16088
التفسير المطول - سورة طه 020 - الدرس (1-9): تفسير الآيات 1 - 8
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1988-01-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الأول من سورة طه .
 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

تفسير كلمة ( طه ):

التفسير الأول :

 أولاً : طه ، قال بعض المفسِّرين : " الله أعلم بمراده " .

التفسير الثاني :

 وقال بعضهم الآخر : " إن القرآن الكريم إنما صيغَ من هذه الحروف ، وهذه الحروف الهِجائيَّة بين أيديكم ، فإن استطعتم أن تأتوا بمثل هذا القرآن فأتوا بمثله ، وإن استطعتم أن تأتوا بسورةٍ منه فافعلوا " ،

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)﴾

( سورة البقرة )

التفسير الثالث :

 أن هذه الحروف التي صُدِّرت بها بعض السور إنما هي أسماء لهذه السوَر " ، فهذه السورة اسمها سورة طه ، لكن الإمام الفخر الرازي في تفسيره الشهير يورد تفسيراً لتابعيٍ جَليل هو سعيد بن جبير ، يقول هذا التابعي الجليل : " طه اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، الاسم الأول الطاهر ، والاسم الثاني الهادي ، والله سبحانه وتعالى يخاطب النبي علبه الصلاة والسلام ويقول له : يا طاهراً من الذنوب ، ويا هادياً إلى علاَّم الغيوب " ، وهناك تفسيرٌ آخر هو أن الطاء تمثِّل طَرَبَ المؤمنين في الجنَّة ، والهاء تمثِّل هوان الكافرين في النار ، وبعضهم يقول : "طوبى لمن اهتدى " .

القرآن حمَّال أوجهٍ :

 القرآن كما تعلمون أيها الإخوة حمَّال أوجه ..

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا(109)﴾

( سورة الكهف )

 فإذا قلت : الله أعلم بمراده فقد أصبت ..

﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 7 " )

 وإن قلت : إن طه حرفان ، منهما ومن أمثالهما صيغَ هذا القرآن الكريم ، وهو الكتاب المعجز فقد أصبت ، وإن قلت : إن طه اسمٌ لهذه السورة فقد أصبت ، وإن قلت : إن طه اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، يا طاهراً من الذنوب ، ويا هادياً إلى علام الغيوب ، فقد أصبت ، وإن كانت طه إشارةً إلى العبارة طوبى لمن اهتدى فقد أصبت ، وإن رمزت إلى الطاء بطرب أهل الجنَّة بالجنَّة ، والهاء هوان أهل النار في النار فقد أصبت ، والله سبحانه وتعالى هو وحده يعلم سرَّ هذين الحرفين ..

﴿ طه ﴾

الراجح في كلمة ( طه ):

 لكنَّ الذي يُرَجِّحُ أن هذين الحرفين اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، أن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 أي يا طه ما أنزلنا عليكَ ، فهذه الكاف هي كاف الخطاب .
 شيءٌ آخر ؛ ورد في بعض التفاسير أن للنبي عليه الصلاة والسلام أسماء كثيرة منها طه و يس ..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 قبل أن ننتقل إلى الآية الثانية ، إذا كان أرجح التفاسير أن الطاء تعني أن النبي عليه الصلاة والسلام طاهرٌ من الذنوب ، وإذا كانت الهاء تعني أن النبي عليه الصلاة والسلام هادٍ إلى علام الغيوب ، وبما أن المؤمنين قد أُمِروا بما أُمِرَ به المرسلين ..

(( إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

( الترمذي عن أبي هريرة )

موقف المؤمن من معنى هذين الحرفين : الاقتداء :

 فما موقفنا نحن المؤمنين من هذين الحرفين ؟ هل طَهَّرنا أنفسنا من الذنوب ؟ وهل حاسبنا أنفسنا في الدنيا حساباً عسيراً ليكون حسابنا يوم القيامة حساباً يسيراً ؟ وهل راجعنا أنفسنا ؟ وهل أيقنا بقوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

( سورة الزلزلة )

 هل راجعنا حساباتنا مساء كل يوم ؟ وهل تَبَصَّرنا بأعمالنا ، أفيها مخالفةٌ ، أم فيها انحرافٌ ، أم فيها تقصيرٌ ، وهل فيها معصيةٌ ، أو فيها خرقٌ لحدود الله ، وهل طهَّرنا أنفسنا من الذنوب ؟ وهل ضبطنا سلوكنا وَفْقَ كتاب الله وسُنَّة رسوله ؟ إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يثني الله عليه بأنه الطاهر الهادي ، فأين نحن من هاتين الصفتين ؟ هل طهَّرنا أنفسنا ؟ وهل طهَّرنا قلوبنا مما سوى الله من الأمراض النفسيَّة ؟ ومن مشاعر الاستعلاء ومشاعر الأثرة ، ومن المشاعر التي لا تليق بالإنسان ، أين نحن من تطهير أنفسنا من الذنوب ؟
 يا أيُّها الإخوة المؤمنون ... كل صفةٍ وُصِفَ بها النبي عليه الصلاة والسلام لابدَّ أن يكون للمؤمن منها نصيب ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد وصفه الحقُّ جلَّ وعلا بأنه الطاهر الهادي فلابدَّ أن يكون المؤمن على شيءٍ ، ولو يسيرٍ من الطهر ومن الهدى ، يا طاهراً من الذنوب ، ويا هادياً إلى علام الغيوب .

رفعة النبي عليه الصلاة والسلام وحرصه على هداية الناس :

 وشيءٌ آخر ؛ هو أن الله سبحانه وتعالى يبيِّن رفعة هذا النبي الكريم..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 كأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد شَقِيَ بمعنى أتعب نفسه ، وحَمَّلها فوق ما تطيق ، إما لأنه تَحَسَّر على قومه ، وتأسَّف عليهم ، وحزن لصدِّهم عن سبيل الله ، وإما لأنه رأى أن كل إنسانٍ هو أخوه في الإنسانيَّة ، وإما لأن قلب النبي عليه الصلاة والسلام مُفْعَمٌ بالرحمة ، فحينما يرى البشر قد حادوا عن الطريق المستقيم تتفطَّر نفسه ، ويتفطَّر قلبه ألماً لِما سيحلُّ بهؤلاء الناس الغافلين من آلامٍ ومن عذابٍ في الدنيا والآخرة ..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

معاني الآية :

المعنى الأول :

 كأنَّ الله سبحانه وتعالى يُسَلِّي نبيَّه الكريم ، فيُخَفِّف عنه ، ويطمئنه ، وتجاوزت الحد المعقول ، تجاوزت الحد الذي كُلِّفْتَ به ، ما كلَّفناك هذا ، ما كلفناك فوق ما تطيق ، ما أردنا أن تتعب نفسك هذا التعب ، وما أردنا أن تشقى من أجل الناس ، فالله سبحانه وتعالى يخفِّف عن نبيه ، ويسلِّيه ، ويبيّن لنا النفس الكريمة التي انطوى عليها .
 نحن إن اهتدى الناس فقد اهتدوا ، وإن لم يهتدوا قلنا : لا يهتدون ، فماذا أفعل لهم ، بماذا يُحِسُّ المؤمن إذا دعا إلى الله ، ولم يُسْتَجَب له ؟ فهل يحسُّ بهذا الإحساس المُضني ؟ وهل تتمزَّق نفسه ؟ وهل يتفطَّر قلبه لما يرى من إعراض الناس ، وغفلتهم ، وانغماسهم في الشهوات ، وبعدهم عن الحق ، وتورُّطهم في بعض المعاصي .
 أيُّها الإخوة الأكارم ... النبي عليه الصلاة والسلام هذا حاله ، وهو على خُلُقٍ عظيم ، وهو سيِّد الخلق ، وهو سيد ولد آدم ولا فخر .. كما يقول عن نفسه .. وهو العروة الوثقى ، وهو الوسيلة ، وهو صاحب الشفاعة ، وإن الله عزَّ وجل يبيِّن لنا رحمة هذا النبي الكريم ..

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

( سورة التوبة )

 وإذا قرأت هذه الآية فلا شكَّ أنك تحسُّ عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ، كما يقول عليه الصلاة والسلام :

((... يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا ، وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ))

( صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ )

(( ولو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ))

( ورد في الأثر )

 والنبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يذكر أن روح الميِّت ترفرف فوق النعش فتقول : " يا أهلي يا ولدي لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرُم فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه فالهناء لكم والتبعة علي .. " .
 ثم يقول عليه الصلاة والسلام :

((ما من بيتٍ إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرَّات فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله ، وانقطع رزقه ألقى عليه غمَّ الموت فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والناشرة شعرها ، والصارخة بويلها فيقول ملك الموت : ممَّ الفزع ؟ وفيمَ الجزع ؟ ما أذهبت لواحدٍ منكم رزقاً ولا قرَّبت له أجلاً ، وإن لي فيكم لعودة حتى لا أُبقي منكم أحداً ، فو الذي نفس محمدٍ بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم ))

  ثم يقول عليه الصلاة والسلام :

(( فو الذي نفس محمدٍ بيده لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوةٍ ، ولا شربتم شراباً ، ولا دخلتم بيوتكم تستظلون بها ، بل لذهبتم إلى الصُعُدات تبكون على أنفسكم وتلدمونها ))

( ورد في الأثر )

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام يرى المصير ، مقام النبوَّة مقام الرؤيا ، لقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام مصير الإنسان إذا كان معرضاً عن الله عزَّ وحل ، رأى شقاءه الأبدي ، وهو أرحم الخلق بالخلق ، إذاً هو حينما يدعو الناس إلى الله عزَّ وجل ، وهم يعرضون إنه يتفطَّر عليهم ، ويتألَّم ، ويحزن ، من هذه المعاني قول الله عزَّ وجل :

﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ﴾

( سورة الكهف : من آية " 6 " )

﴿ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف : من آية " 2 " )

﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة النحل : من آية " 127 " )

﴿ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾

( سورة فاطر : من آية " 8 " )

 هذه الآيات الأربع من هذا القبيل ..

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 هل يؤلمك أن ترى أخاً لك في طريق الضلال ، أم تقول في نفسك : ما لي وله ، ليفعل ما يشاء ؟ إن قلت : ما لي وله ، ليفعل ما يشاء ، فليس في القلب رحمة ، هل تتألَّم إذا دعوت إنساناً لطاعة الله ، وسخِرَ من هذه الدعوة ؟ وهل يتفطَّر القلب ألماً إذا رأيت مَن حولك في طريقٍ الهاوية ؟ فإن كنت كذلك فأنت تقفو أثر النبي عليه الصلاة والسلام ، إن كنت كذلك فأنت من أمَّته ، لأن الراحمين يرحمهم الله .

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 هذا هو المعنى الأوَّل .

المعنى الثاني :

 أن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة عنايته بهذا الكتاب تلاوةً ، وتعليماً ، وقراءةً ، وتعبُّداً حمَّل نفسه فوق ما يطيق ، إنه يمضي معظم الليل يصلي قائماً إلى أن تورَّمت قدماه ، إنه يمضي معظم أوقاته في تعليم الناس ، وفي توجيههم ، وفي هدايتهم ، إنه يحفظ هذا الكتاب ، وينقله نقلاً أميناً للبشر الذين أنيط هداهم به ، فالله سبحانه وتعالى يخفِّف عنه ..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 بعض الجُهد ، لا تُحمِّل نفسك ما لا تطيق ، فجسدك له عليك حق ، استرح ولو قليلاً ..

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ ﴾

( سورة المزمل : من آية " 20 " )

 إذاً إما أن تفهم الآية :

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 على أن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة ما انطوى قلبه على رحمةٍ مُزجاةٍ للبشر كافَّةً إذا رآهم منحرفين ، أو معرضين ، أو ضالين يتفطَّر قلبه ، ويتحمَّل كما تتحمَّل الأم الرؤوم من الآلام حينما ترى أولادها على غير الطريق الصحيح سائرين ، فهو كالأم تماماً .
 والمعنى الثاني : أن النبي عليه الصلاة والسلام حمَّل نفسه فوق طاقتها ، فأتعبها ، وكان في الليل قَوَّاماً ، وفي النهار داعياً ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعته السيدة خديجة إلى أن يأخذ قسطاً من الراحة بُعَيْدَ نزول الوحي عليه ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

((انقضى عهد النوم يا خديجة))

( ورد في الأثر)

 قام قومةً واحدة ، ودعا إلى الله ، ولبث في قومه ثلاثة وعشرين عاماً ، حقَّق من خلالها ما لا يفعله البشر قاطبةً ، قَلَبَ وجه الأرض ، إذْ أرسى قواعد العدل ، لقد جاء الحياة فأعطى ، ولم يأخذ ، وقدَّس الوجود ، ورعا الإنسان ، وكان مثلاً أعلى ، ألم يَدْعُه أترابه حينما كان صغيراً إلى اللعب ، فقال عليه الصلاة والسلام وهو في سنِّ الطفولة :

((لم أُخْلَق لهذا))

( ورد في الأثر )

 ألم ينزل عليه قوله سبحانه وتعالى :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)﴾

( سورة الشرح )

 هذا الحِمل الثقيل ، عبء الدعوة ، عبء الهداية كان يحمله ، ولا يدري ما المخرج ، كيف يدعوهم ؟ وبأية صفةٍ يدعوهم ؟ إلى أن أنزل الله عليه الوحي ، ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿ وَالضُّحَى(1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)﴾

( سورة الضحى )

 فلذلك هذه الآية :

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 ما أردنا أن يكون هذا القرآن مُتْعِبَاً لك إلى هذا الحد ، وما أردنا أن يكون القرآن يحمِّلك ما لا تطيق ، ونحن بعد ألفٍ وأربعمئة عام نتمنَّى على الأخ الكريم أن يحضُر إلى المجلس ليستمع ساعةً في الأسبوع إلى التفسير ، فقد يأتي في هذا الأسبوع ، وربما لا يأتي في الأسبوع الآخر ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد حَمَّلَ نفسه فوق ما يطيق ..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾

 في هذه الآية بيانٌ لِعِظَم شأن النبي عليه الصلاة والسلام ، في هذه الآية بيانٌ لما أُتْرِعَ قلبه من الرحمة ، للرحمة البالغة التي ملأت جوانحه ، في هذه الآية بيانٌ إلى حرصه الشديد على هداية الخلق .

اقتداء المؤمن بحرص النبي عليه الصلاة والسلام على هداية الناس :

 ويا أيُّها الإخوة المؤمنون ... هذا الذي لا يحبُّ الناس ليس أهلاً أن يهديهم إلى سواء السبيل ، فيجب أن تُحِبَّ الخلق ، وأن تحبَّ الناس جميعاً ، لأنهم عيال الله ، وأحبُّهم إلى الله أنفعهم لعياله ، ويجب أن يمتلئ قلبك رحمةً .. إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي .. وما من عملٍ يفوق أن تدلُّ الناس على الله عزَّ وجل ، وأن تهديهم إلى سواء السبيل ، وأن تعرفهم بربهم ، وإذا عرفوه سعدوا به .. " ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّكَ َفاتَكَ كل شيء ، وأنا أحبُّ إليكَ من كل شيء".

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾

القرآن تذكرة لمن يخشى :

 إنه تذكرة ، من هو الذي يخشى ؟ في عالمنا ، وفي حياتنا اليوميَّة من الذي يخشى ؟ هو الذي يُفَكِّر ، فهذا الذي يعمل تفكيره في حياته يخشى، فقد يخشى الإنسان أن يتسرَّب الغاز فيحرق البيت ، تراه حريصاً على ضبط الأمور ، يفكِّر ، وهذا الذي يشتري دواءً سامَّاً يخشى أن يكون بين أيدي الأطفال ، يضعه في حرزٍ حريز ، ويخشى ، أيْ يفكِّر ، وهذا الذي يخشى أن يرسُب في آخر العام ، معنى ذلك أنه يفكِّر عاماً بأكمله ، ولو أنه أهمل الدراسة لكان ضياعاً من حياته ، فكأنَّ الذي يخشى هو الذي يفكِّر ، أي يُعْمِلُ فكره ، فيدرُس ، ويتدبَّر ، وينظُر في الأمر ، ويتأمَّل ، فهذا الذي لا يفكِّر لا جدوى منه .
 الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : " ما ناقشت عالماً إلا غلبته ، ولا ناقشني جاهلٌ إلا غلبني " ، لأنه لا يفكِّر .

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾

( سورة فاطر )

 فكأنَّ الله عزَّ وجل لم يرٍدْ هذا القرآن لكل الناس ، هو لكل الناس ، ولكن لا يستفيد منه إلا من أعمل فكره في أمور معاده ، أما هذا الذي يعيش لحظته ، ويعيش وقته ، وهو مع الناس إن أحسن الناس أحسن ، وإن أساؤوا أساء ، فهذا الذي لا يعنيه إلا أن يكسب المال ، ولا يعنيه إلا أن ينغمس في الملذَّات ، وهو غافلٌ عن ساعة الرحيل ، عن ساعة نزول القبر ، وهذا الذي لا يفكِّر ليس مؤهَّلاً أن يفهم هذا القرآن الكريم ، الذي هو تذكرةٌ لمن يخشى لا لكل الناس ، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال :

((مَن منح الحكمة غير أهلها فقد ظلمها ، ومن منعها أهلها فقد ظلمهم))

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾

 فإذا كنت ممن يفكِّر فأنت ممن يخشى ، وإذا كنت ممن يخشى فهذا القرآن لك ، فاقرأه وتدبَّر آياته ..

﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾


 ولذلك يقول الله عزَّ وجل في آياتٍ أخرى :

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى(10)﴾

( سورة الأعلى )

 هذا المفكِّر يتذكَّر ، ومن السُخْفِ بالمرء أن يستخدم هذا الفكر العظيم ، الذي هو أثمن شيءٍ في الوجود لأغراض رخيصة ، أو لأهداف خسيسة ، ولمطالب محتقرة ، فالله كرَّمك بهذا الفكر من أجل أن تعرفه به..

﴿ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾

 أي يا أيها النبي الكريم لا تتعب نفسك مع هؤلاء الذين لا يفكِّرون ، ولا تجهد نفسك معهم ، لأنه لا جدوى منهم ، ومن لم يفكِّر فأنت لن تستطيع أن تؤثِّر فيه ، ما دام قد عطَّل تفكيره ، ولذلك فربنا عزَّ وجل قال :

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

( سورة محمد )

﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154)﴾

( سورة الصافات )

﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ(26)﴾

( سورة التكوير )

﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(32)﴾

( سورة يونس )

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾

( سورة الجاثية )

﴿ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58)﴾

( سورة غافر )

﴿ تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾

الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الكون :

1 - بعض مظاهر الإعجاز العلمي في الكون :

 فماذا أقول في هذه الآية ؟ هل نعلم ممن هذا الكتاب ؟ ومن عند مَنْ أتى ؟ من عند الذي خلق السماوات والأرض ، ماذا نعلم عن السماوات ؟

المجرّات :

 ومن منا يصدِّق أن الرقم التقديري الأولي أن في الفضاء الخارجي ما يزيد على مليون مليون مجرَّة ، أي واحد أمام اثني عشر صفراً ، وفي المجرَّة والواحدة ما يزيد على مليون مليون نَجم ، وبعض هذه النجوم المعتدلة يزيد حجمها على حجم الأرض والشمس مع المسافة بينهما .

الشمس :

 والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة ، أي أن الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض ، وبين الشمس والأرض مئةٌ وخمسون مليون كيلو متر يقطعها الضوء في ثماني دقائق ، وهذا الكوكب المتوسِّط في برج العقرب واسمه قلب العقرب .. يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ، وأن بعض هذه المجرَّات يبعد عنَّا ستة عشرة ألف مليون سنة ضوئيَّة .
 وأن الإنسان حينما اجترأ وقال : غزونا الفضاء ، ما قطع من الفضاء الخارجي إلا ثانيةً ضوئيَّةً واحدة ، في حين أن بعض المجرَّات يزيد بعدها عنا عن ستَّة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة .
 والذي خلق المجرَّات وخلق الأرض والسماوات هذا كلامه ، وهذا كتابه ، وهذا المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه ، وهذا هو كتابنا وهادينا إليه ، فلذلك شرفُ الرسالة من شرف المُرسل ، فإذا كنت في الخدمة الإلزامية ، وجاءتك ورقةٌ من عريف ، لك موقفٌ منها ، فإن جاءتك من رقيب فلك موقفٌ آخر ، فإن جاءتك من الملازم ، أو ممن هو أعلى ، فإن جاءتك من قائد الجيش ، وقد وُقِّعَتْ بالأخضر فلك موقفٌ آخر، فإن جاءك هذا الكتاب من ملك الملوك ، من خالق السماوات والأرض ، ممن بيده حياتك وموتُك ، ممن بيده كل شيء ، فما موقفك ؟ أتلقيه وراءك ظهرياً ؟

﴿ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾

( سورة الفرقان )

 شرف الرسالة من شرف المُرسل ..

﴿ تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾

القرآن مفتاحُ سعادتِنا :

 والله الذي لا إله إلا هو لو عرفنا عظمة هذا الكتاب ، ولو عرفنا تماماً أنه كلام رب العالمين ، وأن كل سورةٍ ، بل كل آيةٍ ، بل كل كلمةٍ ، بل كل حرفٍ ، بل كل حركة من حركات هذا القرآن مفتاحٌ لسعادتنا ، ومنهجٌ لنا ، لكان أمرنا غير ما ترون ، آيةٌ واحدة :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور : من آية " 55 " )

 كم يعاني الناس من مشكلات ؟ فلو أن الإنسان قرأ القرآن ، وأيقن أن هذا القرآن كلام الله عزَّ وجل ، وأنه لا محالة واقع ، فماذا يفعل ؟ وماذا ينتظر ؟ ..

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل : من آية " 97 " )

 ولو أن الإنسان قرأ القرآنَ ، وهو موقنٌ بأن هذا الكلام كلام الله رب العالمين ، وأن هذا الكلام حقٌّ لا مِرْيَةَ فيها ولا شكَّ فيه ..

﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة فصلت : من آية " 43 " )

 ولو قرأ قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

( سورة طه )

 فلو ملكت الملايين ، أو طرت إلى السماء ، ولو فعلت الأفاعيل ، ما لم تكن مقبلاً على الله عزَّ وجل ، فهذا الإنسان أشقى الأشقياء ، وهذا كلام رب العالمين ، ولو قرأت قوله تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21) ﴾

( سورة الجاثية )

 لاختلفت حياتك ، ولذلك فما هو أملك حيال هذه الآية ؟ هذا الكتاب..

﴿ تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا﴾

﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحشر : من آية " 21 " )

 على جبل ، وبعض الناس يقرؤونه ، وهم ساهون لاهون ، يقرؤونه ولا يعملون بأحكامه ، لا يحِلُّون حلاله ، ولا يحرِّمون حرامه ، ولا يتعظون بأخباره ، ولا يخافون وعيده ، ولا يرجون وعده ، يقرؤونه تبرُّكاً ، أو يقرؤونه تعبُّداً ، وهم عنه غافلون .
 و

((ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه))

 و

((مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ))

( سنن الترمذي عَنْ صُهَيْبٍ )

﴿ تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

معنى الاستواء بين مذهب السلف ومذهب الخلَف :

 سُئِلَ الإمام مالكٌ رضي الله عنه عن هذه الآية فقال : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة " ، لأن هذا السؤال متعلِّقٌ بذات الله عزَّ وجل ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفكِّر في مخلوقات الله ، أما التفكُّر في ذاته فقد يودي بنا إلى الهلاك ، على كلٍ فهناك مذهب الخلف ومذهب السلف في تفسير هذه الآية ..
 السلف الصالح قال : " هذه الآية يجب أن نفهمها من غير تكييف.. أي كيف استوى على العرش ؟ ومن غير تحريف ، ومن غير تشبيه .. أي هل هو كالملك يجلس على كرسي العرش ؟ لا .. ومن غير تعطيل لهذه الآية ، ومن غير تمثيل "، لا تمثِّل ، ولا تعطِّل ، ولا تُشَبِّه ، ولا تحرِّف ، ولا تكيِّف ، هذا مذهب السلف الصالح في فهم هذه الآية .
 وأما مذهب الخلف أيضاً فمذهبٌ مقبول ، الخلف يقولون : " هذه الآية كنايةٌ عن الاحتواء على المُلْك ، والأخذ بزمام الأمور كلِّها " ، أي أن الله سبحانه وتعالى محيطٌ بالكون ، والله سبحانه وتعالى بيده كل شيء ، وتوحيد الربوبيَّة في هذه الآية ، فهو الذي خلق ، وهو الذي أمدَّ ، وربَّي ، وأعطى ، ومنع ، وعَلا ، وقَهَر ، وأخذ ، ورفع ، وخفض ، فكل شيءٍ بيده .

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

 استواءٌ بمعنى السيطرة والأخذ بزمام الأمور ، هو الواحد القهَّار .
 لكنَّ الذي يجذب النظر أن الله سبحانه وتعالى لم يقل : الله على العرش استوى ، ولم يقل : القوي على العرش استوى ، ولم يقل : الغني على العرش استوى ، ولم يقل : الربُّ على العرش استوى ، بل قال :

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

سرُّ اقتران الاستواء باسم الرحمن :

 فأقرب اسمٍ من أسماء الله الحُسنى اسم الرحمة ، فهذا الذي خلق الكون رحيم ، والذي يحرِّك الأجرام السماويَّة رحيم ، والذي يسوق الرياح رحيم ، والذي يُنْزِلُ الأمطار رحيم ، والذي بيده كل مخلوقٍ رحيم ، أي اطمئن أيُّها الإنسان الأمور بيد الرحمن الرحيم ..

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

 وشيءٌ آخر : هو أن الله سبحانه وتعالى رحمنٌ في ذاته ، رحيمٌ في أفعاله ، العرش هو المُلْك ..

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 26 " )

 وقد جاء في بعض الأحاديث القدسيَّة :
 " أنا ملك الملوك ومالك الملوك قلوب الملوك بيدي ، فإن العباد أطاعوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة ، وإن العباد عصوني حوَّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسُخط والنقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بالملوك وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم " .
 هو ملك الملوك ، ومالك الملوك ، وبيده كل شيء صغاًرٌ كان أو كبيراً ، جليلاً كان أو حقيراً .

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾

من لوازم الاستواء الملكية المطلة للكون خَلقا وتصرفا ومصيرا :

 ومن لوازم الاستواء له ، هذه اللام لام الملكيَّة ..

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

 ولا توجد آية شاملة شمول هذه الآية ..

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

 قال العلماء : " له بمعنى أن ما في السماوات وما في الأرض تعود إليه مُلْكِيَّتها ، ويعود إليه التصرُّف فيها ، ويعود إليه مصيرها " ، وهذا أوسع أنواع الملكيَّة ، لأنك قد تملك بيتاَ ، ولست تنتفع به ، فأنت مؤجَّره ، وقد تنتفع بالبيت ولا تملكه ، وقد تملكه وتنتفع به ، ولكن لا تدري أيصدر قرارٌ باستملاكه ؟ إذ ليس لك مصيره ، أما أن تملك الشيء وأن تكون حرَّاً في التصرُّف فيه ، وأن يكون إليك مصيره ، فهذا أوسع أنواع المُلكيَّة ، فالعلماء حينما قالوا : له بمعنى له ملكاً وتصرُّفاً ومصيراً..

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾

 من النجوم ، والمجرَّات ، والكواكب ، والمذنَّبات ، والكازارات ، والثقوب السود في الفضاء الخارجي ، هي أماكن ضغط عالٍ جداً في الفضاء الخارجي ، فلو دخلت الأرض أحد الثقوب السوداء .. دقِّقوا في هذا الكلام .. لأصبح حجمها كحجم البيضة ، وبقي وزنها كما هي .. الأرض بأكملها .

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾

 من ثقوب سود ، ومن كازارات ، ومن مجرَّات ، ومن نيازِك ، ومن مذنَّبات ، ومن فضاء ، ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾

( سورة الواقعة )

 المواقع وحدها ، هذه المسافات التي بين النجوم ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة ، إذا أحب أحدكم ليلاً أن يتسلَّى بعد الدرس ، ضرب ثلاثمئة ألف كيلو متر ، وهذا ما يقطعه الضوء في ثانيةٍ واحدة ، ضربها بستين دقيقة ، ثم ضربها بستين فصارت ساعة ، ثم ضربها بثلاثمئة وخمسة وستين فصارت سنة ، ثم ضربها بستة عشر ألف مليون سنة فيظهر رقم يحتاج إلى كرار ، ولذلك فهذه المسافات البينيَّة بين النجوم لا يعلمها إلا الله ..

معنى : وَمَا تَحْتَ الثَّرَى

 قال : وما تحت الثرى هذه إشارةٌ دقيقةٌ جداً إلى أن تحت الثرى هناك الثروات ، والمعادن ، والفوسفات ، والبترول ، ومناجم الحديد ، ومناجم الفحم ، ومناجم النحاس ، ومناجم المعادن الثمينة واليورانيوم ..

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾

 وأحياناً يقال لك : هذه صحراء ، ونظنُّها صحراء ، فإذا هي مستودعات للمعادن ، والفِلْزات ، والأشياء الثمينة التي لا يعلمها إلا الله .

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

يعلمُ السّرَّ وأخفَى :

 أي إن جهرت بالقول أو لم تجهر ، أو إن تنحَّيْتَ مع إنسانٍ إلى مكانٍ بعيدٍ عن الناس ، إلى أرضٍ خاليةٍ عنهم ، وأسررت له كلاماً فإن الله يعلم ذلك .

قصة وعبرة : سبحان الذي وسع سمعُه كلَّ شيء :

 صفوان بن أميَّة أخذ عُمَيْر بن وهب إلى خارج مكَّة ، إلى الصحراء ، فقال له عمير : " والله لولا خشية العَنَتِ على أطفالٍ صغار ، ولولا ديونٌ ركبتني لذهبتُ إلى محمدٍ وقتلته وأرحتكم منه " ، شخصان لا يعلم بوجودهما إلا الله ، فقال له صفوان : " أما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر ، وأما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت فامضِ لما أردت .. اقتله وأرحنا منه .. " . فما كان من عمير إلا أن حمل سيفه وسقاه سمَّاً ، وجهَّز راحلته وتوجَّه إلى المدينة .
وفي المدينة رآه سيدنا عمر متنكِّباً سيفه فقال : " هذا عدو الله عُمَيْر جاء يريد شرَّاً " ، أخذ سيفه وقيَّده بحماَّلة السيف ، وقاده إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، الأمر كان بُعَيْد معركة بدر ، بمعنى مجيء عمير إلى المدينة مغطَّى بسبب فَكِّ أخيه من الأسر ، فلمَّا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام قال له النبي الكريم : " فكَّ أسره يا عمر " .. فكَّ قيده .. ففَكَّ قيده ، ثم قال : " ابتعد عنه " ، فابتعد عنه ، قال : " ادنُ مني يا عمير " .. تعال .. قال : " سلِّم علينا " قال : " عمت صباحاً يا محمَّد " ، قال : " سلِّم علينا بسلام الإسلام " ، فقال عمير : " لست بعيد عهدٍ بالجاهلية " .. هذا سلامي .. فقال له النبي الكريم : " يا عُمير ما الذي جاء بك إلينا ؟ " ، قال : " جئت أفكُّ أخي من قيد الأسر " ، قال : " وهذا السيف الذي على عاتقك لماذا جئت به؟!" ، قال : " قاتلها الله من سيوف ، وهل نفعتنا يوم بدر ؟! " ، قال : " ألم تقل لصفوان : لولا ديونٌ ركبتني ، وأطفالٌ أخاف عليهم العنت لقتلت محمَّداً ، وأرحتكم منه ؟ " .

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

 فوقف عمير وقال : " أشهد أنَّك رسول الله ، والله الذي قلته ما علمه إلا الله وأنت رسوله " ، صار هذا دليلاً قطعيَّاً ، فصفوان امتلأ قلبه فرحاً ، لأنه بعد أيامٍ قليلة سيأتي النبأ السار ، وهو قتل محمد عليه الصلاة والسلام ، فكان يقول للناس في مكَّة : " انتظروا أخباراً سارَّةً بعد أيَّام " ، مضى يومان وأربعة ، وخمسة وستَّة ، ومضى أسبوع وآخر ، وهذه الأخبار السَّارة لم تصل إلى مكة ، فكان يخرج إلى ظاهر مكَّة ويسأل القوافل : "ماذا عندكم من أخبار ؟ وماذا حدث في المدينة ؟ " لم يحدث شيء ، " ما أخبار عمير ؟ " ، قيل له : " لقد أسلم " ..

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

 تتكلَّم بصوت عال ، تتكلَّم هَمساً ، تأخذ أخاً ، أو تأخذ صديقاً إلى مكان خالٍ من الناس ، تُحْكِم إغلاق الأبواب ، وتُسِرُّ له في أذنه ..

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

 تفكِّر في نفسك ، تضمر نيَّةً ، العلماء قالوا : " السِر ما كان بينك وبين إنسان ، والذي هو أخفى من السر ما كان بينك وبين نفسك "، وبعضهم قال : " لا ، السر ما كان بينك وبين نفسك ، وأما الأخفى فهو الذي يخفى عنك أنت " ، لا تعلمه ، لذلك قال سيدنا علي كرَّم الله وجهه : " علم ما كان ، وعلمَ ما يكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " .
 قد يقول أحدكم : أنا بهذا الوضع مستقيم ، فلو معي ألف مليون الله أعلم ، يا ترى تبقى معنا في هذا المسجد ؟ لا نعرف ، من الذي يعرف ؟ الله عزَّ وجل ـ وعَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ـ ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " ليس في الإمكان أبدع مما كان " ، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
 الآية الأخيرة :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

المنفرد بالألوهية :

 الله اسم الذات صاحب الأسماء الحسنى ..

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾

 الإله المُنْفَرِد بالتسيير ، والذي ينبغي أن تعبده وحده ، والذي يستحقُّ أن تعبده هو الله وحده ، والمنفرد بالتسيير هو الله وحده ..

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾

 أي ليس في الكون من إلهٍ إلا الله ، والإله هو الذي يسيِّر ، وهو الذي يُعْبَد بالمقابل ، يُعْبَد لأنه يسير ، ولأن الأمر كلَّه بيده إذاً ينبغي أن يُعْبَد ..

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود : من آية " 123 " )

 لماذا ينبغي أن تعبده ؟ لأن الأمر كلَّه راجعٌ إليه ، وما دام الأمر راجعاً إليه في كل شيء إذاً ينبغي أن تعبده .

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

( سورة مريم : من آية " 65 " )

﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65)﴾

( سورة مريم )

 مشابهاً ، ندًّا ، كُفُؤاً ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

أسماء الله كلّها حسنى :

 أسماؤه كلُّها حسنى ، وصفاته كلُّها فُضلى ، حتى ما يبدو لك ، الجبَّار ، المنتقم .. مثلاً .. المُعطي ، المانع ، هو يمنع ليُعطي ، فهناك خطاب لرسول الله عليه الصلاة والسلام يوضِّح ذلك ، قال :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ))

( ورد في الأثر )

 إذا أخذ الله منك شيئاً ليعطيك أضعافاً مضاعفة ، يبتلي ليجزي ، ويمنع ليعطي ، الضار النافع ، يضرُّ لينفع ، فالإنسان الضال الله عزَّ وجل قد يضرُّه في صحَّته ، أو بماله ، فيتوب إليه ، فيستقيم على أمره فيسعد بقربه ، فالمعطي والمانع ، والخافض والرافع ، يخفض ليرفع ، والمعز والمذل ، يذل ليعز ، المتكبر يذلُّه الله عزَّ وجل ليخضع له ، فإذا خضع له أعزَّه ، وهكذا أسماء الله كلِّها حسنى ، وصفاته كلُّها فُضلى ، ولكن اسأل به خبيرا، وربنا عزَّ وجل قال :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43)﴾

( سورة النحل )

 لا تسمح لنفسك أن تفهم الاسم الإلهي لوحدك ، قد لا تفهم أبعاده ، فالعلماء قالوا : هناك أسماءٌ لله عزَّ وجل يجب أن تُذكَر مَثنى مثنى " المعطي المانع ، الضار النافع ، المعز المذل لأنه يذل ليعز ، ويمنع ليعطي، ويخفض ليرفع ، ويضر لينفع ، وقد يقهر عبده ، القهَّار ، هذا العبد متكبِّر فيقهره ليتوب ، وهكذا ..

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾

 وفي الدرس القادم إن شاء الله عزَّ وجل نبدأ بقصَّة سيدنا موسى ، وفي هذه السورة وردت بأطول روايةٍ لها ، فأطول قصَّة عن سيدنا موسى جاءت في هذه السورة ـ سورة طه ـ وسوف نستعين بالله عزَّ وجل على توضيح بعض المعاني .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS