13562
التفسير المطول - سورة لقمان 031 - الدرس (02-13): تفسير الآيات 4 - 9 ، صفات المحسنين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-05-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الثاني من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) ﴾

 هؤلاء هم المحسنون، والقرآن أحياناً يَسْلُكُ أسلوب الإيجاز، فالمحسن هو مَن أحسن في عقيدته، وأحسن في استقامته، وأحسن في عمله، هؤلاء هم المحسنون..

صفات المحسنين:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾

الصفة الأولى: إقامة الصلاة:

1– معنى إقامة الصلاة:

 وكأن الله سبحانه وتعالى جمع الدين كلَّه في كلمتين: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إقامة الصلاة أي: تحسين العلاقة مع الله، فهذه الصلوات الخمس التي نصليها ما هي في الحقيقة إلا اتصال العبد بالله عزَّ وجل، ولكن من السذاجة أن نظن أنه بمجرَّد أن يقف الإنسان متوضِّئاً، ويتَّجه نحو الكعبة، ويكبِّر تكبيرة الإحرام، ويقرأ دعاء الثناء، والفاتحة وسورة، ويركع، ويسجد، من السذاجة أن يظن أن هذه صلاةٌ وكفى، لن تستطيع أن تقيم الصلاة، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

 كيف أنك تقيم البناء، لابدَّ من جهودٍ كبيرة تسبق إنشاء البناء، كذلك أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مصلياً من دون أن تكون مستقيماً على أمره، إنَّ هذه الصلاة جوفاء، أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مصلياً من دون أن يكون دخلُك حلالاً، فهذه صلاةٌ جوفاء، أن تقف بين يدي الله عزَّ وجل مُصلياً من دون أن تضبط جوارحك، فهذه صلاةٌ جوفاء، لذلك ربنا عزَّ وجل وصف الناس مع تقدُّم الزمان فقال:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ﴾

 ( سورة مريم: من الآية 59)

2– معنى إضاعة الصلاة:

 العلماء قالوا: إنَّ إضاعة الصلاة ليس تركها، ولكن إضاعتها حينما لا نخشع فيها، ومتى لا نخشع فيها ؟ إذا تخلَّلتها المعاصي ؛ دخله حرام، كلماته ليست منضبطة، جوارحه ليست منضبطة، لا يسير على منهج الله، فإذا قام ليصلي ماذا يفعل ؟ لذلك المنافقون وصفهم الله عزَّ وجل فقال:

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 142)

 لأن الصلاة عند المنافق لا معنى لها، يقف، ويركع، ويسجد، ولا يشعر بشيء، فهي أقرب إلى الحركات الإيمائية، وأقرب إلى الطقوس منها إلى الصلاة، ولكن هذا الذي ضبط جوارحه، هذا الذي أنفق ماله، هذا الذي سار على منهج الله عزَّ وجل، هذا الذي تَقَصَّىَ أوامر الله فطبَّقها، هذا الذي تقصَّى نواهيه فاجتنبها، هذا الذي أنفق ماله الحلال على حبِّه، أطعم الناس بماله، أنفق ماله في سبيل الله لا يبتغي رياءً ولا سمعةً، هذا الذي إذا وقف ليصلي انهمرت دموعه، وشعر أنه قريبٌ من الله عزَّ وجل.

حقيقة الصلاة من خلال الكتاب والسنة:

 قال تعالى عن الصلاة:

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

 ( سورة العلق19)

 من معانيها الاقتراب..

﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾

 ( سورة طه14)

﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

(سورة العنكبوت: من الآية 45)

(( الصلاة ميزان، فمن أوفى استوفى))

[ الجامع الصغير عن ابن عباس ]

(( الصَّلاةُ نُورٌ))

[ من سنن الترمذي عن زيد بن سلام ]

(( الصلاة طهور))

 كما قال عليه الصلاة والسلام..

(( الصلاة معراج المؤمن))

 كما قال عليه الصلاة والسلام..

(( لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل))

[ الجامع الصغير ]

 الصلاة مناجاة، هذه تعريفات الصلاة في الكتاب والسنَّة، ربَّما عرَّفها الفقهاء تعريفاً آخر، قال الفقهاء: " هي أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحةٌ بالتكبير مختتمةٌ بالتسليم "، هذا تعريف ظاهر الصلوات، ولكن حقيقة الصلاة:

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

 ( سورة العلق19)

 حقيقة الصلاة:

﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 43)

 حقيقة الصلاة أن تفهم ما تقرأ، أن تعقل ما تقرأ..

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))

[ ورد في الأثر ]

 لذلك أول ما يُسْأل عنه العبد يوم القيامة صلاته، الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
 هؤلاء هم المحسنون، هذا الكتاب الحكيم الذي هو هدىً، أي دلالة، البداية بالدلالة، والنهاية بالرحمة للمحسنين، لماذا أحسنوا ؟ لأنهم استناروا بنور الله، ومتى استناروا ؟ عندما صلوا..

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

 له اتصالٌ بالله عزَّ وجل، له اتصالٌ في أثناء الصلاة، وله اتصالٌ خارج الصلاة، وأما الاتصال خارج الصلاة فقد أشارت الآية الكريمة:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

 ( سورة المعارج 23)

من معاني الصلاة:

 أي أنك إذا خرجت من بيتك وقلت: " يا رب، إني أعوذ بك من أن أضِلَ أو أُضَل، أو أزلَّ أو أُزَل، أو أجهل أو يُجْهَل علي"، فأنت في صلاة، إذا دخلت بيتك، ودعوت الدعاء المأثور فأنت في صلاة، إذا أقدمت على عمل وقلت: " اللهمَّ إني تبرَّأت من حولي وقوَّتي، والتجأت إلى حولك وقوَّتك يا ذا القوَّة المتين "، فأنت في صلاة، إذا أردت أن تدخل السوق فدعوت الدعاء المأثور فأنت في صلاة، فلماذا سَنَّ النبي هذه الأدعية في كل حركات الإنسان ؟ في عمله، في بيته، إذا أقدم على عملٍ معيَّن، لأن الدعاء مُخُّ العبادة، والدعاء نوعٌ من أنواع الصلاة، فأنت تصلي في أثناء الصلاة، وتصلي خارج الصلاة من خلال الدعاء، من خلال الذكر، من خلال التسبيح، من خلال التحميد، من خلال التكبير، من خلال التهليل، من خلال قراءة القرآن.
 إذاً:

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

المعصية حجاب في وانقطاع في أثناء العبادة:

 الآن سأقف وقفة قليلة جداً، أوضِّح هذا بمثل: عندك أجهزة كهربائيَّة كثيرة ؛ عندك المكواة، وعندك البرَّاد، وعندك المروحة، وعندك المسجِّلة، وعندك المكيف مثلاً، وعندك هذه الثريات، وعندك أجهزة كثيرة جداً، كل هذه الأجهزة عبءٌ عليك إن لم تسرِ فيها الكهرباء، أما إذا سَرَت الكهرباء فيها قطفت ثمارها جميعاً، المروحة أدَّت وظيفتها، والبَرَّاد أدَّى وظيفته، والمدفأة أدَّت وظيفتها، والمكواة أدَّت وظيفتها، كل هذه الأجهزة الكهربائيَّة إن لم تسرِ فيها الكهرباء فهي عبءٌ على صاحبها، أما إذا سرت فيها الكهرباء قطف ثمارها.
 وهذا الشريط الكهربائي إذا كان متقطِّعاً، فالكهرباء واقفة، الكهرباء لا تسري إلا إذا كانت الدارة مغلقةً، ما دام فيه قطع فالكهرباء واقفة، معطَّلة، وما دامت الكهرباء معطَّلة فكل هذه الأجهزة معطَّلة.
 ولقد أردت من هذا المثل أن أوضِّح أنه: إذا أقام الإنسان على معصية، وأصرَّ عليه صغيرةً أو كبيرة انقطع عن الله عزَّ وجل، إذاً تصبح العبادات عبئاً عليه، الصلاة ثقيلة، والصيام ثقيل، إن لم تستقم على أمر الله لا تذوق حلاوة الصلاة، إن لم تبذل الغالي والرخيص لا تذوق حلاوة الصلاة، إن لم تضبط جوارحك كلَّها على منهج الله لا تذوق حلاوة الصلاة، فإذا أخذت من الدين بعضه، واستمعت إلى بعض مجالس العلم، ولم تكن منضبطاً كما أراد الله عزَّ وجال، ربَّما وقفت في الصلاة لم تشعر بشيء، ربَّما جاء رمضان وذهب رمضان ولم، تشعر بشيء، ربَّما ذهبت إلى الحج وعدت من الحج، ولم تشعر بشيء، لا تشعر بالقرب إلا إذا دفعت ثمن القرب..

تعصي الإله و أنت تُظْهِرُ حبَّه  ذاك لعمري في المقالِ بديع
لو كان حبُّك صـادقاً لأطعته  إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ يطيعُ
***

 والله أيها الإخوة الأكارم، كل ثمار الدين في طاعة الله، كل ما في الدين من بهجة، من نورانيَّة، من شعور بالأمن، من شعور بالقُرب، من شعور بالتفوُّق، من شعور بالفوز، من شعور بالفلاح، كل سكينة النفس في طاعة الله عزَّ وجل، فهذا الذي يعصي الله لا يعرفه، وحينما عصاه جعل بينه وبين ربِّه حجاباً، والمعاصي بريد الكفر، والذنوب تقطع الإنسان عن ربِّه.. اللهمَّ لا تقطعنا بقواطع الذنوب..

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

 إن لم تصحَّ صلاة الإنسان يجب أن يقلق قلقاً كبيراً، يجب أن يهتم، لهذا كله كن مهتماً أيها الإنسان، الآن ما الذي يهمَّ الإنسان ؟ ما الذي يَقْلَق له ؟ ما الذي يجعله واجم الوجه ؟ ما الذي يجعله مُنقبض الصدر ؟ إن لم يُيَسَّر إلى عملٍ جيِّد، إن لم يُوفَّق إلى زواج، إن لم يشتر بيتاً، ولكن المؤمن الصادق ينقبض، ويقلق، ويتألَّم، ويحزن إن كانت صلاته جوفاء لا معنى لها، لذلك:

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾

 ( سورة طه 14)

 الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القُرُبات، وغرَّة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، والذي يذوق طعم القُرْبِ في الصلاة يعرف معاني هذه الكلمات، كان عليه الصلاة والسلام كما تقول السيدة عائشة كان يحدِّثنا ونحدِّثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا نعرفه ولا يعرفنا "، أيْ أنه دخل في الصلاة.
 عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ، قَالَتْ:

(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ))

[ البخاري ]

تهيئة الظروف المناسبة للصلاة:

 إذا أتقن الإنسان الصلوات الخمس فقط ؛ أي أتقن قيامها وركوعها وسجودها، إذا صلاَّها وكان فارغ القلب، لو كان منشغلاً، وصلَّى تصبح الصلاة جوفاء، كل وصل، نم وصل، انهَ عن هذا العمل وصل، فمن أجل أن تكون الصلاة كما أراد الله عزَّ وجل يجب أن تهيِّئَ لها الظروف المناسبة.
 فمن الظروف المناسبة أن تصلي، وأنت خالي الذهن، لو جاءتك رسالة فتحدِّثك نفسك: ماذا قال فيها ؟ هل فيها حوالة أم لا ؟ اقرأها، ثم صل يا أخي، لئلا تنشغل بها في الصلاة، فدائماً فرِّغ قلبك للصلاة، صلِّ في غرفةٍ هادئة، هذا الذي يصلي وقلبه مشغولٌ بزيدٍ أو عُبيد ما ذاق طعم الصلاة..

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾

الصفة الثانية: إيتاء الزكاة:

الزكاة إحسان إلى الخلق:

 هذه الآية نزلت في مكَّة المكرَّمة قبل تشريع الزكاة، إذاً الزكاة هنا بمعنى الإحسان، أي أن الدين اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق، هناك حركة نحو السماء وهي الصلاة، وحركة نحو الأرض، وهي الإحسان، فإن لم يكن لك بالله صلة، وإن لم يكن لك مع الناس إحسان ما عرفت معنى الدين، الدين في جوهره اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق، وفي بعض الآيات الكريمة أشار الله عزَّ وجل إلى هذا المعنى المُكَثَّف فقال:

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾

 (سورة مريم31)

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾

الصفة الثالث: الإيمان باليوم الآخر:

1– الموت دافع إلى الإحسان والعمل الصالح:

 لكن ما الذي دفعهم إلى ذلك ؟ أن الحياة تنتهي بالموت، وأن بعد الموت حياةً لا تنقضي الحقيقة لا يمكن أن تستقيم على أمر الله، ولا يمكن أن تندفع إلى باب الله إن لم تؤمن بالآخرة، الدنيا زائلة..

(( أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس))

[ الجامع الصغير ]

2– الحياة تنتهي بالموت:

 الحياة تنتهي بالموت، بعد الموت حياةٌ أبديَّة، لذلك يقول الله عزَّ وجل في سورة الفجر متحدِّثاً عن هذا الإنسان الضائع:

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

 ( سورة الفجر24)

 أية حياةٍ هذه ؟ الحياة الأبديَّة، لأن هذه الحياة التي نعيشها سمَّاها الله الحياة الدنيا، دنيا وليست عليا، حياة إعدادٌ للحياة الأبديَّة، تهيئةٌ للحياة الأبديَّة، قال:

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

1 – المهتدي فوق الهدى:

 وبيَّنت في دروسٍ سابقة كيف أن المهتدي فوق الهدى، وأن الهدى في خدمة المُهتدي، وأن الهدى جاء ليرفع المهتدي، وأن الهدى جاء ليكرِّم المهتدي، وأن الهدى جاء ليحفظ المهتدي، فأنت كلَّما اتبعت الهدى كان هذا لصالحك، كان هذا من أجلك، كان هذا من أجل أن تكون في أعلى مكان..

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى ﴾

2 – الضالّ منغمس في الضلال:

 أما الكافر..

﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾

 ( سورة الروم: من الآية 44)

 وأما الضلال فاستخدم الله معه كلمة في..

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

 ( سورة سبأ)

 المهتدي على الرغم من أنه يبدو أنه مقيّد بالشرع، لكن هذا القيد هو الذي رفعه إلى أعلى عليين، بينما الضال على الرغم من أنه يبدو للناس حراً في تصرُّفاته، إنَّ هذه الحريَّة المزيَّفة تقوده إلى الحبس، وإلى القيد، وإلى الدخول في القهر، والذل، والهَوانِ..

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

الناس كلهم يسعون إلى الفلاح، ويختلفون في حقيقته:

 من منا لا يحبُّ أن يكون فالحاً ؟ شهد الله أنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى أن يكون من الفالحين، ومن الفائزين، ومن المتفوِّقين، ومن الناجحين، النجاح هدف كل إنسان ؛ ولكن المشكلة أن الإنسان إذا عميت بصيرته لا يعرف من أين النجاح، يظنُّه من هذه الجهة، وهو في هذه الجهة المعاكسة.

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

 الآن يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

1 – فائدة قرآنية: لا للتعميم:

 هذه من للتبعيض، أي بعض الناس..

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي ﴾

2 – معنى الشراء:

 ما هو الشراء قبل كل شيء ؟ أنت حينما تشتري حاجةً وتعطي الثمن، يجب أن تعلم علم اليقين أنه لو لم تكن هذه الحاجة أغلى عندك من هذا الثمن لما اشتريتها، ففي نَفْس المشتري لا يمكن أن تشتري شيئاً إلا إذا رأيته أغلى من ثمنه عندك، وأما البائع فلا يبيع شيئاً إلا إذا رأى ثمنه أغلى منه، إن رأيت أن ثمنه كبير لا تشتريه، لا تشتري إلا إذا رأيت أن هذا الشيء أغلى من هذه الأوراق التي تدفعها للبائع، والبائع لا يبيع هذه السلعة إلا إذا رأى هذه الأوراق أغلى من هذه السلعة، فعمليَّة الشراء في أساسها عملية مُبادلة، تأخذ السلعة، وتدفع النقد أو الثمن.

3 – المغبون مَن اشترى شيئا بثمن باهظ:

 مثلاً: إذا دفع الإنسان ثمناً باهظاً، وأخذ سلعةً سيئةً يشعر بالخسارة والندم، يشعر بأنه مغبون، يشعر بالضيق، يتألَّم جداً، إذا شعر أن هذه السلعة ليست كما يحب، ليست كما يريد، ليست من بلد المنشأ، إنها مزوَّرة، إنها صُنِعَت في بلدٍ آخر، إنها غير جَيِّدَة، إذاً: هو يرى أن الثمن الذي قدَّمه كبير جداً، وأنها لا تستحقُّ هذا الثمن، إذاً البيع والشراء عمليَّة مبادلة، تأخذ شيئاً، وتعطي شيئاً، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾

4 – الوقتُ أعظمُ رأس مال الإنسان:

 هو قدَّم وقته، وأثمن ما تملكه أنت الوقت، لأنك وقت، إذا قدَّمت وقتك قدَّمت نفسك، من أنت ؟ أنت بضعة أيام، أبداً، فكل إنسان حينما يموت هذا مات عن عمر سبعين عاماً، وهذا مات عن ستين عاماً، هذا مات عن خمسين عاماً، هذا مات عن أربعين عاماً، إذاً: الإنسان في حقيقته وقت، مجموعة سنوات، ومجموعة أشهر، ومجموعة أسابيع، ومجموعة أيام، ومجموعة ساعات، ومجموعة دقائق، ومجموعة ثوانٍ، حتى العظماء أحياناً يقولون لك: مات في الساعة العاشرة والدقيقة الثلاثين، والثانية السابعة والخمسين، وحينما ولد عُرِفَ متى ولد، إذاً: عاش في هذه الدنيا كذا عام، لذلك أثمن شيءٍ تملكه هو الوقت، لأنك وقت، ولأنك في حياة يُبْنى عليها، إما في جنَّةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها.
 فمثلاً للتوضيح: أنت على طاولة الامتحان مدة ثلاث ساعات أو ساعتين كما في الجامعة الآن، هذه الساعات ربَّما بني عليها مستقبلك، فإذا كنت متمكِّنا من هذه المادَّة، وكتبت كتابة جيدة، الأوراق صُحِحَت، نلت علامةً جيدة، أصبحت طبيباً، فتحت عيادةً، جاءك الناس، جاءك الدخل الوفير، فتزوجت، واشتريت بيتاً، وعشت حياةً كريمةً، مثلاً، إذاً هذه الساعات الثلاث، أو هاتان الساعتان اللتان كتبت فيهما، بني عليهما أنك أصبحت طبيباً.

5 – الدنيا امتحان لحياةٍ أبديَّة:

 لكن الدنيا كلُّها امتحان، امتحان لحياةٍ أبديَّة، وأخطر ما فيها الامتحان.. لو فرضنا أن طالباً أمضى هذه الساعات في التفكير فيما سيأكل غداً مثلاً، هذا غير معقول، فهذا وقت ثمين جداً، لو أن قلمه تعطَّل تجد معه قلماً آخر، أراد أن يُصْلِح هذا القلم، فكَّه كله، وطلب كأسا من الماء لكي يغسله، هل معقول أن يصلِّح قلمه في أثناء الامتحان ؟ يستهلك نصف ساعة، هذا غير معقول، هل معقول أن يجري حساباته في أثناء الامتحان ؟ غير معقول، هل معقول أن يفكر متأملاً حوالي نصف ساعة بلا سبب ؟ هذا الوقت محسوب عليه، يجب أن تعلم علم اليقين أنك في امتحان، وأن أخطر ما في الامتحان الوقت.

ما هو لهو الحديث ؟

النشاط الكلامي بأقسامه الثلاثة: المحرم والمباح والواجب:

 فهذا الذي يشتري لهو الحديث، اللهو هو أي شيءٍ شغلك عن العظيم فهو اللهو.
 إذاً: عندنا معنى يشتري، ومعنى الحديث هو الكلام، الإنسان له نشاط كلامي، أي أنه يتكلَّم ؛ حق، باطل، مِزاح، كلام جاد، كلام مفيد، كلام مُمتع، كلام غير ممتع، كلام ضار، يعصي الله بالكلام، أحد أكبر نشاطات الإنسان هو الكلام، قال أحد الصحابة الكرام:

(( يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[ سنن الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]

 يجب أن تعلم أن هذا اللسان حينما يتحرَّك، ومارس نشاط الكلام، هذا الكلام إما أن ترقى به إلى أعلى عليين ؛ وإما أن تهبط به إلى أسفل سافلين، معاصي الكلام ؛ الغيبة، النميمة، الإفك، الافتراء، الإيقاع بين الناس، الإفساد، إفساد العلاقات، السخرية، الاستهزاء، الفُحش، البذاءة، الاحتقار كأن يحتقر إنساناً بكلمةٍ، أو بنظرةٍ، أو بعبارة، أن يقلِّد إنساناً في حركاته، وسكناته، وأقواله، وأفعاله.
 وهناك كلام مباح ؛ ماذا أكلت اليوم ؟ وكيف كان الطعام ؟ ومن أين اشتريت هذه الخضار ؟ وكم دفعت ثمنها ؟ هؤلاء الأناس العاديون أحياناً يستهلكون أوقاتهم في كلامٍ لا معنى له، والنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون، دخل إلى المسجد فرأى رجلاً تحلَّق الناس حوله، فهو سأل سؤال العارف فقال:

((من هذا ؟ " قالوا: " هذا نسَّابة "، قال عليه الصلاة والسلام: " وما نسَّابة ؟ " فقالوا: " يعرف أنساب العرب "، قال: " ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه ولا يضر من جهل به))

[ ورد في الأثر ]

 نحن إذا قسَّمنا النشاط الكلامي إلى أقسام ثلاثة، نشاط محرَّم مثل: غيبة، نميمة، فساد، تفريق، سخرية، محاكاة، استهزاء، احتقار، فُحش، بذاءة، ونشاط يرفعك إلى أعلى عليين مثل: ذكر الله، تعريف الناس بالله، الإرشاد، الدلالة على الله، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، وكلام ليس محرَّماً، وليس مندوباً، وليس عملاً صالحاً إنما هو مباح ؛ كالحديث عن الطعام والشراب، وأشياء لا تقدِّم ولا تؤخِّر، فالإنسان إذا تكلَّم في الصِنْفِ الأول وقع في المعاصي، وقع في الحُجًب، وقع في الضلال، وقع في البعد عن الله عزَّ وجل، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رُضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))

[ من مسند أحمد عن أبي هريرة ]

 أحياناً بكلمة يدفع الزوج إلى تطليق زوجته، كلمة يجعل هذا الطفل مشرَّداً، أحياناً زوجة الأب توغر صدر الأب على ابنه الذي ليس منها، يطرده في ساعة غضب، هذا الطفل يهيم على وجهه، وقد ينحرف، قد يرتكب السرقة، قد يرتكب الفعل المنافي للحِشْمَة، وقد يغيب عن البيت أياماً عديدة، بسبب كلمة قالتها هذه المرأة لتشفي غليلها من ابن زوجها، فوقف الأب موقفاً أحمق، طرده من البيت، فانحرف، كلمةً.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))

[ الترمذي]

 ربَّما تكلَّم الإنسان بكلمة دفع صاحبها إلى جريمة قتل، فلذلك هناك كلام يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، وهناك كلام يرفعك إلى أعلى عليين، وهناك كلام مُباح، ولكن علَّته أنه يستهلك الوقت، كهذا الذي أراد أن يُصَلِّح قلمه أثناء الامتحان، معه قلم ثانٍ، أو أراد أن يعد دراهمه أو يجري حساباته أثناء الامتحان، فيجب أن تترك الكلام المباح الذي لا طائل منه صوناً للوقت..

((إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ))

[ من سنن الترمذي عن المغيرة بن شعبة]

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس))

[الجامع الصغير عن أنس ]

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))

[ من سنن الترمذي عن أبي هريرة ]

(( إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها))

[ الجامع الصغير عن الحسن بن علي ]

 فمن علامات الإيمان أن تنشغل بهمومٍ عُليا، بهمومٍ مقدَّسة، قال:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾

الشعر والفن غير الهادف من لهو الحديث:

 الشعر غير الهادف من لهو الحديث:

جئت لا أعلم من أين  ولـــكني أتيتُ
ولقد أبصرت قدَّامي  طريقاً فمشيــت
أين كنت ؟ أين  أصبحت ؟ لست أدري
و لماذا لست أدري ؟  لســت أدري
***

 فما هذا الكلام ؟، هناك شعر في الهجاء، وشعر في الرثاء..

ولو أن النساء كمن فقدن  لفضِّلت النساء على الرجالِ
***

 من هذه المرأة التي ما ذكرها التاريخ ؟ كلامٌ فيه مبالغة كبيرة جد، فالشعر إن لم يكن ملتزماً بالدعوة إلى الله عزَّ وجل فهو من لهو الحديث.
 قصَّة ثمانمائة صفحة تمضي بها أسبوعاً أو أسبوعين، مغزاها كلمتان، هذا من لهو الحديث، الأعمال القصصية، الأعمال المسرحيَّة أحياناً، إذا ما كان فيها مغزى كبير جداً فهي لهو، طبعاً إذا قرأت قصَّة أو قصيدةً، وشعرت أنها حرَّكت مشاعرك العُليا وتفكيرك المرتفع فأنت أمام فنٍ رفيع، فإن لم تحرِّك إلا التافِهَ من مشاعرك والمبتذل من أحاسيسك فأنت أمام فنٍ رخيص.

مِن أنواع لهو الحديث:

 الفن الرخيص أن تقرأ شيئاً يحرِّك المشاعر البهيميَّة في الإنسان، هذا من لهو الحديث، شعر، قصَّة، سهرة ليس فيها شيء إلا حديث وغيبة، ونميمة، ومزاح رخيص، وتعليقات لاذعة، وتقليد، ومحاكاة، أنت أرقى من ذلك، هذا لهو الحديث، سواء كان كلامًا، أو لقاء، أو نزهة، أو كان قراءة كتاب أو مجلَّة أو قصَّة، كقراءة مجَلاَّت متعلِّقة بفلانة وفلان، المجتمع المخملي مثلاً، وماذا فعل فلان ؟ ومتى تزوَّجت فلانة ؟ ولماذا طُلِّقَت فلانة ؟ أين أنت، أعندك وقتٌ لهذا ؟ هذا من لهو الحديث، قال:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

تفسير القرطبي للآية: لهو الحديث هو الغناء:

 الحقيقة الإمام القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن، أسهب في تفسير هذه الآية، وأردت أن أنقل لكم شيئاً عن تفسير هذه الآية لهذا الإمام الجليل، يقول:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾

 " لهو الحديث: الغناء، في قول ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهما "، فلهو الحديث عند القُرطبي هو الغناء في قول ابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وغيرهما، قال: " وهو ممنوعٌ بالكتاب والسُنَّة "، لأن الغناء يثيرُ الغرائز، ويحرِّك الشهوات، ويغري بالمعصية، ويدفع إلى ما حرَّم الله عزَّ وجل، ويعيش الإنسان في أجواء معيَّنة، فالغناء ممنوعٌ بالكتاب والسنَّة.

الآيات الدالة على تحريم الغناء:

 وهذه الآية هي إحدى الآيات الثلاث التي استدلَّ بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه..

الآية الأولى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾

الآية الثانية:

﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ﴾

 ( سورة النجم 61)

 اسمدي لنا أي غني لنا.
 أحياناً إذا الإنسان استغرق في الغناء أصبحت حياته كلها غناء، وهو يعمل يسمع الأغنيات، فتصدح في المحل التجاري، وهو في المعمل تصدح الأغنيات، وهو في مركبته يستحضر هذه الأشرطة ليسمع الغناء، وهو في بيته، في كل حركاته وسكناته غارقٌ في الغناء.
 الغناء والقرآن لا يلتقيان، فإذا كانت حياتك غناءً فأنت بعيدٌ عن كتاب الله بُعْدَاً شديداً، فلذلك الآية الثانية:

﴿ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾

 ( سورة النجم61)

الآية الثالثة:

 والآية الثالثة التي استدلَّ بها العلماء على تحريم الغناء..

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾

 ( سورة الإسراء: من الآية 64)

 أحياناً يموت المُغني فيموت معه أناسٌ كثيرون، هناك من ينتحر لموت بعض المُغَنِّين، هناك من يزور قبره، ومعه المسجِّلة ليسمع إلى أغنياته التي كان يَطْرَبُ لها، وقد يأتي علماء كبار ليعزّوا بوفاة بعض المغنيين أيضاً، وهذه مشكلة كبيرة جداً، على كُلٍ هذه الآيات الثلاث استدلَّ بها العلماء على تحريم الغناء ..

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾

 قال مُجاهد: الغناء والمزامير، حلف ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاثَ مرَّات على أن لهو الحديث هو الغناء، هذا عندما سئل عن قوله تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾

أقوال الصحابة والسلف في هذه الآية:

1 – قول ابن مسعود:

 فقال: << الغناء والذي لا إله هو هو، ردَّدها ثلاث مرات >>.

2 – قول ابن عمر:

 عن ابن عمر قال: << إنه الغناء >>.
 وبهذا قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول.
 وعن ابن مسعودٍ أيضاً قال: الغناء ينبت النفاق في القلب.
 أنا أنقل لكم ما في التفاسير، هذا تفسير القرطبي، وعنوان هذا التفسير " الجامع لأحكام القرآن ".

3 – قول مجاهد:

 وقال مجاهد وزاد: " إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء، وإلى مثله من الباطل "، أي أنك جلست إلى كاهن.
 طبعاً:

(( مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))

[ من سنن ابن ماجة عن أبي هريرة ]

 هذا إن صدقه، أما إذا لم يصدقه..

((من أتى ساحراً فلم يصَدِّقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولا دُعاء أربعين ليلة))

[ ورد في الأثر ]

 لأن الاعتقاد بأن إنساناً يعلم الغيب هذا كفر، لأنه رد لقوله تعالى:

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ﴾

 ( سورة النمل: من الآية 65)

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

 ( سورة الجن 27)

 حتى لو سألت: أخي انظر لي في الفنجان، فيقول لك: والله سيأتيك مبلغ من المال، أمامك مشكلة.
 سيتزوج أحدهم من أقربائك، خير إن شاء الله، هذا لهو الحديث، هذا كلام لا معنى له، دائماً كن جادَّاً، لك أن تلهو لهواً بريئاً، إذا جلس الإنسان مع أهله، وكان إذا دخل بيته كما كان النبي عليه الصلاة، كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً، لك أن تسأل، أن تجيب، أن تمزح مزاحاً بريئاً، لك أن تستمتع بما أباح الله لك، من دون أن تقع في معصية اللهو، واللهو أن تنشغل بشيءٍ تافه عن شيءٍ ثمين، أن تنشغل بالخسيس عن النفيس.
 لو أن أحداً غاص في البحر ليأخذ اللؤلؤ، فجاء بالأصداف، وانشغل بها عن اللؤلؤ فهذا لهو، فأي شيءٍ تفعله يتناقض مع هدفك الكبير هو لهو.
 قال مجاهد: " إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل ".
 أي قصَّة باطلة، قصيدة باطلة، عمل فني باطل لا يقدِّم شيئاً، يستهلك الوقت من دون أن تستفيد منه، أنت وقت، أتُسْتَهْلَكَ هكذا بلا ثمن ؟

4 – قول مالك بن أنس:

 وقال ابن القاسم: سألت الإمام مالك عن قوله تعالى:

﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾

 ( سورة يونس: من الآية 32)

 قال: لهو الحديث..

﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾

 الحق واحد، الحق طريق مستقيم، الحق خط مستقيم بين نقطتين، فأي انحرافٍ عن هذا الخط فهو باطل.

5 – قول البخاري:

 الإمام البخاري في صحيحه عقد باباً سمَّاه: باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك، وقوله تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً ﴾

 قال: " إذا شغل عن طاعة الله "، فهو مأخوذٌ ليضلَّ عن سبيل الله.

سبب نزول الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ

 بعض علماء القرآن الكريم، ولا سيما من تتبَّعوا أسباب النزول، أَوْرَدَ في سبب نزول هذه الآية القصَّة التالية:
 اشترى النضر بن الحارث كتب الأعاجم، فكان يجلس بمكَّة، فإذا قالت قريش: إن محمداً قال كذا، ضحك منه، وحدَّثهم بأحاديث ملوك الفرس، ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمَّد، وقيل: كان يشتري المُغَنِّيَات، فلا يظفر بأحدٍ يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينةٍ فيقول لها: أطعميه، واسقيه، وغني له، ويقول: هذا خيرٌ مما يدعو إليه محمد من صلاةٍ وصيامٍ، وأن تقاتل بين يديه.
 هذه القصَّة أوردها بعض المفسِّرين في تفسير قوله تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 يدفع له مغنيةً، يقول لها: أطعميه واسقيه، وغني له.
 إنّ الإنسان إما أنه مع عقله أو مع شهوته، إما يسعى أنه لآخرته أو لدنياه، فالسعيد من سعى لآخرته، ومن كان مع ربِّه.

أحاديث نبوية محذِّرة من الغناء:

الحديث الأول:

 يقول عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أمامة:

((ما من رجلٍ يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما عن هذا المنكب، والآخر على المنكب الآخر، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتَّى يكون هو الذي يسكت))

[ ورد في الأثر ]

 لأن الغناء يتناقض مع الهدف الكبير من وجودك في هذه الدنيا.

الحديث الثاني:

 ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

(( أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ: فَوَجَدَهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ: فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ: فَبَكَى: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَتَبْكِي ؟ أَوَلَمْ تَكُنْ نَهَيْتَ عَنْ الْبُكَاءِ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، خَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ))

[ الترمذي ]

 أي الغناء والمزامير في الأفراح وفي الأتراح، هذان الصوتان ينهى عنهما النبي عليه الصلاة والسلام.

الحديث الثالث:

 وفي حديثٍ آخر رواه الإمام جعفر بن محمد، عن أبيه عن جدِّه، عن عليٍّ رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلَّم:

(( بعثت بكسر المزامير))

[ كنز العمال ]

الصوت الحسن والتغني بالقرآن:

 لكن سأقف وقفة قليلة، ما من حاجة عند الإنسان إلى أن يستمع إلى شيء يطربه، أنا أقسم لكم، واسألوا أياَّ من تحبون ممن تثقون بحديثهم، إن المؤمن ليطرب طرباً بالقرآن لا يصل إليه ذوَّاقو الغناء في العالَم، حينما نهاك عن الغناء سمح لك أن تتغنَّى بالقرآن، المؤمن إذا استمع إلى القرآن من صوتٍ شجي، يفعل هذا الصوت مع هذا الكلام المقدَّس، مع كلام خالق الكون في نفسه فعلاً لا يرقى إليه أي ذواقٍ للغناء، فأحياناً مديح النبي، أحياناً صوت المؤذِّن الشَجّي، أحياناً ابتهالاتٌ يسمعها من أناسٍ وهبهم الله صوتاً رخيماً وشجياً، مدائح نبويَّة، فكل كلامٍ يرقى بك إلى الله إذا كان بصوتٍ حسنٍ وعذبٍ هذا شيءٌ مسموحٌ به، فأنت حينما تترك الغناء خوفاً من الله عزَّ وجل، هناك شيءٌ آخر يحلُّ محلَّه، تطرب بالقرآن، تطرب بمديح النبي العدنان، تطرب بالابتهال إلى الله عزَّ وجل، فما من شيءٍ أودعه الله في الإنسان إلا وجعل له قناةً نظيفةً يسري عبرها.

الحديث الرابع:

 وفي حديُثٍ آخر:

((بُعِثْتُ بهدم المزامير والطبل))

الحديث الخامس:

 وروى الترمذي من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

((إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ))

[ من سنن الترمذي عن أنس بن أبي طالب ]

الإنسان بين سكرة الأغاني وسعادة القرآن:

 فبعضهم يقول: إنَّ كبار المغنين الذين أسكروا الناس بأغنياتهم هم سبب تخلُّفنا وسبب تقهقرنا، هكذا قال بعضهم في أعقاب النكسات التي ألمَّت بأمَّتنا، شعبٌ غارقٌ في الغناء، غارقٌ فيما لا يرضي الله عزَّ وجل، هذا كيف يتحرَّك إلى طاعة الله ؟ كيف يصدر منه الخير ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاءُ.. فذكر منها.. وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ..))

 صار الغناء جزءً أساسياً من حياة الإنسان.
 لآن إذا دخلت إلى المحلات التجاريَّة، إلى المعامل، أينما تحرَّكت تجد الأغاني تصدح بأعلى أصواتها، حتَّى إذا سافرت لا تنجو من الغناء، بمركبة عامَّة لا تنجو منها، لكن لو أن الإنسان تعرَّف إلى الله عزَّ وجل يقشعرُّ جلده إذا تليت عليه آية..

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً﴾

 ( سورة الأنفال: من الآية 2)

 هكذا وعد الله، الإنسان المؤمن يطرب أشدَّ الطرب، يمر بسعادة نفسية لا يرقى إليها كل ذواقي الغناء في العالَم.

الحديث السادس:

 وفي حديثٍ آخر رواه ابن المبارك عن أنس بن مالك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من جلس إلى قينةٍ يسمع منها صبَّ في أذنه الآنك يوم القيامة قيل: وما الآنك ؟ قال: الرصاص المذاب))

[ ورد في الأثر ]

الحديث السابع:

 وفي حديثٍ قدسي أن الله تعالى يقول يوم القيامة:

(( أين عبادي الذين كانوا ينزِّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان ؟ أحِلُّوهم رياض المِسك، وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني))

[ ورد في الأثر ]

الحديث الثامن:

 وفي روايةٍ أخرى يقول الله عزَّ وجل للملائكة:

(( اسمعوهم حمدي وشكري وثنائي، وأخبروهم أن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون))

بشرى للمغني التائب: مَن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرا منه:

 طبعاً الحياة ابتلاء، ربَّما كان الغناء محبَّباً للنفس، لكن المؤمن حينما يرجو ما عند الله، ويترك ما يحبّ في سبيل الله، فإن الله عزَّ وجل يعوِّضه خيرٌ منه، لذلك:

(( ما كان الله ليعذِّب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله))

 مهما كنت متعلِّقاً، لذلك بعض كبار المغنِّين في العالَم، حينما عرفوا الله عزَّ وجل، أنفقوا كل ثرواتهم على شراء اسطواناتهم وإتلافها خوفاً من الله عزَّ وجل، هناك مغنون كبار في إيطاليا لهم قصص شهيرة حينما دخل الإيمان في قلوبهم ندموا على فعلتهم، هناك أناسٌ يعملون في حقول الفن، حينما عرفوا الله عزَّ وجل ذاقوا من السعادة ما لا يعرفونها من قبل.
 قرأت بعض المقالات عن أناس تابوا إلى الله، وكانوا غارقين في المعاصي، يصفون أحوالهم مع ربِّهم كما يصف العارفون بالله، لذلك إذا دخل الإنسان في حضرة الله عزَّ وجل يذوب شوقاً وحبَّاً، ويستنقع في الرحمة استنقاعاً، فكبار المغنين أصبحوا من كبار المؤمنين، والشيء الذي يؤسَفُ له أن تجد بعض المنشدين، أو بعض قرَّاء القرآن أصبحوا مغنين، هذه الشيء نكسة خطيرة جداً، أما العكس فشيءٌ طيِّب.

الحديث التاسع:

 وفي حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة، قيل: ومن الروحانيون يا رسول اللّه ؟ قال: قراء أهل الجنة))

[أجرخه الحكيم عن أبي موسى الأشعري، وقال السيوطي: ضعيف]

 أخرج الترمذي، وهذا الحديث في نوادر الأصول، وفي كتاب التذكِرة:

(( مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ))

[من سنن ابن ماجة عن ابن عبد الله بن الحسين ]

 وخمر الآخرة شيءٌ آخر..

(( مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ))

[ من صحيح البخاري عن ابن الزبير]

(( ومن مات وعنده جارية فلا تصلوا عليه))

[ ورد في الأثر]

 يقصد بالجارية هنا المغنية.
 يقول لك: ترك أربعمئة وخمسين شريط غناء، ماذا نفعل فيهم ؟ أتلفها كلها.. ""

((ومن مات وعنده جارية فلا تصلوا عليه))

 وقال الإمام القرطبي: " الاشتغال بالغناء على الدوام سفهٌ تُردُّ به الشهادة "، لا تقبل شهادته، إذاً:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا ﴾

 هذه الهاء تعود على آيات الله..

﴿ هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

وعيد مَن يتخذ آيات الله هزوا:

 هناك عذاب أليم، وعذاب عظيم، وعذاب مهين، فالذي يتخذ لهو الحديث ليضلَّ الناس عن سبيل الله، معنى هذا الإنسان مخلوق ليسير في سبيل الله، فأي شيءٍ يعيقه عن سبيل الله، أي شيءٍ يصرفه عن سبيل الله هو لهو.
 ما هو اللهو ؟ أن تشتغل بالخسيس عن النفيس هذا هو اللهو، فالإنسان له هدفٌ كبير نفيس، فإذا اشتغل بالخسيس، أمضى وقته في الخسيس، استهلك وقته في الخسيس، ضيَّع رأس ماله الكبير، وهو حياته في الخسيس، ونسي النفيس فقد انطبقت عليه هذه الآية:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ ﴾

 إذاً يجب أن تكون في سبيل الله، معنى السبيل الطريق، أي أنت في الطريق الموصل إلى الله، العقبات التي توضع في الطريق من قِبَلِ الناس يجب أن تتجاوزها، يجب أن تقفز عليها، لا ينبغي أن تكون هذه العقبة أمامك مانعاً..

﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

الضلال مقرون بالجهل:

 لأن الضلال معه جهل دائماً، ليست هذه كما قال: قيد احترازي بل هذا قيد وصفي، أي أن من خصائص الإضلال عن سبيل الله أن الجهل يرافقه دائماً..

﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

 حينما كنَّا في الجامعة قرأنا عن شاعر أمضى حياته في الغَزَل، ما مات إلا متسوِّلاً على أبواب المساجد..

﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

 حينما جعل من الشعر، هذه الأداة البيانيَّة الرائعة، جعل منها طريقاً للفسق والفجور، ولدعوة الناس إلى الانحراف والمعصية فله عذابٌ مهين، فإذا آتى الإنسان الله طلاقة لسان، وقدرةً في الشعر، يمكن أن تُستخْدَم في الحق، وهؤلاء المغنين الكبار الذين ماتوا، قرأت عن حياتهم كانوا في أول حياتهم قُرَّاء قرآن، وكانوا مؤذنين، فهذه الطاقة الفنيَّة التي يملكونها لو كانوا وظَّفوها في القرآن، وفي دعوة الله عزَّ وجل لجمعوا بين الدنيا والآخرة، ولكنَّهم آثروا الشهرة الزائفة على طاعة الله عزَّ وجل..

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ﴾

فائدة مهمة: لا يجتمع في قلب المؤمن غناء وقرآن:

 هذا كلام واضح كالشمس، لا يجتمع في جوف المؤمن غناءٌ وقرآن، كلٌ أحدهما يطرد الآخر، فالقرآن يطرد الغناء، أو الغناء يطرد القرآن، فإذا امتلأ جوف الإنسان غناءً لم يبقَ فيه مكان للقرآن، تجده إذا أراد أن يستمع في الإذاعة إلى القرآن يقول لك: اقلب المحطَّة، لا يتحمَّل، يشعر بانقباض إذا سمع القرآن، لأن جوفه ممتلئ غناءً..

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) ﴾

 فمن أراد أن يتوسَّع في موضوع الغناء فليعد لتفسير القرطبي في تفسير هذه الآية:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS