31824
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (028-100) : النفاق
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-12-09
بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين .
 ونحنُ قبلَ درسين أو أكثر : بدأنا في موضوع التوبة , وقبلَ أن ندخُلَ في صُلبِ موضوع التوبة , بدأنا في ذِكرِ المعاصي والذنوب التي ينبغي أن نتوبَ منها ، وتحدثنا من قبلُ عن أنَ أكبرَ المعاصي أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وتحدثنا عن الفحشاء والمُنكر، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يُخرِجُ من المِلّة ؟ وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يوجِبُ التوبة .

منزلة النفاق :

 وننتقلُ اليوم , ولستُ أُبالغ إلى أخطرِ موضوعٍ من موضوعات الإيمان , ألا وهو النِفاق , لأنَّ أخطرَ الأمراض في عالم الطِب هي : الأمراضُ التي لا أعراضَ لها .
 هُناكَ أمراضٌ لها آلامٌ لا تُحتمل ، ليست خطيرة , لأنها في وقتٍ مُبكر تكشِفُها ،
 ولكنَّ أخطرَ الأمراض هي : الأمراض التي لا يُصاحِبُها ارتفاع حرارةٍ ولا آلامُ مُبرّحةٌ , إنما هيَ أمراضٌ تتسلل تسلُلاً بطيئاً إلى أن تستفحلَ فجأةً , وعندئذٍ يستحيلُ الدواء .
 ذكرتُ هذا لأنَّ الذي يخافُ أن يكونَ مُنافقاً قولاً واحداً ليسَ مُنافقاً , لكن المنافق لا يدري أنه منافق , يحسبُ أنهُ مؤمن , هذا الذي يُفسّرُ بهِ أن تأتي ثلاث أو أربعُ آيات في مقدمة القرآن الكريم , وفي أولِ سورةٍ منه تتحدثُ عن المؤمنين ، وفي آيتين فقط يتحدثُ القرآن عن الكافرين ، وفي ثلاث عشرة آية يتحدثُ عن المنافقين .
 عندما الإنسان يتكلّم كلام الكُفر, هذا الإنسان ليسَ خطراً أبداً، لأنَّ الناسَ يحذرونهُ, لأنَّ كفرهُ بواح, مهما يكن كفرهُ شديداً الناسُ يحذرونهُ، أمّا الذي يُخشى منهُ: هذا الذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, فالذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, هو المنافق لهُ مظهر وله مخبر، لهُ موقفٌ مُعلن ولهُ موقفٌ حقيقي، لهُ سلوك خارجي ولهُ اعتقاد داخلي، المنافق أخطرُ إنسانٍ في المجتمع الإسلامي.
 لذلك: هذا الذي تزيا بزيّ المسلمين، وصلى صلاتهم، وصام صيامهم، وحجَّ حجهم، وأدى زكاة مالِهِ كما يؤدون، ولبّسَ على المُسلمين, وهو يكيد لهم, ويحاول أن يُطفئ نور اللهِ عزّ وجل بطريقةٍ أو بأخرى, هذا ليسَ مكانهُ في النارِ كما هو مكان الكُفار, بل مكانهُ في الدركِ الأسفلِ من النار, هذا معنى قولهِ تعالى:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾

[سورة النساء الآية: 145]

 وكُلُكم يعلم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما نزلَ قولهُ تعالى:

﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾

[سورة التوبة الآية: 84]

 أودعَ سِراً لسيدنا حُذيفة بن اليمان, وأعطاهُ أسماءَ سبعةَ عشرة مُنافقاً, أمرهُ إذا توفاهُ اللهُ عزّ وجل ألا يُصلّى عليهم، أمّا أن يأتي عمر بن الخطاب عِملاق الإسلام، الخليفة الراشد، الذي كان فذّاً عبقريّاً, يسألُ حذيفةَ بن اليمان, ويقول له: أُنشِدكَ الله: هل ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسمي مع المنافقين؟ هذا لِعِظَمِ حقِّ اللهِ عليه.
 أيها الأخوة, مهما اتهمتم أنفسكم, فأنتم تعملون ما هي صفات المؤمن؟ المؤمن كثير الاتهام لنفسه، دقيقٌ في حِسابهِ، عسيرٌ في محاسبةِ نفسه، يُراجع نفسهُ كثيراً، يتهمُ نفسهُ كثيراً، يلومُها كثيراً, حتى إن الله سبحانه وتعالى أثنى على تلكَ النفس اللوامة، أمّا هذا الذي يمدحُ نفسهُ, ويظنُ بِها خيراً, ويُحسن الظنَ بها, وهي ليست كذلك, فهذا على شُعبةٍ من شُعبِ النِفاق.
 الآن :
 النِفاق خطورتهُ أنَّ الإنسانَ يمتلئُ منهُ وهو لا يشعر ، والنِفاقُ خطورتهُ أنهُ يخفى على الناس ، إذا أحدهم قال : ليسَ هُناكَ إله, مع أن هذا الكلام هو الكُفر, لكن أنا أرى: هذا الكلام ليسَ لهُ خطورةٌ على المجتمعِ أبداً, لأنَّ الناسَ لا يصدقونهُ ويحذرونهُ ويبتعدون عنهُ ويتهمونهُ بالكُفر, أمّا هذا الذي يقول كما يقول الناس, ويصلي صلاتهم, ويصوم صيامهم, ويكيدُ للمسلمين, هذا مُنافق.
 يعني: إذا الإنسان جاء بالآيات, ووجهها توجيهاً ليوافقَ روحَ العصر، جاء بآيات وفسّرها تفسيراً يُكرّس في انحرافات العصر فرضاً، فرّغَ الإسلام من مضمونهِ, وهو يقول: قال الله جلَّ جلاله, والنبي عليه الصلاة والسلام, هُنا الخطر, لأنَ هذا سُمٌّ في دسم, دسم مع السُم.

أنواع النفاق :

1-النفاق الأكبر :

 الحقيقة: النِفاق نوعان: نِفاقٌ أكبر، ونِفاقٌ أصغر, النِفاق الأكبر يوجِبُ الخلودّ في النار, ليسَ دخول النار فقط, يوجب الخلود في النار, لكن نعوذ بالله من هذا النوع, النِفاق الأكبر: أن تُنكرَ كُلَّ شيء في الدين, وأن ترفضَ هذا الدين جملةً وتفصيلاً, وألا تعتقدَ لا بما جاءَ بهِ النبي ولا بما نزلَ بهِ القرآن، لكنكَ بدافعٍ من مصالحكَ وذكائِكَ, ترى أن مصالِحكَ كُلها لا تصونُها إلا إذا أظهرتَ للناس أنكَ منهم, هذا هو النِفاق الأكبر الذي يوجب الخلودَ في النار, بل في دركِها الأسفل, وهو أن يُظهِرَ الإنسان للناسِ إسلامه, إيمانهُ بالله, وملائكتهِ, وكُتبهِ, ورُسلهِ, واليوم الآخر.
 إذا كُنت في بلد مُطبّقٌ فيه الدين تطبيقاً كاملاً, وسارعتَ إلى الصلاة كُلما أذّنَ المؤذّن, لأنهُ لو لم تذهب, هُناك سجن, وهُناك عقوبات كبيرة, فإذا غادرتَ بلدكَ إلى بلدٍ غربيّ, انغمست في الملذاتِ والزِنا والخمرِ إلى قِمةِ رأسك, هذا الذي يصلي في بلدهِ كُل وقت بوقته, ويحجُ البيت ويطوف ويسعى, ويدفع زكاة مالهُ, لأنَّ عليه مراقبة شديدة, فإذا لم يفعل عوقب وجُلد و.... إلخ, فإذا خرجَ من بلدهِ إلى بلدٍ أورُبي, انغمسَ في الزِنا والخمر إلى قِمةِ رأسهِ, أليسَ هذا هو النِفاق الأكبر؟ لا يعبأُ بشيء من أوامر الله عزّ وجل, بل هو لا يقبلُها, بل لا يعتقدُ بها.
 أردتُ أن أقرأ عليكم في سورة البقرة في مطلعها الصنفين من أصناف المنافقين, فالصِنفُ الأول:

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 17-18]

 هذا النِفاق الأكبر:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾

2-النفاق الأصغر :

 أما النِفاق الأصغر:

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة البقرة الآية: 19-20]

 لكنهُ لم يذهب بسمعهم وأبصارهم, لأنهُ ينتظر أن يهتدوا وأن يؤمنوا.
 فالمنافق إمّا إنسان مؤمن بالله, لكن إيمانهُ ضعيف, وغَلبتهُ نفسهُ, فانساقَ مع شهواتهِ, فهذا النِفاق الأصغر, الذي نرجو لصاحبهِ أن يؤمن, وأن يهتدي, وأن يتوب، وأمّا النِفاق الأكبر: فهو أن تُنكرَ أصلاً كُلَ ما جاء بهِ النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تُنكرَ هذا الكتاب, لكنكَ تفعلُ أفعال المُسلمين تمشيّاً مع مصالِحك.
 لعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, فَوَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, قَالَ آدَمُ: إِلا ذِرَاعٌ))

 هذا الذي قصدهُ النبي, إنهُ في الأصلِ يعملُ بعملِ أهلِ الجنة, لكنهُ هو من أهلِ النار, هو كافرٌ كفراً بوُاحاً, ولكن يتظاهر.

الآيات القرآنية التي تتحدث عن صفات المنافقين :

 الحقيقة: في سورة التوبة وصفٌ دقيقٌ دقيق للمنافقين، وفي سورة المنافقين وصفٌ دقيقٌ لهم، وفي ثنياتِ السور الأخرى وصفٌ لهم, أمّا الذي أتمناهُ على كٌلِ أخٍ مؤمن: أن تكونَ صفات المنافقين واضحةً في ذهنهِ وضوحاً جليّاً, ليعرف أينَ هو من هؤلاء؟ وفي هذا الدرس إن شاء الله تعالى سنقف عِندَ آيات المنافقين آيةً آية, نقفُ عِندها وقفةً متأنية, لنرى الأبعاد التي تعنيها تلكَ الآيات, فلعلها تكونُ مقياساً، يمرض الإنسان أحياناً, فيعطيه الطبيب قائمة مسجّل عليها بعض الأطعمة التي يجب أن يمتنع عنها لا ليأكُلها.
 وقفنا عِندَ آيات المنافقين في هذا الدرس من أجلِ هذا, من أجلِ أن نحذرَ أن نكونَ من هؤلاء, وأن نحذرَ أن تنطبِقَ علينا صِفاتِ بعضِ هؤلاء، المنافقون جميعاً متفقون على شيء واحد, وهو تركُ الاهتداء بالوحي, أنت إنسان تحتاج إلى منهج، تحتاج إلى دستور، تحتاج إلى قانون، ما المنهج الذي تسيرُ عليه؟ ما القانون الذي يُقننُ تصرفاتك؟ ما الدستور الذي تهتدي به ؟ المنافقون جميعاً أنكروا الوحي ورفضوه, والدليل:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 53]

 الوحيُ في واد, ومبادئهم وأفكارُهم وقيمُهم وأساليبُهم وحركاتُهم في وادٍ آخر:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

 والشياطين كما تعلمون يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً, يعني مُلخصُ هاتين الآيتين أنهُ :

﴿ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخيرةُ من أمرهِ﴾

 أنتَ كمُسلم, هذا حِكمُ اللهِ في الرِبا, وهذا حُكمُ اللهِ في العلاقةِ مع النساء, وهذا حُكمُ اللهِ في الغيبة, وهذا حُكمُ اللهِ في الزواج, فإذا رفضتَ حُكمَ اللهِ, ولو كانَ الرفضُ داخليّاً, فأنتَ شئتَ أم أبيت وقعتَ في خندقِ المنافقين, يعني المنافقون اتخذوا هذا القرآن مهجوراً, يعني كتابٌ لا يصلُحُ لهذا الزمن، كتابٌ نتبرّكُ بهِ ولكن ليسَ هوَ الدستور، ليسَ هوَ القانون، كتابٌ نتلوهُ على الأموات، كتابٌ نقرؤهُ نتقوى, كتابٌ فصيحٌ جداً إذا قرأناهُ استقامت ألسِنتُنا, معناها اتخذتهُ مهجوراً, هذا الكتاب لم تر أنهُ الدستور الكامل.

1-في قلوبهم مرض .

 الحقيقة أول صِفة من صِفات المنافقين : في قلوبهم مرضٌ , هذا المرض حُبُ الدنيا، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام :

(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ))

[أخرجه أبو داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ]

 حُبُ الدُنيا هوَ الذي يحمِلُ على معصية الله, هو الذي يحملُ على أن تأخذَ ما ليسَ لك, هوَ الذي يحمِلُ على أن تطغى وعلى أن تبغي, لذلك:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 10]

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

 فلمّا أصرّوا على هذه الشهوات وتشبثوا بِها:

﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾

 أطلقهم إليها لعلّهم يتخلصونَ منها, ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون على اللهِ عزّ وجل.
 إذاً: أساس النِفاق حُبُ الدُنيا، وحُبُ الدنيا عبّرَ الله عنه بكلمة:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾

 أحياناً المنافق لسببٍ أو لآخر, يستمع إلى خُطبة, أو يجلس في مجلس عِلم, إذا انفض المجلس, لو سألتهُ عن كلمةٍ واحدةٍ, أٌلقيت في هذا المجلس, لا يتذكر, عن آية واحدة، عن تفسيرِ حديثٍ واحد، عن مِحور الدرس، عن عنوان الدرس, لا يتذكر، إذا خرجوا من عِندِ رسولِ الله, قالوا: ما قالَ آنِفاً؟ والله لا أتذكر، لم نفهم شيئاً, فربنا عزّ وجل وصفهم, فقال:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾

 يقول الحجاج مرة : رأى شخصاً يُصلي قاعداً في دُكانهِ , وهو يبيعُ بعض الأواني , ودُكانهُ سقفُها مرتفع , وعِندهُ سُلّم , وهُناك رفوف بعضُها فوقَ بعض , فقالَ لهُ : باللهِ عليك هذا الإناء , اختار أعلى واحد , أرِني إياه بنشاط , وضعَ السُلّم , وصعد وجاء بهِ ، قال : لا , ليسَ هذا الذي بجانبهِ , فصعد , وجاءَ بهِ , أرادَ الحجاج أن يمتحنَ صِدقهُ مرتين , وثلاثة , وأربع مرات , وهو يصعد ويهبِط , بعدئذٍ قال : تُصلي قاعداً في دُكانِك وأنتَ في البيع والشِراء نشيطٌ جداً .
 أيام الإنسان يقول لكَ: الإمام طوّلها, يعني يكون قد قرأ آية زيادة, توقفهُ على باب الجامع, تُحدِثهُ ساعة على الواقف, وأنتَ مبسوط, استكثر آية يتلوها الإمام في صلاة الفجر زائدة, ووقفَ ساعةً يُحدِثُكَ في حديثٍ سخيف, وهو لا ينزعج.
 فلذلك: المؤمن في المسجد كما يقولون كالسمكِ في الماء, والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص, يعني متضايق:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾

2-المخادعة.

 من علاماتِهم كما تعرفون:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 142]

 عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ , لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ , فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( يَا بِلالُ, أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))

(( عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ ))

 إذاً: الذي يقومُ إلى الصلاةِ كسلاناً:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 142]

 هذه صِفةٌ ليست طيبةً في حقِ المُسلم، ذِكرهُ للهِ قليل، يعني إذا خُضتَ معهُ في موضوعٍ دُنيوي, خاضَ فيهِ إلى قِمةِ رأسهِ, فإذا دخلتَ في موضوعٍ ديني ينظر لساعتهِ, ويقول لكَ: تعذرُني عِندي موعد، ساعة ونصف يستمعُ إليك بنهم, ما دام الموضوع في التجارة والمشاريع والاستيراد والتصدير وأسعار العُملات, أمّا إذا دخلتَ في موضوعٍ ديني اعتذر فوراً.
 فلذلك :

﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾

 المنافق مشكلتهُ أنهُ يجعلُكَ في حيرة لا هو مع المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هو مع المنافقين مع الكُفار فتظنهُ كافراً وتستريحُ منهُ.
 يعني أحياناً تجد طالباً لا يدرس, فلو دخل في صنعة كانَ قد تعلمّها, وكان قد أتقن الصنعة, لكان خيراً له, فالطالب ليس بطالب, وقتهُ مُعطّل, ليسَ بطالب ليتعلّم, ويأخذ شهادات عُليا, ويتفوق, ويصبح طبيباً، محامياً، مهندساً، مدرساً، ولا هو إنسان أتقن عملاً, يكسب منهُ رِزقهُ:

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 143]

 لو كان مؤمناً صادقاً, قطف ثِمار الإيمان, شعر بالراحة, فتيسرت أُمورهُ, وتجلى اللهُ على قلبِهِ, وألقى اللهُ في قلبهِ نوراً, شعر بطمأنينة، حياتهُ سعيدة، بيتهُ سعيد, ولو كان كافراً لانطبق عليه قولهُ تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 44]

 يعني: خُذها وخلصني, لا هو من المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هوَ من الكافرين حتى يخرُجَ من العناية المُشددة.
 البارحة حضرت مولداً, رجل أُصيب بحادث سير, وقُطعت يدهُ بهذا الحادث, بعدَ أن شُفيَ من الأعراض الجانبية من هذا الحادث, أُقيمَ لهُ مولد جيد, فألقى فيه بعضُ العُلماء كلمات, فأنا خطرَ في بالي هذا المعنى: لو أن شابين, واحد طالب مدرسة, والثاني بِلا دراسة وبِلا عمل, طالب المدرسة إذا تأخر يُحاسب، إذا لم يحفظ الدرس يُحاسب، لم يكتب وظيفة يُحاسب، نسيَ الكتاب يُحاسب، مرة أحضر والدكَ، مرة وقّع تعهد، مرة قف خارج الدرس، فهو يشكو همهُ لهذا العاطل عن العمل, فقالَ له: أنا أعوذ بالله, من يجرؤ على محادثتي, لا أحد, يقول لي: أحضر والدك, أو اعمل تعهد, ولا شيء أبداً, لكن يوجد جواب لطيف كثيراً, أنتَ خارج المدرسة، هذا مستقبلهُ معروف, هذا طبيب آخرتهُ.
 فلمّا الله عزّ وجل يُهمِلُ الإنسان, تجده يزداد قوة ومنعة وغِنى, وهو غارق في المعاصي, يفتخر ليسَ فيه مرض, وليسَ عِندهُ مشكلة, وشغلهُ جيد, فهذا الشاب الذي لا في العير ولا في النفير، لا في التعليم ولا في المِهن ولا في الحِرف, سائب.
 يعني قد تكون بعض العبارات قاسية لكنها مُعبّرة, دابة سائبة لا قيد يُقيدهُا، ولا قانون يحكمهُا، ولا قيم تُقيّمهُا، ولا شرع يهتدي به، ولا كتاب يُطيعهُ، يفعلُ ما يشاء بِلا حِساب.
 فلذلك: الإنسان إذا شعرَ أنَّ اللهَ يُتابِعهُ, وأنَّ اللهَ يُحاسِبهُ على حركاتهِ وسكناتهِ وخطواتهِ, فهذه من نِعم الله الكُبرى, أنتَ في العناية المُشددة.
 قالَ له: عِظني ولا تُطل, قالَ له: قُل: آمنت باللهِ ثم استقم، قالَ: أُريد أخفَ من ذلك -هذه ثقيلة- فقالَ لهُ: إذاً فاستعدَ للبلاء.
 فالمؤمن مُبتلى.
 في قصة غريبة جداً: في صحابية, لها زوج لم يمرض مرة بحياتهِ، لا مرض ولا مُشكلة، والمال بين يديه موفور، وصحتهُ طيبة، فخافت أن يكون منافقاً، فذهبت إلى النبي لتشكُوهُ، لا تُريد هذا الزوج, غير معقول أن يكون مؤمناً!!! المؤمن مُبتلى، يُحاسب، يُعاتب، مرة يمرض، مرض يتألم، مرة يُضيّق اللهُ عليه.
 قال يا محمد: أتُحبُ أن تكونَ نبيّاً ملكِاً أم نبيّاً عبداً؟ قال: بل نبيّاً عبداً أجوعُ يوماً فأذكُرهُ, وأشبعُ يوماً فأشكرهُ.
 هذا لا يوجد به شيء, لا وجع رأس, ولا ألم, ولا هم, ولا حُزن, فذهبت زوجتهُ إلى النبي لتشكوهُ, ولعلّها تبعدُ عنهُ, وكانَ في رِفقتِها, وقعَ في الطريق, فتعثرت قدمهُ, فقالت: ارجع انتهى الأمر, يعني أصبحتَ مُبتلى, فالمؤمن ضمن العناية المشددة.
 الله عزّ وجل لمّا يُحاسِبُك في الدنيا, هكذا ورد في بعض الأحاديث: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكانَ مريضاً، قالَ: يا رسول الله! ادع اللهَ أن يرحمني, فيبدو أنَّ النبي سألَ اللهَ أن يرحمهُ, فقالَ اللهُ عزّ وجل: كيفَ أرحمهُ مما أنا بهِ أرحمُ؟ وعِزتي وجلالي لا أقبِضُ عبدي المؤمن, وأنا أُحبُ أن أرحمهُ, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كانَ قد عَمِلها سُقماً في جسده, أو إقتاراً في رِزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر, فإذا بقي عليه شيء, شددتُ عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيومَ ولدتهُ أُمهُ.
 أنا أقول لكم, وأنا صادق في هذا الكلام: إذا أحدكم يتابعه الله عزّ وجل, يُتابِعهُ تماماً, كُلما زلّت قدمهُ, جاء العِقاب, ليفرح, لأنهُ في العناية المُشددة، وإذا رأى نفسهُ يُسيء ولا يُحاسب, معناها ليحزن, لأنهُ خارِجُ العناية المُشددة, تماماً كهذا الذي يقول: أنا لا يتكلم معي أحد ولا كلمة, أنتَ خارج المدرسة، أنتَ فلتان طبعاً, لا يوجد هُناك من يُحاسِبُك، فالمنافقون مُذبذبين بينَ ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء:

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 88]

3- يدور مع مصالحه :

 المنافق إذا كان لهُ قضية, يعني قضية تجارية, خصومة تجارية، دين، عِندهُ حاسة سادسة, إذا كانت تُحل عِندَ العُلماء, يقول: أنا يا أخي أُريد الشرع, لأنَّ القانون يجوز أن يكون ضِدهُ, أمّا الشرع معهُ، تجده يُريد العُلماء, أخي أنا أُريد حُكم الله، وأحياناً يشعر بالحاسة السادسة, أنَّ الشرع ليسَ معهُ, أمّا القانون معهُ, يقول: أنا أُريد المحكمة, نحنُ في بلد فيه محاكم, فدائماً يُلاحق مصلحتهُ, إذا تُحل قضيتهُ مع الشرع صار مع الشرع، تُحل مع القانون صار مع القانون، هذه أيضاً صِفة من صِفات المنافقين:

﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 141]

 نحنُ معكم, نحنُ منكم وفيكم.

4-المنافق طليق اللسان :

 المنافق طليق اللسان، يعني أحياناً عِندهُ قوة إقناع، فصيح أحياناً, قالَ تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾

[سورة البقرة الآية: 204]

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 بالمناسبة: وهذه القصة التي أقولها لكم, وأنا أُعدُها من أخطر القِصص: لو كنت طليق اللسان, وعندك بيان، عندك قوة إقناع, واستطعت أن تنتزع حُكماً لا من فُلان أو عِلان, لا من شيخ أو غير شيخ, أن تنتزعَ حُكماً لصالِحِكَ من فمِ رسولِ الله, وهل أعظم من رسول الله؟ من فمِ الصادق المصدوق؟ من فمِ المعصوم؟ من فمِ سيدِ الخلق؟ من فمِ حبيب الحق؟ ولم تُكن على الحق, لا تنجو من عذاب الله, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))

 ما قولُكم: علاقتكَ مع من؟ مع الله عزّ وجل, لا تنجو, فالذي يريد فتوى من فُلان ففتى لكَ, ولو النبي فتى لكَ, لو لم تكن على الحق, واستصدرتَ من النبي فتوى, لا تنجو من عذاب الله, هذا من ضعف الإيمان، من الشِرك الخفي: الإنسان إذا أخذ فتوى, يقول: أخي إن شاء الله يتحمل وزرها, في هذه الحال لا تنجو أنتَ من عذاب الله، لو استصدرتَ فتوى من زيد, لو استصدرتها من رسول الله لا تنجو, وهذا الدليل القطعي.

5-الفساد في الأرض :

 قال:

﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

[سورة البقرة الآية: 205]

 المنافق مُفسد, معنى مُفسد: يعني الشيء يُخرجِهُ عن طبيعته, الماء طاهر, لا لونَ له، لا رائحةَ لهُ، لا طعمَ لهُ، هذه صفاتهُ، ما معنى إفساد الماء؟ تلويثهُ, أخرجتهُ عن طبيعتهُ، هذه الفتاة طاهرة، نقية، شريفة، خجولة، صاحبة حياء، إذا أخرجتها من حيائها، أخرجتها من عِفتها، أخرجتها من صونِها, ففسدت, بأي غطاء تحت اسم: مشاركة أو المرأة نصف المجتمع , المنافق مُفسد وهو لا يشعر:

﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

 أحياناً يُفسد فتاة وقد تكون ابنتهُ، يقول لكَ: أُحب أن أُربي ابنتي تربية استقلالية, لها أن تفعل ما تشاء, وأن تُصاحب من تشاء, وأن تأتي متى تشاء, هكذا التربية الحديثة, لمّا أطلقتَ لها العِقال, وانطلقت كما تشاء, وهي ضعيفة الإيمان, فربما أغواها فتى، ربما جرتها فتاة إلى مكانٍ لا يُرضي الله عزّ وجل, أنتَ أفسدتها.
 لذلك الجواب يوم القيامة, تقولُ لهُ: يا ربي لا أدخلُ النار حتى أُدخلُ أبي قبلي, هو الذي أفسدني.
 يعني إن رأى ابنهُ لا يُصلي ولا يستقيم, لكنهُ متفوق في دراستهُ, يكون مرتاحاً تماماً ، يُريدُ مستقبلهُ الدنيوي فقط, حتى إذا أرسلهُ إلى بلد أجنبي ليتعلّم اللغة, ولا يحفلُ بما يفعلهُ في هذا البلد من موبِقات, المُهم أنهُ عادَ متمكناً من اللغة, هو يُفسد, قد يفسد بين شريكين، بين أخوين، بين جارين, على كُلٍ؛ إفسادُ الشيء أن يخرُجَ عن صلاحهِ:

﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

6-المنافق لا يرضى بحكم الله :

 المنافق لا يرضى بِحُكمِ الله عزّ وجل, والدليل:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾

[سورة النساء الآية: 61]

 لا يقبل حُكمَ اللهِ عزّ وجل, لأنَّ شهواتِهِ تغلِبُهُ.

7-اتخاذه الأيمان المغلظة :

 والمنافق يشعر أنهُ غير مُصدّق, فأحياناً يُلقي كلامهُ, ويدعمهُ بالأيمان المُغلّظة, لِمَ اليمين؟ لِمَ تحلف؟ من يُكذبُك؟ يشعر أنهُ غير مُصدّق، ليسَ نظيفاً من الداخل، ليسَ صافياً، قال :

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 2]

 النبي عليه الصلاة والسلام: كانَ إذا غزا, وعادَ من غزوتهِ, يجلس لسماعِ أعذارِ المؤمنين, في أُناس تخلّفوا, فمرة عادَ من غزوةٍ, واصطفَّ المخلفونَ, وسَمِعَ أعذارهُم, واحِداً واحِداً, كُلُ واحدٍ أقسمَ أيماناً مُغلّظةً, أنهُ كان مشغولاً، أنهُ كان مريضاً، زوجتهُ مريضة, استمعَ إلى سبعين رجل, ثم جاء مؤمن صادق, قالَ: واللهِ يا رسول الله! حينما دعوتنا إلى الجِهاد, ما كُنتُ في وقتٍ أنشطَ من هذا الوقت, ولكنني تخلّفت, فالنبي الكريم تبسّم, وقال: أمّا هذا فقد صدق, معناها السبعين كانوا كاذبين وأمّا هذا فقد صدق، وهذا الذي مع رِفاقهِ الاثنين الذينَ أمرَ اللهُ عزّ وجل بمقاطعتهم خمسينَ يوماً, ثمَ تابَ اللهُ عليهم.
 كُن صادقاً مع الله، كُن صادقاً مع نفسك، أمّا الكذب سهل, لكن إذا كذبت سقطت من عين الله, وانتهى الأمر:

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

8-ظاهره يختلف عن باطنه :

 قال:

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

[سورة المنافقون الآية: 4]

 يعني:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 171]

 أمّا في أُمور دُنياهم متفوقون.
 يعني أيام الإنسان يكون الله قد أعطاه هيئة، طول، فخامة، لون، عيون واسعة، جبهة عريضة مثلاً، طليق اللسان، أنيق جداً, ما قيمةُ هذا؟

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾

 مثقف ثقافة عالية, يتفلسف عليك دائماً, أما عِندَ الله:

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

 الأحنف بن قيس: كان قصير القامة، أسمرَ اللونِ، غائرَ العينين، ناتئَ الوجنتين، مائِلَ الذقن، أحنفَ الرِجلِ، ضيقَ الجبهةِ، ليسَ شيء من قُبحِ المنظر إلا وهوَ آخذٌ منهُ بنصيب, وكانَ مع ذلكَ سيدَ قومِهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب، وكانَ إذا عَلِمَ أنَّ الماءَ يُفسدُ مروءته ما شربهُ.
 مرة كان عِند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, يأخذُ لابنهِ يزيد البيعة, فتكلّمَ الناسُ في مدحِ يزيد, وبقيَ الأحنفُ صامتاً, فصمتهُ أحرجَ المجلس, قالَ: تكلّم يا أحنف, قالَ: أخافُ الله إن كذبت, وأخافُكم إن صدقت, فكانَ تلميحاً أبلغَ من تصريح, وكانَ معَ ذلكَ سيدَ قومهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب.
 إذاً: الأمور الشكلية الظاهرية لا قيمةَ لها عِندَ اللهِ أبداً.
 عن أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

 مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر, فعلاً عملهُ قذر, لكن غني من أهل اليسار، بعد يوم اضطررت أن أُصلح مركبتي عِند إنسان مؤمن, فهو مرتد لِباساً, لونه أزرق, من الشحم والوحل صارَ أسود, أتقن عمله, وأخذَ سعراً مُعتدلاً, قُلت: والله هذا عملهُ نظيف, وذاك عمله قذر, أحياناً يكون وضعك خَشن جداً مُتعب, لكن يوجد استقامة، يوجد صِدق، في إخلاص، في انضباط، في طاعة لله عزّ وجل، فأنتَ عِندَ اللهِ عظيم.

((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على اللهِ لأبرّه))

﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

10-يتألم إذا أصاب المؤمن خيراً ويفرح إذا أصابه الشر :

 المنافق: إذا كان المؤمن أصابهُ خير يحزن ويتألم جداً, قال تعالى:

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾

[سورة التوبة الآية: 50]

 المنافق يُحب أن يُحكى على المؤمن، يُحب أن تشيعَ الفاحشة بينَ المؤمنين, يقول: ألم أقل لكَ: كلهُ خلط، كلهُ هراء؟ يتمنى بدعوة إلى الله أن تتحطم، يتمنى إنسان مؤمن في موطن إعجاب الناس يُحكى عليه:

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

 دائماً يتربص بالمؤمنين, فإذا أصابهم الخير تألمَ جداً, وإذا أصابهم الشر ارتاح, إذاً: هو ليسَ منهم, هو في خندقٍ آخر، ما دام فَرِحَ لما أصابهم, وتألم لِما يُسرُهم, إذاً: هوَ في خندقٍ آخر.

11-المنافق مادي :

 قال:

﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 46]

 المنافق مادي, إذا أنفقت مالاً أمامه, يقول لكَ: بِلا جنون حافظ على المال وأبقيه لكَ ، إذا خدمت إنساناً يقول لكَ: ما بِكَ؟ ما يأتيكَ منه؟ يُثبط عزيمتكَ دائماً, كالجمر يُصب عليه ماء، تكون مُتقداً حماساً, وتُحب أن تعينَ الناس, يقول: اجلس في بيتك واسترح, ما بِكَ؟ والناس ليسَ منهم سِوى وجع الرأس؟ إن أنفقت أمامهُ, اتهمكَ بالجنون, احفظ على قرشك, أبقيه معك:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة يس الآية: 47]

 هذا قول الكافرين أيضاً.

12-المنافق يضعف العزيمة ويثبط الهمم :

 قال:

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 47]

 المنافق يُضعّف العزيمة، يُثبّط الهِمم، يجعل المادي أزكى، والمؤمن المندفع لِخدمة الخلق يجعلهُ أحمق، فدائماً تجلس معهُ, ترى نفسكَ صغيراً أمامهُ، هو مادي صاحٍ, يقول: أخي أُريد أن أُديّن, لا تُديّن أحد, العملة تنزل أسعارها فتخسر أكثر, فيمنعُكَ أن تُديّن، يقول لكَ: الآن يوجد تضخم نقدي 17% كل سنة, كيف تُديّن نقودك؟ لسنة ذهبَ خُمس مالكَ, فدائماً ضعيف الهِمة, ويُضعِفُ هِمةَ الآخرين، إذا قال لكَ: أنا أُصلي الصبح حاضر بالمسجد, يقول لكَ: والله يا أخي بالليل لا تخرج من بيتك, أنسبُ لكَ, أنا أنصحك, يُريدُك ألا تُصلي بالمسجد ، إن حضرتَ الدرس, أخذوا اسمك, يعني همهُ أن يُخوّفك، همهُ أن يُضعف لكَ هِمتك، همهُ أن يُبعِدُكَ عن الحق، همهُ أن يمنعكَ من إنفاق المال، لو ساعدت إنساناً فيُحب أن تبتعد عن هذه المساعدة. لذلك: الله عزّ وجل قال:

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

13-المنافق يكره حكم الله :

 المنافق يكرهُ حُكمَ الله, قال:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 9]

 يعني يُحب الاختلاط، أين تعيشون أنتم؟ هل سنأكل زوجتكَ؟ يكرهُ حُكم الله عزّ وجل:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

 الحقيقة أنَّ سورة التوبة كما قلتُ قبلَ قليل, وسورة المنافقين على الحكاية, هاتان السورتان فيهما وصفٌ دقيقٌ دقيق لأحوال المنافقين, فلذلك نحنُ إذا قرأنا هاتين السورتين, واستنبطنا بعضَ الآيات التي تصفُ المنافقين, كما يسألُ المريض الطبيب: أعطني قائمةً بالممنوعات, حتى لا أتورطَ فيها أبداً, والمؤمن كذلك.
 يعني: أدق موقف للمنافقين, أدق موقف يوم القيامة في سورة الحديد الآية 13، المنافق كان مع المؤمن في الدنيا, في جامع واحد، في حجٍ واحد، يعني مظهره كالمؤمن تماماً, فيوم القيامة كما قالَ الله عزّ وجل:

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

[سورة الحديد الآية: 13-14]

 فتنتم أنفسكم في الدنيا، وتربصتم بالمؤمنين، تتمنون أن يأتيهم الشر، وارتبتم بكتاب الله، وغرّتكم الأمانيّ, كانت الدنيا تملأ قلوبكم, حتى جاءَ أمرُ اللهِ, وهو الموت, وغرّكم باللهِ الغرور, فاليومَ لا يؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا: مأواكم النارُ هي مولاكم وبئسَ المصير .
 موقف مؤلم جداً.
 يعني لمّا النبي عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ))

 عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ, فَبَكَتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ, فَبَكَيْتُ, فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ, فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ, وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ﴾, حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ))

 يعني في هذه المواقف الثلاث, لو وقعت عينُ الأم على ابنها لا تعرفهُ, لِهولِ الموقف، الله عزّ وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

[سورة الحج الآية: 1-2]

 ما قال: كُلُ مُرضعٍ، لو قال: كُلُ مُرضعٍ, يعني امرأة تُرضع ابنها في طورِ الإرضاع, أمّا كُلُّ مُرْضِعَةٍ ابنها على ثدييها تلقيهِ وتهرب.
 يوم القيامة,: لو وقعت عينُ الأمِ على ابنها لا تعرفهُ، قال: فإذا وقعت عينُ الأمِ على ابنها في غير هذا الموطن, غير الصِراط والميزان وإذا الصُحفُ نُشِرت, تقول لهُ: يا بني, جعلتُ لكَ صدري سقاءً, وحِجري وِطاءً, وبطني وِعاءً, فهل من حسنةٍ يعودُ عليَّ خيرُها اليوم ؟ يقول لها ابنُها: ليتي أستطيع ذلك يا أُماه, إنما أشكو مما أنتِ منهُ تشكين.
 هُنا الموقف مؤلم:

﴿ألم نكن معكم﴾

﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾

 يعني حسنة لله:

﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾

 في الدنيا كُنتم غافلين:

﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾

﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

 هُنا وصف المنافقين دقيق:

﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾

 يتمنونَ أن يأتيهم الشر، وارتبتم بما جاءَ في كتاب الله, كلامُ اللهِ ليسَ مِلء سمعِكَ وبصرِك:

﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ﴾

 في بالك أحلام, بيوت ومراكب ونساء وحدائق غناء وسفر حولَ العالم ورصيد كبير, تنام فيأتي ببالك خواطر من هذا النوع:

﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾

 الموت:

﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

 الشيطان، يقول لكَ: أنتَ لستَ من أُمةِ محمد, هذه أُمتهُ مرحومة, النبي لن يدخُلَ الجنة حتى يُدخِلَ كُلَ أُمتهِ قبلهُ، تطمئن, الشيطان أسماه الله الغَرور, لأنهُ يَغُرُ المنافق ويُمنّيه:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 22]

 والمنافق الشهير ثعلبة, الذي كانَ حمامةَ المسجد, وكانت لا تفوتهُ تكبيرةُ الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، رآهُ النبي مرةً بثوبٍ بالٍ, قالَ: كيفَ حالُكَ يا ثعلبة؟ قالَ: حالي كما تراني. -ما هذه الحياة؟.
 تجد المؤمن: الحمد لله, ويكون عاطلاً عن العمل, ويكون عِندهُ أمراض بجسمهُ, فيقول: الحمدُ لله, تجد شخصاً يقول لكَ: الحياة لا تُعاش, ما هذه الحياة؟ دائماً ناقم, قالَ لهُ: حالي كما تراني-.
 قالَ لهُ: يا ثعلبة قليلُ تشكرهُ خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، قليلُ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك فقالَ له: ادع اللهَ أن يجعلني غنيّاً -ألحَّ عليهِ كثيراً-, فتوجهَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهِ عزّ وجل, ودعا له بالغِنى, هذا كثُرت أموالهُ, وملأَ قطيعُ أغنامهِ شِعابَ المدينة, وصارَ غنيّاً, وغابَ عن مجلسِ النبي عليه الصلاة والسلام.
 -بصراحة أقولها لكم: أحياناً يكون الإنسان بِلا عمل, لا يغيب عن درس, فإذا وجدَ عملاً صغيراً, لم نعد نُشاهدهُ, أينَ أنت؟ واللهِ مشغول يا أستاذ, لا يجوز هذا، هذا مجلس عِلم, حبذا ولو أنتَ في قِمةِ انهماكِكَ في العمل, أن تُحافظَ على مجالس العِلم، غاب عن المسجد- فالنبي أرسلَ لهُ من يُطالِبهُ بزكاةِ مالِهِ, فقالَ لهُ: قُل لِصاحِبكَ, قالَ: أو ما تراهُ صاحِباً لك؟ ليسَ في الإسلامِ زكاة, قالَ: جمعتَ معَ النِفاق الكفر, نزلَ في حقهِ قولهُ تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

[سورة التوبة الآية: 75-77]

 يا رب إذا أكرمتني فلسوفَ أعمل كذا، هذا المنافق يُريد أنَّ اللهَ يُكرمهُ، يعطيه بيتاً، يجعلهُ تاجراً، ربنا عزّ وجل يعطيه ما يُريد, فإذا هو ينكثُ عهدهُ مع الله عزّ وجل.
 هذه الصفات مخيفة, فأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن نستوعِبها, وأن نخافَ من أن تنطبقَ علينا, كما نخافُ مرضاً عُضالاً, لأنَّ المرضَ العُضال ينتهي معَ الموت، ولكنَّ هذا المرض النفسي يبدأُ بعدَ الموت.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS