12026
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام 1994- الدرس (50-51) : وسائل تربية الأولاد -20- مراعاة الفروق الضرورية بين الصغار
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-03-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام ولازلنا في القسم الثاني وهو الوسائل الفعالة في تربية الأولاد.

على الآباء محاولة اكتشاف خصائص أولادهم:

 وصلنا إلى بعض التوجيهات في شأن تربية الأولاد من هذه التوجيهات مراعاة الفروق الفردية بين الصغار.
 الأب أيها الأخوة يتمنى أن يكون ابنه على شاكلة معينة، فيحمله عليها، ويضغط عليه، ويقسو عليه ولا يفلح، لو أن هذا الأب حاول أن يكتشف خصائص ابنه، من الثابت أن الصغار يمكن أن يفرزوا إلى زمر، يوجد طفل عنده استعداد للعلوم المجردة ؛ رياضيات، فيزياء، كيمياء، طب، هندسة، علوم مجردة أي يستمتع إذا قرأ، ويستوعب، ويحفظ، ويبتدع، يوجد طفل آخر ذكاؤه عملي، يفكك آلة ويركبها، ويوجد طفل ثالث محدود الذكاء هذا شيء مسلَّم به، يوجد طفل يتمتع بذكاء نظري، ويوجد طفل يتمتع بذكاء عملي، ويوجد طفل محدود الذكاء، فالذي يتمتع بذكاء نظري ينبغي أن توجهه إلى كليات جامعية للدراسة النظرية، وقد تكون مجرماً في حقه لو دفعته إلى حرفة، لا يصلح أبداً، لا يصلح إلا بالتفوق في العلوم النظرية، ويوجد إنسان يتمتع بذكاء عال جداً في الأمور العملية، فلو وجهته لفرع نظري لا يفلح.
 أنا أعلم علم اليقين أن هناك إخفاقات كبيرة جداً، وتسبب دماراً للأسر، بسبب عدم معرفة الأب لهذه الحقيقة، يريد ابنه طبيباً وقد يفلح ابنه في عمل يدوي، ويجمع ثروة أضعاف ما يجمعها الطبيب، فإذا أجبرته على أن يكون طبيباً لا تُفلِح ولا يُفلِح ولا يَنفع ولا يتفوق، طبعاً هذا الكلام في بعض البلاد حلّ على الشكل التالي ؛ الطفل في سن معينة تفحص إمكاناته عن طريق دورات عالية المستوى، فيصنفوا الطلاب إلى: قسم متفوق نظرياً، وقسم متفوق عملياً، وقسم ضعيف التفكير، هؤلاء الضعاف لهم مناهج بسيطة لا تتعبهم ولا يتعبونك، مناهج بسيطة لطيفة، معلومات بالحد الأدنى، ويُعطَى شهادة ويسمى مثقفاً، لكن بشكل يتناسب مع إمكاناته، لا أرهقناه، ولا ضغطنا عليه، ولا حطمناه، ولا شعر بالإخفاق هذه حالة.

كل عمل أو حرفة تبتغي بها وجه الله توصلك إلى الجنة:

 الحالة الثانية ابن يتفوق بالعمل، أعطهِ حدّاً أدنى من الثقافة النظرية وادفعه إلى العمل، وطفل آخر يتفوق بالنواحي النظرية، فما لم يكتشف الأب خصائص ابنه، واستعدادات ابنه، وفروق ابنه الفردية عن بقية الأولاد لا يفلح في تربيته، الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:.. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى إِلَى قَوْلِهِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ))

[متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ]

  نحن جميعاً خلقنا للجنة ـ وأنا مضطر أن أذكر هذا المثل ـ نحن جميعاً خلقنا للجنة والدليل قوله تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾

(سورة هود)

  خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، ولكن الجنة التي خلقنا من أجلها لها طرائق بعدد أنفاس الخلائق، فقد تدخل الجنة بدعوة إلى الله، أو بتأليف، أو بخدمة، أو بطب تبتغي به وجه الله، أو بهندسة تبتغي بها وجه الله، أو بتعليم تبتغي به وجه الله، أو بحرفة تبتغي بها وجه الله، تصميم المجتمع المسلم أيها الأخوة رائع، كل حرفة إذا كانت في الأصل مشروعة، وسلك صاحبها الطرق المشروعة، وابتغى بها كفاية نفسه وأهله وخدمة المسلمين والتخفيف عنهم، ولم تشغله عن طاعة، ولا عن فريضة، ولا عن عبادة، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة، فيمكن أن تصل إلى الجنة من أي طريق، فالذي يتفوق بالأمور العملية ينبغي أن يطلق إلى أمر عملي، والذي يتفوق في الأمور النظرية ينبغي أن يدفع إلى اختصاص نظري، والذي نجد به ضعفاً عاماً ينبغي أن لا نزعجه ولا نتعبه في ضعفه وفي تقصيره، المقصر نزعجه، أما إذا كانت الإمكانيات ضعيفة جداً لا ينبغي أن نحمله ما لا يطيق وهذا من الرحمة.

كل إنسان ميسر لما خُلق له:

 أيها الأخوة، لا نفلح في تربية أولادنا، ولا في تربية طلابنا، ولا في تربية طلاب العلم في المسجد إلا إذا عُرِفت الفروق الفردية، هناك ملمح دقيق في السنة، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكلف صحابياً بعمل فعرضوا عليه اسم أحد الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس هناك ـ أي لا يصلح لهذا العمل ـ وكأن النبي المربي الخبير يعرف إمكانيات كل صحابي، مثلاً هناك إنسان عنده ذكاء اجتماعي هذا إذا أرسلته بمهمة اجتماعية يفلح، لطيف، لبق، مرن، يعتذر، يرضي من حوله، لا يزعجهم، يوجد إنسان عنده تفوق مالي هذا ينفق وذاك يفاوض، هناك إنسان عنده خبرة عملية هذا نستعين بخبرته، إنسان عنده وجاهة نستعين بوجاهته، إنسان عنده مال نستعين بماله، فكل إنسان يُمكِّنُه الله من شيء، وهذا الشيء يمكن أن يُبتغى به وجه الله عز وجل.
 لذلك أن تكتشف ميول ابنك في وقت مبكر، أو أن تكتشف إما مباشرةً، أو عن طريق اختصاصيين أن هذا الابن ما بنيته الفكرية ؟ ما بنيته النفسية ؟ ما قدراته الخاصة ؟ هناك قدرات خاصة عالية جداً، درسنا في الجامعة مئة قدرة خاصة بالإنسان، تجد شخصاً عنده قوة إقناع عجيبة يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، هذه قدرة.
 مرة أب جاء ابنه من بلاد الغرب وقد حمل شهادة عليا في الفلسفة، فالأب مع الأم جالسان على مائدة وعليها فروجان، فقال ابنهما: يا أبت أنا أستطيع أن أقنعك بالدليل أن هذين الفروجين هم ثلاثة، فقال له الأب: أنا سآكل واحداً، وستأكل أمك واحداً، وكل أنت الثالث.
  هناك إنسان عنده قوة إقناع، وآخر عنده ذكاء اجتماعي، وثالث عنده قوة بلاغية، أحياناً تجد طفلاً صغيراً يلقي كلمة بشكل ارتجالي صحيح، هذه قدرة خاصة بيان القدرة، وحسن التصرف قدرة، وحسن التخلص قدرة، هناك إنسان يستطيع أن يظهر بحجم أكبر من حجمه بكثير، فقير جداً ويسكن في الحجر الأسود، قال له شخص: أين تسكن ؟ قال: في بلاك ستون سيتي.
 أنا أتمنى أن تكشف قدرات ابنك، ابنك له قدرات، له فوارق، له خصائص، طبعاً ينبغي أن تكون هذه الخصائص كلها وفق منهج الله هذا حديثنا، أتكلم مع أب مؤمن ومع أولاد مؤمنين، لكن لا تطمع أن يكون ابنك طبيباً دائماً، من قال إن الطبيب أعلى حرفة، هكذا الناس يتوهمون، هناك حرف أرقى منها بكثير وأريح وأربح، فلذلك لا تحاول أن يكون ابنك كما تريد ينبغي أن يكون كما يريد، إذا كانت إرادته وفق منهج الله عز وجل هذه نقطة، اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
 أحياناً تجد إنساناً يتمتع بذاكرة عجيبة جداً، إنساناً يتمتع بطلاقة لسان عجيبة جداً، إنساناً يتمتع بحسن التخلص، إنساناً يتمتع بقوة إقناع، إنساناً يتمتع بأن يبدو بحجم أكبر من حجمه، فكل إنسان مكنه الله من شيء، هذا الشيء إذا كان في الأصل مشروعاً، مقبول شرعاً، فينبغي أن نوجهه إلى التفوق في هذا الشيء.

مهمة المربي أن يكتشف الطاقات الكامنة عند ابنه:

 أنا أذكر قصة رجل من رجال الأدب في مصر اسمه توفيق الحكيم، كان أبوه قاضياً، وأراد الأب أن يكون ابنه قاضياً مثله، وحمله على أن يكون قاضياً، فدرس الحقوق في فرنسا، وعاد إلى مصر ليكون قاضياً، ولكن هواية هذا الابن لا علاقة لها بالقضاء إطلاقاً، هو يحب الأدب، فعلى الرغم من أنه لم يدرس الأدب، ولم يدرس اللغة، صار قبل أن يموت عميد الأدب العربي في مصر، ميله أدبي.
 أحياناً الطاقات الكامنة في نفس الطفل قد لا تظهر، أو قد تحتاج إلى بيئة عالية المستوى كي تظهر، مثلاً من يصدق أن أينشتاين أكبر عالم فيزياء كانت علاماته في التعليم الثانوي في مادة الفيزياء قليلة جداً، إنسان قد يخفق في دراسته، وينجح في جانب آخر ويكون الأول، أنا أؤمن أن الإنسان عنده طاقات مخبوءة، فالبيئة أو الأب أو المدرسة إما أن تفجرها، وإما تقمعها، مهمة المربي أن يكتشف الطاقات الكامنة عند ابنه أو عند تلميذه، وهذه الطاقات قد تظهر، وقد يكون منها الخير الكثير.
 يقول ابن سينا: " ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، ولكن ما شاكل طبعه وناسبه "، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرامي دون المشاكلة والملاءمة ما كان أحد غفلاً من الأدب ".
 مرة كنا بجلسة علمية، وكان أحد الحاضرين شاعراً، وكانت الضيافة حلويات، فأحد الحاضرين داعبه وقدم له قطعة من هذه الحلويات، وقال له: مبرومة بالفستق.
 فأجابه الشاعر:

مبرومة بالفستق تصيح أين نلتقـي
في حـلب لذيذة وحلوة فـي جلـق
غرب إذا أكلتها في نشوة وشــرق
مبرومة كأنها سوارة الخورنـــق

***

  أي على البديهة جاء بأربعة أبيات، هذه شاعرية، شيء فطري، أحياناً القصة أيضاً ميل فطري، تجد إنساناً يتكلم بقصة بشكل رائع، يأتي إنسان آخر يعيدها فلا تجد لها أي جمال، يشوهها إذا أعادها، إنسان يصنع من قصة تافهة قصة رائعة، هذه كلها قدرات، فإن أردت أن تربي ابنك يجب أن تكتشف قدراته التي أودعها الله فيه، وأن تنميها، يفلح وينجح ويتفوق، أما أن تحمله قسراً على اختصاص لا يحبه، أو على حرفة لا يحبها، هذا من سلوك المجتمعات المتخلفة.
 التفوق يحتاج إلى أن تختار لابنك اختصاصاً أو حرفةً تتوافق مع ميوله:

 أنا أقول ـ ونحن في مسجد أنا أتحدث عن القدرات المشروعة ـ لا تقل لي: رقص باليه مثلاً، أتحدث عن القدرات المشروعة التي يقرها الدين والشرع، هذه القدرات حاول أن تنميها، حتى التعليم الثانوي مهمته الأولى اكتشاف طاقات الطلاب، وقد تبدو هذه الطاقات في التعليم.
 أحياناً في احتفالات معاهد القرآن الكريم ـ قد لا تصدق ـ طفل عمره خمس سنوات قبل أن يدخل المدرسة يحفظ كتاب الله، كله طاقة هائلة جداً، والحقيقة يحتاج إلى توافق ميول، التفوق يحتاج إلى أن تختار لابنك اختصاصاً، أو دراسةً، أو حرفةً تتوافق مع ميوله عندئذ يتفوق، وفي الحديث الشريف يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أعينوا أولادكم على البر ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))

[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]

  أحياناً تجد أباً يضع ابنه معه في المحل التجاري ويمنعه أن يدرس وعنده رغبة جامحة إلى الدراسة، أنا أقول هذا الأب مجرم في حق ابنه، وكم من ابن يتوق إلى العمل وأجبره أبوه على اختصاص مجرد فأتعبه وتعب الأب كثيراً، فالعبرة أن تكتشف ميولك طبعاً ضمن الحدود الإسلامية، نحن عندنا عبارة في الأخبار المياه الإقليمية والأجواء الإقليمية، فأنت تسبح بالمياه الإقليمية الإسلامية، مادمت في هذه المياه نختار لك أي حرفة، أما أن تسبح بمياه غير إسلامية مرفوض هذا أصلاً، تقريباً في مثل ذكره النبي ؛ أحياناً نربط حصاناً بحبل طويل، والحبل مغروس في الأرض بوتد، فهذا الحصان بإمكانه أن يتحرك، لو أن الحبل طوله خمسون متراً بإمكانه أن يتحرك بدائرة قطرها مئة متر، وهو آمن هكذا، في الإسلام المئة متر هي المنهج الإلهي، فخلِّ الابن يتحرك بالمئة متر كما يريد حتى يتفوق، لكن نصف القطر خمسون متراً، خمسون شرقاً، خمسون غرباً، خمسون شمالاً، وخمسون جنوباً، لا يستطيع أن يتجاوز، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا (229) ﴾

(سورة البقرة)

المؤمن كل طاقاته مجمعة في الدراسة ولا يوجد عنده انحرافات أما غير المؤمن فهو مشتت:

 لو كان يميل إلى شيء فيه معصية مرفوض ولو صار في مشادة، لأن أمر الله أحق أن يتبع.

(( أعينوا أولادكم على البر ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))

[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]

  أحياناً يتعلق شاب بجامع، والجامع نظيف، منهجه قويم، والأخوة مؤمنون، فالأب هكذا من أجل دراسته يمانع، أنا أؤمن أن المتفوق في دينه متفوق في دراسته، والفضل لله عز وجل أننا أقمنا حفلاً تكريمياً للمتفوقين في الشهادتين الثانوية والإعدادية، كان عدد المتفوقين في الثانوية الفرع العلمي الذين حصلوا على علامات فوق المئتين والثلاثين حوالي عشرة طلاب، هذه نسبة عالية جداً من طلاب المعهد، فالمتفوق في دينه ماذا يشبه ؟ بالضبط إذا أتيت بورقة ووضعتها في الشمس، هل يمكن أن تحترق هذه الورقة في الشمس ؟ مستحيل، ولكن بإمكانك أن تحرقها عن طريق أشعة الشمس فقط بعدسة، ماذا تفعل هذه العدسة ؟ تجمع الأشعة في بؤرة واحدة هي المحرق فتحترق، القضية سهلة جداً، ائتِ بعدسة، وقف في مكان فيه شمس، ضع العدسة إلى أن يأتي محرقها على الورقة فتحترق الورقة، فالمؤمن كل طاقاته مجمعة في الدراسة، لا يوجد عنده انحرافات، أما غير المؤمن مبعثر الطاقات، مشتت، غير مجموع، وفي حديث شريف يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

(( أعينوا أولادكم على البر ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))

[ أبو الشيخ عن علي وابن عمر]

  سمعت في بعض البلاد أن التعليم عندهم تعليم مزدوج ؛ تعليم نظري، وتعليم عملي، حتى يكتشف الطفل ميوله هناك تعليم نظري وهناك عشر حرف يمر عليها الطالب جميعاً، في أية حرفة تعلق بها وانغمس فيها وأتقنها يكون هذا ميله، هذا التعليم يسمى التعليم العشري ومهمته اكتشاف ميول الطفل.
هناك إنسان يحب الزراعة، رغبته أن يعيش في الفلاة، أن يزرع نبتة، أن يتابع نموها، أن يعتني بها، إنسان يحب الصناعة، إنسان يحب التجارة، إنسان يحب الدراسة، إنسان يحب الشيء الجميل، قد يكون خطاطاً، قد يكون بحرفة لها طابع جمالي، على كل هذا التوجيه ضمن تربية الأولاد وضمن تربية طلاب العلم في المسجد، طالب يحب المعلوماتية، طالب يحب الطب، طالب يحب الهندسة، طالب يحب أن يكون في الزراعة، مرة التقيت بطالب من طلابي مجموعه مئتان وأربعون، طبعاً سوف يختار الطب، قال: لا اخترت الزراعة، أنا أحب الزراعة، فأنا ثمنت عمله لأنه اختار فرعاً يحبه حتى يبدع فيه.

على الطفل أن يعيش سنه لأن اللعب من خصائص الأطفال:

 هذا جانب في الدرس أيها الأخوة، هناك جانب ثانٍ أيها الأخوة، الجانب الثاني أن يعيش الطفل سنه لأن اللعب من خصائص الطفل، البيت القاسي، ممنوع اللعب، ممنوع الضحك، ممنوع التسلية، كله ممنوع، هذا بيت بالنسبة للطفل الصغير كالقبر تماماً، أعيد وأكرر أنا أخاطب المؤمنين، يختار الطفل معصية ممنوع، أنت في بيت مسلم ومعك منهج ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أنا حينما أتحدث عن المرونة، وأن تتماشى مع رغبات الطفل، وأن تكتشف ميول الطفل، أنا أقصد مادامت هذه الرغبات وتلك الميول وفق منهج الله فقط، أما إذا كانت تبنى على معصية ـ والعياذ بالله ـ مرفوضة أشد الرفض، وعلى الأب أن يكون واعياً، وحازماً، وقوياً، وعليه أن ينصح أولاده بالإقناع، والإقناع أولى من القمع، لكن أنا حينما أقول ينبغي أن تتماشى مع ابنك لا أقصد إلا في ميوله المشروعة.
 مرة سمعت أن هناك وقفاً في بعض البلاد الإسلامية، هذا الوقف مهمته تحبيب المطالعة للصغار، والمطالعة من أرقى الهوايات لأنك تشتري عقل إنسان بدريهمات، تشتري كتاباً هذا الكتاب فيه عقل المؤلف، خبرته، تجاربه، مبادئه، هذا الوقف يطبع قصصاً إسلامية، هادفة، ممتعة، لطيفة، بطباعة أنيقة جداً، ويوزعها على البيوت مجاناً، فإذا قرأها الصغار وأعجبوا بها سألوا عنها في الهاتف بعد حين، حب المطالعة يسري في نفوس الصغار عن طريق هذا الوقف، بيت بلا مكتبة مشكلة كبيرة جداً، البيت يحتاج إلى مكتبة فيها كتب علمية، موسوعات ضمن الإمكانيات، الآن العلم ميسر جداً.
 حدثني صديق لي قال: كنا نبيع موسوعة علمية بخمسة وعشرين ألفاً، الآن ثمنها مئة وخمسون ليرة عن طريق قرص ليزري بصورها، وألوانها، وتفاصيلها، ودقائقها، شيء لا يصدق، بعض الأقراص المدمجة فيها كتب ثمنها مئتا ألف ليرة، كل هذه الكتب في هذا القرص، وتطالعها بخطوط رائعة، والخطوط مضبوطة بالشكل، وفيها إمكانية بحث، قضية ثورة المعلومات شيء لا يصدق، عندي قرص فيه تقريباً خمسمئة كتاب فقه بقرص واحد، قرص آخر للتفاسير، قرص آخر للحديث، قرص آخر للتاريخ، العلم الآن ميسر بشكل لا يصدق، دائماً وأبداً ينبغي أن يكون في البيت زاد ثقافي، بيت ليس فيه كتاب، ليس فيه شيء يعرفك بالله عز وجل، ليس فيه كتاب حديث ولا تفسير ولا كتاب سيرة مشكلة، الأب الواعي يعمل مكتبة في البيت.

ينبغي أن يكون في البيت شيء من اللهو البريء:

 القسم الثاني من الدرس ينبغي أن يكون في البيت شيء من اللهو البريء.
 " سيدنا حنظلة كما تعلمون حينما رآه الصّديق يبكي سأله: مالك يا حنظلة تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولمَ ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين ـ الآن دقق ـ فإذا عافسنا الأهل ننسى."
 جاء إلى البيت، جلس مع أولاده، استمع إلى زوجته، ما ارتكب معصية، أما هذا التألق الذي كان مع رسول الله فتر، ذاك التألق فتر، قال تعالى:

﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) ﴾

(سورة الشرح)

(( عن حنظلة الأسدي: أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: مالك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "مالك يا حنظلة؟" قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة على مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة".))

[مسلم عن حنظلة]

 بصراحة أنت أب يجب أن تكون مرحاً في البيت:

(( أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات.))

[أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر]

  كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، أعطيك مقياساً علامة أنك أب ناجح أو زوج ناجح أنك إذا دخلت البيت أصبح الأهل في عيد، بينما الأب غير الناجح إذا دخل البيت صار هناك مأتم، كلهم سكتوا، هربوا من وجهه، ذهبوا إلى غرفهم، علامة أنك أب سيئ، وجودك يجب أن يكون محبباً في البيت، فالوجود المحبب يحتاج إلى مرح، عوِّد نفسك أن تكون صاحب دعابة في البيت، لطيفاً، أن يكون هناك جو من المرح، من اللهو البريء، هذا شيء يقوي الإنسان ويشده، في الجامعة درسنا مادة اسمها الفكاهة في التعليم، الفكاهة في التعليم لها أثر كبير جداً، الدرس الذي فيه طرفة يبعث النشاط في الحاضرين، نجدد النشاط، أنت كنت معلماً، كنت مديراً بمؤسسة، أباً في البيت، مرشداً في المسجد، يجب أن تكون مرحاً وأن يأنس بك من حولك، ظلك خفيف، لطيف، لا تفوت فرصة لدعابة، أنا أرى أن من لوازم النجاح في القيادة أن تكون صاحب دعابة.

أحاديث من السنة الشريفة عن أخلاق النبي الكريم ومداعبته للأولاد:

 كان النبي يمزح مع أصحابه ولا يمزح إلا حقاً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع ؛ مشي الرجل بين الغرضين ـ للرمي ـ وتأديبه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة))

[الطبراني عن عطاء بن رابح]

 من الممكن إجراء سباق بين الأولاد إذا كان البيت واسعاً، أو في بستان، النبي كان يجري مع الأولاد.

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُفُّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيراً مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]

  يوقفهم في صف واحد بعيداً ويقف هو كهدف ويقول: من سبق إلي له كذا وكذا:

(( فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ]

  هذا سيد الخلق، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

(( رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت: نعم الفرس تحتكما، فقال عليه الصلاة والسلام: ونعم الفارسان هما ))

[أبو يعلى وابن شاهين عَنْ عمر]

(( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فدعينا إلى طعام فإذا الحسين رضي الله عنه يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يده فجعل يفر ها هنا وها هنا فيضاحكه رسول الله حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبله وقال: حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه، الحسن والحسين سبطان من الأسباط ))

[الطبراني عن جابر رضي الله عنه ]

  يعني ولد الولد، هذا الإنسان العظيم سيد الخلق يداعب الصغار في الطريق، يجري معهم، يسلم عليهم، يدعوهم لركوب الناقة، يقول أحد الصحابة الكرام:

(( والله لقد خدمت رسول الله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب علي شيئاً قط ))

[سعيد بن أبي بردة عن أنس]

  من أنسه ومن عفوه ومن طيبه، ومرة أرسل خادماً غاب طويلاً فلما عاد غضب النبي معه سواك فقال النبي الكريم:

(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))

[ابن سعد عن أم سلمة]

للأولاد قواعد وخصائص فاستغل هذه الخصائص ودلّهم على الله:

 المواقف الجادة المستمرة مملة كهنوت، ولا كلمة، ولا حركة، ما هذه الحياة ؟ طفل يريد أن يلعب، أن يمزح مع أبيه، أجمل شيء في الأسرة في حدود، في مودة، في لعب، في مضاحكة، في ملاعبة، في مقام، أما ولا كلمة بوجود الأب ليس هذا ناجحاً، لذلك ورد عن رسول الله أنه قال:

(( من كان له صبي فليتصابَ له.))

[ابن عساكر عن معاوية]

  الآن تعقيب متعلق بوضع المسلمين ؛ أخواننا الكرام، بشكل مختصر مفيد لا نملك الآن من شيء إلا أولادنا، هم ثروتنا، هم مستقبل هذه الأمة، تسمعون وترون لا أذيع سراً، هذا الذي أقوله الآن قيل في مؤتمر القمة، لا نملك شيئاً، نملك أولادنا هم الورقة الرابحة الوحيدة بين أيدينا، أي إذا كنت عاجزاً عن كل شيء فلا تعجز عن تربية أولادك، إذا أصبت بالإحباط في كل شيء فلا تكن محبطاً من أولادك، أولادك لهم قواعد وخصائص فاستغل هذه الخصائص، ودلهم على الله، وحببهم إليك، عندما يعمل الإنسان ويأتي بدخل يلبي حاجات أهله المشروعة فهو في عبادة، ولا أنسى كلمة قالها بعض الصحابة: "حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي."
 الطفل حينما تطعمه، حينما يرتدي ثوباً جيداً، يرتدي حذاء جيداً، يأكل ما يشتهي ضمن الشيء المشروع، فأنت صار عملك عبادة، لا يمكن أن يكون عملك غير مشروع وتقول لي عملي عبادة، أيضاً في مبالغات، والعياذ بالله يكون عمله أساسه معصية ويقول: العمل أليس عبادة، لا العمل ليس عبادة، العمل عبادة إذا كان مشروعاً، وإذا سلكت به الطرق المشروعة، وإذا ابتغيت به كفاية نفسك وأهلك ونفع المسلمين ينقلب إلى عبادة، وما شغلك عن درس، ولا عن فريضة، ولا عن طاعة، ولا عن عمل صالح، انقلب إلى عبادة، فإذا أتقنتم أعمالكم وكان لكم من هذه الأعمال دخل معقول، وهذا الدخل أنفقته على أولادك، وعلى زوجتك، وشدوا إليك، وارتبطوا بك، فكنت معقد آمالهم، وكان في البيت ود وانسجام ومحبة فهذا كله من جوهر الدين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS