12634
التربية الإسلامية - تربية الأولاد في الإسلام 2008 - الدرس (34-36) : التربية الاجتماعية -15- صلة الرحم -2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-05-02
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

القدوة من الوسائل الفعالة في تربية الأولاد:

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في التربية الاجتماعية، ولا زلنا في موضوع صلة الرحم.
 وكمقدمة لابدّ منها أقول: لا بدّ من أن يعلم الأب أولاً الواجبات تجاه الرحم، إذا أداها كان هذا الأداء أكبر تعليم لأولاده.
 نحن نؤمن أن أداء الوسائل الفعالة كثيرة يأتي على رأسها من دون استثناء القدوة، فحينما يرى الابن أباه يتفقد أمه، ويزورها بأوقات متقاربة، ويقدم لها كل آيات الاحترام والخدمة، هذا أكبر تدريس للأبناء لصلة الرحم، أنا لا أؤمن بالتعليم النظري، التعليم العملي أبلغ.
 والفرق الكبير بين المصلحين الاجتماعيين، وبين الأنبياء المرسلين، أن الأنبياء تطابقت أقوالهم مع أفعالهم، فجاءت تأثيراتهم معجزة، بينما أي إنسان امتهن التدريس، قد يتحدث بالكمال لكن ليس هو بمستواه، فحينما يكتشف المتعلم أن هناك مسافة كبيرة بين الأقوال والأفعال تسقط الدعوة، وينتهي التعليم.
 فلذلك مرة التقيت بأحد أكبر الدعاة في مصر ـ توفي رحمه الله ـ سألته عن كلمة نوجهها للدعاة، فقال بشكل موجز: ليحرص الداعية ألا يراه المدعو على خلاف ما يدعو.
 فلذلك أنا حينما أتحدث الآن عن بر الآباء والأمهات، وعن صلة الأرحام، من أجل أن يكون هذا نموذجاً يحتذيه الأب، ليكون تعليمه لأولاده في أعلى مستوى.
 اللقاء السابق تحدثنا عن حقيقة هذه الصلة.

صلة الأرحام من لوازم الإيمان بالله و اليوم الآخر:

 الآن نتحدث عن ثمار هذه الصلة، أولاً يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم:

(( مَن كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلْيُكرِم ضَيْفَهُ، وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليصل رحمه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 عجيب ! ربط النبي عليه الصلاة والسلام هذه الفضيلة، هذه الطاعة، هذه العبادة التعاملية ربطها بالإيمان، أي أنه من لوازم الإيمان صلة الأرحام، فإذا وجدت إنساناً يدعي أنه مؤمن، ويقطع رحمه، ففي إيمانه شك، ربط النبي صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام بالإيمان.

((.... وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليصل رحمه، وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرا أَو لِيَصْمُتْ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 إذاً إكرام الضيف، وصلة الأرحام، وضبط اللسان هذه الأشياء الثلاثة ربطها النبي العدنان بالإيمان.
 لذلك حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فليصل رحمه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 هو رفع العبادة التعاملية إلى أعلى مستوى، أي هذا الأب، وهذه الأم، وهؤلاء الأقارب الذين هم حول من كان سبب وجودك لا بدّ من أن تكافئهم بصلة.

صلة الرحم أساسها الزيارة ثم التفقد ثم المساعدة ثم الدعوة إلى الله:

 وفي الدرس السابق، واللقاء السابق، بينت لكم أن هذه الصلة خلافاً لمن يتوهمها معظم الناس أن تطرق بابه في العيد وتتمنى ألا تجده، وهيأت البطاقة، ليست هذه الصلة لا من قريب ولا من بعيد متعلقة بتلك الصلة التي أُمرنا بها، هذه الصلة أساسها الزيارة، ثم التفقد، ثم المساعدة، ثم الدعوة إلى الله.
زيارة، فتفقد الشؤون المعاشية، التربوية، العلمية، الاجتماعية، ثم تقديم ما تستطيع لهؤلاء الأقارب وبعدئذٍ تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل.

على الإنسان أن يستغل الثقة الموجودة بين الأقارب لهدايتهم إلى الله تعالى:

 هناك نقطة دقيقة جداً، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

 لِمَ بدأ الله بعشيرة النبي الأقربين ؟ أوضح مثل: أنت في الطريق تمشي، قرب هذا المسجد هل تستطيع أن تقول لشخص يمشي لا تعرفه اذهب معي إلى المسجد ؟ لا يعرفك، يتوجس منك خيفة، لكن بإمكانك أن تقول لأخيك، لابن أخيك، لجارك، لقريبك، لصهرك، لابن عمك، لابن عمتك، لابن خالتك، لابن خالك، اذهب معي، القرابة فيها ثقة.
 فأنت ينبغي أن تستغل هذه الثقة التي هي موجودة بين الأقارب:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 أنا أقول دائماً: ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة نحو الآخرين، إناء إذا امتلأ لا بدّ من أن يفيض على من حوله، وإذا امتلأت إيماناً لابدّ من أن تفكر أن تأخذ بيد من حولك إلى الله ورسوله.
 إذاً ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبادة التعاملية، هذه الصلة ربطها بالإيمان.
 وعند بعض علماء الحديث أن التوجيهات النبوية التي رُبطت في الإيمان تعد في أعلى مستوى.

من ثمار صلة الرحم:

1 ـ سعة الرزق:

 أيها الأخوة، الثمرة الثانية من ثمار صلة الرحم: سعة الرزق.

 دقوا أيها الأخوة: كل إنسان بحكم حياته وعلاقاته يصل إلى سمعه قصص كثيرة، أعرف أشخاصاً كثيرين على أعلى درجة من صلة الأرحام، والله رزقهم متميز، أعرف شخصاً و أنا على اتصال متين به، له أخوات عدة، يتفقد أخواته على المدارس، يقدم مساعدة لهذه الأخت، الثانية تحتاج إلى عملية قلب يساعدها على حسابه، الثالثة زوجها مسافر يتولى شؤونها، هذا الإنسان يتفقد جميع أخواته البنات و المتزوجات، وكان بإمكانه أن يقول: هذا شأن أزواجكن، وله رزق كبير جداً.

(( يا بن آدم، أنفقْ أُنفِقْ عليك ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

(( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[أخرجه الطبراني عن بلال رضي الله عنه ]

 لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه ))

[الشيخان عن أنس ]

 هذا كلام النبي.

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

( سورة النجم )

 وسيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا علمته أنه حق من الله تعالى ".
 النبي الكريم يعدكم إن وصلتم أرحامكم بزيادة الرزق، ثمرة كبيرة.

2 ـ طول العمر:

 لكن الثانية: بطول العمر عليها إشكال بالتفسير، بربكم إذا رجل من كبير علماء الجزائر "عبد الحميد بن باديس" هذا عاش خمس و أربعين سنة، استطاع أن يوضح الحقائق، وأن يعطي الشعب الجزائري بعده الديني، وأن يقف أمام فرنسا، هو أحد أسباب الاستقلال، كم سنة عاش ؟ عاش خمس و أربعين سنة.
 الإمام النووي عاش أقل من خمسين سنة، الشافعي أقل من خمسين سنة، فالعمر قيمته بمدته الزمنية أم بإنجازاته الكبيرة ؟.
 أوضح مثل: إنسان فتح محله التجاري باع بساعة مليون ليرة، و آخر فتح محله النهار بكامله باع بمئة ليرة، الوقت له قيمة، نقول: قيمة الوقت بمضمونه، فالساعة مع مليون أفضل ألف مرة من عشر ساعات مع مئة ليرة.
 فالعبرة عمرك يزداد غنىً في العمل الصالح.
 لذلك اعتقد يقيناً أن الغنى غنى العمل الصالح، وأن الفقر فقر العمل الصالح، وأن ابنتي سيدنا شعيب حينما سقى لهما سيدنا موسى قال:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

( سورة القصص )

 

 إذاً العمر يطول بالعمل الصالح.

 طول العمر يكون بغنى المضمون لا بامتداد الزمن:

 نحن نعتقد يقيناً أن كل واحد منا له أجل لا يتقدم ساعة ولا يتأخر، ولكن كيف نفسر قول النبي الكريم:

(( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ ـ يؤخر ـ له في أثره ـ أي في عمره ـ فليصل رحمه ))

[الشيخان عن أنس]

  نقول: طول العمر بغنى المضمون، لا بامتداد الزمن، والله أحد الأخوة الكرام حدثني مرة فقال: اتصلت بي أختي، و قالت: أنا مضطرة لخمسة آلاف ليرة، أقسم لي بالله لا يملك إلا خمسة آلاف ليرة، وعليه أعباء كثيرة جداً، دخل في صراع، قال لها: بعد ساعة أعطيك الجواب، فكر، جمع، طرح، قسم، مضطر للخمسة آلاف جداً، وأخته غالية عليه وطلبت خمسة آلاف لأمر قاهر، بعد الصراع الذي دخل فيه انتصر على نفسه واتصل بها وسلمها الخمسة آلاف ليرة، قال لي: نزلت إلى المحل، جاءه إنسان من بلد عربي، هو عمله بسوق الغذائيات، قال له: عندك قمر الدين ؟ قال له: لا والله، قال له: دلني أين يوجد قمر الدين ؟ اتصل بمعمل، قال له: هناك شخص يريد قمر الدين سأبعثه لك، قال لي: مساءً بُعث لي ظرف فيه عشرة آلاف ليرة، أي يبدو أن الشخص الذي أرسلته له قد اشترى كمية كبيرة، فأحب البائع أن يكرم هذا الذي ساق له هذا الإنسان، قال لي: مساء كانوا الخمسة آلاف معي، وخائف عليهم، وقد صاروا عشرة.
 أبداً، حينما تصل رحمك انتظر من الله كرماً، الإكرام المادي.

من أنفق على أرحامه زاد الله في رزقه:

 أخواننا الكرام، نحن عندنا مشكلة، أحياناً نقرأ الحديث، لكن قد لا نأخذ نصوصه الدقيقة على محمل الجد، أنت حينما تنفق على أرحامك فالله سبحانه وتعالى يزيد لك في رزقك.
 أخ آخر له صديق، يعمل يومياً بعمل يدوي بالبيع، فأصيب بانزلاق في أحد فقرات عموده الفقري، فالطبيب أمره أن يستلقي على الفراش شهراً، قال لي: قدمت له مصروفه ـ القصة قديمة من عشر سنوات ـ قدم له عشرة آلاف، لم يتحسن قال له الطبيب: تريد شهراً آخر، قال لي: قدمت له عشرة آلاف ثانية، القصة غريبة جداً، هو يتعامل مع شركات أجنبية بحسب القانون يجب أن يصرف العملة الأجنبية في المصارف السورية، قال لي: وقفت بصف طويل وصلت إلى النافذة، جاء هاتف أن أعطوه سعر الدول المجاورة، و هو أول شخص يستفيد من هذا العطاء، قال لي: ربحت أربعين ألفاً زيادة، بعدما قبضت المبلغ جاء هاتف ثان أن أوقفوا العمل، قال لي: والله قصة تكاد لا تصدق، صف طويل وصلت للنافذة جاء هاتف أن أعطوه سعر الدول المجاورة، فصرفوا لي هذا المبلغ بالعملة الصعبة بسعر الدول المجاورة، قال لي: الزيادة عما أستحق بالسعر المألوف أربعين ألفاً، بعدما أدرت ظهري قالت له الموظفة: لم ينتفع غيرك، أنت لوحدك، جاء هاتف آخر عودوا إلى ما كنتم عليه.
 الله يريك أنك إذا دفعت لشخص عشرين ألفاً، وأنت لست ميسوراً، وأنت في ضائقة، لكن يوجد إنسان بقي بلا طعام، ولا شراب، أمنت له دخلاً ـ هو قريبه ـ أول شهر وثاني شهر.
 قصص من هذا النوع لا تعد ولا تحصى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسئ له في أجله فليصل رحمه ))

[الشيخان عن أنس]

3 ـ تدفع عن الواصل ميتة السوء:

  شيء آخر: أحد أكبر النتائج أن صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء، أنا العبد الفقير لي مركز عمل، مرة في اتجاهي إلى مركز عملي، وجدت أمام قصر العدل جثة مغطاة بقماش، يبدو أنه مات في الطريق، فغطوه بقماش وهم بانتظار الطبيب الشرعي، ذهبت إلى مكتبي وجلست فيه أربع أو خمس ساعات أو ثمانية ساعات، وعدت من الطريق نفسه فإذا هذه الجثة كما هي، لم يأتِ الطبيب الشرعي بعد في الطريق، إنسان يموت ببيته، بين أولاده، بين أحبابه، غير ترتيب، في الطريق !.
 لكن والله مرة كنت في تعزية لا أنسى هذا الموقف، كان إلى جانبي أحد علماء دمشق الكبار، جريء، مخلص، فخرج من التعزية، مشى متراً، شاب معه سيارة لا يعرف اسمه، لأنه من أهل العلم، وثيابه ثياب علم، قال له: استأذنا أوصلك إلى البيت ؟ قال له: بارك الله بك، إذا أردت، خرج من بيت التعزية بعد مترين أخذه هذا الأخ الكريم لا يعرف اسمه، لكن عرفه من هيئته، هيئته العلمية، أوصله إلى بيته، أنا أعرف بيته بالضبط، صعد أربعة طوابق، دخل إلى البيت، خلع الجبة واللفة، وتوجه لغرفة النوم، واضطجع وسلم روحه إلى باريها، هذا الإنسان لو لم يأت هذا الشاب، ويأخذه بعد متر من بيت التعزية، لمات في الطريق، أُخذ إلى البراد، انظر إلى ترتيب الله عز وجل، مات بفراشه الوقت محسوب بالدقائق، من بيت التعزية، إلى بيته، أربعة طوابق، فتح الباب دخل واستلقى على الفراش، وسلم روحه إلى بارئها، يقول لي ابنه: أنت آخر من كلمه، بعدما جلست معه لم يكلمه أحد.

صنائع المعروف تقي مصارع السوء:

 إذاً: صلة الأرحام تقي ميتة السوء، إنسان يموت بين أهله، بين أولاده، بين بناته، معزز، مكرم، محتفى به، وإنسان يموت بالطريق.
 إنسان ادعى النبوة بالهند أنه خاتم الأنبياء، لا تعني أنه آخر الأنبياء، تعني شيئاً آخر، فهو النبي، وكان هناك مرض أنفلونزا منتشر انتشاراً كبيراً، وقال: لأنه نبي لن يصاب بهذا المرض، أصيب بهذا المرض ومات بالمرحاض، قصة مشهورة، مات بالمرحاض.
لذلك العمل الصالح في حديث آخر:

(( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ))

[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

  طبعاً الدليل:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

  هذا كلام، أنا أخاطب الشباب الآن، أي لا يوجد آية تملأ قلب الشاب طمأنينة كهذه الآية،

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة:

 الآن:

﴿ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

 الحياة في الدنيا.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

  جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، بيته، زواجه، أولاده، سمعته، مكانته، أعماله الصالحة، أصله الطيب.
 الآن:

﴿ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

 والله أعرف رجلاً محسناً كبيراً، كبير جداً وعاش للثمانية و الثمانين، أين مات ؟ مات ليلة القدر، وهو يقرأ القرآن، وقبل أشهر أحد العلماء في دمشق مات وهو في المسجد يؤدي صلاة الجمعة، مات في المسجد، تجد إنساناً يموت و هو ساجد، أو يصلي، أو بالمسجد، و آخر يموت بالمرحاض، مصارع السوء،

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

﴿ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

4 ـ تعمر الديار و تثمر الأموال:

 قال: هذه العبادة الاجتماعية، هذه الصلة ـ صلة الرحم ـ تعمر الديار، وتثمر الأموال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، قيل: وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال: بصلتهم أرحامهم ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

  تعمر الديار وتثمر الأموال.

5 ـ تغفر الذنوب وتكفر الخطايا:

 الآن هذه الصلة، وهذه العبادة الاجتماعية تغفر الذنوب وتكفر الخطايا:

(( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله أذنبت ذنباً كبيراً فهل لي من توبة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان ؟ قال: لا، قال: ألك خالة ؟ ))

 بالمناسبة الخالة أم، والعم أب، بجو المؤمنين الخالة كالأم، والعم كالأب.

(( ألك والدان ؟ قال: لا، قال: ألك خالة ؟ نعم، قال: فبرها ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

  أي الله عز وجل يكفر ذنبك بخدمة خالتك، ببرها يغفر ذنبك.

6 ـ تيسر الحساب وتدخل صاحبها الجنة:

 من ثمار صلة الرحم، أن صلة الرحم تيسر الحساب وتدخل صاحبها الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:

(( ثلاث من كن فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته. قال: ما هن يا رسول الله ؟ بأبي أنت وأمي. قال: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك. قال: فإذا فعلت هذا يدخلك الله الجنة ))

[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

على الإنسان أن يشجع على هذه العبادة التعاملية الاجتماعية و يجعلها واقعاً:

 لذلك أيها الأخوة، من الأحاديث التي تقصم الظهر:

(( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع رحم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ]

  أيها الأخوة، الاقتراح، بعد هذه الأحاديث التي تشجع على هذه العبادة التعاملية الاجتماعية، ماذا ينبغي أن نفعل ؟ إن كان للإنسان أولاد أخ، أو بنات أخت، و جمعهم كل أسبوع مرة، وألقى عليهم درساً لطيفاً محضراً جيداً، شرح آية، حديث، قصة عن الصحابة، هناك ود، هذا نوع من الصلة، أنت اعمل عملاً صالحاً هذا العمل الصالح مع أهلك، مع أقربائك، وليكن عملاً دعوياً بسيطاً، لا يوجد واحد منا إلا و يستطيع أن يهيئ حديثاً، أو حكماً فقهياً، أو قصة عن الصحابة، فإذا بلغهم، وكان لطيفاً معهم، وأكرمهم، صار في دعوة لله عز وجل.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا علي:

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

  هذه رواية.
 الرواية الثانية:

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

  الرواية الثالثة:

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

  أنا دخلت الآن إلى التطبيقات العملية، هل يوجد إنسان ليس له أقرباء ؟ ليس له أخوة ؟ أخوات بنات وعندهم أطفال صغار ؟ أنت شاب، بالصف العاشر، أو الحادي عشر يمكن أن تهيئ درساً لنصف ساعة، آية سمعتها يوم الجمعة، حديثاً لطيفاً من كتاب رياض الصالحين، قصة عن صحابي سمعتها، تأثرت بها، أجمع أولاد أختي، أولاد أخي الصغار، أؤمن لهم ضيافة، وأكلات طيبة، و أكلمهم عن الله عز وجل، فأنت بهذه الطريقة تواصلت مع أختك، ومع أولادها، ومع بناتها، بهذه الطريقة تكون قد ترجمت هذه العبادة الاجتماعية وجعلتها واقعاً.

7 ـ ترفع الواصل إلى الدرجات العلا يوم القيامة:

 ومن ثمار هذه العبادة الاجتماعية الراقية، قال: صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العلا يوم القيامة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلم عن من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك))

[أخرجه البزار عن عبادة بن الصامت ]

المعاملة بالمثل لا تدخل في حسابات المؤمن:

 لكن لابدّ من توضيح دقيق جداً، التوضيح أساسه ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ليس الواصلُ بالمكافئ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

  زارك تزوره، قدم لك هدية تقدم له هدية، ما زارك لا تزوره، ما دعاك لا تدعوه، دعاك إلى وليمة تدعوه إلى وليمة، هذه المعاملة بالمثل ليس لها علاقة بدرسنا إطلاقاً، كل إنسان يعملها، المعاملة بالمثل.

(( ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

  الشيء الدقيق جداً أن المعاملة بالمثل لا تدخل في حسابات المؤمن، أي يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه.

من دلائل الإخلاص أن تكون خشيتك لله في بيتك وأمام الناس واحدة لا تختلف:

 لذلك هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع ؛ خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

  أحد دلائل الإخلاص أن تكون خشيتك لله في بيتك وأمام الناس واحدة لا تختلف، أي عبادتك، استقامتك، ورعك لا يختلف بين أن تكون بين الناس، أو أن تكون في البيت وحدك، أي المؤمن خلوته كجلوته، وسره كعلانيته، وظاهره كباطنه.

(( خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ))

  وهذا من علامات الإخلاص، لا يوجد عنده ازدواجية، لا يوجد عنده موقف معلن وموقف حقيقي، لا يوجد عنده موقف للاستهلاك الخارجي وحقيقة أخرى، لا يوجد عنده شخصيتين، ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً.

(( خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ))

  بل إن بعض العلماء قال: من علامات الإخلاص ألا يختلف عملك في سرك وجهرك، ولا إذا أثنى الناس عليك أو إذا ذموك سيان.

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

( سورة الإنسان ) 

على الإنسان أن يكون موضوعياً في غضبه و رضاه:

 الآن:

(( وكلمة العدل في الغضب والرضا ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

  النبي الكريم كان يستعرض عقب موقعة بدر الأسرى، فإذا صهره بين الأسرى زوج ابنته أبو العاص، جاء يحاربه، قال: والله ما ذممناه صهراً، كان صهراً ممتازاً.

(( وكلمة العدل في الغضب والرضا ))

 أي إنسان يخطب، يمدحونه لدرجة غير معقولة، أي لا يوجد بالشام مثله، الزواج يفسخ، يصبح يقع بالساعة، عنده أمراض نفسية، مديح الناس بالرضا غير معقول، وذمهم بالغضب غير معقول، أما أن تكون موضوعياً، والموضوعية قيمة علمية، وقيمة أخلاقية، بل إن العلم والخلق بقيمة الموضوعية.

(( وكلمة العدل في الغضب والرضا ))

  وأنت غاضب تقول كلمة الحق، وأنت راضٍ تقول كلمة الحق.

(( القصد ـ أن تقصد الله ـ في الفقر والغنى ))

  الإنسان من طبيعته البشرية إذا كان ببحبوحة ليس له علاقة بالدين، حينما تأتي الشدة يذهب إلى المسجد.
 حدثني أخ، قال لي: والله باستنبول، أحياناً الظهر هناك صف واحد من المصلين فقط، عقب الزلزال، الحرم كله ممتلئ، والصحن ممتلئ، والصلاة على الرصيف، وبالطريق، بعد الزلزال طبعاً.

(( والقصد في الفقر والغنى ))

على المؤمن أن يغفر لمن أساء إليه:

 البطولة:

(( وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ))

 قطعك، تصله، لم يأت لزيارتك تزره، لا يدعُك إلى عقد قران ابنه، تدعه أنت إلى عقد قران ابنك، قطعك فوصلته.

(( وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي ))

  تحتاج إلى إدراك واسع جداً، وإلى نفس عالية جداً، أما المعاملة بالمثل لا فضل لك بها إطلاقاً.
 العالم كله الآن يقول لك: المعاملة بالمثل، ليس لك فيها فضل أبداً، أما:

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ))

  تصور النبي الكريم فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة، تنتظر كلمة من شفتيه، وبإمكانه أن ينهي وجودهم، حاربوه عشرين عاماً، نكلوا بأصحابه، أخرجوه، قتلوا أصحابه، حاربوه في بدر، وأُحد، والخندق، فلما فتح مكة، قال:

(( قال: ما تظنوني أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية]

(( وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي ))

  أحياناً أخ كبير يستولي على الإرث كله، يبقي أخوته بفقر شديد، أحياناً الله عز وجل يكرم أحد هؤلاء المحرومين فيجعله غنياً كبيراً، المؤمن يصل أخاه الذي حرمه.

(( وأعطي مَنْ حَرَمَنِي ))

  أما الثلاثة الثالثات:

(( وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))

  حديث رائع جداً.

(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))

[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]

درء المفاسد مقدم على جلب المنافع:

 لكن هناك تحفظاً واحداً على صلة الأرحام، طبعاً له خالة، وبنات خالاته، أو بنات خالته متفلتات، غير منضبطات، فذهب ليزور خالته، وجلس مع بنات خالته، وثيابهم فاضحة، وحدثهم، وضحكوا، أعجبته صلة الرحم، نقول له: دع خيراً عليه الشر يربو، نقول له: درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، مثل هذه الصلة لا تجوز، لأن بنات خالتك أجنبيات، بنات عمك أجنبيات، فإذا كان هناك صلة معها اختلاط، معها إطلاق بصر، معها بداية شيء لا يرضي الله، دع خيراً عليه الشر يربو، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، هذا التحفظ لا بدّ منه، ماذا أفعل ؟ نمر على البيت، الخالة هنا ؟ أنا مستعجل يلزم أي خدمة ؟ أعمل اتصالاً هاتفياً، يلزم أي خدمة أنا جاهز، يمكن أن تزورها سريعاً دون أن تدخل إلى البيت، إذاً ينبغي أن تصل رحمك بطريقة لا تقع بمعصية لله عز وجل، هذا التحفظ لابدّ منه.
 مرة ثانية: دع خيراً عليه الشر يربو، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS