23826
التربية الإسلامية - الأخلاق المذمومة - الدرس (08-10) : أكل الحرام
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-02-04
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 أيها الإخوة الكرام ، انطلاقاً من قول سيدنا حذيفة رضي الله عنه حينما قال :

(( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ أقع فيه ))

[ متفق عليه ]

 كانت هذه السلسلة من الدروس حول الأخلاق المذمومة .

مِنَ الأخلاق المذمومة : أكْلُ الحرامِ :

 والخلق المذموم اليوم أكلُ الحرام ، أن تأكل المال الحرام ، و:

(( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

[ ورد في الأثر ]

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

1 – تعريف الحرام :

 أيها الإخوة ، تعريف الحرام اصطلاحاً : الحرام ما استحق الذم على فعله ، وما يثاب على تركه بنية التقرب إلى الله .

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 ترك الحرام عمل صالح .
 وقيل : الحرام عام فيما كان ممنوعاً عنه .
 له معنى عام فيما كان ممنوعاً عنه بالقهر والحكم .
 وقيل : هو ما أثبت المنع عنه بلا أمر معارض له ، شيء ممنوع بالمعنى الواسع شيء ممنوع ، قد يمنعه حاكم ، لكن الحرام بالمصطلح الديني ، هو ما يثاب على تركه بنية التقرب إلى الله .

حُكم تناول الحرام :

 أيها الإخوة ، حكم تناول الحرام هو العقاب بالفعل ، وترك الحرام قربة إلى الله ، وعملٌ تثاب عليه ، لكن فعل الحرام يستحق العقاب في الدنيا والآخرة ، فحكم تناول الحرام العقاب بالفعل والثواب بالترك ، إذا كان هذا الترك لله تعالى من أجل النية ، تركت هذا لله ، أما إذا منعت عنه فليس لك فيه أجر ، إن أردت شيئاً محرماً ، ومُنعت عنه فليس لك أجر ، أما إذا أردت شيئاً محرماً ، وبإمكانك أن تقترفه ، وتركته خوفاً من الله عز وجل فهو عمل صالح ، ولك به ثواب .

أنواع المحرمات :

 المحرمات التي يمنع الشرع منها ، واستقر التكليف عقلاً أو شرعاً بالنهي عنها ، هذه المحرمات أنواع كثيرة منها :
 ما تكون النفوس داعية إليها ، المعاصي محببة ، أمرك أن تغض البصر ، إطلاق البصر بالمقياس الحسي أمتع ، أنت أُمرت أن تغض البصر ، بل أمرت أن تعاكس طبعك ، و دائماً و أبداً أقول لكم : الطبع يتناقض مع التكليف ، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات]

 هناك محرمات منهي عنها ، لكنها محببة إلى النفس ، وهناك محرمات مستقذرة يتركها الإنسان اشمئزازاً و تقززاً ، الأجر يكون المحرمات التي يتركها الإنسان تقرباً إلى الله عز وجل .

مواضعُ ورودِ لفظِ الحرام في القرآن الكريم ودلالاتُه :

 أيها الإخوة الكرام ، لفظ الحرام ورد في القرآن في مواضع عديدة :

الموضع الأول : تحريم الزواج بأصناف معينة من النساء :

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 23]

 تحريم الزواج :

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾

 إلى آخر الآية .

الموضع الثاني : تحريم الفسق والفجور :

 هناك تحريم الفسق والفجور :

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

[ سورة الأعراف : 33]

الموضع الثالث : تحريمُ منعٍ :

 هناك تحريم العجائب :

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

[ سورة القصص : 12]

 تحريم منع لا تحريم تشريع :

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

[ سورة القصص : 12]

الموضع الرابع : تحريمُ عذابٍ :

 هناك تحريم العذاب :

﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 50]

 حرم عليهم الجنة ، حرمها عليهم تعذيباً لهم .

الموضع الخامس : تحريمُ مطعوماتٍ مخصوصة :

 هناك حرام فسخ الشريعة :

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾

[ سورة المائدة : 3]

الموضع السادس : تحريمُ الحرمان والهلكة :

 الحرمان والهلكة :

﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 95]

الموضع السابع : تحريمُ الشهوة والهوى :

 تحريم الشهوة والهوى :

﴿ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ﴾

[ سورة الأنعام : 138]

﴿ وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ﴾

[ سورة الأنعام : 139]

 أحياناً التحريم تحريم عقاب .

الموضع الثامن : تحريمُ نذرٍ :

 تحريم النذر :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾

[ سورة التحريم : 1]

الموضع التاسع : تحريمُ حظرٍ وإباحةٍ :

 الحظر والإباحة :

﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ﴾

[ سورة المائدة : 96]

الموضع العاشر : التوقيرُ والحرمة والتعظيم :

 التوقير و الحرمة :

﴿ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ﴾

[ سورة النمل : 91]

 التوقير والتعظيم كبيت الله الحرام .

السنة بمنزلة القرآن في تحريم الحرام :

1 – السُّنةُ وحيٌ إلهيٍِ :

 أيها الإخوة الكرام ، يعنينا من هذا الموضوع ما ورد في السنة من تحريم الحرام ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا ، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ ))

[ أبو داود]

 هناك وحيان : وحي متلو و وحي غير متلو ، الوحي المتلو هو القرآن الكريم ، والوحي غير المتلو هو السنة المطهرة ، أو ما صح من السنة ، والسنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره .

(( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا ، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ ))

 النبي صلى الله عليه وسلم مشرع ، دققوا : القرآن الكريم فيه تشريع ، والنبي مشرع مستقلاً عن القرآن ، لذلك قال تعالى :

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾

[ سورة النساء : 59]

2 – وجوب طاعة أمر النبي عليه الصلاة والسلام :

 لما جاءت كلمة أطيعوا مرة ثانية ، أي أنك ينبغي أن تطيع رسول الله ، لقوله تعالى :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر : 7]

 إنه أمر إلهي ، والنبي وحده ولا أحد سواه في عالمنا الإسلامي مسموح له أن يشرع .

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 59]

 ما قال الله عز وجل : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، وأطيعوا أولي الأمر منكم ، قال :

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

 أولو الأمر هم العلماء والأمراء ، ولا طاعة لهم في معصية ، فإن أمروك بأمر فينبغي أن تقيس هذا الأمر بأمر الله ورسوله ، فإن وافقه فعلى العين والرأس ، وإن خالفه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

3 – لا طاعة لمحلوق في معصية الخالق :

 سيدنا الصديق رضي الله عنه وأرضاه في أول خطاب له قال : << أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .
 وأي إنسان في الأرض يطاع في طاعة الله ، ولا يطاع في معصية الله ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، لذلك :
 عَن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))

[ الترمذي ]

 ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح .
 الكلام الذي لا أنساه أبداً أن والي البصرة كان عنده الإمام الجليل الحسن البصري ، وقد جاءه لتوه توجيه ، وأمر من يزيد الخليفة ، هذا التوجيه لو نفذه لأغضب الله عز وجل ، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة ، وربما عزله ، فوقع في حيرة من أمره ، وعنده الإمام الجليل الحسن البصري ، قال له : " ماذا أفعل يا إمام " ؟ الذي سيقوله الإمام منهج لكل واحد منا ، قال له : " إن الله يمنعك من يزيد ، ولكن يزيد لا يمنعك من الله " .
 إنه منهج ، إنسان قوي أمرك بمعصية فينبغي ألا تطيعه ، فإذا نازعتك نفسك أن تطيعه خوفاً منه فقل لها : إن الله يمنعني منه ، ولكنه إذا أرضيته في معصية الله لا يمنعني من الله ، هذا منهج أيها الإخوة الكرام .

أحاديث نبوية في تحريم الحرام :

الحديث الأول :

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ :

(( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ ، وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ؟ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ـ يستخدمونها وقوداً لسروجهم ـ فَقَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ، ثُمَّ بَاعُوهُ ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ ))

[ متفق عليه ]

 الحرام حرام ، وانتهى الأمر .

الحديث الثاني :

 ومن إشارات النبي صلى الله عليه وسلم لآخر الزمان : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ ))

[ البخاري ]

 في آخر الزمان تختلط الأمور ، المهم أن يأخذ المال ، بل الذي يُحصّل المال من طريق غير مشروع يعد عند الناس ذكيا ، طوبى لمن كانت مقاييسه وفق القرآن الكريم ، أما إن كانت مقاييس الإنسان وفق ما ألفه في مجتمعه فقد قال تعالى :

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام : 116]

الحديث الثالث :

 هناك من يتساءل : هؤلاء أنبياء ، نحن لسنا أنبياء ، الجواب :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ... ))

[ مسلم]

 في شأن الاستقامة لا فرق بين أكبر مؤمن وأقلّ مؤمن ، أو في شأن إعطاء الحقنة للمريض لا فرق بين أن يكون من يعطي هذه الحقنة ممرض أو جراح قلب ، لا بد من تعقيمها ، لا بد من تعقيم مكان أخذها ، لا بد من تعقيم الإبرة ، لا بد من إعطائها بهدوء ، هناك تعليمات يطبقها أعلى طبيب ، وأدنى ممرض ، لذلك في شأن الاستقامةِ الاستقامةُ حدية ، أما العمل الصالح فنسبي ، طبعاً جراح القلب علمه غير علم الممرض ، أما حينما يعطي الممرض الحقنة فيجب أن يعقمها كما يعقمها أكبر طبيب ،

(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ))

 وهذا يستدعي أن قصص الأنبياء تعليم لنا ، سيدنا يوسف قال :

﴿ مَعَاذَ اللهِ إِِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوًَايَ ﴾

 وهذا الموقف يجب أن يقفه كل شاب في هذه الأيام .
 نتابع الحديث :

(( أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ :

﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

 وَقَالَ :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾

 ـ الآن دقق ـ

(( ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))

[ مسلم]

 هذا كلام دقيق ، الإسلام عظمته أنه بسيط ، أطب مطعمك ، قد يفهم منها بسذاجة أنه ليكن طعامك طيباً ، لا ، اكسب رزقاً حلالاً ، هذا المال الذي تكسبه حلالاً إن اشتريت به طعاماً فالطعام طيب .
 هناك عمل حلال مئة بالمئة ، فإذا أوهمت الموكل أن الدعوى ناجحة ، وتعلم علم اليقين أنها ليست ناجحة ، لكن القضية تمتد إلى ثماني سنوات ، تأجيل ، وتأجيل ، وتأجيل ، فأنت بهذه السنوات الثماني تأخذ منه ما فتح ورزق ، ثم يفاجأ في نهاية المطاف أن الدعوى خاسرة ، هذا المال الذي جمعته مال حرام ، إن اشتريت به طعاماً نفيساً جداً فهو عند الله طعام ليس طيباً ، أطب مطعمك ، لا توهم الآخرين ، وما مِن حرفة إلا وفيها غش ، وما مِن حرفة إلا ويمكن أن يكون الكسب منها حراماً ، إما بالإيهام ، أو بالخداع ، أو بالغش ، أو بالترويج الكاذب ، أو بنشر معلومات غير صحيحة ، هذه البضاعة عليها مسودة قرار بمنع استيرادها ، والقصة مفتعلة ، أو يدخل شريك موهوم بعقد صفقة فيرفع السعر ، والذي يحتاجها فعلاً يخشى أن تذهب منه فيدفع السعر الأعلى .
 أذكر لك مليون طريق لكسب المال الحرام .
 أيها الإخوة ، نتابع الحديث :

(( ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ ))

 والله لي صديق له أب بلغ السادسة و التسعين ، زرته مرة في العيد ، و التقيت بأبيه ، و قال لي : ـ و الله لا أنسى كلماته ـ قال لي : البارحة أجرينا فحص دم عامًّا فالنتيجة كلها نسب طبيعية ، وهو في السادسة و التسعين ، ثم قال لي : و الله يا أستاذ ما أكلت حراماً في حياتي ، يقصد المال ، و لا أعرف الحرام ، ويقصد النساء .
 ما أكل مالاً حراماً و لا يعرف الحرام ، و هذا الذي علّم أجيال هذه البلدة الطيبة تقريباً ثمانين سنة بدأ بالتعليم في السادسة عشر ، ومات في السادسة والتسعين ، و علّم ثمانين سنة ، و خرج أجيالاً تلو أجيال ، و كان في السادسة و التسعين يتمتع بأعلى درجات النشاط ، منتصب القامة ، أسنانه في فمه ، بصره حاد ، سمعه مرهف ، يُسأل أحياناً : يا سيدي ، ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول : " يا بني حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً " .
 إخواننا الكرام ، معظم الناس يتشابهون في الشباب ، لكن الافتراق الواضح في الشيخوخة ، فمن أمضى شبابه في طاعة الله كان له عند الله خريف عمر رائع .
 والله هناكٍ أشخاص في سن التسعين ذاكرته قوية ، قوته قوية ، وشخصيته قوية ، وكل من حوله يحبه ، و يموت موتة رائعة من دون أن يكون عبئاً على أحد ، " يا بني ، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً " .

الحديث الرابع :

 وفي حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، أبو داود ]

 ومن هذا الحديث أخذ بعضهم الكبائر ، هذه من الكبائر : أكل السحت ، أي أكل المال الحرام .

الحديث الخامس :

 عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ :

(( اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَسْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا لِي ، أُهْدِيَ لِي ، قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا بَالُ عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةٌ تَيْعِرُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، مَرَّتَيْنِ ))

[ البخاري ، مسلم ، أبو داود ، أحمد ، الدارمي]

 هذا أُهدي إلي ، لولا هذا المنصب هل يهدي لك أحد شيئاً ؟

الحديث السادس :

 عَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ البخاري ، الترمذي ، أحمد ]

 الآن لو أنك عرضت على النبي الكريم قضية ، و كنت لسناً ذا حجة ، و استطعت بطلاقة لسانك ، و حسن بيانك أن تنتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم فتوى لصالحك ، ولست محقاً فاسمع ما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

الحديث السابع :

 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا ))

[ البخاري ، مسلم ، النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ، مالك]

 أي إذا كان معك فتوى من سيد الخلق و حبيب الحق فلا تنجو من عذاب الله ، علاقتك مع من ؟ مع الله وحده .
 و الله إنّ المسلمين يسأل إمام مسجد قد يكون إماماً مستجداً ، أي حديث عهد ، يسأله في موضوع ربوي قد يفتي له فيطمئن ، ينبغي ألا تطمئن ، لو انتزعت من فم النبي الكريم فتوى لصالحك و لست محقاً فلن تنجو .

الحديث الثامن :

 أيها الإخوة الكرام ، يقول عليه الصلاة و السلام :
 عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَقَالَ : أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ))

[ مسلم ، الترمذي ، ابن ماجه ، أحمد ]

 الغلول المال الذي يؤخذ قبل تقسيمه ، لو أن ابنا كبيرا توفي أبوه ، وهناك سجادة رائعة جداً غالية جداً ، فقال : هذه لي ، من رائحة أبي ، خصّ بها نفسه ، ثم وزعت التركة فهذه السجادة غلول ، فأيُّ مال يؤخذ قبل تقسيم التركة ، وقبل تقسيم الغنائم يُعد غلولاً .
 أيها الإخوة الكرام ، قضية المال الحرام قضية خطيرة جداً ، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، وأقول لكم : و الله الأمر ليس بالصلاة والحج والصيام فقط ، الأمر بالاستقامة ، والصلاة والصيام والحج والزكاة تصح و تقبل إن كنت مستقيماً ، فإن لم تكن مستقيماً فلا تصح و لا تقبل .

الحديث التاسع :

 والحديث المعروف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم ]

 هل تصدقون أن النبي الكريم وجد على سريره تمرة فقال :
 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا فَوَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ ، فَأَخَذَهَا ، فَأَكَلَهَا ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَضَوَّرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَفَزِعَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ ، فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي فَأَكَلْتُهَا ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ ))

[ أحمد ]

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS