أنس]

 من لوازم حب الله عز وجل أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام، لأن محبة النبي عليه الصلاة والسلام هي عين محبة الله عز وجل، ومحبة الله عز وجل من لوازمها محبة النبي عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُحِبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أَصْحَابِي))

 هل يعقل أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام، وتذكر هذا الصحابي أو ذاك بالسوء ؟ أيعقل ذلك ؟ إذاً أنت لا تحب النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه:

((مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُحِبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أَصْحَابِي))

 لأنه كان دستورهم، كان منهجهم، تخلقوا بأخلاقه، طبقوا أمره، وتركوا نهيه، انتهوا عما عنه نهى.

((وَمَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي فَلْيُحِبَّ الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَلْيُحِبَّ الْمَسَاجِدَ))

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾

 القرآن يُتلى في المساجد، القرآن يُعلم في المساجد، القرآن يُدرس في المساجد، القرآن يُفسر في المساجد، فالمكان الطبيعي لتلاوة القرآن، ولتعلمه، ولتدبره هو المسجد.

((وَمَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَلْيُحِبَّ الْمَسَاجِدَ، فَإِنَّهَا أَفْنِيَةُ اللَّهِ))

 هي بيوت الله، الأفنية جمع فناء، وهي الساحة، فإنها أفنية الله تعالى، وأبنيته، هذا بناء الله عز وجل، وهذا الفناء فناؤه، أذن الله في رفعها، وبارك فيها مباركة ميمونة، ميمون أهلها، محفوظة، محفوظ أهلها، هم في صلاتهم، في مجالسهم، في دروسهم، والله تعالى في حوائجهم، التحليل نتيجته جيدة جدا، أنت في المسجد، والله تعالى في حوائجك، هذه القضية حلت، وأنت في المسجد، هذه الحاجة قضيت، وأنت في المسجد، هذه المشكلة تلاشت، وأنت في المسجد، هذا المرض برئ منه ابنك، وأنت في المسجد، غادرت البيت، والحرارة أربعون، فعدت إلى البيت، وحرارة ابنك سبعة وثلاثون، هم في صلاتهم، والله عز وجل في حوائجهم لذلك:

((كُنْ لِي كَمَا أُرِيدُ أَكُنْ لَكَ كَمَا تُرِيدُ، كُن لِي كَمَا أُرِيدُ، وَلاَ تُعْلِمْنِي بِمَا يُصْلِحُكَ، أَنْتَ تُرِيدُ، وَأَنَا أُرِيدُ، فَإِذَا سَلَّمْتَ لِي فِيمَا تُرِيدُ كَفَيْتُكَ مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِي فِيمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مَا أُرِيدُ))

[نوادر الأصول في أحاديث الرسول، الحكيم الترمذي]

 أروع ما في هذا الحديث هم في صلاتهم، والله سبحانه وتعالى في حوائجهم، تعود إلى البيت، وقد تركت الزوجة متبرمة تعود وقد لين الله قلبها فإذا هي تستقبلك في بشاشة، تخرج من البيت، وابنك خارج عن أمرك تعود إلى البيت، وقد انصاع لأمرك، هم في صلاتهم، والله سبحانه وتعالى في حوائجهم، لذلك لا تتوانَ عن حضور مجالس العلم، ولا عن تأدية الصلوات في المساجد، فإنها بيوت الله، هم في مساجدهم تتمة الحديث، هم في مساجدهم، والله من ورائهم يدافع عنهم، حيكت في غيابك مؤامرة الله، فإن عز وجل خالق السماوات والأرض يدافع عنك، وأنت في المسجد، هم في مساجدهم، والله من ورائهم محيط، والله من ورائهم ينصرهم، والله من ورائهم يدافع عنهم.

((مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيُحِبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ أَصْحَابِي، وَمَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي فَلْيُحِبَّ الْقُرْآنَ، وَمَنْ أَحَبَّ الْقُرْآنَ فَلْيُحِبَّ الْمَسَاجِدَ، فَإِنَّهَا أَفْنِيَةُ اللَّهِ وَأَبْيِنَةٌ أَذِنَ اللَّهُ فِي رَفْعِهَا، وَبَارَكَ فِيهَا، مَيْمُونَةٌ، مَيْمُونٌ أَهْلُهَا، مَحْفُوظَةٌ، مَحْفُوظٌ أَهْلُهَا، هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَوَائِجِهِمْ، هُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَرَائِهِمْ يُدَافِعُ عَنْهُم))

 ويقول بعض العلماء: " المساجد مجالس الكرام"، إن كان كريما تجده في المسجد، وإن كان غير ذلك تجده في المكان الفلاني، وفي المطعم الفلاني، وفي الفندق الفلاني، وفي الملهى الفلاني، لكن كرام الناس تجدهم في المسجد، وإن المساجد بيوت المتقين، ومن وصايا بعض الأصحاب الكرام: << عليك بالمساجد فالزمها، فإنه قد بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء >>.

[هو من قول أبي صادق الأزدي ناصحا به شعيب بن حباب، انظر تفسير القرطبي]

 وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة:

((كُونُوا فِي الدُّنْيَا أَضْيَافًا، وَاتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتاً، وَعَوِّدُوا قُلُوبَكُمْ الرِّقَّةَ، وَأَكْثِرُوا التَّفَكُّرَ وَالْبُكَاءَ))

[مسند الشهاب للقضاعي، وحلية الأولياء لأبي نعيم، عن الحكم بن عمير، وانظر كشف الخفاء]

 فهذه البيوت التي وردت في هذه الآية الكريمة هي المساجد، وقد ورد في بعض الأحاديث القدسية يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ، يَا أَخَا الْمُرْسَلِينَ، أَنْذِرْ قَوْمَكَ أَلاَّ يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلاَّ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ، وَأَلْسُنٍ صَادِقَةٍ، وَأَيْدٍ نَقِيَّةٍ، وَفُرُوجٍ طَاهِرَةٍ، وَأَلاَّ يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي وَلِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِي عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ظُلاَمَةً، إِنِّي أَلْعَنُهُ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى يَرُدَّ تِلْكَ الظُّلاَمَةَ إِلَى أَهْلِهَا، فَأَكُونُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، مِنْ أَوْلِيَائِي، وَأَصْفيَائِي، وَيَكُونُ جَارِي مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ))

[تفسير القرطبي عن حذيفة]

 تظلم الناس، وتدخل المسجد، تأكل حقهم، وتدخل المسجد، تكذب عليهم، وتدخل المسجد، تحتال عليهم، وتدخل المسجد، تقصر في واجباتك، وتدخل المسجد:

((أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ يَا أَخَا الْمُنْذِرِينَ، يَا أَخَا الْمُرْسَلِينَ، أَنْذِرْ قَوْمَكَ أَلاَّ يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلاَّ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ، وَأَلْسُنٍ صَادِقَةٍ، وَأَيْدٍ نَقِيَّةٍ، وَفُرُوجٍ طَاهِرَةٍ، وَأَلاَّ يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي وَلِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِي عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ظُلاَمَةً، إِنِّي أَلْعَنُهُ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى يَرُدَّ تِلْكَ الظُّلاَمَةَ إِلَى أَهْلِهَا، فَأَكُونُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، مِنْ أَوْلِيَائِي، وَأَصْفيَائِي، وَيَكُونُ جَارِي مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ))

 لعلك رأيته يصلي في المسجد، قال: هل تعرفه ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أعرفه، قال: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل حككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: لعلك رأيته في المسجد يصلي، إنك لا تعرفه، لذلك هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل، وهذا الذي يعتدي على الناس، وهذا الذي يظلمهم، وهذا الذي يغتابهم، وهذا الذي يتتبع عوراتهم، وهذا الذي يأخذ ما ليس له، إذا دخل إلى المسجد فإن الله يلعنه، ومن بعض القصص التي تروى عن سيدنا موسى عليه وعلى سيدنا محمد أفضل الصلاة والسلام: أن السماء شحت فوقف موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يدعو الله أن يغيث قومه، فأوحى الله له أن يا موسى إن فيكم عاصيا، وبعد أيام أمطرهم الله عز وجل من دون أن يخرج منهم هذا العاصي، فقال موسى: يا رب، من هذا الذي يعصيك حتى نطرده ؟ قال: عجبت لك يا موسى، سترته عاصيا، وأفضحه تائبا، لقد تاب بيني وبينه، سترته عاصيا وأفضحه تائبا.

((... إِنِّي أَلْعَنُهُ مَا دَامَ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى يَرُدَّ تِلْكَ الظُّلاَمَةَ إِلَى أَهْلِهَا، فَأَكُونُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، مِنْ أَوْلِيَائِي، وَأَصْفيَائِي، وَيَكُونُ جَارِي مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ))

من أحكام دخول المساجد

الحكم الأول: الدخول بالرجل اليمنى والخروج منه باليسرى:

 والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا أنَّا إذا دخلنا ندخله برجلنا اليمنى، وإذا خرجنا منه أن نخرج منه بالرجل اليسرى.

الحكم الثاني: الدعاء بما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام:

 وعلينا أن ندعو الله بهذا الدعاء.
 وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ وَأَبَا أُسَيْدٍ يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))

[مسلم، النسائي، عن أبي حميد وأبي أسيد، وابن ماجه عن أبي هريرة]

 لعل الله عز وجل يتجلى على قلوبنا في المسجد:

((اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ))

 فإذا خرجنا من المسجد ينبغي أن ندعو ونقول:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))

 في الدخول افتح لنا أبواب رحمتك، في التجلي، والنور، وإذا خرجنا للعمل في ميدان الحياة يا ربنا افتح لنا أبواب فضلك.

الحكم الثالث: صلاة ركعتي تحية المسجد قبل الجلوس:

 وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ))

[البخاري، مسلم]

 وهما تحية المسجد.

معنى: أَذِنَ اللَّهُ

 الله سبحانه وتعالى هو الذي يأذن، وهو الذي يعرف الصادق من الكاذب، وهو الذي يعرف من يبتغي رضوانه، ومن يبتغي الشهرة، وهو الذي يعرف من يبتغي الدنيا، ومن يبتغي الآخرة.
 لذلك أذن الله، فإذا كان الله قد أذن يُلهم هذا الذي بيده الإذن فيأذن، وإذا لم يأذن الله عز وجل يُلهم هذا الذي بيده الإذن فلا يأذن.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾

 والإذن كما قال بعض العلماء " العلم والإعلام، آذنته أي أعلمته "، والإذن التمكين من دون حظر، أذنت له أن يفعل، أي سمحت له من دون حظر، أو إذن مع أمر الله سبحانه وتعالى، أمرنا أن نرفع المساجد، أما رفعها فقال العلماء: رفعها بالبناء، ورفعها بالمكانة، رفعها بالمكان، ورفعها بالمكانة، فيجب أن تبنى، ويجب أن ترفع مكانتها، أي يجب أن تبنى، ويجب أن تعظم، معنى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾

 إن الجهة الوحيدة التي تأذن هي الله سبحانه وتعالى، فإذا أذن الله فقد أذن لك، وإذا لم يأذن الله لم يؤذن لك، فصاحب الإذن هو الله عز وجل، والله خبير، بصير، سميع، عليم، عليم بذات الصدور، يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هو صاحب الإذن.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾

 الفاعل الله سبحانه وتعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾

معنى رفع المساجد:

 ورفع البيوت بالبنيان، ورفعها بالمكانة، فقد ورد في صحيحي البخاري ومسلم أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))

[أخرجه البخاري ومسلم ]

 إذاً:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 أي أن تبنى.
 يقول الحسن البصري: معنى تُرفع، أي يعظم شأنها، وأن يرتفع ذكرها وقدرها، وأن تطهر من الأنجاس، والأقذار، وأن تطهر من كل ما فيه معصية، أو إثم، أو امتهان، وأن تصان عن الروائح الكريهة، فلا ينبغي أن يقام إلى جانب المسجد حِرف لها رائحة كريهة، ولا ينبغي أن يقام بجانب المسجد حرف تحتاج إلى تنظيف مستمر، وليس لها منظر مقبول، هذا من باب

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾

 وكذلك يجب أن تصان المساجد عن الأقوال السيئة، وعن كلام السفهاء، فهذا من تعظيمها، وهذا من رفعها، ولم يقل الله عز وجل: في بيوت أذن الله أن تبنى، وإنما قال:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾

 وفرق بين أن تبنى، وبين أن ترفع لهذا، روى البخاري ومسلم عَنِ عَطَاءٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ))

[رواه البخاري، مسلم]

 هذا من باب تعظيم المسجد ورفعه وصونا له من أن يتأذى المسلمون في المسجد من رائحة هذا الطعام، طبعاً العلماء قاسوا عليها أن على المسلم أن يرتدي جوارب نظيفة قبل أن يأتي إلى المسجد لئلا يؤذي المسلمين برائحة جواربه، وهذا محمول على البصل والثوم، وسيدنا عمر رضي الله عنه رأى أَمة مصابة بجذام تطوف بالبيت فقال: يا أمة الله اقعدي في بيتك، لا تؤذي المسلمين، فلما توفي عمر ودعيت إلى أن تأتي إلى المسجد قالت: والله لا أطيعه حياً، وأعصيه ميتاً، والله لا أفعل، وأمره نافذ حتى بعد وفاته، إذاً كل شيء يؤذي رواد المسجد إن كان رائحة، إن كان فعلا، إن كان تصرفا، إن كان كلاما، هذا كله من تعظيم المسجد، ومن الأمر برفعه، أي أن يكون علياً رفيعاً عن هذه الدنايا، هذا يدخل في باب تعظيم المسجد:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

(سورة الحج:الآية 32)

 هناك أعمال لها رائحة نتنة، وهناك أقوال لها رائحة نتنة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَيَتَبَاعَدُ عَنْهُ الْمَلَكُ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِ))

[الطبراني في المعجم الصغير عن ابن عمر]

 هناك أعمال لئيمة، وأعمال خسيسة، وأعمال قذرة، وتصرفات شائنة، وكل هذا السلوك له رائحة نتنة، ولكنها نتنة للذي يملك حسا، عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا وَجَدْتَ إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ))

[مسلم، ابن ماجه ]

 أحيانا قضية صغيرة جداً ؛ قلم ناشف ثمنه ليرة، أيحتاج أن نقطع الدرس لنقول: لمن هذا القلم، لا ينبغي أن يقطع الحديث عن الله عز وجل، وعن آياته بأشياء لا قيمة لها أمام ما يتلى من آيات الله، وما يقال من شروح لهذه الآيات.
 وفيما رواه الإمام مسلم عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْ مَهْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ))

[ البخاري، ومسلم، واللفظ له]

 وفيما رواه الإمام مسلم عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلا ضَرَبَنِي، وَلا شَتَمَنِي، قَالَ:

((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))

[مسلم]

 لذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن البيع في المسجد، ونهى عن الابتياع والابتياع هو الشراء، فنهى عن البيع، وعن الشراء في المسجد، ونهى أيضا عن تناشد الأشعار، وسوف نأتي بعد قليل على حكم قراءة الشعر في المسجد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ))

[الترمذي(1321)، الدارمي(1401)]

من آداب المساجد:

1 – عدم رفع الأصوات:

 ويحمل على آداب المسجد عدم رفع الصوت فيه، فهذا الذي يتحدث بصوت مرتفع إنه لا يعظم شعائر الله عز وجل.

2 – إلقاء السلام:

 وقد جمع بعضهم آداب المساجد في خمسة عشر أدباً ؛ منها إذا دخلت إلى المسجد، وليس فيه صلاة تؤدى، وليس فيه مجلس علم فيجب أن تلقي السلام.

3 – صلاة ركعتين تحية المسجد:

 ومن آداب دخول المسجد أن تصلي فيه ركعتين قبل أن تقعد.

4 – حرمة البيع والشراء فيه:

 ومن آداب المسجد ألا تشتري فيه، وألا تبيع فيه.

5 – عدم سلِّ السلاح:

 ومن آداب المسجد ألا تسل فيه سهما، ولا سيفا، أو مطلق السلاح.

6 – عدم نشد الضالّة:

 ومن آداب المسجد ألا تطلب فيه ضالة - شيئا قد ضاع لك - وألا ترفع فيه صوتا إلا بالتكبير، وذكر الله عز وجل.

7 – عدم التكلم بأحاديث الناس:

 ومن آداب المسجد ألا تتكلم بأحاديث الناس، ما يسمعه الناس، وما يقولونه، وما يتداولونه في بيوتهم، وفي الطرقات، وفي الحوانيت، هذا الكلام اليومي العادي لا ينبغي أن يقال في بيت من بيوت الله.

8 – الجلوس حيث ينتهي المجلس وعدم تخطي رقاب الناس:

 ومن آداب المسجد أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس فلا تتخطى رقاب الناس.
 يروى أن الإمام مالك دعاه هارون الرشيد أن يأتي بيته، وكان الدعاء متلطفا، فما كان من هذا الإمام ؛ إمام دار الهجرة إلا أن بعث لهارون الرشيد برسالة شفوية قال له فيها: " يا هارون ؛ العلم يؤتى ولا يأتي " فلما بلغه هذا الجواب، قال: صدق نحن سنأتيه، فقيل له على لسان الإمام مالك: " إذا أتيت المسجد فلا أسمح لك بتخطي رقاب الناس"، فقال: صدق، فلما دخل المسجد وضعوا له كرسيا يجلس عليه، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه، فقال:  خذوا عني هذا، وجلس على الأرض، هذا بيت الله، والله الذي يدعوك، والله الذي يكرمك، ولا فضل لأحد على أحد في هذا المسجد، هكذا الأدب النبوي.
 إذاً من آداب دخول المسجد ألا تتخطى رقاب الناس، وألا يتنازع فيه المكان، وكان سيدنا علي يجلس إلى جانب النبي عليه الصلاة والسلام فدخل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، فقام له علي كرّمَ الله وجهه من مجلسه، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن قال:

((لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل))

 أحيانا يكون الشاب في مقتبل عمره يجلس في مكان مريح، ويدخل أخ متقدم في السن، له مكانته في خدمة هذا المسجد، فإذا تزحزح له هذا الشاب، ووضعه مكانه فهذا عمل مما يرضي الله عز وجل، لأن إكرام الكبير من السنة النبوية المطهرة، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا))

[الترمذي، أحمد ]

 رحمة الصغير، وإكرام الكبير من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الشاب في مقتبل عمره، صغيرًا في السن، فتي الجسد، له جلد، على أن يجلس في مكان معين، وأعطى مكانه المريح لأخ كريم يكبره سنا، فهذا العمل والله عظيم، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ))

[الترمذي]

9 – عدم التضييق في الصفوف أو تأخير أحد عن صفه:

 ولا يضيق على أحد في الصفوف، ولا أحد يتزحزح من الصف الأول إلى الصف الثاني، لذلك يتزاحمون في الصف الأول، لدرجة أنهم يتضايقون، ولا يستطيعون أن يركعوا، ويسجدوا، فهذا لا يجوز، إذا كان الصف مزدحماً لا بأس أن يتخلف أحدكم إلى الصف الذي بعده.

10– عدم المرور بين يدي المصلي:

 وألا يمر بين يدي المصلي.

11– عدم البصق أمامه:

 وألا يبصق، هذه غير واردة، والحمد لله، وألا يتنخم، ولا يتمخط فيه، وألا يفرقع أصابعه، فليس من الأدب فرقعة الأصابع في المسجد.

12 – عدم العبث بشيء:

 ولا أن يعبث بشيء من جسده، يعبث بلحيته، إن كان له لحية، أو يعبث بذقنه، والذقن غير اللحية، أو يعبث بنظارته، وحمل عليه العلماء من يحمل سبحة في المسجد، ويعبث بها هذا مما يخل بآداب المسجد.

13– التنزه عن النجاسات:

 وأن يتنزه عن النجاسات، وأن يأتي بثوب نظيف، وبجوربين نظيفين، وأن يأتي متعطرا.

14– إبعاد الصبية غير المميزين عن المسجد:

 وأن نبعد عن المسجد الصبية الصغار دون الخامسة، الذين لا يفقهون ما يقال، هؤلاء عبء على المسجد.
 لكن الصغار الذين يفهمون فأهلا بهم، ومرحبا، وهم كالكبار عند الله عز وجل، لكن طفلا عمره ثلاث سنوات أرادت أمه أن ترتاح منه، فأمرت زوجها أن يذهب به إلى المسجد، فهذا الطفل الصغير يتضايق ساعة من الزمن، ولا يفهم فيها شيئا، وأن يبعد عنه الصبية الصغار، لكن الصبية الكبار الذين يفقهون ما يقال هؤلاء ريح الجنة، هؤلاء الشباب أمل الأمة، هؤلاء رجال المستقبل، هؤلاء الذين تنعقد عليهم الآمال، لذلك أهلاً بهم ومرحباً في بيوت الله، وعلى كل أخ من رواد هذا المسجد أن يكرم الصغار، أن يكرمهم بأن يسمح لهم بأن يصلوا إلى جنبه، فهناك عادات لا ترضي الله عز وجل ؛ أن المصلين، أو بعضهم يؤخرون الطفل إلى صف خلفي، فلا يجوز هذا، فلو وقف في الصف الأول يجب أن يبقى فيه، قد تراه صغيراً، لكنه عند الله عظيم، وما أدراك قد يكون لهذا الصغير أمل كبير.
 سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد من الحجازيين، يتقدمهم غلام لا يزيد سنه عن أحد عشر عاما، يبدو أنه انزعج، فقال: اجلس أيها الغلام، وليقم من هو أكبر منك سنا، ليتكلم، فقال هذا الغلام: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه ؛ قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لسانا لافظا، وقلبا حافظا فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول أيها الأمير لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس.
 دخل غلام على عبد الملك بن مروان أيضا، فانزعج منه، فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علينا إلا دخل، حتى الصبية، فقال: أيها الأمير، إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني أتت علينا سنة أذابت الشحم، وجاءتنا سنة أكلت اللحم، وجاءتنا سنة دقت العظم، وبيدكم فضول مال، فإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا، وإن كانت لله فعلام تحبسونها عن عباده ؟ وإن كانت لنا فأعطونا إياها، فقال هذا الخليفة: والله ما ترك هذا الغلام لواحدة فيما يقول عذرا.
 وقصة عبد الله بن الزبير مع سيدنا عمر عندما كان مع غلمان يلعبون، فمر بهم، فتفرقوا لهيبته إلا عبد الله بن الزبير بقي في مكانه، فقال عمر رضي الله عنه: يا غلام، لمَ لمْ تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير، لستَ ظالما فأخشى ظلمك، ولستُ مذنبا فأخشى عقابك، والطريق يسعني، ويسعك.
 فالصغار ريح الجنة، هناك إخوة كرام يكرمون الصغار، والله سبحانه وتعالى يرضى عن ذلك، فأكرموهم في المساجد، أكرموهم بقدر ما تستطيعون، فإذا جاؤوا إلى المسجد، ورأوا من يكرمهم أحبوا هذه البيوت.

15– عدم إقامة الحدود في المسجد:

 ويُحرم أن تقام الحدود في المساجد، أن يجلد الزاني في المسجد، فلا يجوز، هذا بيت الله، هذا مكان الدعوة إلى الله، هذا مكان النور، لا أن تقام فيه الحدود، فلا يجوز أن تقام الحدود في المسجد.

16– استحباب كثرة ذكر الله:

 ويستحب أن يكثر الإنسان من ذكر الله في المسجد، وألا يغفل عنه، فإذا فعل هذه الأشياء فقد أدى حق المسجد، وكان المسجد حرزا له، وحصنا من الشيطان.

17– عدم اتخاذ المساجد طرقا:

 ومن علامات قيام الساعة أن تتخذ المساجد طُرقاً، مثلاً من باب البريد إلى النوفرة عبر الأموي أسرع، أن تتخذ المساجد طرقا فهذا امتهان للمسجد، أهو طريق ؟ ادخل إلى المسجد، وصلِّ فيه ركعتين، وتابع سيرك، فذلك مقبول، أما أن تجعله طريقا فهذا لا يجوز، وفيما روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ))

[البخاري، مسلم]

 لو أن إنساناً يحمل قضيب حديد مثلا فيجب أن يجعله نحو الأسفل لئلا يؤذي به أحداً، أي يجب أن تأخذ احتياطاً بالغاً لئلا تؤذي إنساناً في المسجد، ومن شروط المساجد ألا يُسكْن تحتها، فأن نعمل بيتاً تحت المسجد نؤجره فقد يسكن هذا البيت أناس لا يعرفون الله، يرفعون الصوت بالغناء في أثناء مجالس العلم، وهذا يقع غالبا، لذلك لا يجوز ذلك، يجب أن تكون أرضه حرة، لا تحتها شيء، ولا فوقها، أي هذا المسجد لا يجوز أن يسكن إنسان تحته ولا، فوقه، وألا تجاوره حِرف تؤذي المصلين، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خِصَالٌ لا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، وَلا يُشْهَرُ فِيهِ سِلاحٌ، وَلا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلا يُنْشَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلا يُتَّخَذُ سُوقًا))

[ابن ماجه]

18– تجنيب المجانين:

 وعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ))

[ابن ماجه]

 معنى جمروها في الجمع يعني عطروها بروائح عطرية يحبها المصلون، واجعلوا المرافق العامة بعيدة عن الحرم، لئلا تؤذي المسلمين ببعض الروائح، وقد ورد في الأثر أن الملائكة تعجب من الرجل يمر في المسجد، ولا يصلي فيه، هذا من العجب العجاب ؛ أن تمر بالمسجد، ولا تصلي فيه، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يفتش المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحداً، يجب أن يكون هناك ضبط، وحزم في إدارة المساجد، لعل أحداً اختبأ فيه، وآذى المسجد، وفعل فيه ما لا يرضي الله، يجب أن يُتفقد المسجد بعد العشاء، وأن تُغلق أبوابه بإحكام، وهذا من فعل سيدنا عمر رضي الله عنه، وقد روى البخاري في صحيحه عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: << اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ فَجِئْتُهُ بِهِمَا قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا قَالا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ >>.

[رواه البخاري]

 هذا ليس من آداب المساجد، وسيدنا عمر رضي الله عنه سمع صوت رجل عاليا في المسجد فقال لصاحب الصوت: <<أتدري أين أنت ؟ أنت في بيت الله >>.
 وسيدنا خلف بن أيوب كان جالسا في مسجد رسول الله، فأتاه غلامه يسأله عن شيء، فقام معه، وخرج من المسجد، وأجابه خارج المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: << والله ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا >>.
 وروى سعيد قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند رضي الله عنه، وهذا من أصحاب رسول الله قال: حمل تميم الداري من الشام إلى المدينة قناديل وزيتا ومقطا- يعني حبالا - فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما له، فقام فمشط المقطة يعني ربط الحبال، وعلق القناديل عليها، وصب فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفتيل، فلما غربت الشمس أمر غلامه فأسرجها -فأشعلها - فدخل عليه الصلاة والسلام إلى المسجد، فإذا هو بها تزدهر مضاءة، فقال من فعل هذا ؟ دققوا أيها الأخوة، قال: من فعل هذا ؟ قالوا: فعله تميم الداري يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام:

((نورت الإسلام يا تميم نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها ))

 من شدة فرحه به، وامتنانه له قال: أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها وكان صحابي اسمه نوفل بن الحارث واقفًا فقال: يا رسول الله أنا لي ابنه اسمها المغيرة، فافعل بها ما أردت، فأنكحه إياها، لأنه جاء بالحبال، وعلقها بالسقف، وجاء بالقناديل، ووضع فيها الفتيل، وصب فيها الماء والزيت، وأسرجها بعد الغروب، فدخل عليه الصلاة والسلام فرأى المسجد يتلألأ بالأضواء، فقال: من فعل هذا ؟ قالوا: تميم فقال: يا تميم.

((نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة ))

 فأي خدمة تقدمها للمسجد، أي عمل، أي مصباح تقدمه، أي جهاز تقدمه، نقول كما قال عليه الصلاة والسلام:

((أكرمك الله كما أكرمت هذا المسجد ))

 وسيدنا عمر كان يجمر المساجد كل يوم جمعة، يعني يعطرها.
 هذه بعض الأحكام المتعلقة في المساجد، وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ﴾

 في الدرس القادم إن شاء الله نتابع الحديث عن ذكر الله.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾

 رفعت، ويذكر فيها، وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS