33177
التفسير المطول - سورة النساء 004 - الدرس(09-69): تفسير الآيات 19-21 ، المعاشرة بالمعروف
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-04-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إذا آمنت باختيارك فمن موجبات إيمانك بالله أن تنصاع لتوجيهاته المتعددة :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من دروس سورة النساء، ومع الآية الكريمة التاسعة عشرة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 أيها الأخوة الكرام، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

[سورة البقرة: 256]

 فالذي آمن بالله عز وجل آمن باختياره، فإذا آمنت باختيارك فمن موجبات إيمانك بالله عز وجل أن تنصاع لتوجيهاته المتعددة، الله عز وجل يخاطب عامة الناس بأصول الدين.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 21 ]

 أما إذا خاطب المؤمنين فكأن بين المؤمن وبين ربه عقداً إيمانياً، أنت يا عبدي آمنت بي، وبعلمي، وبحكمتي، وبرحمتي، لأنك آمنت بي طواعية من دون إكراه، فهذا يقتضي أن تتبع مسائل الإيمان التفصيلية.

الاستجابة لأمر الله جزء من إيمانك :

 كل من يدَّعي أنه مؤمن ولا يستجيب لأمر الله عز وجل فهو كاذب في ادعائه.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 24]

 الاستجابة لأمر الله جزء من إيمانك، لذلك الأحكام التفصيلية والتوجيهات الجزئية في القرآن الكريم تتصدرها العبارة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 فالله عز وجل بعد أن بين الشيء الذي يحل أن نورثه، هناك مورث ووارث وموروث، بعد أن بين لنا من قبل في هذه السورة بالذات الأموال التي يمكن أن تورث، وكيف أن الله سبحانه وتعالى تولى بنفسه توزيع هذا الإرث، لئلا تدخل الاعتبارات الاجتماعية هذا حق الله عز وجل، وفي دروس سابقة كان الحديث عن طريقة تقسيم الإرث، ولكن اليوم يبين الله لنا أن في حياة المسلم أشياء لا يمكن أن تورث! لأنه في الجاهلية كانت الزوجة تورث، وكأنها متاع! فالورثة يتزوجونها بلا مهر، لأنها جزء من الميراث كغرفة النوم، أو يزوجونها لمن يريدون ويأخذون المهر، أو يعضلونها كي تفتدي نفسها بكل شيء، فالمرأة في الجاهلية كانت تورّث كما يورث المتاع، فالله جل جلاله بعد أن بين لنا أن هناك أشياء تورث، والحكم فيها واضح، ومرَّ ذكره قبل درسين، ولكن في هذه الآية يبين جل جلاله أن هناك أشياء يحرم توريثها كالزوجة، إنها امرأة وشريكة الحياة، فإذا أمضت عدتها فلها الحق أن تتزوج، وأن يختارها من يشاء، ويدفع مهرها لها.

المرأة والرجل يتكاملان ولا يتشابهان :

 يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً ﴾

 المرأة مقهورة، وهي جزء من متاع البيت، فإذا مات زوجها تزوجها من يشاء من الورثة، أو زوجوها وقبضوا ثمنها، أو أعضلوها ومنعوا زواجها كي تفتدي بنفسها، هذا حكم محرم في الإسلام، لأن المرأة كما تعلمون مساوية للرجل تماماً في التكليف، والتشريف، والمسؤولية، ولكن إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36 ]

 فلأن خصائص المرأة العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية تتناسب مع المهمة التي أنيطت بها، كما أن خصائص الرجل الاجتماعية والعقلية والنفسية والجسمية منوطة ومتناسبة مع المهمة التي أنيطت به، فالمرأة والرجل يتكاملان ولا يتشابهان، وحينما اختلطت الأوراق في العصور الحديثة، وفي مجتمع التفلت والكفر كان هناك من الأخطار، ومن أسباب انهيار المجتمعات ما لا سبيل إلى وصفه.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً ﴾

 المرأة إنسان مكلف مشرف، إنها شريكة حياة الرجل، فإذا مات زوجها فلها الحق بعد أن تمضي عدتها أن تتزوج من تشاء، ولكل من سمع بها أن يخطبها إذا شاء، وتأخذ مهرها بيدها.
 أيها الأخوة، في بعض الحضارات الشرقية إذا مات الزوج ينبغي أن تحرق معه، وهذا ظلم شديد، جاهلية العرب فيها ظلم، وثقافة الشعوب في بعض البلاد الشرقية تقضي أن تحرق المرأة مع زوجها الميت، وكلا الحالتين فيهما ظلم شديد، بينما وحي السماء يعطي كل ذي حق حقه.

الأحكام المتعلقة بالآية التالية :

 هناك حكم شرعي آخر، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ ﴾

 الحكم الأول: المرأة لا يمكن أن تورّث، إنها إنسان في أعلى درجات الكرامة والإنسانية، أمرها بيدها، بينما لا يمكن أن يتم عقد زواج دون أن تسأل الفتاة، ويأخذ القاضي موافقتها، وإلا لم ينعقد العقد، وأنتم ترون حينما تحضرون عقود قران لا بد لكاتب المحكمة أن يذهب ليستمع إقرار الفتاة بأذنه، على أنها قبلت هذا الزواج من هذا الشاب على هذا المهر.
 الآن عندنا حكم آخر: هو أن الزوج أحياناً يرفض أن يطلق زوجته، لا يطلقها إضراراً بها كي تفتدي نفسها بكل ما أعطته، وهذا محرم أشد التحريم، ولو تتبعنا أصل هذه الكلمة (عضل)، حينما يبدأ المخاض يتقلص الرحم تقلصات لطيفة نظامية إلى أن يدفع الغلام إلى الخارج، وبعد هذه التقلصات المتزامنة اللطيفة ينقبض الرحم انقباضاً شديداً، وكأنه صخر، التقلص الأول اللطيف من أجل أن يدفع الجنين إلى خارج الرحم، فلو كان تقلصاً شديداً لمات الجنين، والتقلص العنيف بعد الولادة من أجل أن يسد عشرات آلاف الأوعية المتقطعة من الولادة، فلو أن الآية انعكست كان التقلص شديداً في بداية المخاض، ثم كان رخواً بعد المخاض لماتت الأم ووليدها، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾

[ سورة عبس: 20]

 لكن أحياناً، وكلمة أحياناً أقصد بها حقيقة توحيدية، الرحم ينقبض، ولا يسمح للجنين أن يخرج، نقول: عضل الرحم، فلا بد من عملية قيصرية، لا بد من إخراج الجنين من خاصرة أمه، لو أن الله جل جلاله جعل الأسباب مترافقة مع النتائج إلى أبد الآبدين لما عرفنا الله، ولكانت الأسباب والنتائج شيئاً تافهاً، لأنها رتيبة، لكن مع أن هذا الجسم مبني على نظام دقيقٍ دقيق لكن ما كل سبب في الجسم يفضي إلى نتيجة، وما كل نتيجة لها سبب، فكأن الله جعل الأسباب نظاماً للكون كي تنتظم حياتنا، بل جعل في الأعم الأغلب أن هذه الأسباب مترافقة مع النتائج، لكن أحياناً هذا الرحم لا يدفع الجنين إلى خارجه، صار هناك عضلة، العضل هو عضلة الرحم تكف عن التقلص، ولا بد حينئذ من عملية قيصرية، هؤلاء الذين عبدوا الأسباب والنتائج تخيب آمالهم أحياناً، وقد نستفيد من هذا في معركتنا مع العدو، الكفار أخذوا بكل الأسباب، لكن أحياناً يفاجئون بمعطيات لم تكن في حسبانهم أبداً، أين أسبابهم؟ فلذلك يأخذ المؤمن بالأسباب، وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.

معنى كلمة (عضل) :

 الفرق الكبير بين الغرب المشرك والشرق العاصي أن الغرب المشرك أخذ بالأسباب أيما أخذ، واعتمد عليها، وألهها، فأتاه الله من حيث لا يحتسب، والشرق لم يأخذ بها كسلاً وجهلاً وتهاوناً فوقع في المعصية، الرحم مع أن له نظاماً دقيقاً جداً هو أنه في بدء المخاض يتقلص، لكن أحياناً لا يتقلص، من أجل أن تكون متعلقاً لا بالأسباب، بل بمسبب الأسباب، كي لا تكون متعلقاً لا بالأشياء المادية، بل بخالقها، وكأن هذه الاستثناءات التي لا تأخذ الأسباب مجراها، وتُعطل فيها الأسباب أو تُلغى من أجل أن يلفتك الله إلى ذاته، يا عبدي لا تعبد الأسباب، واعبد خالق الأسباب، فالعضل هو المنع والكف، فعضلة الرحم تعضل، أي تكف عن دفعه إلى الخارج فلا بد من عملية قيصرية.

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾

 أي أن زوجاً لم تكن زوجته كما يتمنى فعضلها، لا يعاملها كزوجة ولا تأخذ حقها منه كزوجة ولا يطلقها فيفسح لها المجال كي تتزوج، هذه معصية من أكبر المعاصي والآثام.

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾

 هناك أزواج ظُلَّام، من أجل أن تفتدي نفسها بكل مهرها يسيء معاملتها، إلى أن تطلب منه المخالعة، فإذا طلبت المخالعة ينبغي أن يسترد كل شيء أعطاه لها، فهذه الطريقة في معاملة الزوجة معاملة سيئة من أجل استرداد كل ما أعطيته لها، هذا شرعاً منهي عنه أشد النهي.

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾

 أحياناً تكون المرأة غنية، وليست في مستوى طموح زوجها فيعضلها، من أجل أن يرث مالها، وهذا محرم، قد يطمع أن تفتدي نفسها بكل ما أعطاها، أو قد يطمع بمالها كي يرث مالها، فالمرأة التي لا تروق للزوج ينبغي أن يصبر، وإلا يطلقها كي يفسح لها المجال ليتزوجها من هو معجب بها.

الفاحشة هي الزنى والنشوز وعدم طاعة الزوج وسوء المعاملة :

 قال تعالى:

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾

 قال العلماء: الفاحشة المبينة هي الزنا، هذا قول من أقوالهم، المرأة إذا زنت قد تخسر كل مالها، ويحق للزوج أن يكرهها على الطلاق بعد أن تفتدي نفسها منه بكل ما أعطاها! لأنها خانت الأمانة، بعضهم قال: الفاحشة النشوز، أن تستعصي على زوجها، فلا تطيعه، وكما تعلمون أن دين المرأة من أربع فقرات: إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها، ربع دين المرأة طاعتها لزوجها، فالزوجة التي نشزت، أي التي خرجت عن طاعة زوجها، هذه أيضاً لا تستحق مهرها، والزوجة التي هي سيئة المعاملة، لسانها سليط عليه لا تقيم له وزناً، فتتطاول عليه، ولا تعتني به، تهمل واجباته، هذا أيضاً من الفاحشة، في بعض التفاسير هناك أقوال ثلاثة في الفاحشة؛ نشوز الزوجة، أو وقوعها في الفاحشة، أو معاملتها السيئة:

((ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم؛ رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها..))

[الحاكم عن أبي موسى]

 الذي تحته امرأة سيئة لا يرجو صلاحاً لها، ويبقيها تحته لا يستجاب دعاؤه، من أروع ما في تفصيل هذا الحديث، وهو صحيح: لو أنك في ضائقة، وقال لك خبير: اخرج من هنا، فرفضت أن تخرج، ثم قال لك: ماذا أفعل؟ أنت لك الحق أن تمتنع عن إعطائه توجيهاً معيناً، أنا ذكرت لك أن تخرج من هنا، فإن لم تستجب لتوجيهي فلن أستجيب دعائك، فهذا الذي تحته امرأة سيئة، ولا تطيعه، ولا تقوم برعاية زوجها وأولاده، وهي سليطة اللسان، متكبرة لا يرضيها شيء، ولا ترضى عن شيء، وتسأل زوجها الطلاق من غير بأس، فإذا خرجت اشتكت على زوجها، فهذه امرأة ليست مؤهلة أن تكون زوجة لمؤمن، بل ينبغي أن يطلقها، لأنها أم أولاده، وستربي بناتها تربية خاطئة، فالفاحشة عند بعض المفسرين، والقرطبي من كبار المفسرين الذين وجهوا الآيات توجيهاً فقهياً، فالفاحشة هي الزنى والنشوز، وعدم طاعة الزوج، وسوء المعاملة.

معنى آخر لكلمة (عضل) ليس في هذه السورة :

 قال:

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾

 أن تبقي امرأة لا تعاملها كزوجة، ولا تطلقها كي تفتدي نفسها منك، أن تبقي امرأة غنية لا تطلقها، ولا تعاملها كزوجة هذا هو العضل.
 هناك معنى فرعياً ليس في هذه السورة، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾

[سورة النور: 33]

 يتوهم إنسان أن هذه البنت يجب أن تبقى لخدمته، فيقيم العقبات أمام زواجها، لأنانية وضيق أفق، هذا أيضاً محرم، لذلك الله عز وجل يوجه الخطاب للمؤمنين:

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾

[سورة النور: 33]

 لا يعقل ولا بالمليار واحد أن مؤمناً يكره ابنته على فعل الفاحشة، إلا أنك إذا عضلتها، وكلما جاء الخاطب وضعت العراقيل، وأوقعت العقبات، وسألت عن بيته، ولم يعجبك مدخل بيته مثلاً، ولا دخله، ووازنته بدخلك، وأنت في الستين، فمثل هذا الأب يرتكب خطأ كبيراً جداً حينما يعضل ابنته، وكأنه بهذا العضل يدفعها إلى المعصية.

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾

[سورة النور: 33]

 أيها الأخوة:

﴿ إٍلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾

 قال العلماء: يجوز أن تسترد الذي أعطيتها إذا أتت بفاحشة، أو إذا نشزت، أو إذا عصت، ومن هنا شرع الخلع أحياناً.

الأصل في العلاقة الزوجية المودة والمودة سلوك أساسه الحب :

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: 6]

﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[ سورة فصلت: 37 ]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم: 21 ]

 الأصل في العلاقة الزوجية المودة، والمودة سلوك أساسه الحب، فحينما تكون الزوجة وفق طموح زوجها، وحينما يكون الزوج وفق طموح زوجته ينشأ بينهما الحب، ويعبر عنه بالود، فمن كلمة طيبة إلى ابتسامة إلى خدمة إلى صبر، وإلى مؤاثرة، وإلى تضحية، إلى ما لانهاية له من علاقة الود بين الزوجين، ولكن لو أن المصلحة انقطعت بين الزوجين، أصيبت الزوجة بمرض عضال، أو الزوج افتقر فانقطعت المصلحة بينهما، ماذا يبقى؟ الرحمة.

المعاشرة بالمعروف أوسع بكثير من الود :

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم: 21 ]

 فهذا البيت بني ليبقى، فإما أن يبقى على الحب والود، وإما أن يبقى على الرحمة، فلذلك جاءت الآية في قوله تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 والمعاشرة بالمعروف أوسع بكثير من الود، ما كل بيت يبنى على الحب، لكن الزوج إذا تزوج وله أولاد من زوجته كان مستقبل الأولاد فوق كل شيء، بل إن العلاقة بينه وبين زوجته ليس ملكاً لهما بل هي ملك أولادهما، فالزوج العاقل والزوجة العاقلة تلغيان موضوع الحب إذا كان هناك أولاد، وكانت مصلحة الأولاد الراجحة في بقاء هذه الحياة الزوجية، جاءت الآية:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 وقد قال العلماء: ليست المعاشرة بالمعروف أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل أن تحتمل الأذى منها، لو أن الزوج أو الزوجة فَهِمَا المعاشرة بالمعروف أن تحتمل أذى الزوج أو أذى الزوجة فما من فرق بين اثنين في العالم الإسلامي، هذا هو توجيه الله عز وجل.

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

الجمال أحد خصائص المرأة وليس كل خصائصها :

 هناك حقيقة لا بد من شرحها: حينما يجهل الإنسان طبيعة المرأة يقع في خطأ كبير، هناك امرأة وهبها الله حكمة، وامرأة وهبها عقلاً، وامرأة وهبها الله وفاء، وامرأة وهبها جمالاً، الجمال أحد خصائص المرأة وليس كل خصائصها، فحينما الإنسان يتضجر من عيب في زوجته ينبغي ألاّ ينسى النواحي الأخرى التي امتازت بها، فما كل شيء في المرأة شكلها هذه حقيقة، فالمؤمن ينبغي أن يصبر، والزوجة ينبغي أن تصبر، لأن الزواج قد ينجح نجاحاً كبيراً من دون هذا الشرط الذي يبحث الناس عنه كل يوم، ولهذا الشرط أمد قصير، وتأثيره يضعف مع الأيام، ثم يكتشف المرء أن الأصل في العلاقة الزوجية الود، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما حدثنا عن المرأة المسلمة ذكر أنها ودود ولود، تنجب له أطفالاً يملؤون البيت فرحة، فهو ودود في معاملتها له، لذلك أزواج كثيرون حينما يشتكون من فظاظة زوجاتهم ينسون مع هذه الفظاظة جمال زوجاتهم بالتأكيد، فكأن الله عز وجل لحكمة بالغةٍ بالغة وزع خصائص المرأة بين النساء متفرقة، هذه تنال في هذه الصفة مئة درجة، وفي هذه الصفة عشر درجات، وفي هذه الصفة خمسين درجة، وفي هذه الصفة سبعين درجة، والمجموع ثابت، فأنت حينما تحكم على امرأة ينبغي أن تحكم على دينها، وعلى أخلاقها، وحكمتها، ووفائها، وأمانتها، وشكلها، أما أن يكون الشكل وحده كل شيء في المرأة فهذا ليس في واقع الكون، فالله عز وجل جعل المجموع ثابتاً.

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾

 من زاوية الشكل فقط، الدين جيد، الأمانة، الصدق، الخلق، الحكمة، إدارة المنزل الجيدة، تربية الأولاد الحازمة.

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 قد تنجب لك أولاداً نجباء، قد تمنحك راحة من طرف تربية الأولاد، قد ترى بيتك منتظماً بفضل حكمتها، قد يكون بيتك من البيوت المثالية.

هناك خيرات حسان لا يعملها إلا الله قد تتأتى من زواج إسلامي صحيح :

 قال:

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾

 ومعظم المفسرين على هذا الجانب الذي يلهث الرجال وراءه.

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 تروي الكتب أن إنساناً تزوج امرأة، فلما رآها يوم الدخلة لم تعجبه، قضى ليلته وخرج هائماً على وجهه عشرين عاماً، وعاد إلى المدينة، فإذا في مسجدها درس فيه طلاب علم كثر، جمع غفير متحلق حول شاب، فلما سأل عنه إذا هو ابنه الذي أنجبته امرأته منه يوم دخل بها، فلما عاد وعلم أن هذا ابنه ـ حينما ضجر منها يوم الدخول قالت له كلمة: لعل الخير كامن في الشر، إن رأيتني شراً فلعل الخير كله فيّ ـ وحينما علم أن هذا الابن كان عالماً كبيراً من علماء المسلمين، لذلك حينما عاد قال لابنه: يا بني قل لأمك: في الباب رجل يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر.
 هناك خيرات حسان لا يعملها إلا الله، قد تتأتى من زواج إسلامي صحيح.

﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾

 وهذا الإنصاف أن تنظر إلى أمانتها، وعفتها، ودينها، وحسن إدارتها، وتصرفاتها، وأهلها المنضبطين، وأبيها، وأمها، هناك آلاف المقاييس التي ترفع المرأة إلى أعلى عليين، لكن بعض الرجال لا ينظر إلا إلى زاوية واحدة من المرأة فيكرهها أحياناً.

المهر تستحقه المرأة مرة واحدة إذا مكنته من نفسها فقط :

 لكن إذا تفاقمت هذه الكراهية إلى درجة أنها حملت الزوج على أن يقترب من المعصية، ماذا نفعل؟

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾

 لكن إن لم يستطع الزوج أن يبقى مع زوجته، وكاد يقترب من المعصية عندئذ لا بد من الطلاق، قال:

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾

 أكبر وهم أن يتوهم الزوج أن هذا المهر موزع على العمر، فإذا طلقها في مقتبل العمر يحق له الذي أعطاها، وهذا جهل فاضح، لكن هذه الآية بينت أن المهر تستحقه المرأة مرة واحدة، إذا مكنته من نفسها فقط، وينتهي المهر:

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾

 القنطار، جلد البقرة إذا سلخت يتسع إلى ماذا؟ لو أنك ملأت جلد البقرة مالاً أو ليرات ذهبية.

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ﴾

 المهر استحقته الزوجة حينما مكنتك من نفسها مرة واحدة، معنى ذلك أن هذا العقد الغليظ في القرآن ورد مرتين، فقد أخذ الله عز وجل من الأنبياء ميثاقاً غليظاً، وأن عقد الزواج بين الزوجين هو عند الله ميثاق غليظ.

لمجرد أنك تريد تطليق امرأتك ينبغي أن تؤدي لها كل المهر معجله ومؤجله :

 عقد السيارة قد ينتهي بالبيع ولا شيء عليه، والبيت قد تسكنه بالعقد وربما لا تسكنه، أما إذا اقترنت بامرأة، ثم جاء الأولاد، فهذا الابن هذا أبوه، وهذه أمه، من يعاني هذه المشكلة؟ الذي سافر إلى بلاد الغرب، وفي لحظة طائشة تزوج امرأة هناك، ابنه منها، هي في واد وهو في واد آخر، لأن أقدس عهد في الأرض بعد الأنبياء هو عهد الزواج، وكيف تأخذون المهر وقد أفضى بعضكم إلى بعض؟ لا يتاح لا للأب ولا للأخ ولا للابن ولا للأخت ولا لابن الابن ولا ابن الزوجة أن يرى من هذه المرأة ما أبيح لزوجها أن يرى منها.
 امرأة مقدسة، جوهرة مكنونة أبيحت لإنسان، هذا شيء كبير جداً، لذلك هؤلاء الذين يستخفون بعقود الزواج لا تنسوا أن في العالم الغربي الآن تسعين بالمئة من حالات مساكنة فقط، لا يوجد عقد، ولا وقت، ولا توقيع، ولا إيصال، في أي لحظة يركلها بقدمه خارج البيت، لأنها مساكنة! أما عندنا في الإسلام فأقدس عهد وعقد هو عقد الزواج، وهذا العقد سيترتب عنه أولاد، جيل، طفل مؤمن أو كافر.
 بعض الأخوة عندما يحدثونني عن زوجاتهم الذين تزوجوهن في بلاد الغرب، وكيف أن الابن تبع أمه، وترك دينه، وأصبح من هؤلاء الشاردين، كيف أن الأب كلما تذكر هذا ذاب قلبه ألماً، أقدس عقدٍ عقدُ الزواج.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ﴾

 لمجرد أنك تريد تطليق امرأتك ينبغي أن تؤدي لها كل المهر معجله ومؤجله.

العالم الإسلامي يتمتع بحصانة للزواج ما بعدها حصانة :

 قال:

﴿ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ﴾

 أما هي إن كرهت هذا الزوج، وطلبت المخالعة يحق له أن يسترد منها كل شيء، أو إذا نشزت، أو زنت، أو ساءت معاملتها، لذلك في دعاوى التفريق إذا وجد إساءة معاملة قد يحكم القاضي للزوج بنصف المهر، أو ربعه، أو بعشره، أو بثلثيه، الأصل الزنى، والنشوز، والإساءة، هذه تذهب حق المرأة في مهرها.

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ﴾

 أتأخذونه، وقد استحقته المرأة يوم مكنتك من نفسها، ويوم أفضيت إليها، الإفضاء من الفضاء، يوم دخلت عليها من أوسع الأبواب، لا شيء محرم فيها عنك، كل شيء مباح لك إلا ما حرم النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾

 الميثاق الغليظ هو عقد الزواج، لذلك ينبغي على الإنسان أن يحسن اختيار زوجته، لئلا يحتاج إلى تطليقها، وفي طلاقها كسر لها، وتشريد للأولاد، وإضاعة لهم.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾

 ولم يرد الميثاق الغليظ إلا مع ميثاق الأنبياء، العالم الإسلامي يتمتع بحصانة للزواج ما بعدها حصانة، لذلك حينما تطلق المرأة ينبغي أن تدخل في العدة، لو أنها في سن اليأس فقضية براءة الرحم ليست واردة، ينبغي أن تمسك العدة ثلاثة قروء حفاظاً على قدسية هذا العقد، أما إذا مات عنها زوجها فالعدة أربعة أشهر وعشرة أيام، شيء مقدس لا يكون إلا بتمهيد ولا ينتهي إلا بتوابع، وفي درس آخر إن شاء الله نتابع هذه الآيات، والحمد لله رب العالمين.

رأي خاص يتعلق بنصر الله لنا و لإخواننا في فلسطين :

 سؤال: نصوم يوم الاثنين لعل الله يفرج على أخواننا بفلسطين!
 الجواب: عندي رأي دقيق: هذه أشياء كلها جزئية، إذا لم يكن هناك عودة إلى الله عز وجل، ولا يوجد صلح مع الله، ولا استقامة على أمره، ولا رغبة قوية أن نقيم الإسلام في بيوتنا، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر، والله عز وجل يريدنا أن نرجع إليه، ولعل الحكمة الكبيرة من هذه الشدة التي أصابت المسلمين كما ذكرت في الخطبة اليوم أن هذه المحنة الشديدة لعل وراءها منحة من الله عز وجل، وأن هذه الشِدة لعل وراءها شَدة من الله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

 فهذا كبير مجرمي الصهاينة لعل مهمته عند الله من دون أن يشعر، حيث يريد أن يوحد المسلمين، ويشحذ فيهم البطولة والفداء، ويدفعهم إلى العطاء، وهذا الذي يحصل، لعل كبير مجرمي الكيان الصهيوني أن يحركنا، ونعود إلى قرآننا وديننا، وإلى سنة نبينا، أن نصحو بعد غفلة، ونقف بعد قعود، ونتحرك بعد سكون، ونتعاون بعد منافسة، نتسامح بعد العداوة والبغضاء، هذا كله شيء ضاغط علينا، الآن ينبغي أن نبحث عن حلول استراتيجية، وليست تكتيكية، لا يكفي صيام يوم الاثنين، ولا تحل المشكلة، لكن تحل إذا عقد كل واحد النية أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، وإذا نظر كل واحد إلى مسافات بعيدة كيف أحمي هذه الأمة من العدو الغادر؟ ينبغي أن يختار موقعاً يصب فيه كل طاقاته وخبراته، ليس بمقدور إنسان أن يرفع المعاناة عن الأمة كلها إلى الله، أما كإنسان فاخترْ عملك، وأخلص، وخفف الأعباء عن المسلمين، ومدهم بما يحتاجون.

للجهاد أبواب عدة :

 ذكرت اليوم في الخطبة أشياء كثيرة، أربع أو خمس أبواب للجهاد متاحة لكل المسلمين في بلادهم، ذكرت اليوم أن شركة دخان واحدة أرباحها في اليوم من مبيعاتها في العالم الإسلامي ثمانمئة مليون دولار! وبين هذه الشركة والكيان الصهيوني عقد اثنا عشر بالمئة للكيان الصهيوني، تسعة ملايين دولار يأخذها اليهود من ربح هذا الدخان من مسلمي العالم، والشيء الذي يجرح الفؤاد أن المسلمين أكثر الشعوب تدخيناً! فما قولك في بقية أرباح شركات الدخان؟ ما قولك في أرباح شركات المطاعم المنتشرة في شتى بقاع العالمين العربي والإسلامي؟ ما قولك في أرباح شركات المياه الغازية التي تعد أرباحها فلكية؟ ما قولك في أرباح شركات السيارات التي تتصدر إعلاناتها المحطات الفضائية في العالم العربي؟ هل يجبرك أحد أن تشتري هذه البضاعة في العالم كله، لو لم تتلق توجيهاً من قيادة بلدك، والتمس لها العذر، هل يجبرك أحد في الأرض أن تشتري هذه البضاعة؟ هل يحاسبك أحد إذا لم تشتر هذه البضاعة، هذا باب مفتوح من أبواب الجهاد، باب آخر لو بحثت عن قناة نظيفة آمنة توصل من خلالها جزء من مالك إلى هؤلاء الذين هدمت بيوتهم، ودمرت ممتلكاتهم، وجرفت أراضيهم، وقطعت عنهم الكهرباء فتلفت موادهم الغذائية، قطعت عنهم المياه فشربوا المياه المالحة، أعدم رجالهم بالرصاص، أخذ أولادهم إلى السجون، ويعانون ما يعانون، أتهنأ أنت في حياتك؟ أترتاح في طعام تأكله، أو سرير تنام عليه، أو ابن أمامك تتمتع به، وهم قد فقدوا كل شيء، وتقول: ماذا أفعل؟ أمامك مليون فعل تفعله دون أن تكون مسؤولاً.

القضية قضية عودة إلى الله عز وجل :

 فيا أيها الأخوة، القضية قضية عودة إلى الله، حينما نتوهم ونسمع من هذا الذي يقبع في واشنطن أن شارون رجل سلام، ما قولكم بهذا الكلام؟ أتتحمل هذا الكلام؟ لا تعلق أمل بأهل الأرض، لن ينفعونا شيئاً، الأمل بالله وحده:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

[ سورة الأنفال: 10 ]

 بالأرض القضية أسهل، فلان يحل المشكلة، لكن فلان ليس عنده منهج تطبقه، أنت مرتاح، فكلما علقت الحل بأهل الأرض فلا مشكلة لديك، أما إذا علقت الحل بالله فعند الله منهج إذا لم تطبقه لا يعطيك النصر. المشكلة أننا نجامل أنفسنا، كلما أردنا حلاً أرضياً نحن نجلس مرتاحين، كسالى، غير مطبقين للمنهج، أما عندما نجعل الحل هو الله فإن الله له منهج.

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 7 ]

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ﴾

[ سورة الأنفال: 10 ]

 ألا تقام حفلات في ردهات الفنادق، وأبهاء المطاعم، وحدائق المزارع، تكلف مئات الألوف، واختلاط، وغناء؟ هذا وضع المسلمين، أيطيب للمسلم عندما يرى أخوته يقتلون ويؤسرون ويجوعون، أدويتهم دمرت! القضية كبيرة، لا تحل بقضية تكتيكية، لا تحل إلا بشكل استراتيجي، أراد الله من هذه المحنة أن نرجع إليه، وإن رجعنا إليه سوف ترون آيات الله صارخة وواضحة.

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

الظلم ظلمات :

 أيها الأخوة، القضية تحتاج إلى مراجعة بيتك وعملك، لك موقع تقدم فيه خدمة للمسلمين، تربي أبناءك! هذه المشكلة، المشكلة لا تحل بصلاة غائب، ولا بصيام يوم الاثنين، بل بأكبر من ذلك، طالب لم يدرس أبداً وعنده امتحان، قال له زميله: خذ حبة أسبرين، ماذا تنفعه؟ والآخر قال: اقرأ الفاتحة، وقال الآخر: قَبِل يد أمك، لا تحل لا بقبلة يد الأم، ولا بقراءة الفاتحة، ولا بأسبرين، لأنه لم يدرس أبداً، هذا الواقع المر، دائماً ابق مع الحقيقة المرة، واترك الوهم المريح، الواقع المر عندنا مشكلة كبيرة مع الله، فحينما امتحننا الله بهذا البلاء الشديد، والله ما بعده بلاء، والله الذي يراه الناس ويسمعونه لا يحتملونه، تشعر أنك مدمر لأعماق أعماق أعماقك! لا يوجد إلا الأمل بالله عز وجل.
 فيا أيها الأخوة، كأن الله تخلى عنا، وقلت في الدعاء: يا رب لا تتخلَّ عنا، ولكن هناك منا من يفعل ويوجب أن تتخلى عنا.
 فرحنا بالأمطار، لاحظ من هنا إلى منين، طريق الربوة كم ملهى يوجد؟ وكم مغنية وراقصة وخمر؟ هذا بعدما أكرمنا الله بالمياه.
 عندنا معاصٍ كبيرة جداً، صلاح الدين الأيوبي حينما حارب أوروبا بأكملها ماذا فعل؟ أزال المنكرات، وفتح المدارس، بل حينما فرض على الرعية ضريبة من أجل تجنيد الجيش، وسأل بعض العلماء قال: هذه ليست شرعية، فألغاها في اليوم الثاني، فجاء قواده، وقالوا: كيف تلغي الضريبة؟ كيف نجهز الجيش؟ فقال صلاح الدين رحمه الله: لا يبنى جهاد على معصية. أنا قلت: حينما تؤمن بالله إيماناً حقيقياً ينبغي أن يحملك على طاعة الله، وحينما تؤمن بالآخرة إيماناً حقيقياً ينبغي أن يحملك على ألا تظلم مسلماً.
 ألا يوجد ظلم لبعضنا؟ دعك، خذ الطبقة التحتية والشعب، كم دعوة فيها ظلم؟ كم أسرة وكم عائلة فيها ظلم؟ كم صاحب معمل يظلم عماله؟ الظلم ظلمات، لذلك عند الله عز وجل حقيقة مؤلمة جداً، ولا أتمنى أن أقولها: إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة إذا وجد ظلم فيما بيننا، أو مشكلة كبيرة جداً لا تحل بصيام، ولا بصلاة غائب، بل بعودة إلى الله من الأعماق، وكل واحد يعاهد الله أن يعمل شيئاً، ويتجاوز حاجاته اليومية، وشغله، ويعمل شيئاً ثميناً لله حتى يستجيب له الدعاء.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS