36406
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (023-100) : الشكر
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-09-23
بسم الله الرحمن الرحيم

منزلة الشكر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم هي منزلة الشُكر .

تمهيد :

 أولاً يقول الله عزّ وجل :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 147]

 هذه الآية أصلٌ كبير من أُصول الدين , يعني إذا شكرتم وآمنتم , أو إذا شكرتم بعدَ أن آمنتم , أو إذا آمنتم وشكرتم , ما يفعل الله بعذابكم ؟
 معنى ذلك : أنكم حققتم الهدفَ الكبير الذي من أجلهِ خُلقتُم .
 يعني : يتوقف العذاب والمعالجة , وأنواع البأساءِ والضرّاء , وأنواع الهموم والأحزان , بمجرّدِ أن تشكروا بعدَ أن تؤمنوا .
 لا نُبالغ إذا قُلنا : إنَّ عِلّةَ وجودكَ على الأرض أيها الإنسان , أن تتعرفَ إلى الله , وأن تشكرهُ .
 قد يسأل سائل : لِمَ لا يكون الهدفُ أن تتعرفَ إلى الله وتصبِرَ على حُكمهِ ؟ لِمَ اختارَ الله الإيمان مع الشُكر ؟ إليكم التفسير ، لا بدَ من مثل :
 إذا قُدّمت لكَ هديةٌ ثمينة , جهاز , أنتَ في أمسِّ الحاجةِ إليه , وهذا الجهاز يُقدّمُ لكَ خدمات كبيرة , قُدّمَ لكَ بلا ثمن , كهديةٍ خالصةٍ لك , ما ردُ الفِعل عِندك ؟ .
 ردُ الفِعل أنكَ تتأملُ هذا الجهاز ، تتعرف إلى مُصممهِ ، إلى من اخترعهُ ، إلى دِقةِ أجزائه ، إلى أداءِ وظائفهِ ، إلى تعقيد تركيبهِ ، كُلما تأملّتَ في دقائق الجهاز , ازددتَ إعجاباً بصانعهِ , أو ازددتَ إيماناً بِعلمهِ الرفيع , وفضلاً عن ذلك , قُدِّمَ لكَ هديةً , تشعر أنكَ ممتن .
 الآن :
 أنتقل من هذا المثل إلى السموات والأرض , الله سبحانهُ وتعالى سخّرَ للإنسانِ ما في السموات وما في الأرض جميعاً , كلُّ هذا الكون مُسخّرٌ لهذا الإنسان تسخيرين :
 تسخيرَ تعريف وتسخير تكريم .
 أرادَ الله عزّ وجل من خِلالِ خلق السموات والأرض أن يُعرّفكَ بذاتك , وأرادَ من خِلالِ خلق السمواتِ والأرض أن يمتلئَ قلبُكَ امتناناً , أن تؤمن أن تشكر , فقد حققتَ الهدفَ الكبير من وجودكَ على وجه الأرض ، لأنَّ الكون مُسخّر تسخيرَ تعريف , والتعريف يقتضي الإيمان ، وتسخيرَ تكريم , والتكريم يقتضي الشُكر .
 إذا عرفتهُ وهو المُنعم , وشكرتهُ وهو المُتفضّل , فقد بلغتَ أقصى درجات الإيمان , لذلك عِندَ هذه المرتبة تتوقف كلُ أنواعِ المُعالجات , لأنَّ الله سبحانهُ وتعالى يقول :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة الآية: 21]

 يرجعون إلى الهدف الذي من أجلهم خُلِقوا , يرجعونَ إلى مُهمتهم , إلى تكليفهم , إلى سرِّ وجودهم ، إذا رجعتَ إلى اللهِ , وقد عرفتهُ وشكرتهُ , وقد رأيتَ نِعمهُ , فقد حققتَ الهدفَ من وجودك ، لذلك يجبُ أن تَعُدَ الشُكرَ غايةَ وجودكَ على وجه الأرض ، إن شكرت بعد أن آمنت .
 بالمناسبة لن تشكرَ قبلَ أن تؤمن :

﴿وكانَ الله شاكراً عليماً﴾

 مثلاً :
 إنسان زاركَ , وأنتَ مريض , ومعهُ هدية , وضعها في مدخل البيت , ودخلَ على غُرفَتِكَ , وأنتَ لا تعلم , ماذا قدّمَ لكَ من هدية , وجلسَ عِندكَ بعضَ الوقت , ثم انصرف , هل يُعقلُ وأنتَ لا تعلمُ , أنهُ جاءَ بهدية أنت تشكرهُ على الهدية ؟ متى تشكر ؟ إذا عَلِمت ، إذا جاءَ ابنُكَ , وهمسَ في أُذُنك : أنَّ فُلان قد قدّمَ لكَ هديةً , فحينما يودعُكَ , تشكرهُ على هديتهِ .
 من لوازم الشُكرِ العِلمُ والإيمان ، تؤمن فتشكر , هذا الذي في ضوئه نفهم قولهُ تعالى :

﴿وكانَ الله شاكراً عليما﴾

ً
 لأنهُ يعلم فهو شاكر، فمن لوازم الشُكرِ العِلمُ بالنِعمةٍ , لن تشكُرَ قبلّ أن تؤمن ، إذا آمنتَ , من لوازم الإيمان أنكَ تشكر ، إذا آمنتَ وشكرت فقد حققتَ الهدفَ الكبيرَ الكبير الذي من أجلهِ قد خُلِقت .
 لم يبق الشُكرُ موضوعاً جانبيّاً , يجب أن نعرفهُ , لا , أخطرُ موضوعٍ في حياتك ، إن لم تشكر تُعذّب ، بنص الآية الكريمة :

﴿ما يفعلُ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾

 المعنى المُخالف : إن لم تؤمنوا عُذبتم ، إن آمنتم ولم تشكروا عُذبتم , أما إن شكرتم ولم تؤمنوا هذا مستحيل , أمّا إن آمنتم ولم تشكروا تُعذّبوا ، إن لم تُؤمنوا تُعذّبوا ، من لوازم الإيمان الشُكر .
 بادئ ذي بدء :
 الشُكرُ نِصفُ الإيمان , لقولِ النبي عليه الصلاة والسلام :
 الإيمان نصف شُكر ونِصفُ صبر .
 أنتَ بينَ شيئين :
 بينَ نِعمةٍ ظاهرةٍ لا بدَ من أن تشكرَ الله عليها , وبينَ نعمةٍ باطنةٍ هي المصيبة لا بدَ من أن تصبر ، فأنتَ بين سرّاء وضرّاء ، رخاء وشِدّة ، إقبال وإدبار ، بحبوحة وضيق ، صِحة ومرض ، قوة وضعف ، غِنى وفقر .
 أساسُ الكون الاثنينية :
 فالغِنى والفقر , والصِحةُ والمرض , والشِدّةُ والرخاء , وإقبالُ الدنيا وإدبارها .
 فأنتَ بينَ حالين :
 بينَ حالِ الصبرِ في حالة المصيبة , وبينَ حالِ الشُكرِ في حالة الرخاء ، والذي يؤكدهُ ، عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا المعنى قولهُ صلى الله عليه وسلم :
 عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ .
 فَقَالَ :

(( أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ ؟ ))

 قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمِمَّ تَضْحَكُ ؟
 قَالَ :

(( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ , إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ ))

 هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( الإيمان نِصفانِ : نصفٌ شُكرٌ ونِصفُ صبرٌ ))

 أولاً : الله سبحانه وتعالى أمَرَ بالشُكرِ , ونهى عن ضِدهِ , وأثنى على أهلهِ , ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ , وجعله غاية خلقهِ , ووعدَ أهله بأحسنِ جزائهِ , وجعلهُ سبيلاً لمزيد عطائهِ , وحارساً وحافظاً لنعمتهِ , وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ , واشتقَّ لهم اسماً من أسمائهِ , فإنهُ سبحانه وتعالى هو الشكور ، وهوَ يوصِل الشاكرَ إلى مشكورهِ , وهو الله سبحانهُ وتعالى , بل يُعيد الشاكِرَ مشكوراً , وهو غايةُ الربِ من عبيده , شيء خطير جداً , غايةُ الربِ من عبيده وأهلهُ هم القليل من عِباده .

الآيات المتعلقة بالشكر :

 والآن مع الآيات :

الآية الأولى : واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 172]

 يعني علامةُ صِحةِ عبادتكم شُكرُ الله عزّ وجل .

الآية الثانية : واشكروا لي ولا تكفرون .

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

[سورة البقرة الآية: 152]

﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾

 أُمِرنا بالشُكر ونهينا عن ضِدهِ :

﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

﴿ وَاشْكُرُوا ﴾

 أمر إلهي , وكلُ أمرٍ في القرآن يقتضي الوجوب :

﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

 وأثنى على أهله .

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة النحل الآية: 120-121]

 كانَ عليه الصلاة والسلام تعظُمُ عِندهُ النعمةُ مهما دقّت .
 لو شَرِبَ كأسَ ماء: يا ربي لكَ الحمد، لو ارتدى ثوباً جديداً ، لو دخلَ إلى بيته , رأى أهلهُ وأولادهُ في صحةٍ جيدة ، لو كانَ معهُ ثمنُ طعامهِ ، لو خرجَ بأتمِّ عافيةٍ .
 كانَ عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ إلى الخلاء وخرجَ منهُ , قال :

((الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني))

 وكانَ يقول أيضاً :

((الحمد لله الذي أذاقني لذّتهُ, وأبقى فيَّ قوتهُ, وأذهبَ عنّي أذاه))

 إذاً :

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ ﴾

 وقالَ عن سيدنا نوح :

﴿ إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾

 هل أنتَ عبدٌ شكور ؟ .
 كانَ يُصلّي قيامَ الليل حتى تتورمَ قدماه , تقول لهُ السيدةُ عائشة :

(( أتعبتَ نفسكَ , وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر , فيقول عليه الصلاة والسلام للسيدة عائشة : يا عائشة , أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ ))

الآية الثالثة : لعلكم تشكرون .

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[سورة النحل الآية: 78]

 جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ , سخّرَ لكم كُلَّ شيء لعلكم تشكرون , فغايةُ الخلقِ هو الشُكر .

الآية الرابعة : واشكروا له إليه ترجعون .

 وقالَ تعالى :

﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 17]

الآية الخامسة : وسنجزي الشاكرين .

 هذه بعضُ آيات الشُكر , قال تعالى :

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 145]

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 7]

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 5]

تعريف الشكر .

 أُعيد على مسامعكم التعريفات الجامعة المانعة للشكر ، لقد أمرَ الله بهِ :

﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾

 ونهى عن ضِدهِ :

﴿ولا تكفرون﴾

 وأثنى على أهلهِ :

﴿إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾

 ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ أبا الأنبياء , سيدنا إبراهيم , وجعلهُ غاية خلقهِ وأمرهِ :

﴿لعلكم تشكرون﴾

 ووعدَ أهلهُ بأحسنِ جزائهِ :

﴿وسيجزي الشاكرين﴾

 وجعلهُ سبباً لمزيد فضلهِ :

﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾

 وحارساً وحافظاً لنعمتهِ, وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ:

﴿إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ صبّارٍ شكور﴾

 واشتقَّ لهُ اسماً من أسمائهِ الشكور، فإنهُ سبحانهُ هو الشكور, وهو يوصِلُ الشاكِرَ إلى مشكورهِ .
 يعني من الطُرق السالكة إلى الله عزّ وجل أن تشكرهُ, الشُكرُ طريقٌ إلى الله, بل إنهُ يُعيدُ الشاكِرَ مشكوراً , تشكر فتُشكر , قال تعالى :

﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾

[سورة الإنسان الآية: 22]

 أعادَ الشاكِرَ مشكوراً ، ورضاء الربِّ عزّ وجل عن عبدهِ في الشُكر :

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

[سورة الزُمر الآية: 7]

 وقِلةُ أهلهِ في العالمين , تدلُ على أنهم هم خواصُّ أهلهِ , قال تعالى :

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾

[سورة سبأ الآية: 13]

 ما أقلَّ الشاكرين .
 وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قامَ حتى تورمّت قدماه, فقيلَ له:

((تفعلُ هذا, وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكونُ عبداً شكوراً))

 وقالَ عليه الصلاة والسلام لمعاذ:

((واللهِ يا معاذ إني لأُحِبُك -هذه شهادة ، هذه مرتبة عليّةَ نالها هذا الصحابي الجليل- فلا تنسى أن تقولَ في دُبُرِ كُلِ صلاة : اللهم أعنّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادتك))

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه :

((رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ, وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ, وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ, وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي, وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ, رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا, لَكَ ذاكراً, لَكَ رَهَّابًا, لَكَ مِطْوَاعًا, لَكَ مُخْبِتًا, إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا, رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي, وَاغْسِلْ حَوْبَتِي, وَأَجِبْ دَعْوَتِي, وَثَبِّتْ حُجَّتِي, وَسَدِّدْ لِسَانِي, وَاهْدِ قَلْبِي, وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي))

[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]

 دعاء جميل جداً .
 معنى كلمة الشُكر باللغة, قال: أصلُ الشُكرِ في وضع اللسان: ظهور أثر الغذِاء على الأبدان, أكل فظهرَ أثرُ الطعام على بدنهِ امتلاء وتورُداً وصِحةً وقوةً, فأصلُ الشُكرِ أن يظهرَ أثرُ الغِذاءِ في الأبدان, هذا في المُعجم في القاموس, يُقال: شكرت الدابةُ, تشكرُ شَكراً, على وزنِ سَمِنت, تسمنُ سَمناً, إذا ظهرَ عليها أثرُ العلف, ودابةٌ شكور, إذا ظهرَ عليها من السِمنِ فوقَ ما تأكل, وتُعطى من العلف .
 وفي صحيح مُسلم: حتى إنَّ الدوابَّ لتشكرُ من لحومهم, أي لتسمنُ من كثرةِ ما تأكلُ مِنها .
 وفي المعنى المجازي: ظهور أثر النعمة على العبدِ، قد تظهرُ ذِكراً, يا ربي لكَ الحمد في لِسانهِ، وقد تظهرُ امتناناً في قلبهِ، وقد تظهرُ عملاً في سلوكهِ .
 الحقيقة : الشُكر لهُ درجات ، أثرُ النِعمة على العبد : قد تظهرُ النعمة عِندَ العبدِ تعبيراً بلِسانهِ , وشعوراً بقلبهِ , وسلوكاً في فعلهِ , فهُناكَ شُكرٌ قوليّ وشُكرٌ قلبيّ وشُكرٌ فعليّ .
 وفي المناسبة أُولى درجات الشُكر: أن تعرفَ أنَّ هذه النعمةَ من الله .
 أُولى درجات الشُكر ذو طبيعةٍ علمية ، وثاني درجات الشُكر ذو طبيعةٍ نفسيّة ، وثالثُ درجاتُ الشُكرِ ذو طبيعةٍ سلوكيّة . تعلم فتمتن فتتحرك , والتحرك كما قالَ الله عزّ وجل :

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾

[سورة سبأ الآية: 13]

قواعد الشكر :

1-خضوع الشاكر للمشكور :

 قال: الشُكر أساسهُ خمسُ قواعد, خضوع الشاكر للمشكور: إن لم تخضع لله فلستَ شاكراً، علامة الشُكر الطاعة:
 تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حبهُ ذاكَ لعمري في المقال بديعُ
 لو كانَ حُبُكَ صـادقاً لأطعتهُ إنَّ المُحبَّ لمن يُـحب يُطيعُ
 أُولى علامات الشُكر: أن تخضع للمشكور, أن تخضع لله، فمن فعلَ ما يشتهي, وأطلقَ لشهواتهِ العِنان, وتحرّكَ وفقَ هوى نفسهِ, وقالَ: يا ربي لكَ الحمد, فليس شاكر, وسلوكه وانحرافه وكسب ماله والتدليس في البيع والشراء واليمين الكاذبة ما هذه؟ يا ربي لكَ الحمد .
 علامة الشُكرِ: طاعة الله عزَّ وجل إن لم تُطع فلستَ شاكراً .

2-حبه له:

 فقال: الشُكرُ مبنيٌّ على خمسِ قواعد: خضوع الشاكرِ للمشكور وحبهُ له, يعني يجبُ أن يمتلئَ قلبُكَ حُباً لله, قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة الآية: 54]

3-4-5 الاعتراف بالنعمة وثناؤه عليه بها وألا يستعملها فيما يكره :

 والاعترافُ بالنِعمة: إذا حققتَ نجاحاً, لا ينبغي أن تقول: هذا جُهدي, إنما أُوتيتهُ على علمٍ عندي, هذه خبرات, هذه سنوات طويلة, من الخِبرة تراكمت بعضُها فوقَ بعض, حتى حصلّت هذه المرتبة, هذا كُفر, إذا عَزوتَ النِعمة إلى ذاتك, فهذا نقيضُ الشُكر:

﴿واشكروا لله ولا تكفرون﴾

 وثناؤهُ عليهِ بها, وألا يستعملها فيما يكره .

كيف تكون شاكراً .

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من استعملَ قوتهُ في معصية الله فليسَ شاكراً ، من استعملَ عينهُ في معصية الله , من نظرَ بها إلى حُرُمات المُسلمين ، حينما تستخدمُ الجارحة في معصية الله , فأنتَ لا تشكر الله .
 عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ, فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ, وَهُوَ يَقُولُ:

((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا, قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ, أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

 يجب أن تعتقد: أنَّ هذه العين إذا غضت عن محارم الله, أغلبُ الظنِّ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذه الأُذن إن لم تسمع بها إلا ما يُرضي الله, أغلبُ الظنِ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذا اللسان إذا كانَ رطباً بذكر الله, أغلبُ الظنِ أنكَ تتمتعُ بهِ إلى آخر الحياة, وأنَّ هذا الفِكر إذا أعملته في آيات الله, أغلب الظنِ أنكَ لا تَخرَف, من تعلّمَ القرآن, متعهُ الله بعقلِهِ حتى يموت.
 قيلَ: في الشُكرِ حدهُ الاعتراف بنعمةِ المُنعِمِ على وجهِ الخضوع, في اعتراف على وجه الإقرار, في اعتراف على وجه الخضوع، فإذا اعترفت بنعمة الله وخضعتَ لهُ فأنتَ شاكر, هذا الذي قُلناه قبلَ قليل: من علامة الشُكرِ الطاعة، وقيلَ: الثناءُ على المُحسن بِذكرِ إحسانهِ:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

[سورة الضحى الآية: 11]

 وقيلَ: هو عكوفُ القلب على محبة المُنعِمِ, والجوارح على طاعتهِ, وجريان اللسان بذكرهِ, والثناءِ عليه, معرفةٌ وتعبيرُ وامتنان وسلوك كما قُلنا قبل قليل .
 وقيلَ: الشُكرُ مُشاهدةُ المِنّةَ وحِفظُ الحُرمة, وما ألطفَ ما قالَ حمدون القصّار: شُكرُ النِعمةِ أن ترى نفسكَ فيها طُفيليّاً, أن ترى نفسكَ لا شيء, فأنتم هو الحقُ لا غيركم, فيا ليت شِعري أنا من أنا .
 يعني: كُلما صَغُرتَ في عينِ نفسك كُلما كَبُرتَ عِندَ الله، وكُلما كَبُرت نفسُك صَغُرتَ عِندَ الله. وقال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكر .
 ماذا قالَ الله عزّ وجل؟ قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة النحل الآية: 18]

 من معاني هذه الآية: هل يُقال لإنسان خُذ هذه الليرة وعُدّها؟ هذه ليرة واحدة, ماذا أعدُ فيها؟ يقول الله عزّ وجل:

﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾

 قالَ بعضُ العُلماء : إنكَ إن أمضيتَ الحياة كُلها, لتُحصيَّ بركاتِ نعمةٍ واحدةٍ, أنعمها الله عليك, نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة النُطق، نعمة الشم، نعمةُ جريان الدمع في القناة الدمعية, لولاها لاضطررت أن تمسحَ الدموعَ من على خدكَ دائماً, إلى أن يحفرَ الدمعُ في خدِك أخدوداً, لأنَ الدمعَ قلوَي, فهذه القناةُ الدمعية بين محجر العين وبين الأنف سالكة, وهي من أدقِّ الأنابيب في الجسم, هذه نعمة, نعمة السمعِ, نعمة البصرِ، نعمة الشعر .
 لو أنَّ الله سبحانهُ وتعالى جعلَ في الشعر أعصاباً حسيّة, إلى أينَ أنتَ ذاهب يا أخي؟ إلى المستشفى لأُجري عملية حِلاقة, تحتاج تخديراً كاملاً, لكنَّ الشعرَ فيه أعصاب حركية, ولكن ليسَ فيهِ أعصاب حسيّة, لكلِّ شعرةٍ؛ وريدٌ, وشريانٌ, وعضلةٌ, وعصبٌ مُحركٌ, وغدةٌ دهنيةٌ, وغدة صدغية, وليسَ في الشعرِ عصبُ حِسي, أين يا أخي؟ والله إلى المستشفى لأُجري عملية تقليم أظافر, لم ربنا عزّ وجل لم يجعل في الأظافر أعصاب حِس؟ هذه نِعمةٌ كُبرى.
 هذه المثانة التي أكرمَ الله الإنسان بِها, تجعلُكَ تجلس ساعات طويلة، تُسافر، تُلقي محاضرة، تستمع، تدخل إلى مسجد، تجلس مع أهلِكَ ساعات طويلة, وأنتَ لستَ بحاجة إلى إفراغ المثانة, لولا المثانة لكُنتَ مُضطراً أن تُفرِغَ البولَ كُلَ دقيقة, لأنَّ كُلَّ عشرين ثانية بالضبط, تنزِلُ من كلَّ كُليةٍ نُقطةُ بول, كل عشرين ثانية, فهذه المثانة تجمعُ هذا البول بخمس ساعات, وأنتَ نظيفُ مُعطّر, مرتاح مُطمئن, وإذا أردتَ أن تُفرِغَ هذه المثانة, فقد جعلَ الله لها عضلات, لولا هذه العضلات, لا بدَ من تنفيس هواء لها, لا نقدر .
ائت بقارورة, واجعل فوهتها نحو الأسفل, وسُدَّ قعرها بإحكام الماء يبقى فيها, لا بدَ من تنفيس, طيب لولا عضلات المثانة لما أمكنَ إفراغ المثانة, هذه نعمة. التنفس حركتهُ لا إرادية .
 يعني:

﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾

 أنتم عاجزون عن إحصاء النِعم، أنتم عاجزون عن إحصاء فضائلِ نعمةٍ واحدة، فلأن تكونوا عاجزين عن شُكرِ النِعم من بابِ أولى.
 يعني إذا واحد جاءه مولود, وجاءته هدايا كثيرة, أيُهُما أهون: أن يُمسك قلم وورقة ويُسجّل هذه الهدايا أم أن يَرُدَّ هذه الهدايا؟ كتابتها على ورقة عملية سهلة جداً, فالإنسان عاجز عن أن يشكُرَ فضائِلَ نِعمة واحدة، فلأن يكونَ عاجِزاً عن شُكرِها من بابِ أولى, أو لا أن يكونَ عن شُكرها, فهو عن شُكرها أعجز .
 قالَ أبو عثمان: الشكرُ معرفةُ العجزِ عن الشُكرِ، هذا كلام سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك .
 يعني إذا قُلت: يا ربي لا أُحصي ثناءاً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك, فحينما عجزتَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك .
 لو سألنا إنساناً على شط البحر المتوسط, هذا البحر كم ليتر؟ قالَ لكَ: هذا 23مليون و850 ليتر, معناها جاهل, أما إذا قال: واللهِ لا يمكن أن نعرف كم ليتر؟ عدم معرِفتهِ بعدد ليترات ماء البحر, هي معرفة لحجم البحر الكبير، عدم المعرفة معرفة, لو قال لكَ: هذا البحر كذا ليتر، لهذا قالَ بعضُ علماء التوحيد: اللهُ سبحانهُ وتعالى عينُ العٍلمِ بهِ عينُ الجهلِ بهِ، وعينُ الجهلِ بهِ عينُ العِلمِ بهِ .
 يعني إذا قلت: يا رب أنا عاجز عن معرفة فضلك, هذا أحدُ أنواع المعرفة, أمّا نحنُ نُصلي له, ماذا علينا أكثرُ من ذلك؟ هذا هو الكُفر, يعني أن ترى أنَّ نعمة الله محدودة, وقد أديتها بالصلاة, وانتهى الأمر .
 لذلك قال سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك، إذا اعترفتَ بعجزِكَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك.
 قال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكرِ .
 وقالَ الجُنيد: الشُكرُ أن لا ترى نفسكَ أهلاً للنِعمة, أن ترى الله سبحانه وتعالى تفضّلَ عليك.
 وإذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضلهِ عليك, خلقَ الفضلَ ونسبهُ إليك .
 وقالَ أحدُ العلماء: الشُكر استفراغ الطاقة, ويشُكرُ العامةِ على المطعمِ والمشربِ والملبسِ وقوتِ الأبدان .
 عوام الناس إذا رأى في بيتهِ مؤونة، معهُ في جيبهِ مال، صحتهُ طيبة، الحمد لله الله مفضلها، لكنَّ خواصَّ المؤمنين يشكرُ على معرفة الله، يشكرُ على العِلم الذي تفضّلَ اللهُ بهِ عليه، يشكر على نعمةِ الإيمان، على نعمةِ الصبر .
 سيدنا عمر قال حينما أصابتهُ مصيبةٌ, قالَ: الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمد للهِ إذ لم تكن في ديني، والحمد للهِ إذ لم تكن أكبرَ منها، والحمدُ للهِ إذ أُلهمتُ الصبرَ عليها .
 قال: شُكر الخاصّة شكرٌ على التوحيدِ والإيمانِ وقوت القلوب .
 الجُنيد كانَ صبيّاً, سألهُ أحدُ العلماء, قال: يا غلام, ما الشكر؟ فقالَ: الشُكرُ أن لا يُستعانَ بشيء من نِعم الله على معاصيه, فقالَ: من أينَ لكَ هذا؟ قالَ: من مُجالستك.
 وقيلَ: من قصّرت يداهُ عن المكافآت, فليُطل لِسانهُ بالشُكر .
 من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه, فإن لم تجدوا فادعوا لهُ .
 كلمة جزاكَ اللهُ عنّي كُلَّ خير, إذا أردتم التحقيقَ الدقيق, هذه الكلمة لا تصح إلا إذا عجزتَ عن أن تُكافئَ النِعمة بنعمةٍ مثلها, إذا عجزتَ عن المُكافئة, قل: جزاكَ الله عني كُلَّ خير, أما أن تكتفي بها دائماً, كُلما قُدمت لكَ خِدمة، أخي الله يجزيك الخير وانتهى الأمر, هذا ليسَ شُكراً .
 الشُكرُ معهُ المزيدُ أبداً, كلام دقيق: إذا كُنتَ في نِعمةٍ, وحَرِصتَ على أن تستمر, وعلى أن تبقى, وعلى أن لا تزول, فحصنّها بالشُكر, وإذا أردتَ أن تزيد, فَزِدها بالشُكر, فالشُكر حِصنُ, أو يحولُ بين النِعمةِ وبين زوالِها, ويدفعُ إلى المزيدِ منها, لقولهِ تعالى:

﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾

 والحديث القُدسي:

((إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم، أخلقُ ويُعبدُ غيري، وأرزقُ ويُشكرُ سِواي, خيري إلى العِبادِ نازل, وشرّهم إليَّ صاعد، أتحببُ إليهم بِنعَمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي, وهم أفقرُ شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم, تلقيتهم من بعيد، ومن أعرضَ عني منهم, ناديته من قريب, أهلُ ذِكري أهلُ مودتي ))

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[سورة مريم الآية: 96]

((أهلُ شُكري أهلُ زيادتي، أهلُ معصيتي لا أُقنطّهم من رحمتي, إن تابوا فأنا حبيبهم, وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم, أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من الذنوبِ والمعايب, الحسنةُ عِندي بعشر أمثالها وأزيد, والسيئة بِمثلها وأعفو, وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِ بولدها))

 وقيلَ: من كتمَ النِعمةَ فقد كفرها, ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها، وهذا مأخوذٌ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ, قَالَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ))

 أمّا هذا الكلام دقيق جداً, هُناك من يُظهر النِعمة على بيتهِ, وعلى جِسمهِ, وأولادهِ, كِبراً واستعلاء, وهُناكَ من يُظهُرها حمداً وشُكراً, شتّانَ بين الحالتين .
 على كُلٍ؛ لهذا الموضوع تتمة, أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ آخر أن نتابع هذا الموضوع, الذي كما قلتُ قبلَ قليل: موضوع كبيرٌ جداً, بل هو سِرُّ خلقِ الإنسانِ في الدنيا، ونرجو الله سبحانهُ وتعالى أن ينفعنا بِما علّمنا, وأن يُعلّمنا ما جَهِلنا .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS