18227
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (008-100) : السماع
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-02-11
بسم الله الرحمن الرحيم

منزلة السماع :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن من دروس مدارج السالكين, منزلة اليوم هي: منزلة السماع, الإنسان لـه نشاطات أساسية، فهو يتكلم, فهناكَ أحكامٌ كثيرة جداً ذكرهـا النبي عليـه الصلاة والسلام متعلقـةً بالكلام؛ الغيبة، والنميمة، والفُحش، والبذاءة، والتغرير، والكِبرُ، وما شاكلَ ذلك, وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 الحديث والكلام نشاطٌ أساسي من أنشطة الإنسان, النظر أيضاً نشاط من أنشطة العين, لذلك وردت آياتٌ وأحاديث تتعلق بموضوع النظر، لكن منزلة اليوم هي: منزلة السماع . .
 كلكم جميعاً أتيتم إلى بيتٍ من بيوت الله ، أتيتم لماذا ؟!!
 كي تأكلوا ؟!! لا والله .
 كي تتكلموا ؟!! لا .
 كلكم يسمع .
 إذاً : السماع نشاط , نشاطٌ أساسي أن تستمع .
 هناكَ أماكن لهوٍ يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى الموسيقا .
 هناك أماكن أخرى يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى حِوار بين الممثلين .
 هناك أماكن يأتيها الناس من كلِّ جانب يستمعون فيها إلى الغناء .
 هذه الأذن لها نشاطات عديدة ، أما أن تأتي بيتَ الله عزّ وجل لتستمعَ إلى الحق , فهذا نشاطٌ أثنى الله على فاعليه .
 قبلَ أن نَخوضَ في الموضوع , أريد أن أضع بين أيديكم هذا المثل , يعني أنت إما أن تأتي إلى بيتٍ فيه طبخٌ نفيس, فتأكلَ من الطعام ما لذَّ وطاب, دون أن تبذلَ جهداً إطلاقاً, تجلس على المائدة، توضع لكَ المقبلات، ألوان الطعام الفاخر، تأكل، تتذوق، تشعر باللذة، تُحس بالشبع، وإما أن تذهبَ إلى السوق, وأن تختار الخضار، وأن تغسلها، وأن تُقطّعها، وأن تطبخها، وأن تنتظر الساعات الطويلة كي تنضج، يعني إما أن تصنع طعاماً أنت, وإما أن تأكله جاهزاً، فإذا أردتَ أن تُفكّرَ أنتَ في الكون، أن تستخدمَ عقلكَ في الكون، أردتَ أن تتأمل, أردتَ أن تبحثَ بحثاً ذاتياً, فهذا نشاط العقل، أو أن تستمعَ إلى الحق جاهزاً:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

[سورة ق الآية: 37 ]

 سنأتي بعدَ قليل على مرتبة السماع، أتكفي وحدها أم أنها مفتاح العِلم؟ بعد قليل يتضحُ كلُّ هذا, على كُلٍ؛ السماع اسمُ مصدرٍ كالنبات، الله سبحانه وتعالى أمرَ به .
 أنتم الآن تُنفذونَ أمرَ الله عزّ وجل, الله سبحانه وتعالى أمرَ به في كتابه, وأثنى على أهله, وأخبرَ أن البشرى لهم .
 نحن اليوم في منزلة السماع , عبادةٌ من أرقى العبادات .
 أن تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله , وتُلقي أذناً صاغية .

الآية الأولى :

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾

[سورة البقرة الآية: 285]

الآية الثانية :

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة الزمر الآية: 18]

 هذه آية خبر, لكنها جاءت في معرضِ الأمر .

الآية الثالثة :

﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة مريم الآية: 38]

 صيغة أسمع بهم , هذه صيغة تعجب ، تقول : ما أعدلَ القاضي أعدلّ به ، ما أجملَ القمرَ أجملّ به ، فصيغة أجملّ به , هذه صيغة من صيغ التعجب , يعني ما أشدَّ صممهم في الدنيا ! وما أشدَّ سمعهم في الآخرة !.

﴿أسمع بهم وأبصر﴾

كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب :

 إذا قرأت القرآن, لا تظن أنَّ الأمر؛ أن تصومَ, وأن تصلي, وأن تَحُجَ, وأن تُزكي، أيّةُ صيغة أمرٍ في القرآن تقتضي الوجوب، مرتبتها كمرتبـة الصلاة، إذا قرأتَ القرآن ومرّت بكَ صيغة أمر, فعل أمر, أو فعل مضارع قبله في لام الأمر, أو صيغة خبرية جاءت في معرض الأمر مثلاً :

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة البقرة الآية: 233]

 يعني: أيتها الوالدات أرضعنَّ أولادكن، يجب أن تعرفَ معنى الأمر في البلاغة، في أمر وجوب, وأمر ندب, وأمر تهديد, وأمر استحسان, وأمر إنكار .. إلى آخره، لكن يجب أن تعرف أنَّ هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب .

الآية الرابعة :

 إذا تلوتَ قوله تعالى :

﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

[سورة المائدة الآية: 108]

 اسْمَعُوا : فعل أمر .

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾

الآية الخامسة :

 وقال تعالى :

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[سورة التغابن الآية: 16 ]

الآية السادسة :

 وقال تعالى :

﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 46 ]

الآية السابعة :

﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

[سورة الزمر الآية: 17-18]

الآية الثامنة :

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 204]

 السماع هنا غير الإنصات ، السماع شيء والإنصات شيء آخر , قد تنصت وعقلكَ يجول في موضوعاتٍ شتى ، أما الأمر أن تستمع وأن تُنصت ، يعني أن تسكت وأن تُعمِلَ فِكركَ في هذا الذي تسمعه ، أن تتدبر هذا الذي تسمعه .

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾

الآية التاسعة :

 وقال:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾

[سورة المائدة الآية: 83]

 يعني أنت إذا ارتديت ثيابك , وأتيتَ بيتَ الله عزّ وجل , لتمارسَ عبادةً اسمها السماع , فأنتَ في عبادة , وأنتَ في ذِمة الله , والملائكة تضعُ أجنحتها لكَ يا طالبَ العلم , وهم في مساجدهم والله في حوائجهم ، ست آيات أنتَ مأمورٌ أن تستمع .

الفرق بين الإسماع والسماع :

 أما البِشارة التي سأزفها لكم : أنَّ الإسماعَ من الله , والسماعَ من العباد , دليلٌ قطعيٌ على أن الله عَلِمَ في الإنسان الخير، ما دام قد أسمعكَ الحق، ما دام قد سمحَ لكَ أن تأتي إلى بيت الله، ما دام قد أنطقَّ المُتكلّم بالحق, وجعلك تستمع الحق, فهذه بِشارةٌ لك , الدليل :
 الإسماع من الله والسماع من الإنسان دليل خيريّة الإنسان , دليل قطعي , يعني ما دام الله عزّ وجل ساقكَ إلى بيت الله , وأنطقَ المتكلّم بالحق , وجعلكَ تستمعُ إليه ، قبلَ أن تفعلُ شيئاً , ما دامَ هذا قد حدث , فهذا دليلٌ قطعيٌ على أن الله :

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 23 ]

 الآية هذه فيها دليل قطعي ، حينما ساقكَ إلى سماعِ الحق , وحينما أنطقَ المتكلّم بالحق , فهذا دليلٌ قطعيٌ وبِشارةٌ أزفها إليكم جميعاً , والدليل : القرآن الكريم :

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

 لو أنه أسمعهم وليسَ فيهم الخير ماذا يحدث ؟ أسمعته الحق وليسَ فيه الخير ماذا يحدث ؟ .

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

 أعرضوا، استهزؤوا، سخروا، سئموا، ملّوا، استكبروا، هذا كلام نعرفه، هذا كلام ليسّ لهذا الزمان، مشغولون، عندنا أعمال كثيرة جداً.

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

 الله سبحانه وتعالى أخبرَ عن أعدائه أنهم هجروا السماع , فقالَ تعالى :

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾

[سورة فُصّلت الآية: 26]

 بيّنوا أخطاء ، بيّنوا تناقضات .

﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ ﴾

 هؤلاء الذين ينهون عن السماع هم أعداء الله عزّ وجل، فكلّ إنسان يصرفكَ عن مجالس العلم، يثنيكَ عن حضورها، يُزهّدكَ فيها، يُقللُ شأنها في نظرك، يُبعدكَ عنها، يدعوكَ إلى سمر, إلى طرب, إلى نزهة, على حساب هذه المجالس, هذا من أعداء الله عزّ وجل بالآيات القرآنية القطعية .
 أيها الأخوة ؛ العلماء يقولون : إنَّ السماع رسول الإيمان إلى القلب ، السماع رسول وداعيه ومُعلّم ، وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون ؟

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

[سورة الحج الآية: 46]

 ربما كانت النجاة في سماع الحق, الإنسان قد يبلغُ صدقه درجةً, يبحثُ هو عن الحق بدافعٍ ذاتي؛ يتأمل، يفكر، يبحث، يناقش، يحاور، هذا الحق, هذا الصدق في طلب الحق، إذا بلغَ مرتبةً عاليةً, صارَ صاحبه يبحثُ ذاتياً عن الحق, مبادرةً منه, في درجة أقل؛ أنكَ إذا سمعتَ الحق تُسرُّ به، جاءك الحق جاهزاً, كما قلتُ قبل قليل: إما أن تأكل طعاماً طيباً لذيذاً نفيساً دونِ جهدٍ, ولا دفعِ ثمنٍ, ولا طولِ وقتٍ, ولا معاناةٍ, ولا مشقةٍ, وإمّا أن تصنعَ أنتَ الطعام.
 هناك وضعٌ يجمعُ بين الشيئين, أنا الذي أراه: أنَّ البحثَ الذاتي لا يُقدّرُ بثمن, ومن أخذ البلاد بعد حرب, يهون عليه تسليم البلاد, كلّ شيء يأتيك بلا جُهد, تنساه سريعاً، تزهد به كثيراً، يتفلتُ منك، أما الذي يأتيكَ بجهدٍ جهيد لا تنساه أبداً, هل هناكَ حلٌ للجمعِ بينَ ميزةِ السماع السهلة البسيطة وبين ميزة التأمل الصعبة؟ قدّرَ الله عليك أن تستمعَ إلى الحق, لا أن تصنعه، لا أن تؤلفه، هل هناكَ من حالةٍ بالإمكان أن أجمع بين ميزات السماع وميزات العقل والتأمل؟ أن أحضر مجالس العلم, وأن أتأمل فيما قيل, وأن أُناقش, وأن أُدقق, وأن أُحقق, وأن أسأل, وأن أستوضح, وأن أُقيّم, وأن أُثمّن, وأن أُحاور, وأن أكتب, وأن أقول؟ عندئذٍ تتبنى هذه الأفكار .
 لا بد للأخ الكريم من جلسةٍ في الأسبوع، إما وحده أو مع صديقٍ له، يتذكرُ ما قيل، يناقش فيما قيل، يُرسّخُ ما قيل، هل حولَ هذا التوجيه دليلٌ قرآني؟ يعني أنت مأمور بعد ما حضرت مجلس علم وتعبت, مأمور أن تقعد مع أخيك، أو مع زوجتك، أو مع صديقك، أو مع من يلوذ بكَ, وتقول له: تعالَ ندرس ماذا قيلَ في هذا الدرس؟:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

[سورة سبأ الآية: 46]

 من رسول الله، في هذا القرآن، في هذه السُنّة .

﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

 نحن بحاجةٍ إضافةً إلى سماع مجالس العلم, إلى جلسة، إلى تأمل، إلى تحقق، إلى تبصر، إلى تدقيق، إلى سؤال، إلى جواب، إلى محاورة، إلى تفحص، إلى تفنيد, هذه كلها من دواعي أن يرسخَ العلم .
 لو فرضنا أنكَ تحضر مجلس علم منذ عشر سنوات، لو كنتَ في سهرةٍ, في ندوةٍ, في احتفالٍ, في نزهةٍ, وأنت مظنة صلاح, وأنت طالب علم, وأنت من تلاميذ فلان, وأنت من رواد المساجد, يقولون لك: أخي حدثّنا تفضل, يجد نفسه لا يستطيع أن يقولَ شيئاً, أين هذه الدروس؟ أين إعجابك؟ أين تأثرك؟ أين بُكاؤك؟ هذه مشاعر آنيّة رافقت الدرس, أما إذا جلستَ جلسةً متأنيّة, تأملّتَ فيما قيل، راجعتَ ما قيل، تبصّرت فيما قيل، دققت، تحققت، سألت، أجبت ، ذاكرت، هذه الحقائق تملكها .
 هناك شيء تسمعه ويتفلتُ منك, وهناكَ شيء تملكه, الذي أراه أنكَ إذا تأملّتَ فيما سمعت وحدكَ أو معَ أخيك, فهذا من أسباب أن تملك الذي سمعته .
 تقرأ كتاباً ممتعاً جداً، تقرؤه خلال أربعة أيام، وأنتَ في غاية المتعة، قرأته وانتهى الأمر، لو قالَ لكَ إنسان: ماذا فهمتَ من هذا الكتاب؟ تقول له: واللهِ كتاب رائع، كتاب ممتع، كتاب لطيف، استمتعتُ به, ماذا تذكر من أفكاره؟ هنا تقع في حرج, والله يا أخي لا أتذكر شيئاً, هذه القراءة بهذا الجهد البسيط لا تجدي, ولا تُقدّم ولا تؤخّر، أما لو كلما قرأتَ فكرةً, وقفتَ عندها, وتأملتها, ولخصّتها, ملكتَ الكتاب, وأنتَ في الطريق، وأنتَ مع صديق، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في نزهة، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في جلسة، بإمكانك أن تقول: قال المؤلف كذا وكذا, وجاء بالدليل الفلاني, وبيّن رأيه كذا .
 لذلك: أيّ سماع دون جهدٍ, فإنَّ هذا المسموع سريعاً ما تنساه .
 لذلك قالوا: إنَّ ثلاثاً وتسعينَ بالمئة مما تقرؤه تنساه بعدَ سبعة أيام، لا بد من التحقق، لا بد من المُدارسة أنتَ ومن تُحب, على مستوى صديقين، على مستوى قريبين، على مستوى جارين، على مستوى بلدة، على مستوى قرية، على مستوى حي، على مستوى مهنة، على مستوى حرفة، لا بد من المذاكرة حتى يرسخَ هذا العلم, وإذا رَسَخَ هذا العلم ملكته, فإذا ملكته حدثّتَ به، فإذا حدثّتَ به زكا, العلم يزكو على الإنفاق .
 قال له: يا بني العلم خير من المال, لأنَّ العِلمَ يحرسكَ, وأنتَ تحرس المال, والمال تُنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يعني يزداد على الإنفاق .
 قال :
 السماع أصلُّ العقلِ .
 والكفر أنواعٌ ثلاثة :
 كفرٌ جهلي ، وكفرٌ جحودي ، وكفرٌ حُكمي .
 إذا الإنسان أمسكَ بالمصحف, ورماه على الأرض, فهذا كافر ولم يتكلم ولا كلمة, هذا كافر حُكماً .
 أما إنسان مصالحه بالكُفر , فهو يردُّ الحقَّ جحوداً واستكباراً , هذا اسمه كفر جحودي أو عِنادي .
 لكنَّ الكفر الجهلي : الإعراض عن التأملُ في خلقِ السموات والأرض , والإعراض عن سماعِ ما يقوله العلماءُ في الدين .
 عدم السماعِ طريقٌ إلى الكفرِ الجهلي .
 عدم السماع ، الإعراض عن السماع , الانصراف عن السماع ، طريقٌ إلى الكُفرِ الجهلي .

﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾

[سورة يوسف الآية: 17]

 .. وما أنتَ بمصدّقٍ لنا, الإنسان يصدق ماذا؟ شيء يعرفه, كل خِبرة عِشتها، كل تجربة ألمّت بك، إذا قرأتَ عنها تتفاعل معها .
 لو فرضنا امرأةٌ لا تنجب, عِندها مشاعر مؤلمة، عندها طموحات، عِندها تمزقات، عِندها شعور بالقلق، عِندها اضطراب، لو أنَّ هذه المرأة قرأت قِصةً, تُعالج مثيلاتها, لتفاعلت معها ولبكت, الإنسان متى يبكي؟ إذا قرأ قصته، إذا قرأ مأساته، إذا قرأ مشاعره .
 لماذا في عقود القِران يقف المنشدون, وينشدون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا ترى إنساناً يبكي ويذوب بكاءاً, وإنسان عينه لا تدمع؟ هذا الذي يبكي, عاشَ هذه المعاني التي قالها المنشدون, فحرّكت فيه المشاعر، أما هذا الذي لم يبك, بعيدٌ عن هذه المعاني، لهذا قالَ بعضُ الحكماء, قال: الشعر والإنشاد مصباحٌ كمصباح علاء الدين, يكشفُ لكَ عن كنوزكَ المخبوءةِ في أعماقِ نفسك, ولكنه ليس بالكيس المملوء الذي يفرغُ في خزائنكَ الخاوية ".
 الذي عنده حب لله, إذا سَمِعَ شعراً, يصفُ الحبَّ لله عزّ وجل, ذابَ قلبه شوقاً، فمشاعركَ متعلقة بخبراتك، فأيُّ شيء حرّك لكَ هذه الخبرات, نقل لك هذه المشاعر .
 .. مثلاً: رِثاء ولد, في شعر عباسي أموي رائع جداً في رِثاء الأولاد، من الذي إذا قرأ القصيدة يبكي ويجهش في البكاء؟ هو إنسان فَقَدَ ابنه, وقرأ هذه القصيدة, إذاً: يتجاوب معها, يشعر .
 السماع أصلُ العقل , وأساس الإيمان الذي انبنى عليه , وهو رائدُ الإيمان وجليسه ووزيره ، أما المشكلة في المسموع , تسمعُ ماذا ؟ لا يوجد سهرة على مستوى الأرض إلا وفيها كلام, تسمع أحياناً حديثاً فيه غيبة، حديثاً ساقطاً عن النساء, طُرفاً لائقة وغير لائقة، أخباراً معينة، حكايات، قصصاً مسليّة، فالإنسان يسمع دائماً, لكنَّ البطولة تسمع ماذا؟.

أنواع أصحاب السماع :

1-صنف يسمع بطبعه ونفسه وهواه :

 قال: أصحاب السماع هؤلاء الذين يسمعون, أصناف ثلاثة, قال: صِنفٌ منهم يسمع بطبعه ونفسه وهواه, هذا يحب الغناء, يعشق هذا المغني أو هذه المغنية, يعشق هذه المسرحية أو هذه التمثيلية, هذه القصة, يسمع بشهوته، يسمع بطبعه، يسمع بهواه، هذا سماعه متعلقٌ بشهوته، لذلك إذا أدمنَ السماع انتهى كإنسان .
 في إنسان قال: بعض المآسي العامة للشعوب سببها: انغماس الناسِ في الغناء، يعيشون سكارى في الغناء, أصبحوا يلهون بعد أن كانوا جادين .

2-صنف يسمع بعقله لا بشهوته :

 النوع الثاني: قال: هناك من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته, وعقله لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا أقوال الصحابة، لا يسمع إلا الحق، لا يسمع إلا العلم، هذا يسمع بعقله لا بشهوته، الشهوة تحتاج لغناء, ولطُرف, ولأعمال فنية, وتمثيليات, ومسرحيات, ومسلسلات, هذه شهوة الإنسان, أما بعقله فيسمع الحق، يسمع كتاب الله عزّ وجل, لا يجتمعُ في الإنسانِ قرآنٌ وغِناء, لأنَّ كُلاً منهما يطرد الآخر، القرآن يطرد الغناء, والغناء يُبعد القرآن، فهؤلاء الذين يدمنون سماع الغناء, يسأمونَ من القرآن، يملّونَ منه، يضجرونَ منه, لا يجتمع غناءٌ وقرآن, وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ, وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]

3-منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره :

 النوع الثالث: منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره, كما في الحديث القدسي:

((فبيَّ يسمع وبيَّ يُبصر))

 يعني يُبصر بنور الله, ويسمعُ بالله عزّ وجل, هذا أرقى أنواع السماع، يعني عندئذٍ يسمعُ ما لا يسمعه الآخرون .
 النبي عليه الصلاة والسلام دخلَ بستانَ أنصاري, فرأى جملاً، هذا الجمل لمّا رأى النبي عليه الصلاة والسلام حنّ, يعني ذرفت عيناه، تقدّمَ منه النبي, ومسحَ ذفرتيه, وآنسَ الجمل, وقال: من صاحبُ هذه البهيمة؟ ائتوني به, بعد قليل جاء فتى من الأنصار, قالوا: هذا صاحب الجمل, قالَ: يا هذا ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملّككَ الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنكَ تجيعه وتُدئبه.
 شكا إليّ: هذه مرتبة السماع تسمع بالله .
 أحياناً تسمع الأصوات العذبة, وكأنها تُسبّح الله عزّ وجل، في وقت الفجر تسمع صوتَ العصافير, هناكَ من يسمعُ صوتَ العصافير, وهناكَ من يسمعُ تسبيحاً للهِ, من خلال هذه الأصوات .
 في شيء يقوله عامّة العلماء: ثلاثة في الطريق, وإنسان يبيع زعتر بري، واحد سمع انظر ترى بِرّي, وواحد سمع الآن ترى بِرّي, وواحد سمع ما أعظم بِرّي, أنت سمعت كما أنتَ على الشيء لا كما هو عليه, لأن مرتبتك سمت, قالَ عليه الصلاة والسلام:

((أعرف حجراً بمكة, كانَ يسلّم علي ّوأسلّمُ عليه, ولمّا انتقل من جذع النخلة إلى المِنبر, حنَّ إليه الجذعُ, فكان يقفُ على المِنبر, ويضع يده على الجِذعِ, إكراماً له))

  لأنه حنَّ إليه .
 ينشأ أيام بينك وبين الطبيعة مشاركة وجدانية كلما شفّت النفس, قال عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ حَنْظَلَةَ الأسَيِّدِيِّ قَالَ:

((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ كُنَّا, فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ, فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَكُونُونَ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ, وَلأظَلَّتْكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا))

 أصحاب السماع ثلاثة :
 منهم من يسمعُ بشهوته , وهناك من يسمع بعقله ، من مجلس علم إلى مجلس علم, من قرآن , إلى حديث , إلى سيرة , إلى سير الصحابة , إلى موضوع علمي , يسمع بعقله , هذا ينمو نمواً كبيراً جداً .
 أما النوع الثالث : هؤلاء يسمعون بالله , هي كرامات . ..

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾

[سورة النمل الآية: 18-19]

 إذا شفّت نفسه وضعت, يتفاعل مع المخلوقات .
 أحد الشعراء يركب فرسه أثناء الحرب, وجاءت السهام إلى صدر الفرس:
 فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحسم
 ازوّر: تألمَ هذا الفرس, لو كان يدري .
 ما المحاورة اشتكى ولكان لو علمَ الكلام مُكلّمي
 يضرب إنسان هـرة, تبتعدُ عنـه, وتنظر إليه, وكأنهـا تخاطبـه, ماذا فعلتُ لكَ؟ لماذا ضربتني؟ فكل ما ارتقت مشاعر الإنسان, يُحس على الآخرين ما يدور في خَلَدهم .
 يا أخي أُطمئنك, المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، ويعقل ما لا يعقلون، ويفكر بما لا يفكرون، ويشتهي ما لا يشتهون، ويخاف ما لا يخافون, هذا مؤمن عرفَ الله، عرفَ الدنيا، عرفَ حقيقتها، عرفَ مهمته فيها، له أفكاره، له مشاعره، له أحاسيسه ، له قيّمه، له طموحاته .

أنواع المسموع :

1-مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به:

 أما المسموع قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه، وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به .
 كان الشيخ بدر الدين -رحمه الله- هذا كان شيخ الشام من أشهر المشاهير, كان لا يستطيع أحدٌ أن يقول كلمةً عن إنسان في مجلسه, يعني أول كلمة: اسكت, اسكت أظلم قلبي, فكل ما كان مجلسك مجلس علم ووقار وحلم، مجلس دعوة إلى الله، مجلس بيان عن الله عزّ وجل، مجلس إرشاد، مجلس أمر بالمعروف ونهي عن المُنكر، كلما كنتَ في درجة أرقى .

2-مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه :

 قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه, وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به، ومسموعٌ يبغضه ويكرهه, ونهى عنه, ومدحَ المعرضين عنه .

3-مسموع مباح :

 ومسموعٌ مباحٌ, أخي كم اليوم الحرارة؟ والله 8-3 خير إن شاء الله, كم كانت كمية المطر في بلدكم؟ 23 ميليمتر, هذا مسموع لا حرام ولا حلال, ما أسعار الخضار اليوم؟ في مسموع مباح, مسموع يحبه الله ويرضاه، مسموع يبغضه ويكرهه .
 قال: هذا المسموح مباح مأذونٌ فيه لا يحبه ولا يبغضه .
 النبي الكريم دخل إلى مسجد, رأى رجلاً تحلّقَ الناس حوله, قال: من هذا؟ قالوا: هذا نسّابة -فالنبي بأسلوب تربوي- قال: وما نسّابة؟ فقالوا: هذا يا رسول الله يعرف أنساب العرب, قالَ: هذا عِلمٌ لا ينفعُ من تعلّمه, ولا يضّرُ من جَهِلَ به .
 في أشياء لا تُقدّم ولا تؤخّر, والإنسان وقته ثمين, قال: حكمه حُكمُ سائر المباحات من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات .
 إذا أنت في مجلس, وتكلم أحدهم في موضوع, وقع, أخي أنهي لنا الحديث, أنت أهنته، لم يتكلم شيئاً حراماً، لم يتكلم غيبة ولا نميمة ولا كذباً، لمّا أنت أسكته فقد أهنته، هذا مباح لا إثم فيه، بالعكس كان النبي يسمع، يسمع من التجّار, ويحدثهم بالتجارة أولاً, ثم عن اللهِ ثانياً .
 فمن أساليب الدعوة: إذا أنت بمجلس, في موضوع عن المياه, عن الأمطار, عن البركان الفلاني, عن الخبر الفلاني, أنت ليسَ لكَ حق أن تُعرض عنه، تشمئز من حديثه, ما دام مُباحاً، ما دام مُباحاً استمع معهم, كُن أديباً في استماعك, وتراه يُصغي للحديث بسمعه وبقلبه, ولعله أدرى به, اسمع معهم, ثمَّ دُلّهم على الله عزّ وجل، هناك أشخاص متزمتون, لا يسمح أن تتكلم كلمة, هو يتكلم أو كما يريد هو, اسمعوا الآية الكريمة:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159 ]

 من هو؟ الحديث عن من؟ عن رسول الله, هذا سيد الخلق، هذا الذي يوحى إليه، هذا المعصوم، ومع ذلك:

﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾

 فمن أنت إذاً؟ أنت لا يوحى إليك، ولا في معك معجزة، ولست بمعصوم، ولستَ على خُلق عظيم، فإذا كان الذي على خُلقٍ عظيم, ويوحى إليه, والمعصوم, وسيد الخلق, أمره الله عزّ وجل, قال له:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 159]

﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾

 أنت: من أنت؟ ليسَ معك سُلطة أن تعمل شيئاً, الذي معه سُلطة, مأمور باللطف والإنسانية, والحلم والمغفرة والعفو, فأنتَ لا تملكُ شيئاً .
 قال: فمن حرّمَ هذا النوعَ الثالث, فقد قالَ على الله ما لا يعلم, الذي يُحرّم كلاماً مُباحاً لا حراماً ولا حلالاً, قالَ: على الله ما لا يعلم وحرّمَ ما أحلّه الله، ومن جعله ديناً وقربةً؟ يقول لك: الشغل عبادة, يتكلم للساعة الواحدة بالشغل, والأسعار, والصفقة الفلانية, وفلان ربح كذا, وفلان لم يربح, وفلان ضرب فلاناً, فقد كذبَ أيضاً, وشرعَ ديناً لم يأذن به الله, وضاهى بهذا المشرك, في كلام يحبه الله، وكلام لا يحبه الله، وكلام مُباح .
 عِندنا السماع الإيماني، نريد السماع المطلوب، أنت جلست جلسة، كنت بحفلة, بنزهة, بسهرة, بجلسة, باجتماع, راكب مركبة عامــة إلى حلب خمس ساعات بجانبك رجل, يهمك أن تعرف السماع ما حُكمه؟ قال: السماع الذي مدحه الله في كتابه, وأمرَ به, وأثنى على أصحابه, وذمَّ عنه المُعرضين, ولعنهم, وجعلهم أضلَّ من الأنعام, قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

[سورة المُلك الآية: 10]

 السماع طريقٌ للنجاة، طريقٌ للنعيم:

﴿لو كنّا نسمع ما كُنا في أصحاب السعير﴾

 الإعراض عن سماع الحق طريقٌ إلى جهنم، وسماع الحق طريقٌ إلى الجنة .
 قال: هو سماعُ آياته المتلوة، سماع القرآن الكريم, هذا المنهج, هذا الكتاب المقرر، هذه تعليمات الصانع، هذا الكتاب الذي فيه قوانين الله عزّ وجل .
 إذا واحد أحب أن يفتح شركة تجارية في دولة أجنبية, أول شيء يطلب نظام التجارة في هذا البلد، فأنت في كون الله, أول شيء يجب أن تعرفه: قانون الله في أرضه؛ الحلال، الحرام، المكروه، المندوب، المُباح، الواجب، الشيء المُجدي، غير المُجدي، الحق، الباطل، الخير، الشر .

أنواع السماع :

1-سماع إدراك :

 قال: هذا السماع ثلاثة أنواع؛ سماع إدراك، وسماع فهمٍ وعقلٍ, وسماع إجابةٍ وقبول, أنت مثلاً جالس في محاضرة, وتكلّم المًحاضر عن بعض أمراض القلب، أحياناً وأنت جالس, سمعت بأدب, وسمعت ناقل أو حكى عن أعراض الدخان, عن مضار الدخان, هذا المحاضر , محاضرة دقيقة بليغة, فيها حقائق علمية, عرض عليك صور عمليات جراحية بالرئتين, آثارها بالقلب, بالأوردة, بالشرايين, أما محاضرة رائعة, وهذا الإنسان السامع يُدخن, سمعها وفهمها, لكن لم يترك التدخين, ما نقول لهذا السماع؟ نقول: هذا سماع إدراك، أدرك هذه المحاضرة وفهمها, لكن لأنه لم يُقلع عن التدخين, نقول: أنتَ استمعتَ إليها سماعاً بدائياً من الدرجة الأولى .

2-سماع فهم وعقل :

 يأتي إنسان ثانٍ يسمع المحاضرة, معناها الدخان يرفع لي التوتر الشرياني، والدخان يُرسّب المواد الدهنية بالشرايين، والدخان يُقرّب أجلي, عن الدخان يضيق الدسامات، والدخان يُسبب احتمال سرطان بالشفتين والرئتين ....
 معقول أن أكون عبداً لهذا الدخان؟ معقول أن يكون مسيطراً علي؟ هنا سمع وتدبّر وعقل، هذا سمع المحاضرة بمستوى أرقى, الأول سمع وفهم فقط, هذا سمع وفهم, وأجرى محاورة، أجرى مناقشة، أجرى تقييم، ثمّن الأفكار، وازنها، نظر إلى وضعه، إلى سنه، إلى دخله، أولاده، قيمة صحته، يا ترى صحتي أغلى أم الدخان أغلى؟ لمّا دخل التأمل والتدبر, هذا سماع من نوع ثانٍ .

3-سماع إجابة وقبول :

 أما عندما أمسك بعلبة الدخان, ووضعها في سلة القمامة, وقال: يا ربي عهداً لك أن لا أذوقَ هذه بعدَ اليوم, هذا السماع المطلوب .
 سمّوا العلماء أول سماع: سماعَ فهمٍ, والثاني: سماع تدبر, والثالث: سماع استجابة .
 في آية قرآنية تؤكد هذا المعنى, أنه سمع هذه المحاضرة, ولكن كأنه لم يسمعها, إذا مشى رجل في طريق ببستان, على كتفه عقرب, قال له أحدهم: يا أخي انتبه, على كتفك في عقرب وخطير, فقال له: شكراً جزيلاً, وأنا شاكر جداً لهذه الملاحظة, خبرني من أين أنت؟ والعقرب على كتفه, أنا والله شاكر لك، يا ترى سمع ما حكى له؟ لا, هو سمع, لكن إما لم يفهم، أو لغته غير عربية، أو لا يعرف ما العقرب؟ لو أنه فهم عليه, وتأملَ معنى كلامه, كان قفز مباشرة ولم يكلّمه ولا كلمة, جاءت آية, أثبتَ الله لهم السماع, ونفى عنهم السماع, مثل سورة الروم :

﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[سورة الروم الآية: 6-7]

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 21]

﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾

 هم لا يسمعون, ماذا أراد الله بالسماع؟ ماذا أراد؟ التطبيق, الإجابة .
 قال: وسماعُ فهمٍ, وسماعُ عقلٍ, وسماع استجابة .

 الآن: إلى الآيات ؛ سماع الفهم :

﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾

[سورة الجن الآية: 1-2 ]

﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة الأحقاف الآية: 30]

 سماع الإدراك:

﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾

[سورة النمل الآية: 80]

﴿إنكَ لا تُسمع الموتى﴾

 الموتى سمعوا, لكن باعتبار لم يتحركوا، لم يتدبروا، لم يتأملوا، فكأنهم لم يسمعوا :

﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

[سورة فاطر الآية: 22]

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 23]

  سماع الاستجابة : هذا أرقى أنواع السماع .
 انظر إلى الناس, ألف مليون مسلم, يوجد سؤال: هل هؤلاء من أمة سيدنا محمد؟ :

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 110 ]

 نحن خير أمة والله جميل، أخي نحن أعظم الأمم, هناك جواب علمي, يعطيك التفريق العلمي بينهما.
 الجواب الدقيق: العلماء قالوا: هناكَ أمةُ الدعوة وهناكَ أمةُ الاستجابة، كل إنسان مسلم دعاه الله إلى الإسلام، وأنزلَ على النبي القرآن ليكونَ منهجاً له، فكل منتمٍ إلى المسلمين ولو بالهوية, هذا أمةُ الدعوة, أما الذي طبّق, فأمةُ الاستجابة, فأنتَ إذا بُلّغتَ الدعوة, دخلتَ في نِطاق أمةِ محمدٍ أمة التبليغ، أما إذا طبقّتَ أوامر الله عزّ وجل دخلتَ في نِطاق الاستجابة.

﴿فكنتم خيرَ أمةٍ﴾

 ليسَ المقصود أيّ انتماء للنبي، هذه أمةُ الاستجابة, والدليل: ما عِلةُ هذه الخيرية؟

﴿تأمرون بالمعروفِ وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾

 فلو لم تؤمنوا بالله, ولم تأمروا بالمعروف, ولم تنهوا عن المنكر, أنتم لستم معنيينَ بهذه الآية, الآية ليست لكم, فأنتَ اسأل نفسك: أنا من أمةِ التبليغ أم من أمةِ الاستجابة؟ فرقٌ كبير بينَ أمةِ التبليغ وبينَ أمةِ الاستجابة .
 يعني أب غني, ومُقتدر ماديّاً, وعالم, عنده خمسة أولاد، عَرَضَ عليهم جميعاً أن يدرسوا, حتى أعلى شهادة في العالم بورد, العرض للكل والأب غني، إلا أنَّ واحداً من الأبناء, قَبِلَ هذا العرض ودرس وتفوق, نقول: أولاده كلهم دُعوُا إلى هذه الشهادة, ولكنَّ بعضهم استجاب, فالبطولة ليسَ أن يُعرض عليكَ الإسلام، ولا أن تكونَ من أمةِ محمدٍ بالشكلِ أو بالإبلاغِ، البطولة أن تكون من أمته المستجيبين لدعوته .
 فالإنسان ما لم يكن مُطبّقاً لأوامر الله, ليتأكد أنه ليسَ من أُمةِ مُحمد, حيث ما وردت الأمةُ المُحمدية في القرآن:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

[سورة الجمعة الآية: 2 ]

 هؤلاء أمة الاستجابة, إذاً: الآيات هنا تُبين أنَّ هناك سماع إدراك، سماع تدبر، سماع استجابة ..
 الآية الأخيرة :

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾

[سورة البقرة الآية: 285 ]

﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾

 هذه الآية متعلقة بالاستجابة, وكلّ الجوامع بالعالم الإسلامي بعد الخطبة، بعد الصلاة يقولون: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليكَ المصير, ومعهم مخالفاتهم، تقصيراتهم، الغيبة، النميمة، كسب المال الحرام، ما هذه؛ سمعنا وأطعنا؟ أما اليهود قالوا:

﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 46 ]

 فاليهود سمعوا وعصوا ربهم .
 في فقرتين أخيرتين قال :
 المؤمن يسمع الآيات , لا يسمع الأبيات , سمّاعٌ للقرآن لا سماعٌ لمزاميرالشيطان ، سمّاعٌ كلام ربِّ الأرضِ والسماء , لا سمّاعٌ قصائدَ الشعراء ، سمّاعٌ للمراشد لا للقصائد ، سمّاعٌ للأنبياءِ والمرسلين , لا سمّاعٌ للمغنينَ والمطربين .
 أنتَ تمارس نشاطاً خطيراً بالحياة السماع قال:

السماع حادٍ يحدو القلوب  إلى جِوار علاّم الغيوب

 أحياناً تسمع حديثاً قدسياً, فيقول لك: فعلَ في نفسي فِعلَ السحر، حديث قدسي يحملكَ على التوبة, وعلى الإقلاع عن ذنبٍ, قال:

السماع حادٍ يحدو القلوب  إلى جِوار علاّم الغيوب
سائقٌ يســوق الأرواح  إلى ديـــار الأفـراح
محركٌ يثير ساكن العزمات  إلى أعـــلى المقامات
منادٍ ينادي للإيمــــــــان

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 193 ]

دليلٌ يسير بالركبِ  في طريق الجِنان .
داعٍ يدعو القلوبَ  بالمساءِ والصباح .
من قِبَلِ فالق الإصباح؛ حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح .

 موضوع السماع موضوع دقيق جداً .
 ندخل في السماع المذموم, قال: هذا السماع يُبغضه الله تعالى ويكرهه, ويَمدحُ المُعرضَ عنه, وهو سماعُ كلُّ ما يضرُّ بالعبدِ في قلبه ودينه، أيُّ شيء تسمعه أضرَّ بدينكَ وقلبكَ, فهذا السماع لا يجوز أن يكون, كسماع الباطل, إلا إذا تضمنَ رده وإبطاله, وقصدَ أن يتعلمَ ضدهُ، وكسماعِ اللغوِ الذي مدحَ التاركين لسماعه, قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة القصص الآية: 55]

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية: 72 ]

اللغو :

 ما هو اللغو؟ تعريف اللغو : قال محمد بنُ الحنفيّة , هذا من أحفاد سيدنا علي : اللغو هنا الغناء .
 وقالَ الحسن وغيره: أكرموا أنفسهم عن سماعه:

﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾

 فإذا كنت مؤمناً فعلاً, لا تقبل أن تستمع إلى الباطل, ولا إلى غيبة, ولا إلى نميمة, ولا إلى فُحش, ولا إلى بذاءة, ولا إلى تغرير, ولا إلى قصة ساقطة, ولا تقرأ أيضاً .
 قالَ ابنُ مسعود: الغِناءُ يُنبتُ النِفاقَ في القلب كما يُنبتُ الماء البقلة، وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافقَ قلبه وهو لا يشعر .
 الدين بالاستقامة, أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة .
 قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, الشيئان اللذانِ لا يجتمعان: الضدان, مثالُ ذلك: الظلمةُ والنور، وجود النور ينفي الظُلمة, ووجود الظلمةِ ينفي النور، الأبيض والأسود ضدان, لا, متعاكسان، التعاكس غير الضد، يجوز أن يكون عندك لوحة فيها أبيض وأسود .
 فهناكَ شيئان متعاكسان, وشيئان ضدان متناقضان، معنى متناقضان: يعني أحدهما ينقض وجود الآخر, فلان عالم جاهل, مستحيل, هذا فهو إما عالم وإما جاهل, إذا هذه الغرفة مضيئة مظلمة, كلام غير صحيح, هذا إما مضيئة وإما مظلمة .
 احفظوا هذه القاعدة: القرآن والغناء ضِدان متناقضان, أحدهما ينقض وجود الآخر .
 سيدنا ابن مسعود قال: الغناء يُنبت النِفاقَ في القلب كما يُنبت الماءُ البقل, لا يليق بمؤمن أن يسمع غناء إطلاقاً، لكن حتى لا أكون قاسياً على الأخوان, الاستماع شيء والسماع شيء, إذا كنت راكباً سيارة عامة, وفي مذياع, وفي غِناء, هذا ليس اسمه استماع, هذا سماع. الحديث الشريف: من استمعَ إلى صوتِ قينةٍ .
 جلس بإرادته، باختياره، بالبيت، حضّروا لنا القهوة، افتح يا بني لنسمع, هذا الاستماع, لكن راكب سيارة عامة, والسائق له ذوق خاص, تقول: اللهم إنَّ هذا منكرٌ لا أرضى به، أما إذا قدرت أن تُسكته لك أجر .
 قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, إلا طردت إحداهما الأُخرى، قال: وقد شاهدنا نحن وغيرنا, ثِقلُ القرآن على أهلِ الغِناء وسماعه, أبداً؛ أهل الغناء أثقل شيء عليهم القرآن, إذا وضعوا القرآن ربع ساعة, يقول لك: طويلة, ربع يكفي, خمس دقائق, كانت نصف ساعة, صارت ربع ساعة، عشر دقائق، دقيقتين، أهلُ الغِناء يستثقلون القرآن .
 لذلك: في أشخاص إذا الإمام قرأ آية زائدة لا يتحمل, تجده يُضيّع ساعات طويلة, وهو واقف, في كلام فارغ, أما آية زيادة, لا يتحمل .
 بعض الشعراء قال:
 ثَقُلَ الكتاب عليهم لمّا رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهٍ
 الغناء لا أوامر فيه ولا نواهي، أما هنا في:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النور الآية: 30 ]

 هو ينظر ويأخذ حريته، ثقيلة هذه الآية عليه:

ثَقُلَ الكتاب عليهــم لمّا  رأوا تقييـده بأوامــرٍ ونواهٍ
وعليهم خفَّ الغناءُ لمّا رأوا  إطلاقه في اللهوِ دون مناهي
يا فِرقةً ما ضرَّ دينَ محمـــدٍ  وجنــى عليه ومِلّهُ لله
سمعوا له برقاَ ورعداً إذ حوى  زجراً وتخويفاً بفعلِ مناهٍ
ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفسِ عن  شهواتها يا ويحها المتناهي
وأتى السماع موافِقاً أغراضها  فلأجلِ ذاكَ غدا عظيمَ الجاهِ

 عندنا أهلُ القرآن وأهلُ الغناء وهما يتناقضان، وعندنا السماع المذموم، والسماع المشكور، والسماع المشكور ثلاثة أنواع؛ سماعُ فهمٍ، وسماعُ عقلٍ، وسماعُ استجابة .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS