3671
التفسير المطول - سورة العنكبوت 029 - الدرس (03-16): تفسير الآيتان 5 - 6
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-10-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثالث من سورة العنكبوت، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

معنى لقاء الله:

المعنى الأول:

 الحقيقة أن لقاء الله من معانيه أن يقف العبد بين يدي ربَّه ليس بينه وبين الله حِجاب، هذا اللقاء قال بعض عنه المفسِّرين: إنه يوم القيامة.

المعنى الثاني:

 وقال بعض المفسِّرين في لقاء الله عزَّ وجل: هو أن يلقى وعده ووعيده، وثوابَهُ وعقابه.

المعنى الثالث:

 وقال بعض المفسِّرين في لقاء الله عزَّ وجل: هو أن تَلْقَى حكم الله في كل شيء،

﴿ وَاللهُ يَحْكُمُ لاُ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

 أيها الإخوة الأكارم...

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

 أي أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل ليس بينك وبينه حجاب، تُعْرَضُ عليه أعمالك، وعليك أن تدافع عن نفسك، وعليك أن تدلي بحجَّتك عن كل عمل، أو أن يأتي ذلك اليوم الذي تلقى فيه جزاء عملك ؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر، أو ذلك اليوم الذي تنال فيه الثواب أو العقاب، أو ذلك اليوم الذي يحكمُ الله فيه بين عباده..

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾

 هذا هو لقاء الله، لقاء الله أن تقف بين يديه ليس بينك وبينه حجاب، لقاء الله أن يقع وعده ووعيده، لقاء الله أن تلقى ثوابه وعقابه، لقاء الله أن ترى حُكْمَهُ في كل شيء..

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾

كلُّ آتٍ قريبٌ:

 أضرب لكم بعض الأمثلة: إذا جاء رمضان، في أول يوم من أيام الصيام تقول: ما أبعد العيد، وما هي إلا أيامٌ وليالٍ معدودة حتَّى يأتي العيد، إذا دخلت في العام الدراسي تقول: ما أبعد الامتحان، ما هي إلا أسابيع وأشهر حتَّى يفاجئك الامتحان، إذا دخلت في مشروع مُدَّة العقد فيه خمس سنوات، ما هي إلا أيام وليالي وأسابيع وأشهر وسنين قليلة حتَّى يحلّ الموعد المَطلوب، كيف يمضي الصيف ويأتي الشتاء، ويمضي الشتاء ويأتي الصيف ؟ كيف وصلت إلى سن الأربعين والخمسين ؟ كيف مضت هذه السنون ؟ هكذا..

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾

 ما دام أجل الله الذي وَقَّتَهُ وعَيَّنَهُ ليلقى كل إنسانٍ جزاءه آتياً، فإنه إذاً قريب..

﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ﴾

 ( سورة يونس: من آية " 4 " )

 فهذا اليوم الذي سمَّاه الله يوم الدين، يوم الجزاء، يوم الحساب، يوم الدينونة، هذا اليوم سيأتي، وما دام سيأتي والوعد من قِبَلِ الله عزَّ وجل إذاً في حكم أنه قد أتى.

مِن إعجاز القرآن: الإخبار عن المستقبل بصيغة الماضي:

 من إعجاز القرآن قول الله عزَّ وجل:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

 ( سورة النحل: من آية " 1 " )

 أنا متى أستعجل الأمر ؟ إذا لم يأتِ بعد، الله عزَّ وجل قال:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾

 تستعجلوه، وهو لم يأتِ، وقد عبَّر الله عنه بالفعل الماضي لقد أتى، إذاً وعد الله ووعيده في حكم الواقع، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

(( كأني أرى أهل الجنَّة في الجنَّة يتنعَّمون، وأهل النار في النار يتصايحون ))

[ورد في الأثر]

 هكذا الإنسان إذا أيقن أن هذا الكلام كلام الله عزَّ وجل.
 بعضهم يفسِّر:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾

 ( سورة الفيل )

 قد تسأل أنت: والله أنا لم أرَ هذا الشيء، هذا خبر، كان يتوقَّع أن يقال: ألم تسمع بخبر أصحاب الفيل ؟ لمَ ربنا عزَّ وجل عَدَلَ عن قوله ألم تسمع بألم ترَ ؟ قال العلماء: لأن إخبار الله عزَّ وجل في حكم الشيء المُشَاهد..

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾

 ( سورة النساء )

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

 ( سورة التوبة: من آية " 111 " )

 إخبار الله عزَّ وجل في حكم المشاهدة، لذلك قال:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

على المؤمن أن يرجو لقاء الله وأن يستعدّ له:

 على ذكر كلمة يرجو ربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

 ( سورة الأحزاب )

 الحقيقة أنَّ الإنسان يسأل نفسه هذا السؤال: ماذا يرجو ؟ هناك من يرجو مالاً، هناك من يرجو جاهاً، هناك من يرجو بيتاً، هناك من يرجو مركبةً، هناك من يرجو مكانةً، لكن المؤمن يرجو لقاء الله، يرجو الله واليوم الآخر، يرجو ما عند الله من ثواب، يرجو ما عنده من تَكْرِمَة، يرجو مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، هذا الذي يرجوه المؤمن، لذلك الكلمة الشهيرة عند من أخلص قلبه لله عزَّ وجل، " إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي ".

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾

 أن تقف بين يديه ليس بينك وبينه حجاب، أن تتصل به، أن ترى الحقيقة، أن يُكْشَفَ الغِطاء..

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

 ( سورة ق )

 أن يقوم الناس لربِّ العالمين، أن يُحَجَّمَ الإنسان.

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 (سورة الأنعام: من آية " 94 " )

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

 لا محالة آتٍ، لذلك قيل: " كل متوقعٍ آت وكل آتٍ قريب "، ما دمت في طريقك إلى هذا الشيء فكأنَّك وصلت إليه، وما دام هذا الشيء في طريقه إليك فكأنما وصل إليك، فالآية دقيقة جداً:

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

 إذاً ماذا علينا أن نفعل ؟ أن نُطَهِّر قلوبنا وأن نضبط ألسنتنا..

﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

الله سميع للأقوال عليم بكل شيء:

 سميعٌ لدعائكم، عليمٌ بأحوالكم، أي أنك إذا تكلَّمت فهو سميع، وإذا صمت فهو عليم، وعلمه علم كشفٍ وإحاطة، إذا تكلَّمت فهو سميع، وإذا صمت فهو عليم، إذاً ما دام هناك لقاءٌ مع الله فستُسأَل.

هيِّئ جوابا لسؤال الله لك:

 مرَّة استنصحني إنسان يعمل في وظيفة تبدو للناس مزعجة، وبإمكانه أن يضبط هذا بمخالفةٍ، والمخالفة جزاؤها السجن، فاستنصحني، فقلت له: افعل ما تشاء، اكتب كما تشاء، ضع الناس في المكان الفلاني ما تشاء، ولكن إذا كنت بطلاً حقيقةً فهيِّئ لله جواباً يوم القيامة عن كل عَمَلٍ تعمله.
 هذا الكلام الصحيح، أنت مدرِّس، أنت طبيب والمريض بين يديك مستسلم واثق، قل له: تعالّ كل يوم، وادفع مئة ليرة يومياً يصَدِّق ويأتيك كل يوم، وأنت محامٍ، أنت مهندس، أو أنت مدرِّس، قل ما تشاء ولكن هيِّئ لملك الملوك يوم القيامة جواباً، هيِّئ للواحد الديَّان جواباً، ماذا تقول يوم القيامة لربِّك ؟
 كان سيدنا عمر بن عبد العزيز ما من آيةٍ يُكْثِرُ تلاوتها كهذه الآية:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

 (سورة الشعراء )

 هذا الكلام لنا جميعاً، كل منا له عمل، بإمكانه أن يصدق وأن يكذب، بإمكانه أن ينصح وأن يَغُش، بإمكانه أن يتساهل وأن يتعاسر، بإمكانه أن يُعطي أو ألا يعطي، بإمكانه أن يرحم أو أن يقسو، بإمكانه أن ينصف أو أن يظلم، الله عزَّ وجل جعلك في دار ابتلاء، جعلك في دار امتحان لينظر كيف تعملون ؟ كيف تفعلون ؟ ما الموقف الذي سوف تقفه ؟ ماذا تفعل، أتعطي أم لا تعطي ؟ أترحم أم لا ترحم ؟ " إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي "، أتنصف أم لا تنصف ؟ أتقسو أم لا تقسو ؟ فالبطولة أن تهيِّئ جواباً لمن يطَّلع عليك في سرَّك ونجواك، هذه البطولة..

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾

 ترجو الجنَّة ؟ إنها آتيةٌ، ترجو ثواب الله ؟ إنَّك في الطريق إليه، ترجو ما عند الله من مكانةٍ، وما عند الله من سعادةٍ ؟ إنك في الطريق إليها..

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

 هذا يوم الدين، يوم الواقعة..

﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) ﴾

 ( سورة الحاقَّة )

 في هذه السورة..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) ﴾

 إلى آخر الآيات.
 إذاً:

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾

إذا كنتَ على يقين بسمع الله وبصره فراقب أقوالك وأعمالك:

 إذاً فاجتهد، فاجتهد في دعائك، واجتهد في تطهير قلبك، وتطهير نفسك، لأنه سميعٌ عليم، يسمع دعاءك، وعليمٌ بحالك، أنت متكِّلم وهو سميع، أنت ساكت وهو عليم، فأنت محاصر..

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

 ( سورة النساء )

 الآن ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾

تمهيد بين يدي الآية:

 الحقيقة، أنني أتمنَّى أن أُمَهِّدَ لهذه الآية تمهيداً ما..

﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾

 إذا صحَّت عقيدة الإنسان، أو عرف سرَّ وجوده، عرف لماذا هو في الدنيا، عرف طرفاً عن جلال الله وعظمته، عرف لماذا كانت الحياة، لماذا كان الكون، وكيف أن هذا الكون سُخِّرَ له، إذا عرف حقيقة الكون، والحياة، وحقيقة وجوده، فإنه ينطلق انطلاقاً صحيحاً، إذاً: أن تعرف سرَّ وجودك، وأن تعرف فلسفة الحياة، وكنْهَ الكون، هذا شيءٌ مقدَّمٌ على كل شيء، ليس هناك من مهمةٍ أعظم ولا أخطر في حياتك من أن تتعرَّف إلى الله، وإلى حقيقة الدُنيا، وإلى سرِّ وجودك، إذا عرفت هذا تفهم أن الدنيا دار ابتلاء.
 مثلاً: المدرسة هل يُعْتَنى بأثاثها لدرجة أن الإنسان إذا جلس على هذا الكرسي ينام ؟ لا، فالكرسي فيها عادي، لأن الهدف الأساسي من وجود الطالب في هذه المدرسة التَعَلُّم، إذاً المقعد طبيعي عادي، المرافق عاديَّة، لكن هناك أماكن أخرى كالمتنزَّهات أماكن جميلة جداً، فيها أسباب الراحة والرفاه.
 الطبيب مثلاً: إذا كان في غرفة العمليَّات له ثياب قد تكون ليست لائقة ولا أنيقة، لأن هنا أهمّ ما في الأمر أن تكون هذه الثياب مُعَقَّمة، أهم ما في الأمر أن تكون الآلات معقَّمة أيضاً، لكن في بيته يرتدي ثياباً أخرى، فيجب أن تعرف هذه الدنيا، وما سرُّ وجودك فيها ؟ إنما هو الابتلاء، يقول لذلك ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾

معنى الجهاد في الآية:

 ما معنى جاهَدَ ؟ جاهد بمعنى بذل الجهد، وتحمَّل المشقَّة، فيها شيء إيجابي، وشيء سلبي، تحمُّل المشقَّة والمتاعب والصعاب، هو جهاد، وبذل المال والنفس جهاد، في الجهاد بذلٌ، وفي الجهاد صبرٌ، إذاً ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ﴾

الدنيا مُرَكَّبةً على بذل الجهد:

 كأن الله عزَّ وجل جعل الحياة الدنيا مُرَكَّبةً على بذل الجهد، والحق أن الحياة الدنيا مُرَكَّبةٌ على بذل الجهد..

﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴾

 ( سورة الانشقاق )

 الكدح بذل أقصى الجهد..

﴿ إلَى رَبِّكَ ﴾

 يوجد كدح إلى غير الله..

﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾

 من أجل المال، من أجل المكانة، من أجل المُتعة..

﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ ﴾

 يجب أن ينتهي هذا الكَدْحُ إلى الله عزَّ وجل، أن يكون الله هو المقصود من هذا الكدح..

﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ(6) ﴾

 هذا الكدح لابدَّ من أن تلاقيه، إذاً طبيعة الحياة الدنيا طبيعةٌ بذلٍ وجهدٍ وصبر، بذل الجهد، وتحمُّل المشاق، هذه طبيعة الحياة الدنيا، لذلك قالوا: الدنيا دار تكليف لا دار تشريف، الآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل، الآخرة دار جزاء، يجب أن تعرف فلسفة الدنيا، أنت هنا في بذل جهدٍ، إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تصفو لإنسان، لا تصفو لإنسان كائناً من كان، لا راحة لمؤمنٍ إلا بلقاء وجه ربِّه، إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ؛ فيها أمراض، وهموم، وأحزان، ومتاعب، وفقر، وضيق، وشدَّة، وحزن، ومصيبة، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، لأن الرخاء مؤَقَّت، والشقاء مؤقَّت، كله ماضٍ، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.
 شيءٌ آخر، ربنا سبحانه وتعالى يقول في الآية الأولى التي ذكرتها قبل قليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ(6) ﴾

 ( سورة الانشقاق )

 الآية الثانية:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾

 ( سورة البلد )

 أي أن طبيعة حياته، طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يَتَكَبَّدَ الإنسان المشاق، فلمَّا يفهم الإنسان فلسفة الحياة الدنيا على أنها بذلٌ للجهد، وتحمُّلٌ للمشقَّة يتقبَّل فيها كل شيء، أما إذا فهم أنّ الحياة الدنيا راحة واستمتاع، ورفاه وإنفاق للمال، وتناول ما لذَّ وطاب من المأكولات، والاستمتاع بالمباهج حلالاً أو حراماً، فهذا شأن أهل الدنيا، هذا شأن البعيدين عن الله عزَّ وجل، هذا شأن الجُهَّال، يفهمون الدنيا على أنها مكانٌ للراحة، للاستجمام، للسرور، للنزهات، للولائم، للسياحة، للتمتُّع بمباهج الدنيا، هذا الفهم فهم خطير، فأنت في دار عمل، أنت في دار ابتلاء، أنت في دار كَدْحٍ، أنت في دار تَكَبُّدٍ، أنت في دار جهادٍ.
 فهو في لآخرة إما في سرور، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه ]

 الجزاء في الآخرة، التشريف في الآخرة، الاسترخاء في الآخرة، السرور في الآخرة، في جنَّةٍ لا نصب فيها، ولا حزن، ولا شقاء، ولا قلق، ولا مرض، ولا فاقة، ولا أي شيء من مثل هذا.
 أردت من هذا التمهيد أن الإنسان إذا عرف أن سرَّ الحياة أساسه بذل الجهد يقبل بالتكليف، لذلك ما هو التكليف ؟ التكليف شيءٌ فيه كُلْفَة، الله عزَّ وجل خلق الإنسان على طبعٍ، وجعل التكليف مُناقضاً له، فهذا الجسم يميل إلى الراحة، وأنت مُكَلَّفٌ أن تصلي، هذا الجسم يميل إلى أن يستمتع، وأنت مكلَّفٌ أن تغضَّ بصرك عن محارم الله، هذا الجسم يميل إلى اللذَّة، وقد تؤمر أن تدع أيَّةَ لذَّةٍ لا ترضي الله عزَّ وجل، فأي شيءٍ كلَّفك الله به مبنيٌّ على بذل الجهد، مبنيٌّ على الكُلْفَةِ، ولا ترقى إلى الله عزَّ وجل إلا إذا كان هذا الأمر فيه كلفةٌ عليك، لذلك أُمرت بغضِّ البصر، أُمرت بأداء الصلوات، أُمرت بالصيام، أُمرت بالحَج، أُمرت بكف اللسان عن الغيبة والنميمة، أوامر كثيرة مأمورٌ بها تتناقض مع طَبْعِكَ.
 هذا هو الجهاد بذل الجهد في طاعة الله عزَّ وجل، وتحمُّل الشدائد والمشاق، كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليعرفه.

من معاني الجهاد:

 والحقيقة أن الجهاد ل معانٍ كثيرة:
 مثلاً: قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

 ( سورة العنكبوت )

 ما معنى:

﴿ جَاهَدُوا فِينَا ﴾

 يعني بذلوا جهداً كبيراً كي يعرفونا، بذلوا جهداً كبيراً كي يستقيموا على أمرنا، بذلوا جهداً كبيراً كي ينفقوا من أموالهم في سبيل الله، ففي الحياة جهد، هذا الجهد إذا كان في سبيل الله عزَّ وجل فالله سبحانه قال:

﴿ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 معنى ذلك أن السبيل إلى الله بذل الجهد، المجاهدة..

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 الحقيقة المجاهدة أنواع:

1 – جهاد العدو:

 من المجاهدة أن تجاهد العدو، يقول لك: الجهاد.

2 – جهاد النفس والهوى:

 ومن المجاهدة أن تجاهد النفس والهوى:

(( رَجَعْنا مِن الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ، مُجهادة العبد هواه النفس والهوى ))

3 – جهاد الشيطان والمغريات:

 ومن المجاهدة أن تجاهد الشيطان والمُغْرِيَات، عندك مصدر إغراء: الشيطان والشهوات، ونفسك مصدر قَلِق مُقْلِق، والعدو كذلك، فإذا قلنا: الجهاد ؛ نعني به جهاد العدو، ونعني به جهاد النفس والهوى، ونعني به جهاد النفس ضدَّ الشيطان والشهوات.
 والجهاد يكون بالبذل ويكون بالصبر، بذل المال جهاد، بذل الوقت جهاد.

4 – جهاد طلب العلم:

 الإنسان إذا أتى إلى مسجدٍ ليتلقَّى درس علمٍ، ليتعرَّف إلى كتاب الله، إلى حديث رسول الله، إلى موضوعاتٍ في الفقه، إلى سُنَّة رسول الله، هذا جهاد لأنه بذل وقته، بذل وقته رخيصاً في سبيل معرفة الله عزَّ وجل.
 إذاً:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 الجهاد أحياناً يكون ببذل المال، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وفي آياتٍ كثيرة بدأ الله فيها بالمال، وثنَّى بالنفس، بدأ بالمال لأن بذل المال أهون على صاحبه من بذل النفس..

﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾

 ( سورة الأنفال: من آية " 72 " )

 صار معنى الجهاد فيه بذل وفيه تَحَمُّل، البذل إيجابي والتحمُّل سلبي، إذاً: معنى الجهاد الدقيق: " أن تبذل ما في وسعك وأن تتحمَّل المشاق قدر وسعك "، بذلٌ وتحمُّل، إذا فهمنا الحياة الدنيا هكذا لا يعنينا الرفاه، والتَرَف، والسرف، و تهيئة الأمور حتى تغدو مريحةً إلى درجةٍ ننسى فيها مهمَّتنا في الدنيا، نأكل ونشرب، ونسكن، ونتزوَّج، ونعمل، ولكن لهدفٍ كبير دون أن تكون الدنيا هي محطًُّ رحالنا، ومنتهى آمالنا.

﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾

 ( سورة التوبة )

من علامات المنافق كره بذل الجهل وتحمل المشقة:

 المنافق يكره بذل الجهد، يعطي نفسه ما تشتهي، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ))

 ربطها، ملكها، سيطر عليها، حملها على الطاعة، دفعها إلى مرضاة الله عزَّ وجل..

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

(سنن الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ )

 إذاً من علامات المنافقين أنهم يكرهون بذل الجهد، ويكرهون تحمُّل المشقَّة، فهو يريد الدين ثقافة فقط، معلوماتٍ، قصصاً، ومن دون انضباط، من دون غض بصر، من دون تحرير الدخل من الحرام، من دون حمل النفس على طاعة الله عزَّ وجل، يأخذ بكل الرُخَص، والفقهاء قالوا: من تصيَّد الرخص في المذاهب كلها فقد وقع في التلفيق "، والتلفيق هو رقَّةٌ في الدين.

﴿ فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

 ( سورة الفرقان )

تعلُّمُ القرآن وتعليمُه من الجهاد:

 كلمة ( به) تعود على القرآن الكريم، أي فهم كتاب الله، حسن تلاوته، أن تتلوه حقَّ تلاوته، أن تفقه معانيه، أن تتدبَّر آياته، أن تعمل به هذا جهاد، معك كتاب مقرَّر ؛ فيه آيات، فيه قصص، فيه وعد وفيه وعيد، فيه أخبار الأمم السالفة، فيه بِشارات، فيه تحذيرات، أن تقف على معاني هذا الكتاب، أن تفهمها، أن تعمل بها، أن تعيشها، أن تدعو إليها، أن تُلَقِّنَها للناس، أن تعلِّمها لغيرك، هذا جهاد، قال تعالى:

﴿ فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾

 أي بالقرآن

﴿ جِهَادًا كَبِيرًا(52) ﴾

 إذاً إنفاق المال من الجهاد، تَحَمُّلِ المشقَّة من الجهاد، فهم كتاب الله وتعليمه للناس والعمل به من الجهاد..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

(سورة المائدة: من آية " 35 " )

 ما الوسيلة ؟..

﴿ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

 ( سورة المائدة )

 أحياناً يأتي ما بعد الواو تفسيراً لما قبلها، ما الوسيلة ؟ أن تجاهد في سبيل الله نفسك وهواك، إذاً: اللغة المُستعملة حديثاً ليست عربيَّة.. استراتيجية المؤمن في الحياة، مركز الثقل في الحياة عنده بذل الجهد، بينما أهل الدنيا أساس حياتهم التلقي، والراحة، والانغماس في الملذَّات، والاسترخاء، والاستمتاع بكل مباهج الدنيا، لذلك فالمؤمن حياته مجموعةٌ من المتاعب، المتاعب المقدَّسة في سبيل معرفة الله، في سبيل التعريف به، في سبيل التَقَرُّب إليه، في سبيل اخذ نفسه بالعزائم، وحياة أهل الدنيا أساسها ؛ الراحة، والرفاهيَّة، والسرف، والترف، والانغماس في الملذَّات، لماذا كان العلم ضرورياً ؟ من أجل أن تعرف سرَّ وجودك، فالمؤمن يعرف أن الله عزَّ وجل خلقه في الدنيا كي يعرفه..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾

(سورة الطلاق )

فائدة: أواخر سور القرآن تلخيص للسورة:

 أواخر السور ؛ كما عوَّدنا ربنا سبحانه وتعالى فيها تلخيصٌ للسورة كلها، فسورة البقرة تنتهي بقوله تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 ( سورة البقرة )

 أقول: مِن، من تفسيرات هذه الآية لأن القرآن الكريم حمَّال أوجه، ولا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يقول: هذه الآية هذا تفسيرها، هذا كلام الله، وكلام الله لانهائي..

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾

 ( سورة الكهف )

 فحينما تفسِّر، أو حينما تُدْلِي برأي في آيةٍ أو حديثٍ الأوْلى أن تقول: من لأن من للتبعيض، من تفسيرات هذه الآية أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾

 كلمة السماوات والأرض تعني الكون، والكون يعني ما سوى الله، كان الله ولم يكن معه شيء، الكون من خلق الله، فالكون ما سوى الله، لله هذه اللام لام الملكيَّة، ولكن إذا ملك الإنسان قد يملك ولا يحكم، وقد يحكم ولا يملك، قد يملك ولا ينتفع، هو مالكٌ بيتاً، ولكنَّه مؤجّر منذ ثلاثين سنة، وقد ينتفع ولا يملك، وقد يملك وينتفع، والمصير ليس له، عملت المحافظة تنظيم فهدم البيت، قد يملك ولا يحكم، قد يملك، ولا ينتفع، وقد ينتفع ولا يملك، وقد ينتفع ويملك، وليس له المصير، لكن إذا قال الله عزَّ وجل: لِلَّهِ، أي أن هذا الكون مِلْكُهُ مُلْكَاً وتصرُّفاً ومصيراً، والملكيَّة تامَّة والتصرُّف تام والمصير لله عزَّ وجل، ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني كما قال العلماء:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

 نحن في الدنيا إذا شعر الإنسان بآلامٍ في أمعائه، فإذا سكت فالطبيب لا يعلم، أما إذا أبدى هذه الآلام للطبيب فالطبيب قد يعالجها، وقد لا يعالجها، قد يستطيع وقد لا يستطيع، وقد يبدي وقد لا يُبدي، لكن أحياناً بالعناية المشدَّدة يكون القلب موصولا بجهاز التخطيط الإلكتروني، وتجد أن التخطيط مستمر، والنبض مستمر، والضغط مستمر، فالمريض إن تكلَّم أو لم يتكلَّم فالطبيب يعرف مستوى تخطيطه ونبضه وضغطه، فسواءٌ كلام المريض أو سكوته هو بالعناية المشدَّدة، أما بالعناية غير المشدَّدة فإذا تكلم نعالجه، وقد نستطيع، وربما لا نستطيع، وإذا سكت فلا أحد يعرف ما به، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾

 أي أن السماوات والأرض ومن فيها، وما فيها، ومن عليها، ومن تحتها، ومن وسطها، ومن فوقها..

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾

 إذا وُجِد خلل، أو مرض، أو انحراف، أو شهوة، أو إصرار، أو كِبر، أو شِرك، أو استعلاء، إذا كان هناك خلل، وإذا كان هناك ضَغَن، ودَرَن، و قصور، إن أعلنت أو سكت، إن أبديت أو أخفيت، إن أسررت أو أعلنت، إن تكلَّمت أو سكت..

﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

 تشبيه بسيط جداً، كهذا المريض في العناية المشدَّدة، الطبيب عينه على التخطيط، وعينه على الضغط وعلى النبض، فالمريض لم يعد لكلامه قيمة إطلاقاً، إن قال: أنا مرتاح والنبض مئة وثمانون، فكيف أنت مرتاح ؟ إذا قال: أنا ضغطي نازل، وضغطه ثلاثة وعشرون، فكلامه لم يعد له معنى.

العلاج الإلهي:

 فأنت كمؤمن أنت في العناية المشدَّدة، إن أردت تتكلَّم أو تظل ساكتاً، تبدي أو تخفي، تعلن أو تكتم كله سواء..

﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه ﴾

 فالبطولة هناك طريقان للشفاء، كيف أن في الطب أيضاً طريقين: طريق المعالجة السريريَّة، وطريق العمل الجراحي، إذا انتبه أحد لنفسه في الوقت المناسب، وكان عنده رغبة صادقة في الشفاء قد يعالج علاجاً لطيفاً من دون إزعاج، من دون فتح بطن، من دون تخدير عام، من دون أن يسيل الدم، من دون أن يشعر بآلام، فإذا أصرَّ على خطئه، أصرَّ على ضلاله، على انحرافه، يأتي العلاج الجراحي، فإذا خالف الإنسان، وعصى، وقصَّر، أو فعل شيئاً لا يرضي الله عزَّ وجل، إما أن يستغفر، ويتوب، ويصلح، ويقبل حتى يَطْهُر، وإما أن ينتظر العلاج الإلهي، وربنا عزَّ وجل علاجه دقيق، وعلاجه صعب أحياناً، ومصيبته مصيبة، إذا أصاب الله الإنسان بشيء، فالله سمَّاها مصيبة، لأنها تصيب الهدف تماماً.
 فهذه الآية سبحان الله تلخيص لسورة البقرة:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 إذا ندم الإنسان، وتاب توبة نصوحا، وتراجع، وأصلح، وأقبل، وأقلع وعزم..

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

صار العلاج سريريًا، حبتان يأخذهما المريض، حمية بسيطة، وانتهى الأمر ؛ أما إذا أصرَّ الإنسان على خطئه صار العمل الجراحي ضرورياً، ساعتها الله عزَّ وجل يُضَيِّق عليه، يتوب عليه ليتوب، معنى يتوب عليه ليتوب أي يحمله على التوبة، يعني يسوق له من الشدائد ما يحمله بهذه الشدائد على التوبة، فإذا تابَ تاب عليه، توبة الله قبل توبة العبد لها معنى، وبعد توبة العبد لها معنى، قبل توبة العبد أن يحمله الله على التوبة، وبعد توبة العبد يكون قبول التوبة، هذه الآية كلَّما قرأناها نتذكَّر المعنى..

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾

 ما في السماوات والأرض مُلْكٌ لله، مُلْكَاً تاماً وتصرُّفاً ومصيراً..

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا ﴾

 أيها البشر..

﴿ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾

 أنت في العناية المشدَّدة نفسك مكشوفة عند الله، أحوالك، أقوالك، مشاعرك، صراعاتك، طموحاتك، تمنيَّاتك، نواياك كلَّه مكشوف، أنت مكشوف عند الله عزَّ وجل..

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

 لأنك في العناية المشدَّدة..

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

 أنت مخيَّر بأن تحب العلاج الأسهل، العلاج السريري، تناول الحبوب، تناول الأدوية، حِمْيَة بسيطة، كله ممكن، أما إن كنت لا تريد فأمامك عمل جراحي، وفيه مهانة وذل، الله عزَّ وجل عنده عذاب مهين، وعنده عذاب عظيم، وعنده عذاب أليم، وأحياناً يجمع عذابين بآنٍ واحد، عنده قلق، الإنسان أحياناً يقلق، يخوِّفه، فتجد قلبه فارغاً، أحيانا يَلُفّ في قلبه الانقباض، تجد أنه متضايق ؛ يشعر بانقباض، وخوف، وقلق، وحزن، واختلال توازن، و شعور بالفقر دائماً وبالحرمان، وآلام بالجسد، وفي أمراض وبيلة، وفي مضايقات خارجيَّة، وفي مواقف مهينة، فإذا لم يقبل الإنسان بالإقلاع، والندم، والإقبال، والاستغفار، والاتصال بالله، فهناك علاجات لكنَّها مُرَّة، فالبطل الذي يأتي طوعاً في الوقت المناسب.
 وهناك آية ثانية:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

 ( سورة آل عمران: من آية " 18 " )

 فربنا عزَّ وجل جعل من لوازم أهل العلم أنهم يشهدون للخلق أن الله قائمٌ بالقسط أي عادل، فأية قصَّةٍ، أو أي تفسيرٍ، أو أي توجيهٍ، أو أي حديثٍ، أو أية دعوةٍ، أو أية نظريَّةٍ، أو أية فكرةٍ، أو أية مبدأٍ يوحي بأن الله ليس بعادل فهذا باطلٌ في باطل، وهذا المتكلِّم جاهل بشهادة ربنا عزَّ وجل..

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

 ( سورة آل عمران: من آية " 18 " )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 ( سورة الزلزلة )

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾

 ( سورة النساء )

 الفتيل: خيط في نواة التمر..

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾

 ( سورة النساء )

﴿ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

 ( سورة غافر )

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

 ( سورة العنكبوت )

 كلُّها آيات قطعيَّة الدلالة، فلذلك أية قصَّة تسمعها خلاف هذه الآيات ارفضها، وإن لم ترفضها قل كما أقول لك، قل: هذه القصَّة أسمعتني منها فصلاً، وهذا الفصل لا يكفي كي نحكم على أصحابها، إن لم نسمع فصولها كلَّها لسنا مُؤَهَّلين أن نحكم على أصحابها، وهذا رد لطيف، أما توجد قصص مفادها، وظاهرها أن الله ظالم، مفادها في الظاهر أن الله عزَّ وجل يعذب المستقيم ؛ بينما المنحرف قوي، وفي نعمة، هكذا، هذا كلام مؤدَّاه أنه لا توجد حكمة إلهيَّة، فلذلك الله عزَّ وجل قال:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾

 ( سورة آل عمران: من آية " 18 " )

 والذي ورد في الأثر أنه: " من أحيا ليلتي العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب ".
 فمن إحياء ليلة القدر صلاة التَهَجُّد، وقد صليناها بحمد الله عزَّ وجل، ومن إحياء ليلة العيد صلاة التسابيح.

شرح كيفية صلاة التسابيح:

 صلاة التسابيح عبارة عن ثلاثمائة تسبيحة يجب أن نقولها في أربع ركعات، التسبيحات هي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهذه الجمل الأربع تعد مرة أو تسبيحة واحدة، نبدأ بعد تكبيرة الإحرام بدعاء الاستفتاح، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، ونعد خمس عشرة مرَّة سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويمكن للشخص بأصابعه أن يعد خمس عشرة مرَّة، وبعدها يقرأ الإمام الفاتحة، وما تيسَّر من القرآن، ونرجع نعد كذلك عشراً، بالركوع عشراً فصار العدد خمساً وثلاثين، وعند كل حركة عشر، أي في كل ركعة خمس وسبعون مرَّة.
 الله عزَّ وجل قال:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

 ( سورة الكهف: من آية " 46 " )

تفسير الباقيات الصالحات:

 في بعض التفاسير الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أما المال فقد يكون معك ألف مليون، ولكن ( سبحان الله ) أفضل من هذا المال كله، لأنها صالح يبقى.
 في تفسير الآية إذا قلت: سبحان الله، أي سبَّحت الله، أي نزَّهته، ومجَّدته، هذه سبحان الله، والحمد لله حمدته، ولا إله إلا الله وحدَّته، والله أكبر كبَّرته، إذا سبَّحته وحَمِدَّته ووحدته، وكبرته فقد عرفته، وإذا عرفته هذه المعرفة أفادتك إلى أبد الآبدين، أما المال والبنون فتنتهي بموت الإنسان.
 الآية جميلة المعنى جداً.

﴿ المَالُ وَالبَنُونَ ﴾

 لكن موضوع القراءة الشكليَّة الجافة الجوفاء ليس لها معنى، الإسلام لم يكن هكذا، فإذا قلت: سبحان الله يجب أن تسبِّح نفسك بعظمة الله عزَّ وجل، لا إله إلا الله ألا ترى مع الله إلهاً آخر، الله أكبر مهما عرفت عن عظمته فهو أكبر، فإذا عاين الإنسان، وحاول، وتأمَّل في معاني هذه التسبيحات، والتهليلات، والتكبيرات فعليه أن يعانيها، ويعيش معانيها ومدلولها لكي تحقق التسابيح معناها، والهدف الذي نرجوه من ورائها.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع