45360
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (10-70) : أنواع العلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-12
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العلم أحد أكبر أسباب الوصول إلى الله :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع العلم كأحد أكبر أسباب الوصول إلى الله، وبرنامجنا: "سبل الوصول وعلامات القبول".
أولاً: الإنتاج العقليُّ والشعوريُّ للبشرية لا يزيد عن علمٍ وفلسفة، فالعلم ما هو كائن، والفلسفة ما يجب أن يكون، العلم تحكمه القوانين، أي علاقة ثابتة بين شيئين مقطوعٌ بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، فإن لم يكن مقطوعٌ بصحتها كانت وهماً، أو شكاً، أو ظناً، العلم يقيني، العلم قطعي، علاقةٌ بين شيئين، مقطوعٌ بصحتها، تطابق الواقع، لو لم تطابق الواقع لكانت جهلاً محضاً.
مثلاً تركب مركبة، تألق ضوءٌ أحمر، إذا توهمت أن هذا الضوء تألق تزييني فهذا جهل، الواقع هذا الضوء تألق تحذيري، نقص الزيت في المحرك، فإذا فهمت أن هذا التألق تزييني فهذا هو الجهل بعينه، أما إذا فهمته تحذيرياً فهذا هو العلم، يطابق الواقع، عليه دليل، من دون دليل تقليد، والله عز وجل لا يقبل إيمانك تقليداً، الدليل:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد الآية: 19 ]

ما قال: فقل، لو قَبِل الله الإيمان تقليداً إذاً لكانت كل الفرق الضالة ناجيةً عند الله، لأنها قلدت من أمرها أن يقول كذا وكذا، إذاً العلم علاقةٌ بين شيئين، مقطوعٌ بصحتها، ليست شكاً، ولا وهماً، ولا ظناً، تطابق الواقع عليها دليل، بتعريفٍ مختصر العلم ما طابق الواقع مع الدليل، العلم واقع، العلم ما هو كائن، الفلسفة ما يجب أن تكون، أبواب الفلسفة فلسفة المعرفة معرفة الله عز وجل، فلسفة الوجود وجود الله عز وجل، فلسفة القيم، نحن في العلم، لذلك قال تعالى: ما لم تكن حياتك كلها يقينيات لا تنجو

﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ﴾

[ سورة النجم ]

ما لم تكن حياتك كلها يقينيات لا تنجو، الناس يعيشون الأوهام، فكرة بلا دليل، دليل غير صحيح، دليل ظني، ما لم تكن حياتك مبنيَّةً على اليقينيات القطعية لا ينجو أحدنا من عذاب الله، والدليل:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

والدليل الآخر علة وجود أهل النار في النار الجهل.

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك ]

طلب العلم يفضل نوافل العبادات :

أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً: أن العلاقة بين أي أمرٍ إلهيٍ وبين نتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أي الأمر الإلهي في بذور نتائجه، إن كنت أميناً وثق الناس بك، إن كنت رحيماً رحمك الناس، الآن الطريق الوحيد إلى معرفة الله هو العلم، والدليل:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر الآية: 28 ]

ما لم تطلب العلم لن تخشى الله
إنما أداة قصر وحصر، أي ما لم تطلب العلم لن تخشى الله، الشيء الذي يغيب عن ذهن بعض الناس أن:

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم، أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فريضة، وطلب العلم لا يقل فرضيةً عن أداء الصلاة.

((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

طبعاً على كل شخصٍ مسلم، أي مسلم ومسلمة، بل إن طلب العلم يفضل في ثمراته نوافل العبادات ـ طبعاً الفرائض فوق كل شيء ـ طلب العلم يفضل في ثمراته نوافل العبادات، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة، وطلب العلم يوماً خير من صيام ثلاثة أشهر ))

[كنز العمال عن ابن عباس]

طلب العلم يفضل نوافل العبادات:

(( تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، منار سبيل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح عند الأعداء، والزين عند الأخلاء، القرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الجنة قادة ))

[كنز العمال عن معاذ بن جبل]

أنواع العلم :

أصل الدين معرفة الله
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: هناك علمٌ بالله، وعلمٌ بأمره، وعلمٌ بخلقه، تقسيم دقيق جداً؛ علمٌ بالله، وعلمٌ بأمره، وعلمٌ بخلقه، أو علمٌ بالحقيقة، إن شئت أن تسمي ذلك حقيقةٌ، أو علمٌ بالشريعة، أو علمٌ بالخليقة، العلم بالله أصل الدين، أصل الدين معرفة الله، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من أمر الآمر، العلم بالله أصل الدين، والعلم بأمره أصل العبادة، والعلم بخلقه أصل صلاح الدنيا، الله عز وجل في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة تقترب من الألف آية دعا إلى العلم به، من خلال التفكر في خلق السموات والأرض فقال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران ]

الأوامر في القرآن الكريم شمولية أو تفصيلية :

فلينظر الإنسان مما خلق
الآن هناك أوامر تفصيلية.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

[ سورة الطارق ]

النطفة لا ترى بالعين، البويضة كحبة الملح:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾

[ سورة الطارق ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾

[ سورة عبس ]

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

[ سورة الغاشية ]

أمر شمولي

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

وأوامر تفصيلية، ومن الأوامر التفصيلية:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

آيات الله عز وجل في الآفاق و جسم الإنسان :

انظر إلى الشمس واسأل: من رفعها نارا؟
أيها الأخوة الكرام، أمثلة انظر إلى الشمس واسأل من رفعها ناراً؟ من نصبها مناراً؟ من ضربها ديناراً؟ من علقها في الجو ساعة يدب عقرباها إلى قيام الساعة؟ من الذي أتاها معارجها؟ وهداها أدراجها؟ وأحلها أبراجها؟ ونقل في سماء الدنيا سراجها؟ الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابها بأجزائه وفصوله، لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه، ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها، تحطمت القرون على قرنها، ولم يمحُ التقادم لمحة حسنها، تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، لسان اللهب يزيد طوله عن مليون كيلو متر، الحرارة في جوفها عشرون مليون درجة، لو ألقيت الأرض في جوفها لتبخرت في ثانيةٍ واحدة، الذي خلق الشمس والقمر، والليل والنهار، هذا الإله يعصى؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ ألا يخطب وده؟.
نجم قلب العقرب يتسع للشمس والأرض والمسافة بينهما
هناك نجم اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة فصلت الآية: 53 ]

قلب الإنسان يعمل دون راحة ولا توجيه
انظر إلى القلب، انظر إلى القلب في فعله وأثره، وغرضه ووطره، وقدرِه وقدرَه، وحيطانه وجدره، ومنافذه وحجره، وأبوابه وستره، وكهوفه وحفره، وجداوله وغُدره، وصفائه وكدره، ودأبه وسهره، ينبض القلب في الجنين ولا يقف إلا حينما يحين الحين، لا يغفل ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمد ولا يخبو، ولا يمل ولا يشكو، هو دائبٌ صبور بأمر الذي أحسن خلقته، وأعدّ له عدته، وأوقد فيه جذوته، وقدر له أجله ومدته، يعمل من دون راحة، ولا مراجعة، ولا توجيه.
أي الإنسان الذي عنده بيت متوسط، يستهلك بالعام ألف لتر وقوداً سائلاً، هذا القلب يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، قلب كل واحدٍ منا يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة، تجري في مئةٍ وخمسين كيلو متراً من الأوعية، طول الأوعية لو وصلناها مع بعضها هو مئة وخمسون كيلو متراً، ويضخ في عمرٍ متوسط لإنسان عاش ستين سنة ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم، قال تعالى:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة فصلت ]

النمل آية من آيات الله الدالة على عظمته :

النملة هداها الله للبحث رزقها وتخزينه بالشكل الأمثل
خذ مخلوقاً مألوفاً ـ هذا كلام سيدنا علي ـ انظر إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها وصبت على رزقها؟ تنقل الحبة إلى جحرها وتعدها في مستقرها، حينما تضع الحبة في جحرها تأكل رشيمها ـ لو لم تأكل هذا الرشيم لنبتت القمحة، كأنها دارسة، هذا الرشيم كائن حي إذا جاءته الرطوبة نما، تأكل الرشيم، حبة العدس لها رشيمان، النملة تأكل الرشيمين معاً ـ تنقل الحبة إلى جحرها تُعدها في مستقرها، إن هاجمها عدو ترسل رسالة استغاثة، إذا كان بإمكان زميلاتها أن ينقذنها، أما إذا كان العدو شرساً جداً إشارة أخرى ابتعدوا عن المذبحة، الله عز وجل أثبت للنملة المعرفة:

﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة النمل ]

أثبت لها المعرفة، وأثبت لها الكلام، تجمع في حرها لبردها، وفي وردها لصدرها، مكفولةٌ برزقها، مرزوقةٌ بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، الله يعلم دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.
انظر كيف نبتت الحبة فأصبحت شجرة
أخواننا الكرام، هناك بحوث علمية عن النمل شيء لا يصدق، أي كيف عندنا تربية، وجيش، وتعليم، وتصنيع، وزراعة، وإنشاء بيوت، بحث طويل، لو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها، وما في الجوف من شراشيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

[ سورة هود الآية: 6 ]

انظر إلى النبات، انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة، كيف نمت من حبةٍ؟ وكيف صارت شجرة؟ فابحث وقل: من ذا الذي يخرج منها الثمرة؟ وانظر إلى الشمس التي جذوتها مستعرة، من ذا الذي أوجدها في الجو مثل الشررة؟ وانظر إلى الليل فمن أوجد فيه قمراً؟ وزانه بأنجمٍ كالدرر المنتثرة؟ وانظر إلى الغيم فمن أنزل فيه مطراً فصيّر الأرض به بعد اصفرار خضرة؟ ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة، ذو حكمةٍ بالغةٍ، وقدرةٍ مقتدرة.

أعظم العلوم معرفة الله عز وجل :

التفكر أعظم عبادة
أخواننا الكرام، أعظم العلوم أن تعرف الله، شرف العلم من شرف مضمونه، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء:

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء ))

[تفسير ابن كثير]

التفكر في خلق السماوات والأرض أعظم عبادة، لأنك إن عرفت الله قدرته حق قدره.

﴿ ليلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر ]

أي أن تعبد الله ثمانين عاماً عبادة جوفاء تعدلها ليلةٌ واحدة،

﴿ ليلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

لكل شيءٍ عماد وعماد الدين الفقه :

البحث طويل، هذا عن العلم بالله، فماذا عن العلم بأمر الله؟ أنت حينما تعرف الله تتشوق نفسك إلى أن تتقرب إليه، كيف التقرب إليه؟ بتطبيق أمره ونهيه، لذلك أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، بعد أن تتعرف إلى الله تشعر بحاجة كبيرة جداً إلى أن تتقرب إليه، الآن تبحث عن أمره ونهيه، يأتي العلم بأمر الله، العلم بالله هذا الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ينطق بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أما بعد أن تعرف الله ـ ما الحلال؟ ما الحرام؟ ما الذي ينبغي؟ ما الذي لا ينبغي؟ ما الذي يجوز؟ ما الذي لا يجوز؟ ماذا يرضي الله؟ ـ تأتي الحاجة ملحةً إلى معرفة أمره ونهيه.
الشريعة عدل كلها ورحمة كلها
أيها الأخوة الكرام، الشريعة عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، مصلحةٌ كلها، حكمةٌ كلها، أية قضيةٍ في الشريعة خرجت من العدل إلى الجور، من الرحمة إلى ضدها، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل، هذا الشرع يتناسب مع عظمة الله، ومع كمال الله.
لذلك دخلنا في علمٍ آخر هو علم الشريعة، قال عليه الصلاة والسلام:

((إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))

[أخرجه البخاري و الطبراني عن معاوية ]

وفي الحديث الشريف الصحيح:

(( قليل العلم خيرٌ من كثير العبادة ))

[ أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الله بن عباس ]

أهل الذكر أهل القرآن
بالفقه يأتي العمل مطابقاً للسنة، بالفقه تلاحظ الإخلاص، العمل الصالح من دون إخلاص لا ينفع كثيره ولا قليله، بل إن التفقه في الشريعة بعد معرفة الله يعد من أفضل العبادات، أي أن تسأل ما الحلال في البيع والشراء؟ ما الحرام؟ أين توجد الشبهات؟ هذا اللقاء يقبله الله؟ مشروع عند الله؟ هذه الصفقة مشروعة؟ علامة المؤمن أنه يسأل، والله قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

أهل الذكر أهل القرآن، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( ما عُبد الله عز وجل بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد ))

[ البيهقي عن أبي هريرة ]

ولكل شيءٍ عماد وعماد الدين الفقه، إذاً علمٌ بالله من أجل أن تعرفه، علمٌ بأمره ونهيه من أجل أن تعبده.

علم الخليقة :

بقي علمٌ آخر طبعاً العلم بالله يحتاج إلى مجاهدة، جاهد تشاهد، العلم بالأمر والنهي يحتاج إلى مدارسة، بقي علم الخليقة هذا اختصاص جامعات العالم، أي فيزياء، كيمياء، رياضيات، طب، هندسة، فلك، تربية، علم نفس، علم اجتماع، هذه علوم الخليقة، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

[ سورة لقمان الآية: 20 ]

طبعاً العالم الغربي تفوق علينا كثيراً في علم الخليقة، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا العلم، هذا العلم سبب قوتنا، عندما أتقن علم الخليقة فرض علينا ثقافته، وإباحيته، وإرادته، تعلم العلوم المادية يحقق عمارة الأرض عن طريق استخراج ثرواتها، واستثمار طاقاتها، وتذليل الصعوبات، وتوفير الحاجات، قال تعالى:

﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾

[ سورة هود الآية: 61 ]

أي نحن مكلفون من قبل الله أن نعمر الأرض باكتشاف الثروات، تصنيع الثروات، استصلاح الأراضي، إنشاء السدود، تطوير الزراعة، هذا كله واجباتنا.

أحد أسباب قوة المسلمين تعلم العلوم المادية :

أيها الأخوة الكرام، تعلم العلوم المادية أحد أسباب قوة المسلمين، فالتعلم والتعليم قوام هذا الدين، ولا بقاء لجوهره، ولا ازدهار لمستقبله إلا بهما، والناس أحد رجلين متعلمٌ يطلب النجاة، وعالمٌ يطلب المزيد، وقد قال عليه الصلاة و السلام:

(( العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر الناس لا خير فيه ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

الناس رجلان: عالم ومتعلم ولا خير فيمن سواهما
الناس رجلان؛ عالمٌ ومتعلم ولا خيرٌ فيمن سواهما، قيل: تعلموا العلم؛ إن كنتم سادةً فقهتم به، إن كنتم وسطاً سدتم، إن كنتم سوقةً عشتم، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، لذلك لابد من أن تكون:

(( اغد عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك ))

[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة]

تعليقاتٌ سريعة: العلم الذي نرتزق منه وكفى، حرفةٌ من الحرف، نرتزق منه فقط ولا نعرف الله به، العلم الذي لا يصل تأثيره إلى نفوسنا، حذلقة لا طائل منها، العلم الذي يجعلنا نتيه على غيرنا نوعٌ من الكبر، العلم الذي يعطل فينا المحاكمة السليمة نوعٌ من التقليد، العلم الذي يوهمنا أننا علماء كبار نوعٌ من الغرور، العلم الذي يسعى إلى تدمير الإنسانية الأسلحة الجرثومية، القنابل العنقودية، هذا العلم نوعٌ من الجريمة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( اللَّهمَّ إِني أَعُوذُ بك من قَلْبٍ لا يَخْشَعُ، ودعاءٍ لا يُسمعُ، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن علمٍ لا يَنفَع ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

أيها الأخوة الكرام، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS