4080
ندوات تلفزيونية - قناة اقرأ - الإسلام منهج حياة - الدرس (10-30) : علاقة الإنسان بأسرته 4 ، المنهج الإسلامي في حلّ المشكلات الأسرية
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-09-01
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

  السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات أرحب بكم أجمل ترحيب في حلقة جديدة من برنامج : " الإسلام منهج حياة ".
 كما أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي ، أهلاً بكم سماحة الدكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
 المفترض في الأسرة أن تكون عش سكن ، ومنبع المودة والرحمة ، إلا أن الأعم الأغلب غير ذلك ، فالخلافات منتشرة وهي على أشدها ، ونسب الطلاق في تزايد ينذر بالخطر ، ما هو المنهج الإسلامي في حل هذه المشكلات الأسرية ؟.

من بنود الوفاق بين الزوجين :

1 ـ البعد عن التقليد الأعمى :

الدكتور راتب :
 المنهج الإسلامي واسع جداً في هذا الموضوع ، ولكن من بنود الوفاق بين الزوجين البعد عن التقليد الأعمى ، هناك أُسر ذات دخل معتدل ، هناك أُسر ذات دخل كبير ، فلو أن الأُسر التي دخلها معتدل تطلعت إلى أُسرة دخلها كبير ، وطلبت الزوجة من زوجها طلبات فوق طاقته بغية التقليد الأعمى ، بغية المنافسة في بعض مظاهر الحياة ، فهذا خطأ كبير ، فالتقليد الأعمى قد ذكره النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( يا عائشة إياكِ ومجالسة الأغنياء ))

[ الترمذي عن عائشة]

 المقصود هنا الأغنياء غير المؤمنين ، الغني المؤمن تشتهي الغنى من تواضعه ، ومن سخائه ، أما إنسان بعيد عن الله وهو يتمتع بأموال كبيرة جداً ، هذا يستعلي على من حوله ، فالاستعلاء يظهر أثره جلياً في النساء ، فلذلك التقليد الأعمى أحد أكبر الشقاق الزوجي .
 ويقال : من دخل على الأغنياء ـ طبعاً غير المؤمنين ـ خرج من عندهم وهو على الله ساخط ، ويقال : لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثلما ترى له .
 فلمجرد أن أقلد الغني في إنفاقه ، في بذخه ، في مصروفه ، في أثاث بيته، والزوج دخله محدود ، زوج رائع ، مؤمن ، مستقيم ، بيته كأنه عش ، بيته قطعة من الجنة ، أما حينما تريد الزوجة أن تقلد أُسرة غنية مترفة ، وتضغط على زوجها ينشأ الشقاق الزوجي بينهما .
الأستاذ جميل :
 غياب الرجل عن البيت هل يعتبر سبباً من أسباب الشقاق ؟ إن كان الجواب نعم فماذا يفعل الزوج ؟ هل يقعد في البيت ؟.

2 ـ أن يكون لك وقت معقول وكافٍ للجلوس مع الزوجة :

الدكتور راتب :
 لا ، لكن لا بد أن يخص بيته بوقت ، أما حينما أغيب عن البيت ساعات طويلة جداً ، أخرج قبل الفجر ، أو بعد الشمس وأعود بعد منتصف البيت هذه الزوجة من لها ؟ هي تزوجت كي تأنس بك أيها الزوج ، فإذا غبت عنها طويلاً فلابد من وجبة أو وجبتين تأكلها مع زوجتك ، لابد من وقت تجلس معها ، تأنس بك ، وتأنس بها ، فالعمل الذي يأخذ كل وقتك هو خسارة كبيرة .
 الحقيقة الإنسان ما لم يكن عنده وقت فراغ يمليه بحسب رغبته ، ما لم يكن لديك وقت فراغ تعيش به مع زوجتك ، تزور بعض أصدقائك ، تحضر درس علم ، فالإنسان الذي لا يملك وقت فراغ إطلاقاً عمله مهما كان دخله كبيراً يعد خسارة كبيرة ، لأنه أفقد الأب أبوته ، و أفقد حقيقة الزواج .
 أنا أقول : ينبغي أن يكون لك وقت معقول وكافٍ للجلوس مع الزوجة ، إن في الصباح ، أو في الظهيرة مع الطعام ، أو في المساء ، أما انشغال إلى درجة مذهلة ، وإهمال الزوجة ، أحد أكبر مشكلات الخيانة الزوجية ، تتأتى من غياب مديد جداً عن البيت .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، هل للزوج أن ينظر إلى مال زوجته ؟ أو أن مالها لها ؟.

3 ـ عدم طمع الزوج بمال زوجته أو العكس :

الدكتور راتب :
 أحياناً ترث الزوجة مبلغاً كبيراً عن أهلها ، فيطمع الزوج به ، ويضايقها كي تعطيه من هذا المال ، هذا الطمع من الزوج بمال زوجته ، أو طمع الزوجة بمال زوجها ، أو محاولة أخذ قسط كبير من المال بأسماء متعددة ، هذا التصرف أحد أسباب الشقاق الزوجي حينما يطمع الزوج بمال زوجته ، أو حينما تطمع الزوجة بمال زوجها ، أو حينما يطمعان بشيء ليس لهما ، هذا من شأنه أن يسبب ضعفاً في العلاقة الزوجية .
الأستاذ جميل :
 إذاً لا يطمع بمالها ، ولا تطمع بماله ، وهذا يقودنا إذاً إلى الإنفاق ، إنفاق الرجل على أهل بيته .

ينبغي على الزوج أن ينفق على أهله لكن بالمقياس الشرعي :

الدكتور راتب :
 من واجباته ، ينبغي أن ينفق على أهله لكن بالمقياس الشرعي ، أن يطعمهم مما يأكل ، أن يلبسهم مما يلبس .

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 286 )

 الصحابية الجليلة كانت تقول لزوجها :" نحن بك ، إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا ، نطلب الحلال ، لا نطلب غير ذلك ، اتقِ الله بنا ".
 ورد في بعض الآثار أن : " أعظم النساء بركة أقلهن مهراً ، أعظم النساء بركة أقلهن مؤونة "
 فالزوجة الطاهرة هي الزوجة التي لا ترهق زوجها ولا تكلفه ما لا يطيق .
 هناك صحابي طالبته زوجته بأشياء كثيرة ، فقال : " اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لا لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأن أضحي بك من أجلهن ، أهون من أن أضحي بهن من أجلك ".
الأستاذ جميل :
 دكتور سوء الظن ، وحسن الظن أيهما المحكم في العلاقة الزوجية ؟.

سوء الظن عصمة والحزم سوء الظن :

الدكتور راتب :
 الحقيقة سوء الظن كما ورد أنه عصمة .

(( احترسوا من الناس بسوء الظن ))

[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]

 والحزم سوء الظن ، لذلك قال تعالى :

﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 12 )

 ما كل الظن إثم إلا إذا كان هناك دليل ، دخلت إلى البيت ، الزوجة تتكلم في الهاتف، حينما رأتك وضعت السماعة ، هناك مشكلة ، معنى ذلك أنها تكلم إنساناً ينبغي ألا أعلم من هو ، إذا كان هناك بوادر ، إذا كان هناك مؤشرات ، إذا كان هناك أسباب فسوء الظن عصمة، والحزم سوء الظن .

(( احترسوا من الناس بسوء الظن ))

 أما من دون أي دليل فسوء الظن إثم كبير ،

﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾

 لا يوجد أي دليل ، هناك سوء ظن يعد مرضاً نفسياً ، تسيء الظن بزوجها ، زوجها طالب علم ، إنسان منضبط ، له أخلاق عالية ، عفيف ، ومع ذلك تسيء الظن به ، هذه حالة مرضية ، أو أن الزوجة طاهرة ، عفيفة ، مؤمنة ، رائعة ، لا تفكر أن يكون لها علاقة مع رجل آخر يسيء الظن بها ، فسوء الظن من دون دليل ذنب كبير ، وإثم كبير ، أما بدليل فهو حزم ، و كياسة ، وحسن إدارة .
الأستاذ جميل :
 هل يمكن أن يكون فضيلة الدكتور الأولاد سبباً من أسباب الخلاف ؟.

الإيمان يدعو الإنسان إلى العدل و حسن التصرف :

الدكتور راتب :
 والله ! حينما تنحاز المرأة إلى أحد الأولاد ، وتؤثره على غيره ، أو حينما تنحاز المرأة لأولاد زوجها وتؤثرهم على أولاد ضرتها أحياناً ، عندئذٍ تنشأ المشكلة ، العدل أصل في العلاقات .
 أنا أذكر أن بعض النساء تسقي أولادها حليباً كامل الدسم ، أما أولاد زوجها تعطي نصف الكأس حليباً ، ونصفه ماء ، هذا الانحياز يسبب علاقات سيئة جداً ، والأصل أستاذ جميل هو الإيمان ، فالإيمان يدعوك إلى العدل و إلى حسن التصرف.
 فحينما تكون هناك مؤاثرة ، أحياناً زوجة حديثة تطالب أن يكتب بيتاً لأولادها ، بينما لا يكتب بيوتاً لزوجته السابقة ، هذا انحياز ، والعدل في العلاقات الزوجية أصل لذلك :

(( يا رسول الله ، إني أريد أن أنحل ابني هذا حديقة ، وأريدك أن تشهد على ذلك ، فقال له صلوات الله وسلامه عليه : ( أكل أولادك أعطيت ؟ )ـ أي أعطيت بقية أولادك أو أعطيت هذا فقط ؟ ـ قال : لا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اذهب فإني لا أشهد على جور))

[ مسلم عن النعمان بن بشير]

الأستاذ جميل :
 صلى الله عليه وسلم ، دكتور ما رأيكم في تداخل القريب أو الغريب في العلاقات السرية حتى لو كان أباً أو أماً ؟.

المشكلات بين الأزواج تنشأ غالباً من تدخل طرف آخر :

الدكتور راتب :
 والله أنا في حكم عملي في الدعوة هناك مشكلات كثيرة جداً ، سببها تدخل الآباء والأمهات في الشؤون الخاصة بين الزوجين ، الأب العاقل ، والأم العاقلة ، هذا الزوج ، أو هذا الابن اختار هذه الزوجة تحبها وتحبه ، متفاهمان معاً ، لماذا أتدخل في شؤونهما الخاصة ؟ هذه سيطرة لا مبرر لها ، فكلما كان الأب مترفعاً والأم كذلك عن التدخل في تفاصيل حياة أولادهما فالعلاقة تبدو أفضل بكثير .
 فلذلك أحياناً الزواج ينجح بعيداً عن الأهل ، أحياناً الإنسان يتزوج ويسافر ، يقيم مع زوجته سنوات في مكان بعيد عن الأقارب ، تجد العلاقة طيبة ، وهناك مودة ، و محبة و تفاهم ، فإذا عادا إلى بلديهما ، تدخل الأم ، تدخل الأب ، تدخل أم الزوجة ، هكذا .
الأستاذ جميل :
 خروج المرأة من بيتها ما الذي يحكمه ؟.

البيان يطرد الشيطان :

الدكتور راتب :
 النبي عليه الصلاة والسلام كان مع زوجته صفية ، مرّ صحابيان ، قال : " على رسليكما هذه زوجتي صفية ، قالوا : يا رسول الله ! قال : لئلا يدخل الشيطان بينكما ".
 فالبيان يطرد الشيطان ، فحينما تخرج من دون إذن زوجها ، وحينما تستقبل رجلاً من أقاربها من دون علم زوجها ، هذا يسبب سوء ظن .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، هذا يقودنا إلى خلو الزوجة بأحد الأقارب ، أو الزوج بأحد الأقارب وهي مسألة الحمو .

نهي النبي الكريم عن الخلوة المحرمة لأنها تثير الشك :

الدكتور راتب :
 والله :

(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما ))

[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 هذا منهج ، وتقريباً معظم المشكلات الكبيرة في الزواج ، والتي أدت إلى الطلاق بخلوة غير مشروعة ، الخلوة تثير الشك ، فلذلك النبي الكريم نهى عن الخلوة ، بل قال :

(( ما خلا ـ ما قال عاصٍ ، ما قال فاسق ـ قال : ما خلا رجل ـ أي رجل ـ بامرأة ـ أي امرأة ـ إلا دخل الشيطان بينهما ))

 وأكثر الأعمال القبيحة المنحرفة تبدأ بالخلوة ، فلذلك المرأة المؤمنة لا تسمح بغياب زوجها أن يكون هناك رجل ليس من الممكن إلا أن يكون أحد أقاربها الأرحام ، كأخيها وأبيها ، ... إلخ .

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
 جزاكم خيراً فضيلة الدكتور وأحسن إليكم ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون بيوتنا وبيوتكم بيوت سعادة ، اللهم أدم علينا عزك ، نلقاكم في حلقة قادمة ، نستودعكم الله .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع