9281
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام 1994- الدرس (49-51) : وسائل تربية الأولاد -19- تشويق المتعلم إلى أشرف الكسب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-02-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مازلنا في تربية الأولاد في الإسلام ولازلنا في الوسائل الفعالة التي تعد القسم الثاني من هذه السلسلة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وينفع المسلمين بها.

الفرق بين التطرف والتفوق:

 موضوع الدرس اليوم تشويق الطفل أو المتعلم إلى أشرف الكسب، لا بد من مقدمة أبين فيها أن هناك تطرفاً وأن هناك تفوقاً، فالتفوق يعني أن تتحرك في الخطوط الأساسية معاً ؛ فأنت عقل يدرك والعقل يحتاج إلى غذاء، وأنت قلب يحب والقلب يحب وأنت تحتاج إلى محبوب، وجسم يتحرك والجسم يحتاج إلى غذاء وإلى رياضة وما إلى ذلك.
 حينما تعتني بعقلك تغذيه بالعلم والحقائق والعقيدة الصحيحة والتصور الصحيح، وحينما تعتني بقلبك تختار له محبوباً لا يفنى ولا يزول وهو الله عز وجل، وحينما تعتني بجسمك تجعله قوام حياتك وتجعله أداة عملك الصالح فتتفوق، أما إذا نما العقل على حساب القلب، أو نما القلب على حساب العقل، أو نما الجسم على حساب القلب والعقل معاً، فهذا اسمه تطرف، التطرف شيء والتفوق شيء آخر.
 هناك دعوات إلى الله عز وجل، يهتمون أن يمتلئ عقل طالب العلم بالمعلومات، أما كسب حرفته ؟ كيف يؤمِّن حياته ؟ كيف يكسب رزقه ؟ كيف يبني أسرته ؟ هذا لا يهمهم، فلذلك الإنسان حينما يمتلئ عقله بالحقائق ويغفل عن كسب الرزق يختل توازنه.
 أقول لكم هذه الحقيقة وأرجو من الله أن تكون واضحةً لديكم يوجد بحياتك مرتكزات ثلاثة ؛ علاقتك بالله، وعلاقتك بعملك، وعلاقتك بجسمك، أي خلل في أحد هذه المرتكزات ينعكس خللاً على المرتكزين الباقيين شئت أم أبيت، إنسان بلا دخل راقٍ جداً، إيمانه قوي جداً لكنه جائع، لكنه لا يجد ما يستر عورته، أصبح عالةً على الناس، أصبح متذللاً لهم:

(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.))

[الخطيب عن ابن مسعود]

  اكسب رزقك حلالاً وارفع رأسك يا أخي، لماذا الكسل ؟ لماذا لا تعمل ؟ مهما يكن إيمانك كبيراً إن لم يكن لديك عمل تحفظ به ماء وجهك فأنت لا بد من أن تضع نفسك في موضوع مذلة وإهانة شئت أم أبيت، فعملك أحد مقومات شخصيتك، وعلاقتك بالله الطيبة أحد مقومات شخصيتك، وعلاقتك بجسمك، جسم عليل فيه إهمال شديد في قواعد الصحة وقواعد الغذاء، دائماً تميل إلى الراحة، إلى النوم، دائماً تسوف، تؤجل، هذا الجسم العليل لا يمكن أن يحمل قضية ولا أن ينهض برسالة، فلذلك التطرف أن ينمو جانب على حساب جانب، والتفوق أن تغذي الجوانب الثلاثة تغذية جيدة معقولة فتتفوق.

المربي الصادق هو الذي يضع في نفوس الذين يربيهم رغبة الكسب الحلال:

 الآن لفت نظري أن معهداً شرعياً في بلد إسلامي مؤلف من عشرة طوابق، قيل أن الطوابق الثلاثة الأولى لتعليم طلاب العلم حرفاً راقيةً يحفظون بها ماء وجوههم، في توازن، تعلم طالب علم ليس له دخل أبداً، فدون أن يشعر بعقله الباطن ينافق للأغنياء، ويمدح الأغنياء، ويستجدي منهم العطاء، أين ماء وجهه ؟ أين كرامة العلم وعزته ؟ فهذا المعهد لفت نظري أن فيه طوابق ثلاثة لتعليم طلاب العلم حرفاً يحفظون بها ماء وجوههم.
 أخواننا الكرام هذا درس في التربية، يجب أن تربي ابنك على كسب الرزق، أن يكون له عمل يرفع رأسه، يكون له عمل يجعل يده هي العليا، يكون له عمل يستغني عن أن يتضعضع أمام غني، وأن يستذل أمامه، وأن يخنع.
 لذلك أيها الأخوة درس اليوم متعلق أن المربي الموفق، والمعلم الموفق، والمرشد الموفق هو الذي يبني نفوس الذين يعلمهم تربيةً متوازنة، يعني لا بد من أن تكون دنياك صالحة لأنه فيها معاشك، دققوا في هذا الدعاء: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا."
إنسان له دخل ـ أنا أتحدث عن الحد الأدنى ـ يسكن في مأوى صغير، له زوجة، حقق مقومات الحياة، لا يهم مستوى طعامه لكنه يأكل، لا يهم مستوى ثيابه، لا يهم مستوى بيته سواء أكان بعيداً أم قريباً، جيداً أو غير جيد، واسعاً، صغيراً، هذا بيت، مأوى، أنا من باب الدعابة أقول له: معك مفتاح بيت عالٍ، قبو، أرضي، ملك، أجرة، كبير، صغير، معك مأوى: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له "، عندك قوت يومك ؟ طعام خشن لكن طعام يملأ المعدة، ويقيم الأود، عندك ثوب تلبسه انتهى الأمر، فكلما حققت الشروط الأساسية تفرغت إلى الله عز وجل، فالمربي الصادق هو الذي يضع في نفوس الذين يربيهم رغبة الكسب الحلال، النبي عليه الصلاة والسلام أمسك يد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل رفعها وقال: هذه اليد يحبها الله ورسوله.
 الآن سأسمعكم بعض النصوص القرآنية والنبوية التي تحض على العمل، أنا لا أقول لكم إنني أُكْبر الذين لهم أعمال إلا من زاوية واحدة أنهم رفعوا اسم المسلمين، يعني مثلاً أجد مسلماً ملتزماً، قائماً بالعبادات، وقّافاً عند حدود الله، وصناعياً كبيراً، أجد مسلماً آخر متفوقاً في اختصاصه، طبيباً لامعاً، مهندساً متفوقاً، فرضاً مدرس أول، هذا الإنسان إذا تفوق في عمله أولاً حفظ ماء وجهه، ثانياً أعطى ولم يأخذ، ثالثاً اتسعت أمامه أبواب الخير.

في الحياة ثلاث قوى:

 أخواننا بشكل دقيق يوجد ثلاث قوى في الحياة ؛ قوة العلم، وقوة المال، وقوة المنصب، هؤلاء الأقوياء الثلاثة سواء بعلمهم أو بمنصبهم أو بمالهم هؤلاء فرص العمل الصالح أمامهم كبيرة جداً، لماذا أنت في الدنيا ؟ من أجل أن تعمل صالحاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.))

[مسلم عن أبي هريرة]

  المؤمن الغني الذي بإمكانه أن يحل مشكلات مئات المؤمنين، هذا حجمه عند الله أكبر، كَسب المال الحلال وكفى أهله، دققوا في هذا الكلام والله لا أبالغ حرفتك التي ترتزق منها إن كانت في الأصل مشروعةً، وسلكت بها الطرق المشروعة، لا كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا احتكار، ولا إيهام، ولا أي شيء آخر، سلكت بحرفتك الطرق المشروعة، ما غششت، ولا حابيت، ولا كذبت، مشروعة، والتحرك من خلالها مشروع، ونويت كفاية نفسك وأهلك، ونويت خدمة المسلمين، عندك ابن يحتاج إلى معطف في الشتاء وليس معك نقود يحترق قلبك، لكن معك ثمن معطف، معك ثمن طعام، معك ثمن كساء، معك ثمن تدفئة، فهذا الطفل نشأ في رعاية أبيه، التصق بأبيه لأن أباه أمَّن له حاجاته.
 أيها الأخوة كلام دقيق أقوله، أنت حينما تعمل وحينما تجهد لتأمين حاجات أسرتك أنت في جهاد، لذلك حرفتك التي ترتزق منها إن كانت في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطرق المشروعة، ونويت بها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن مجلس علم، ولا عن فريضة، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة، وأنت في حرفتك تعبد الله، والحياة تحتاج إلى مال، وإلى علم، وإلى قوة، فلذلك إذا كنت أباً، أو إذا كنت معلماً، أو إذا كنت مرشداً ينبغي أن تحض طلابك على أن يكسبوا أرزاقهم بعزة نفس، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ابتغوا الحوائج بعزة النفس فإن الأمور تجري بالمقادير. ))

[تمام وابن عساكر عن عبد الله بن بسر المازني]

في هذا العصر إن لم تتفوق في دنياك لا يُحتَرم دينك:

 كنت أقول وهذا مثل دقيق أن هذه التفاحة في الغصن الرابع، في الفرع الأول، في الشجرة الخامسة، في البستان الفلاني، في المنطقة الفلانية هي لفلان، يمكن أن يأكلها ـ لا سمح الله ولا قدر ـ سرقةً، ويمكن أن يأكلها تسولاً، ويمكن أن يأكلها ضيافةً، ويمكن أن يأكلها شراءً، يمكن أن يأكلها هديةً، طريقة انتقال رزقك إليك باختيارك، أما التفاحة فهي لك لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.))

[ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود]

  اختر حرفة راقية، أنا حينما أتوجه إلى شاب في مقتبل حياته أقول له: اهتم بصحتك، واهتم بحرفتك، واهتم بدينك، أشياء ثلاثة تقوم عليها حياتك، أما إذا اعتنيت بجهة على حساب جهة عرجت، وأي خلل في بعض الجهات ينعكس على الجهتين الثانيتين.
 الآن إلى النصوص، درس اليوم أيها المعلم وأيها الأب وأيها المرشد في المسجد يجب أن تحض أخوانك أو طلابك على الكسب الحلال، أنا أقول لكم هذه الكلمة ولا تطالبوني بالدليل: الآن في هذا العصر إن لم تتفوق في دنياك لا يُحتَرم دينك، جراح الأعصاب الأول بينما المريض مضطجع في غرفة العمليات ـ وهذا الجراح الأول الذي أجرى عشرات ألوف العمليات الناجحة في الدماغ ـ يصلي ركعتين ويسجد أمام المريض، ويقول: يا رب وفقني لإنجاح هذه العملية، أول طبيب، وأول مهندس، وأول معلم، أنت حينما تستعين بالله تمتلك قوى غير محدودة، وأنا أقول دائماً: إما أن تقول الله فيتولاك، وإما أن تقول أنا فيتخلى الله عنك، لا تقل: أنا، حتى في العبادة، قال تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾

(سورة الفاتحة)

وقال:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾

(سورة يوسف)

 استعن بطاعة الله، استعن بالله على طاعة الله، عوِّد نفسك أن تستعين بالله في عملك.

من يطلب العلم يتكفل الله له برزقه:

 والله أخ زارني البارحة يتكلم كلاماً لفت نظري، قال لي: أنا أعمل بالتجارة، ولي محل تجاري، وعملي أصبح رتيباً، نفتح المحل صباحاً، نبيع، نشتري، للساعة السابعة نأتي إلى البيت نأكل وننام، أنا لماذا مخلوق ؟ أخذ قراراً أن يطلب العلم، والتزم بمسجد، التزم بجامعة، قال لي: سبحان الله قسمت اليوم إلى نصفين ؛ من الصباح وحتى الرابعة للدنيا، ومن الرابعة حتى ساعة متأخرة من الليل لطلب العلم، أقسم لي ـ وهو صادق ـ أن غلته تضاعفت، قال لي: كنت أملك دراجةً أما الآن فأنا أملك سيارةً، وبحسب حركة الحياة يجب أن ينخفض الدخل إلى النصف، ولكن وكما ورد في بعض الأحاديث أنه:

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه.))

[الخطيب والديلمي وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائي]

  أخواننا الكرام دققوا، أنت تأتي من بيتك، وقد يكون بيتك في الغوطة، أي الطريق من الغوطة إلى هذا المسجد ساعة، وساعة للعودة، وساعة للدرس، ثلاث ساعات اقتطعتها من وقت فراغك، من وقت راحتك، كان من الممكن أن تكون في البيت بين أهلك جالساً على كنبة وثيرة بمكان مريح، وأهلك حولك، وأولادك حولك، لكن آثرت أن تطلب العلم:

(( ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة.))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 عندما تتوجه إلى بيت من بيوت الله لتطلب العلم هذا الطريق يوصلك إلى الجنة:

(( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع.))

[أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن أبي الدرداء]

  أنت حينما تطلب العلم ـ والذي يطمئنك هو رسول الله ـ تكفل الله لك برزقك، أي يلهمك عملاً مريحاً ومعقولاً ومجزياً.

سوء فهم المسلمين جعلهم في الحضيض:

 درس اليوم يجب أن تحض أخوانك إن كنت مرشداً، وأن تحض أولادك إن كنت أباً، وأن تحض تلاميذك إن كنت معلماً على أن يتقنوا حرفتهم، والله الفضائل التي تتأتى من إتقان حرفة لا تعد ولا تحصى، أولاً امتلأ وقتك الذي كان من الممكن لا سمح الله ولا قدر أن يمتلئ بالغفلة عن الله، شيء آخر النجاح بالعمل مريح جداً، والنجاح يقود إلى النجاح، ولا شيء يعين على النجاح كالنجاح، ونجاح الإنسان بعمله إنجاز كبير، أولاً كوَّن شخصية، ثانياً أصبح محترماً، ثالثاً يده هي العليا، رابعاً حفظ ماء وجهه، خامساً شد أولاده إليه وربطهم به، فالأب الذي يعمل وله دخل معقول وينفق على أولاده وزوجته أب محترم، وكلمته نافذة، ومحبوب، أما الأب الذي يقول دائماً: ليس معي نقود، عندما يسأل ابنه: أين كنت ؟ يقول له الابن: في أي مكان أشاء، لا يكلمه، الابن يصبح متفلتاً.
 إذا أنت ما عندك إمكان أن تغطي حاجات الأسرة المعقولة، أنا لا أقول غير المعقولة، مثلاً بحاجة إلى لباس، إلى طعام، إلى شراب، هذه الأشياء بحاجة إلى مال، والمال بحاجة إلى عمل، فحينما تعمل من أجل أن تشد أهلك إلى الله، وأن تربطهم بك ارتباطاً وثيقاً فأنت في عبادة، لا نريد مسلماً بمهن يزدريها الناس، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طلب النخبة، قال: " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين "، ما الذي يمنع أن يكون مسلم في المسجد صناعياً ؟ تاجراً لامعاً صالحاً يتقي الله، والتاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، ما الذي يمنع أن تكون أستاذاً متخصصاً باختصاص نادر، مهندساً بارعاً، طبيباً حاذقاً مثلاً، لماذا ترضى أن تكون في الدرجة السفلى ؟ لماذا هذه الدونية ؟ لماذا هذا الموقف الضعيف ؟ لماذا أعداء الله في القمم قوةً وعلماً وجامعاتٍ وسيطرةً ؟ لماذا نحن في الحضيض؟ هذا سوء فهم للمسلمين.

بعض أمراض المسلمين:

 سيدنا عمر سأل أناساً شاردين: " من أنتم ؟ " قالوا: " نحن المتوكلون على الله " قال: " كذبتم، المتوكل على الله من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله ".
 " لِمَ جملك أجرب يا أخا العرب، ماذا عملت من أجله ؟ " قال: " أدعو الله أن يشفيه "، قال: " هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ".
 أخواننا الكرام شيء يدمى له القلب، في الحضيض، هذا الكلام لمليار ومئتي مليون مسلم ـ والله شيء مؤلم ـ ليس أمرهم بيدهم، وليست كلمتهم هي العليا، وللكفار عليهم ألف سبيل وسبيل، وهان أمر الله عليهم فهانوا على الله، تسمعون وترون لا تحتاجون إلى أدلة أكثر من ذلك، لأننا قعدنا، وتواكلنا، وتنازعنا، وتنافسنا، وكان بأسنا بيننا، هذه أمراض المسلمين.
 أيها المعلم، أيها المرشد، أيها الأب يجب أن تخطط لأولادك أعمالاً تحفظ لهم ماء وجوههم، أن توفر لهم أعمالاً ترفع ذكرهم في المجتمع، ذات مرة كنت أودع قريباً لي في المطار، فقال: هذا الطيار ابني، نظرت فشاهدت طائرة أكبر قياس ( جامبو )، متوجهة إلى الخليج في الليل، وشاب صغير وزنه خمسة وثلاثون كيلو سوف يقلع ليلاً بالطائرة، كم ينطوي على علم ؟ طائرة عملاقة، وأربعمئة راكب، وبالليل سوف يصعد على المدرج، ويحلق، ويمشي على خطوط، العلم شيء ثمين جداً، لماذا ترضى أن تكون هملاً من سَقْطِ المتاع ؟ لمَ لا تكون علماً في الدنيا ؟ لمَ لا تكون علماً في الدين ؟ مالك شركة (مايكروسوفت) يدفع ثمانية مليارات لأطفال أفريقيا، أنى له أن يدفع هذا المبلغ ؟! الله أعلم بنيته، أنى له أن يدفع هذا المبلغ الضخم من أجل صحة أولاد أفريقيا المعذبين ؟ حينما تكون ناجحاً في عملك تنفق، أنت كمسلم أولى بك أن تفعل هذا.

أعمال بعض الأنبياء كما وردت في القرآن الكريم:

 الأنبياء العظام وهم قمم البشر عملوا أعمالاً حرة قال تعالى:

﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا (37) ﴾

(سورة هود)

  اصنع الفلك، نحن كل حاجاتنا مستوردة:

﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) ﴾

(سورة هود)

 وقال:

﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) ﴾

(سورة هود)

  سيدنا داود قال تعالى:

﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) ﴾

(سورة الأنبياء)

  وقال أيضاً:

﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) ﴾

(سورة سبأ)

  سيدنا موسى:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ (27) ﴾

(سورة القصص)

  نبي كريم كان يرعى الغنم:

(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

  هذا سيد الخلق وحبيب الحق والذي أنقذ البشرية كان يعمل راعياً لغنم، أنا لا أعتقد أنه يوجد الآن عملاً أقل شأناً من راعي غنم، هل يوجد إنسان يكتب على بطاقة راعي غنم ؟ يكون دكتور ومعه بورد، ما هذه راعي غنم ؟ سيد الخلق وحبيب الحق كان راعي غنم فالعمل شرف يا أخوان.

أفضل الكسب عمل الرجل بيده:

 مرة زرت مركز صيانة سيارات، رأيت أخاً يرتدي ثياباً زرقاء يتقن عمله، مساءً هو يُدَرِّس القرآن الكريم فيرتدي ثياباً أنيقة، والله لفت نظري، هذا العمل يحتاج إلى هذه الثياب، بعد الظهر مدرِّس في معهد يرتدي ثياباً أنيقة، ويدرِّس القرآن الكريم، ما الذي يمنع أن يكون لك عمل تقتات منه، وترفع رأسك، وتجعل يدك هي العليا، وتحفظ ماء وجهك، ولا تتضعضع أمام أحد ؟ سبحان الله، الصحابة كان أحدهم يقول: تعال يا أخي خذ نصف مالي، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي حانوتان خذ أحدهما، الرد: بارك الله لك في مالك ولكن دلني على السوق.
 الآن إذا أُعطيت ميزة إلى الفقراء يأخذها الأغنياء، إذا في تسهيلات طبية من ينتفع منها بالدرجة الأولى ؟ الأغنياء، بينما كان الصحابة بأعلى درجة من البذل، وبأعلى درجة من التعفف في وقت واحد.
 النبي عليه الصلاة والسلام أول شريك مضارب في الإسلام تاجر بمال السيدة خديجة على حصة له من الربح، شريك مضارب، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إن أفضل الكسب عمل الرجل بيده ))

[الطبراني عن أبى بردة بن نيار]

  مرة كنت في محل تصليح سيارات، أصلحه الله صاحب المحل، يريد أن يضع من قيمة أخ يعمل عنده ويحمل ليسانس، فلان معه ليسانس وعنده، قلت له: أليس فلان يحمل ليسانس ويعمل عندك، نبي كريم كان يأكل من عمل يده وهذا شرف، هذا شرف عند أهل الشرف، نبي كريم كان يأكل من عمل يده:

(( نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ))

[البخاري عن أبي هريرة]

(( إن أفضل الكسب عمل الرجل بيده ))

[الطبراني عن أبى بردة بن نيار]

(( إن الله يحب العبد المحترف ))

[ابن أبي الدنيا عن ابن عباس]

العمل شرف وعبادة:

 أجدادنا لهم كلمة شهيرة: "صنعة في اليد أمان من الفقر ".

(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

  اذهب واحتطب، بل إن الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة، أنا أدعوك أن تتقن عملك، في أيام الرواج مهما كان العمل غير متقن فهناك بيع، أين المشكلة ؟ المشكلة في أيام الكساد، المتقن لا يقف أبداً، الذي يتقن عمله لا يقف عن العمل أبداً مهما كان الكساد مستشرياً، أما في أيام الرواج كل شيء يباع، إذا أتقنت عملك إتقاناً دقيقاً ضمنت دوام العمل، سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق "، ويقول: " اللهم ارزقني ـ وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ـ ويا معشر الفقراء استبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على المسلمين ".
 أنت في عملك، وأنت في دكانك، وأنت في مكتبك، وأنت في عيادتك، وأنت تعمل عملاً يومياً، تبيع أشياء على الرصيف، أنت في شرف وفي عبادة لأنك تبتغي من هذا كسب الرزق الحلال، وكفاية أهلك ونفسك، وهذا عبادة، كان الشافعي يقول: " لنقل الصخر من قمم الجبال أحب إلي من منن الرجال، يقول الناس: كسب فيه عار، فقلت: العار في ذل السؤال ".
 ألم يقل سيدنا علي: " وَالله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين ونقل بحرين بمنخلين وكنس أرض الحجاز بريشتين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ".
 هل من الممكن أن تغسل إنساناً أسود حتى يصبح أبيض ؟ هذا مستحيل، هل من الممكن أن تنقل بحراً بمنخل ؟ هل من الممكن أن تكنس أرض الحجاز بريشة ؟ مستحيل، هل من الممكن أن تحفر بئراً بإبرة ؟!!

على المؤمن أن يطلب الحلال بعزة الأنفس:

 أيها الأخوة، الذي أتمناه عليكم إن كنتم آباء أو معلمين أو دعاة إلى الله أن تحضوا من تعلمونهم على الكسب الحلال، وعلى العزة، وعلى طلب الحوائج بعزة الأنفس، وأن تبلغوهم أنه لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، وما من إنسان يسأل الله من فضله إلا استجاب له إن عاجلاً أو آجلاً.
 مرة زارني أخ متقدم بالسن في التسعين من العمر، فقدمت له ضيافة، أول لقمة دعا دعاء والله أعرفه، لكن أصابتني هزة نفسية، قال: سبحان من قسم لنا هذا ولا ينسى من فضله أحداً. والله دمعت عيني، لا ينسى من فضله أحداً، أنت عبد لك حق عليه، لكن ابتغِ الحوائج بعزة الأنفس، اطرق البيوت من أبوابها، لا تستعجل طلب الرزق، من طلب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فكن هادئاً، لا ينسى الله من فضله أحداً، اعمل تسكن في بيت وتتزوج ويأتيك الأولاد، كن مع الله، عبدي كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
 هذا الدرس أتمنى على كل واحد منكم أن يستوعبه شاباً كان أو أباً أو داعيةً إلى الله، ابنِ نفوس أخوانك على الكسب الحلال.
 حدثني أخ، إنسان له درس بجامع في الغوطة، هو عنده بقالية، صادق لدرجة غير معقولة، لو قال له إنسان: هذه الحاجة طازجة ؟ قال: لا، والله من ثلاثة أيام، أما جاري عنده طازج، لا يكذب أبداً، قوة تأثيره في الدرس عجيبة، قوة تأثيره من استقامته.
 أرجو الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، مفروض عليك أن تصلي، ومفروض عليك أن تطلب الحلال وبعزة الأنفس، واختر حرفة راقية ترضي الله عز وجل، إياك ثم إياك ثم إياك أن يكون عملك في معصية، ماذا تعمل ؟ أبيع أشرطة تسجيل، ما نوعها ؟ أغانٍ كلها، هذا عمله، وهذا يصلح تلفزيونات وهذا... انظر إلى عملك هل فيه معاونة على فسق، على معصية، قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) ﴾

(سورة المائدة)

  والله مرة جاءني اتصال من بلد بعيد جداً قال لي: أنا يا أستاذ عملي أقذر عمل ـ أخذ رقم هاتفي من أخيه من أمريكا من لوس أنجلس ـ ماذا عملك ؟ قال: والله أستحي أن أقول لك، قال: مونتاج للأفلام الإباحية، قلت له: الله يعطيك العافية، قال لي: سمعت شريطاً لك، سمعته خمسين مرة وتبت، والآن أعمل عملاً شريفاً، قلت له: أي شريط بعد أن التقيت به في واشنطن، وأية آية ؟ قال: إن بطش ربك لشديد، خاف.

الحلال صعب والحرام سهل:

 أنت أولاً ابحث عن عمل، عمل بخمسة آلاف مشروع، عمل بخمسين ألفاً غير مشروع، اركله بقدمك لأن الخمسة آلاف يبارك الله لك فيها والخمسون ألفاً تخسرها وتخسر دينك وآخرتك، سبحان الله لحكمة بالغة الحلال صعب والحرام سهل، يعني أبسط مثال: تعمل إنسانة في بيت ثماني ساعات بثلاثمئة ليرة، هذه الثلاثمئة ليرة تأخذهم مومس بخمس دقائق، تنقل كيلو حشيش تأخذ عليه مئة ألف ليرة، تشتغل سنة بمئة ألف ليلاً ونهاراً وتحصيلاً وبيعاً، لكن لحكمة بالغة العمل الحلال صعب ودخله قليل والحرام سهل ودخله كبير لماذا ؟ لو كان الحلال سهلاً لأقبل الناس على الحلال، لا حباً بالله، ولا طلباً للآخرة، ولكن لأنه أهون، لأن الحلال صعب والإنسان يخاف من الله، فاختر عملاً حلالاً، صعباً، شاقاً، متعباً، بدخل قليل، لكنك تنام قرير العين، تنام مالك الدنيا، تنام والله راض عنك، ابحث عن عمل مشروع.
 هناك أعمال أساسها إيذاء الناس، أو إلقاء الرعب في قلوبهم، أو ابتزاز أموالهم، أو إفساد أخلاقهم، وما أكثرها، وهذه أروج الأعمال الآن.
 حدثني أخ اشتغل بمقصف فيه خمور ومغنون وراقصات قال: ثمانية ملايين ربح بخمسة وأربعين يوماً.
 تبني عملك على إفساد الأخلاق، العمل رائج جداً، الآن تبني عملك على تهريب مادة محرمة كالمخدرات بالمليارات، أساساً أغنى الأشخاص في العالم تجار المخدرات.
 أنا أضرب مثلاً لكن الحقيقة فيه مفارقة كبيرة، مطعم بقرية في حمص، كم نجمة هذا ؟ ولا نجمة، دخله لا يكفي صاحب المطعم خمسة أيام، لكن لو فرضنا صاحب المطعم صائم، مصلٍّ، ورع، مستقيم، قائم بعباداته، عقيدته سليمة، الآن مطعم خمس نجوم يبيع الخمر غلته في اليوم مليون ليرة أحياناً، خمسمئة ألف، ثمانمئة ألف، من أربح ؟ بالدنيا هذا أربح، لكن عندما يأتي الموت يكون صاحب المطعم في حمص أذكى بكثير، لأنه في طاعة الله، أنت لا يهمك حجم العمل، العمل يكون في طاعة الله، التعليم أشرف مهنة، ما في عمل أشرف منه، وما في عمل دخله أقل من دخله، ماذا تأخذ ؟ طبشورة تضعها في جيبك ؟ لا شيء في تعليم صغار.
 دائماً ابحث عن عمل تسمو نفسك به، الله يبارك لك في صحتك ورزقك وشبابك وأهلك، وهناك أعمال دخلها كبير جداً اركلها بقدمك ولا تعبأ بها أبداً.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS