9007
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (12-70) : الرؤيا الصحيحة للاتباع والابتداع
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-14
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من لم يتبع منهج الله عز وجل لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

لا ترقى عند الله حتى تقف عند حدود الله
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الاتباع كموضوعٍ أساسي في: "سبل الوصول وعلامات القبول".
الحقيقة الأولى: لو نظرتم إلى رجلٍ أُعطي من الكرامات حتى طار في الهواء، أو مشى على وجه الماء، فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وعند الحلال والحرام، وحفظ الحدود، لو أُعطيت من الكرامات ما أُعطيت لا ترقى عند الله إلا إذا رآك حيث أمرك، وإذا افتقدك حيث نهاك، عند الحلال والحرام، عند الأمر والنهي، عند حدود الله.

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود الآية: 112 ]

أي ما لم تكن متبعاً لمنهج الله، ما لم تكن متبعاً ـ وفي هذين الدرسين الحديث عن الاتباع ـ لمنهج الله لن تقطف من ثمار الدين شيئاً، يبقى الدين ثقافة، لا يقدم ولا يؤخر، ومليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم في الأرض، كلمتهم ليست هي العليا، و للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هذه الحقيقة المرة التي أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

من طبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام فلن يُعذب أبداً :

بل إنه في اللغة العربية نفيٌ اسمه نفي الشأن، هذا أبلغ نفيٍ في اللغة العربية صيغته:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية:33 ]

أي مستحيلٌ وألفُ ألف ألف مستحيل أن يعذب المسلمين ما دامت سنة النبي قائمةً فيهم.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

أنت فيهم في حياتك لها معنى، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى لها معنى آخر، ما دام منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حياتهم، ما دام هذا المنهج قائماً في حياتهم هم في مأمنٍ من عذاب الله، فإذا كانوا يعذبون ليلاً ونهاراً فمعنى ذلك أنهم هجروا هذا القرآن الكريم، وهجروا هذا المنهج القويم ،هذه الحقيقة الأولى.

التجارة مع الله تجارة رابحة جداً :

الحقيقة الثانية: أنت كمؤمن قد تُتبع، أنت أب، معلم، مدير مؤسسة، رئيس مستشفى قد تُتبع، قد تُقلد، المتبوع في الخير له مثل أجر من اتبعه، وأقوى دليل أولادك، قال الله تعالى عنك أيها الأب المؤمن:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور الآية: 21 ]

حين يتبعك أولادك بالخير فلك أجرك وأجرهم وأجر ذريتهم
كل أعمال أولادك، وأحفادك، وذريتك، إلى يوم القيامة في صحيفتك، التجارة مع الله رابحة جداً، تاجروا مع الله، أولادك، وأحفادك، وذريتك إلى يوم القيامة في صحيفتك.
لذلك مرة ثانية:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم:

﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

[ سورة الطور ]

هذا في القرآن، فماذا في السنة؟ قال عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح:

(( مَنْ دعا إلى هُدى كان له من الأجرِ مِثْلُ أجور مَنْ تَبِعَهُ، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضَلالَة كان عليه من الإثمِ مِثْلُ آثام من تَبِعَهُ، لا يَنْقُص ذلك من أوزارهم شيئاً ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

إذاً أي كلمةٍ تنطق بها، أي عملٍ تعمله، إذا اتبعك من اتبعك بهذا العمل فلك مثل أجره والعكس صحيح، وأي عملٍ سيئ من قلدك فيه عليك إثم هذا العمل.

المتبوع في الشر يتبرأ يوم القيامة من التابع :

الآن المتبوع يتبرأ يوم القيامة من التابع إذا اُتبع في الشر.

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]

الشيطان يتبرأ من الإنسان الذي اتبعه، المتبوع في الشر يتبرأ يوم القيامة من التابع.
لذلك لا أحد يضل أحداً، هذه الحقيقة، الذي يتوهم أن فلاناً أضله هو عنده رغبة في هذا الضلال، آية ثانية:

﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾

[ سورة البقرة ]

إذاً إذا اُتبعت في الخير لك مثل أجر من اتبعك، وإن اُتبعت في الشر عليك وزر الذي اتبعك.

الإحسان و الطاعة :

الآن هناك حالة قد تلتبس على الإنسان، طاعة الوالدين، الطاعة لله وحده، والعبادة لله وحده، والإحسان للوالدين، فرقٌ كبير بين الإحسان وبين الطاعة، والآية الكريمة:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 23 ]

أنت تحسن لوالديك إنما الطاعة لله وحده

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ]

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 23 ]

قال لي أحد الأخوة أن أباه أمره أن يطلق امرأته، فسألته عن حال زوجته فقال لي: والله جيدة جداً، ودينة، ومحجبة، ووفية، ومخلصة، لكن أبي لا يحبها فأمرني أن أطلقها، قلت له: لا تطلقها، قال لي: سيدنا عمر أمر ابنه؟ فقلت له: إذا أبوك كعمر فطلقها، لكن أباك ليس عمر بن الخطاب، سيدنا عمر عندما يأمر يكون هناك أمر متصلاً بالدين.
لذلك:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

الوالد يُحسن إليه، وكذلك الوالدة، أما العبادة لله وحده، لولا أني أسمع كثيراً من الناس يطيع أباه وأمه في معصية الله إرضاءً لهما ما قلت هذا الكلام، لذلك الآية الدقيقة جداً:

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ ﴾

[ سورة لقمان الآية: 15 ]

الدعوة إلى الله دعوتان؛ دعوةٌ إلى الذات ودعوةٌ إلى الله :

موضوع الاتباع مهم جداً:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة لقمان ]

الدعوة إلى الله ترقى بالإنسان لأعلى عليين
مما يتصل بموضوع الاتباع الدعوة إلى الله، الدعوة إلى الله دعوتان دعوةٌ إلى الذات مغلفةٌ بدعوة إلى الله، ودعوةٌ إلى الله خالصة، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها الابتداع لا الاتباع، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها التنافس، الدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله أساسها إلغاء الآخر، تجاهل الآخر، أما الدعوة إلى الله الخالصة أساسها التعاون لا التنافس، أساسها الاتباع لا الابتداع، أساسها الاعتراف بالآخر، لذلك الاتباع في الدعوة إلى الله فيصل بين دعوةٍ خالصة أساسها الاتباع، وبين دعوة إلى الذات أساسها الابتداع، لابد من أن يبتدع شيئاً جديداً في الدين حتى يقول ليس هناك من أحدٍ غيري.
أيها الأخوة، الدعوة إلى الله ترقى بالإنسان إلى أعلى عليين، وترقى الدعوة إلى الله إلى صنعة الأنبياء، الدعوة إلى الله صنعة الأنبياء، والشيء المؤسف أن الدعوة إلى الله يمكن أن تكون أتفه عملٍ على الإطلاق لا تستأهل إلا ابتسامة ساخرة، يمكن أن ترقى الدعوة فتكون صنعة الأنبياء، ويمكن أن تسقط الدعوة فتكون عملاً لا يستأهل إلا ابتسامةً ساخرة، حينما تبذل من أجل الدعوة الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وحينما تموت من أجل الدعوة، تكون دعوةً ترتقي إلى صنعة الأنبياء، أما حينما ترتزق بالدعوة ولا تطبق منهج الله لكنك تتاجر به تسقط الدعوة، وتصبح عملاً تافهاً لا قيمة له.
لذلك قال الإمام الشافعي: "لأن أرتزق بالرقص أفضل من أرتزق بالدين".
مرة إنسان قال لإنسان: أنا أموت من أجل لا إله إلا الله، أما أنت فترتزق بها، وفرقٌ كبير بين أن تموت من أجل لا إله إلا الله، وبين أن ترتزق منها.

الاتباع والابتداع :

أيها الأخوة، الحديث عن الاتباع يقودنا إلى موضوعٍ في الدين خطيرٍ جداً هو الاتباع والابتداع، إما أن تكون متبعاً، وإما أن تكون لا سمح الله مبتدعاً، أصل هذا الموضوع في آيةٍ واحدة هي محور ما يجري في العالم الإسلامي:

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 73 ]

ما عندهم مانع أن يكون هناك مساجد، واحتفالات دينية، ومؤتمرات إسلامية، أما المنهج التفصيلي يريدون منهجاً آخر:

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء ]

علاقات طيبة، تطبيع علاقات، بشرط أن تتخلى عن المنهج، أما الفلكلور، المظاهر، لا مانع افعل ما شئت منها، أما المنهج الاقتصاد ربوي، الاختلاط المرأة مكشفة، هم يريدون منهجاً آخر،

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

الدين توقيفي من عند الله عز وجل :

الدين توقيفي من عند الله لا يبدل ولا يضاف أو يحذف منه
أيها الأخوة، الدين توقيفي، توفيقي لا يُعدّل، ولا يُبدل، ولا يُطور، ولا يُحدث، ولا يُضاف عليه، ولا يُحذف منه، لأنه من عند الله توقيفي، أما كلمة تجديد في الدين فلا تعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه فقط، معنى التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد الصحيح تجديد في الخطاب الدعوي فقط، أما الدين هو هو:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة الآية: 3 ]

الكمال نوعي والإتمام عددي، أي عدد القضايا التي عالجها الدين تامٌ عدداً ، وطريقة المعالجة كاملةٌ نوعاً، فالإتمام عددي والكمال نوعي، فلذلك الدين توقيفي، ليس هناك تجديد في الدين، ولا تطوير في الدين، ولا تحديث في الدين، ولا إضافة على الدين، ولا حذف من الدين، هذه هي المشكلة الأولى أن هناك اتباع وهناك ابتداع.

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

أيها الأخوة، أولاً هؤلاء الذين قالوا:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 18 ]

بماذا ردّ الله عليهم:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 18 ]

وإذا توهم المسلمون أنهم الأمة المختارة، أو هم خير أمةٍ أخرجت للناس كما جاء في القرآن الكريم، الرد الإلهي جاهز،

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

لأن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 110 ]

كنتم بمعنى أصبحتم بهذه الدعوة:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية:110 ]

بعض المسلمين ينفقون ببذخ يفوق الخيال
هذه علة الخيرية لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا ))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

والبيت الذي دخل فيه الشاعر السجن:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

هذا شعار كل مسلم، لا علاقة لي، ما دام دخله وفير، بيته واسع، يتمتع بالحياة الدنيا، لا يعبأ بأحد، أحياناً تجد إنفاقاً من حيث الإسراف والتبذير يفوق حدّ الخيال، وتجد مسلمين يموتون من الجوع.
لذلك إذا قال المسلمون: نحن

﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

نقول:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

وهذه حقيقةٌ ثانية، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

البدعة في اللغة والبدعة في الدين :

الآن يتصل بهذا الموضوع أيضاً البدعة في اللغة، والبدعة في الدين، البدعة في اللغة أن تأتي بشيءٍ لم يكن من قبل، تكبير الصوت، مهما كان المسجد كبيراً، في الحرم المكي أي إنسان في أي مكان في مكة يستمع إلى قراءة الإمام عن طريق تكبير الصوت، هذه بدعة لكن في اللغة لا في الدين، البدعة في اللغة مطلوبة، أن نطور حياتنا، أن نستصلح أراضينا، أن نؤمن فرص عمل للشباب، أن نزوج الشباب والشابات، أن نخفف من الأمية، أن نرقى بمستوى الدخل، هناك أعمال لا تنتهي في البدعة في اللغة.
لذلك يغطي البدعة في اللغة قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً ))

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي جحيفة ]

أي مشروع خيري مطلوب
أي مشروع خيري، ميتم، تكافل اجتماعي، جمعيات خيرية، هذا كله مطلوب، هذا هو المطلوب:

(( مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً ))

[ أخرجه ابن ماجه، عن أبي جحيفة ]

أي نحل مشكلات بلادنا، نستصلح أراضينا، ننشئ السدود، نستخرج الثروات، نطور الصناعات، نرفع دخل المواطن، نلغي العنوسة، نلغي البطالة، نلغي الفقر، هذا المطلوب في الابتداع، الابتداع في الدنيا، الذي حصل العكس، ابتدعنا في الدين وقلدنا في الدنيا، هذا أحد أكبر أسباب تخلفنا، ابتدعنا في الدين أصبحنا طوائف، وفرق، واتجاهات، وصراعات، ودماء، تسيل بين الفرق الإسلامية، في الدين نقلد في الدنيا نبتدع.

البدعة في الدين ممنوعة ولاسيما في العقائد والعبادات :

أيها الأخوة، أما الابتداع في الدين فهذا الحديث يقصم الظهر، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( أُوصيكم بتقْوى الله، والسَّمعِ والطاعة، وإنْ عَبْداً حبشيّاً، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيَرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّةِ الخلفَاءِ الراشِدينَ المهديِّينَ، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلاَلَة))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية ]

البدع في الدين ممنوعة
أيها الأخوة، البدعة في الدين ممنوعة ولا سيما في العقائد والعبادات، أما في الفقه إذا النص ظني فهناك اجتهادات.
مثلاً: لو قلت لإنسان من إخوتي: أعطِ فلاناً ألف درهمٍ ونصفه، هذه عبارة احتمالية، ظنية الدلالة، أي ألف وخمسمئة أم ألف ونصف درهم؟ ألف درهمٍ ونصفه الهاء على من تعود؟ تعود على الألف؛ ألف وخمسمئة، تعود على الدرهم؛ ألف ونصف درهم، أما لو قلت لواحدٍ منا: أعطِ فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم، هذا نص قطعي الدلالة، لا يحتاج لا إلى اجتهاد، ولا إلى تأويل، ولا إلى تحليل.
فكان من الممكن أن تكون جميع النصوص في القرآن والسنة قطعية الدلالة، لكن هناك حكمة بالغة، هناك نصوص ظنية الدلالة تحتمل معاني كثيرة، والله عز وجل أراد كل المعاني، لأن الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، بينما المتغيرات في الإنسان مغطاة بنصوص ظنية الدلالة فتحتمل معاني كثيرة.
فلذلك في النص قطعي الدلالة لا يوجد اجتهاد، هناك اتباع فقط، أما في النص ظني الدلالة فهناك اجتهاد فقهاء، وما اجتهادٌ بأولى باجتهاد.

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

أيها الأخوة، الدعوة إلى الله فرض كفاية لقوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 104 ]

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف
منكم، هذا التبحر، والتعمق، والتفرغ، الدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة إلى الله كفرض عين اسمعوا هذه الآية:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف الآية: 108 ]

فإن لم تدعُ إلى الله كفرض عين لا تكن متبعاً لرسول الله، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

كل واحد منا مكلف أن يكون داعيةً إلى الله في حدود ما يعلم ومع من يعرف، هذه دعوة هي فرض عين تغطيها هذه الآية:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف ]

المنتفع لا يتبع أبداً :

آخر فكرة في هذا اللقاء الطيب المنتفع لا يتبع، الدليل:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة يس ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS