45302
التربية الإسلامية – مدارج السالكين - الدرس (019-100) : المراقبة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-07-29
بسم الله الرحمن الرحيم

منزلة المراقبة .

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع عشر من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم :
منزلة المراقبة .
 هذه المنزلة ذاتُ أهميةٍ كبيرةٍ في طريق الإيمان , لأنَّ الإنسانَ إذا أيقنَ أنَّ الله يُراقِبهُ , استقامَ على أمره , فَسَعِدَ في الدنيا والآخرة .

الآيات القرآنية المتعلقةُ بهذه المنزلة .

الآية الأولى :

 يقول الله عزّ وجل :

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

[سورة البقرة الآية: 235]

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

 يعني يجب أن تعلمَ أنَّ اللهَ يعلم ، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم , أخذتَ الحِذرَ من أن تعصيهُ , وهذا هو سِرُ النجاح مع الله عزّ وجل .

الآية الثانية :

 آية ثانية من آيات المراقبة , وهي قولهُ تعالى :

﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 52]

 لا شكَ أنَّ أحدنا إذا عَلِمَ أنهُ مُراقب, فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ, في كلماتهِ، وفي حركاتهِ، وفي سكناتهِ، هذا إذا راقبهُ إنسان, والإنسان مراقبتهُ محدودة, يستطيع أن يكتب ما قُلت, وأن يُصوّر ما تحركّت, ولكنهُ لا يستطيع أن يكشف ما في نفسك, ولا ما في ذهنك، المراقبة المحدودة من قِبِلِ إنسانِ ضعيفٍ مثلك, تدعوكَ إلى الانضباط التام, فكيف لو علمتَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُك؟ أنَّ الله عزّ وجل الذي يعلم السرَّ وأخفى مُطّلعٌ عليك؟ ناظرٌ إليك؟ يعلمُ سِركَ وجهرك؟ ما أخفيتَ وما أعلنت؟ ما أبطنتَ وما أظهرت؟

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾

 لا عليك فقط؛ بل على خصومكَ وعلى سائر المخلوقات .

الآية الثالثة :

 من آيات المراقبة قوله :

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الحديد الآية: 4]

 وهذه معيّةٌ عامة ، الله سبحانه وتعالى معَ كلِّ مخلوق ؛ مؤمن كانَ أم كافر .

الآية الرابعة :

 يقول الله عزّ وجل :

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾

[سورة العلق الآية: 14]

 مُطلّعٌ عليك .

الآية الخامسة :

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾

[سورة الطور الآية: 48]

 يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، وفي معنى آخر: أنه يحفظهُ، نقولُ: هذا الابنُ في عينِ أمهِ, يعني أمهُ تحوطهُ بالرعاية والاهتمام, بمعنى أنها تعلمُ أينَ هوَ؟ وماذا يفعل؟ وبمعنى أنها تحوطهُ بالرعاية والاهتمام .

الآية السادسة :

 الآية الأخيرة في هذا الباب :

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

[سورة غافر الآية: 19]

 وما من مخلوقٍ على وجه الأرض, يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين، وأنا دائماً أسوق هذه الآية ذلكَ المثل: طبيبٌ مسموحٌ له أن ينظرَ إلى جسدِ المرأة, لكنَّ الشرعَ سمحَ لهُ أن ينظرَ إلى موضع العِلّةِ فقط, فلو سبقتهُ عينهُ إلى مكانٍ آخر, هذا شيءٌ لا يستطيعُ مخلوقٌ أن يطلّعَ عليه إلا الله .

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾

 وقد تكونُ في بيتك وحدك, تفتحُ نافذةُ جارك, تقفُ أمامها امرأة، لا يمكن لأحدٍ أن يطلّعَ على هذه المخالفة, لو ملأتَ عينيكَ منها إلا الله، فإذا نظرت يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور .
 إذاً :

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

 كلُّ هذه الآيات تتضافر ليكونَ منها منزلة, يجب أن يتحلّى بها المؤمن, وهي منزلة المراقبة, يعني أن يشعر وأن يوقن أنَّ الله يُراقبهُ .

أحاديث شريفة تتعلق بهذه المنزلة :

 إلى السُنّة :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ, فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ, وَمَلائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَبِلِقَائِهِ, وَرُسُلِهِ, وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ, قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ, وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمَ الصَّلاةَ, وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ, وَتَصُومَ رَمَضَانَ, قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))

 حتى في بعض الأدعية النبوية يقول عليه الصلاة والسلام :

((اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك))

 المراقبة : دوام علمِ العبدِ وتَيقُنِهِ باطلاّعِ الحقِّ عليه سبحانهُ وتعالى على ظاهره وعلى باطنه ، فاستدامتهُ لهذا العِلمِ واليقين هي : المراقبة .
 سؤال الآن :
 لو أنهُ من حينٍ لآخر , شعرتَ أنَّ الله يُراقبك , هل أنتَ في حال المراقبة ؟
 الجواب : لا !!!
 إذا دامَ هذا الشعور , وشعرتَ أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك ، في حركاتك وسكناتك ، في كلِّ نشاطاتك ، في خلوتك , في جلوتك ، في لهوِكَ , في جِدك ، في عملك , في بيتك ، في الطريق ، إذا سافرت إلى أماكن بعيدة , إذا استدامَ حالُ المُراقبة ، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم , وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك , وأنَّ الله يُراقِبك .
 فأنتَ في مرتبةٍ من أرقى المراتب , ومن أهم المراتب , ومن أكثرها فائدةً لك , إنها :
 حالُ المُراقبة .
 المراقبة ثمرةٌ من ثمار العِلمِ, لأنَّ الله سبحانه وتعالى رقيبٌ عليك .
 مثال :
 لو دخل إنسان إلى متجر , وكان خبيراً بما في هذا المتجر ؛ من أجهزة , وآلات , ورأى آلات تصوير , وٌضعت في زوايا متعددة من المتجر , وقرأ لوحةً كبيرة كُتبَ عليها : الصالة مراقبة تلفزيونياً ، إذا قرأ اللوحة , ورأى الأجهزة , أيُعقل أن يدخلَ إلى زاويةٍ ميتةٍ , فيأخذُ حاجةً ويضعُها في جيبه ؟ مستحيل , هُنا أيقن أنهُ مُراقب .
 موظفٌ في شركة, ذهبَ إلى بلدٍ أجنبي, ودخلَ صالةً من صالات البيع, ورأى حاجةً غالية الثمن, خفيفة الوزن, وشعرَ أنَّ أحداً لا يُراقبهُ, فأخذها ووضعها في جيبه, وعندَ الباب أُلقيَّ القبض عليه, وسيقَ إلى سِفارته, لينال جزاء عملهِ, وكانت فضيحة, وهو موظفٌ على مستوىً عالٍ، إذاً: لأنهُ ظنَّ أن أحداً لا يعلم, تورّطَ في هذه المخالفة، فلو عَلِمَ أنَّ القاعة مراقبة, وأنَّ هناك آلات تصوير تُصوّر وتُسجّل, أو أنَّ هناك لوحة كُتبَ عليها: القاعة مُراقبة، أنا أضرب لكم أمثلة بسيطة، إذا شعرتَ أنَّ الله مُطّلعٌ عليك, وأنتَ في البيت .
 من لم يكن له ورعٌ يصدهُ عن معصية اللهِ إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله .
 إذاً : كلُّ عملهِ نِفاقٌ ورياءٌ, أمّا إذا كانت خلوتهُ كجلوتهِ, سِرّهُ كعلانيتهِ، ظاهِرهُ كباطِنهِ، فهذا الذي ينجحُ ويُفلح .

((ركعتان من ورع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط))

 مُخلّط : هو الذي خلطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً .

أقوال العلماء في مقام المراقبة .

 الآن إلى أقوال العلماء في مقام المراقبة , أو في مرتبة المراقبة , أو في منزلة المراقبة , كما وردت في مدارج السالكين ، قيلَ :
 من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ .
 أحياناً الإنسان يسمح لخواطره, أن يَردها أشياء لا تُرضي الله, يتصور معصية، يتخيل أنهُ يعصي الله، يسوحُ خيالهُ في متاهات البُعدِ عن الله, إذا سَمَحَ لخواطرهِ أن تجولَ في المعاصي, أغلبُ الظن : أنَّ هذه الخواطر إذا تُركت على عواهنها, انقلبت إلى معاص .
 أنا أقول لكم كلاماً واضحاً: الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل, ولكن إذا سمحت لخواطركَ بالشطط, ربما زلّت قدمك, فانقلبت الخواطر إلى عمل، وشيءٌ آخر هو: أنَّ مُعظمَ الذين عَصوا ربهم معاصٍ كبيرة, هم في الأساس ما أرادوا أن يعصوا هذه المعصية, ولكن خاطِرٌ، فنظرةٌ، فكلامٌ، فابتسام، فموعدٌ، فلقاءٌ، ففاحشةٌ, أساسُها خاطر.
 فلذلك من باب الوقاية, ومن باب الورع: لا تسمحُ لخواطِركَ أن تجولَ في المعاصي, مع أنكَ لا تُحاسب على الخواطر, لكن نخافُ أن تدعها تجول, عندئذٍ تضعفُ عن مقاومتها, فإذا أنتَ أمامَ معصيةٍ .
 مرة ثانية :
 من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ .
 بالمناسبة في قول لطيف :
 من تركَ ما اشتبهَ عليه من المعاصي , كانَ لِما استبانَ أترك .
 إذا قضية شُبُهة, تركها ورعاً, هو من بابٍ أولى أنه لن يقترفَ المعاصي البيّنة، ومن وقع فيما اشتبهَ به, كان لِما استبان أوقع, ومن تجرّأَ وارتكبَ معصيةً, يعدُّ شُبهةً عِندَ الناس, في المرحلة التالية سوف يتجرأ, ويقع في المعصية البيّنة الواضحة .
 قالَ الجُنيد :
 من تحقق في المُراقبة , خافَ على فواتِ لحظةٍ من ربهِ لا غير .
 يعني إذا كُنتَ في حال المراقبة , وشعرتَ أنَّ الله معكَ دائماً , وأنهُ مُطّلعٌ عليك , وأنهُ يعلمُ سِرّكَ ونجواك , خِفتَ أن تُضيعَ لحظةً من حياتك .
 وقال ذو النون :
 علامة المراقبة : إيثارُ ما أنزلَ الله , وتعظيمُ ما عظّمَ الله , وتصغيرُ ما صغّرَ الله .
 يعني لاحظ نفسك، قيَمك، مقاييسك، تنطبق على الكتاب والسُنّة، أحياناً تُعظّمُ شيئاً حَقّرهُ الله, معناها قيِمك غير إسلامية، قيِمك غير رحمانية، وأحياناً في أشخاص إذا خرجَ من بيتهِ بثياب النوم, يَعدُ هذا عملاً همجيّاً غيرَ حضاريّ, عملاً بشعاً قبيحاً جداً، أما إذا خرجت امرأته ترتدي أحدثَ الثياب, وتُبرز من مفاتنها ما ينبغي أن يخفى, يُعدُ هذا رٌقيّاً, انظر للإنسان, هذا عظّمَ ما حقّرهُ الله, وحقّرَ من ما عظّمهُ الله, فيجب أن تُلاحظ أن تكون مقاييسك وقيمك وزوايا النظر, متوافقةً تماماً معَ ما في الكتاب والسُنّة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( طوبى لمن وَسِعتهُ السُنّة ولم تستهوهِ البِدعة ))

 وقالَ إبراهيم الخواص :
 المراقبة خلوص السرِّ والعلانية للهِ عزّ وجل من الداخل ومن الخارج .
 وقيلَ :
 أفضلُ ما يُلزمُ الإنسان نفسهُ في هذه الطريق ؛ المحاسبة والمراقبة وإيقاعَ عملهِ مع الحُكم الشرعي .
 أن تُراقب نفسك, بعد المُراقبة في مُحاسبة, راقبنا هذا الطالب, إذا بهِ يَغُش في الامتحان, نكتب تقريراً نعطيه الصفر, إذا راقبَ نفسهُ, ثمَّ حاسبها, وبعدَ أن حاسبها, انتقل إلى مرحلة إيقاعِ عملهِ وفقَ الشريعة, راقب وحاسب, ووفقَ بين حركته وبين العلم الشرعي ..
 قال :
 إذا جلستَ للناسِ , فكُن واعظاً لقلبكَ ونفسك , ولا يَغُرّنكَ اجتماعهم عليك , فإنهم يُراقبونَ ظاهرك , والله يُراقب باطنك .
 لا تغترَّ أن يجتمعَ الناسُ عليك, لأنهم يملكون أن يُراقِبوا ظاهِرك, وأنت طبعاً ذكي, سوف تجعل من ظاهركَ ظاهراً صالحاً، لكنَّ الواحدَ الديان يُراقب قلبك, فاجهد أن تُحاسب نفسك قبلَ أن يُحاسبكَ الله عزّ وجل .
 قال :
 العلماء مجمِعون على أنَّ مراقبة الله تعالى في الخواطر سببٌ لِحفظها في حركات الظواهر , فمن راقبَ الله في سِرّهِ , حَفِظهُ في حركاتهِ , في سِرّهِ وعلانيتهِ .
 أنتَ في حال المُراقبة, تعبد الله باسم الحفيظ, والرقيب, والعليم, والسميع, والبصير, هذه الأسماء الحُسنى الخمس, كُلُها تؤدي معنى المُراقبة, إذا تكلّمت فهو سميع، وإذا تحركت فهو بصير، وإذا أضمرت فهو عليم، وإذا خرجتَ من بيتك فهو الرقيب، وإذا عَمِلتَ عملاً فهو الحفيظ، في نسخة كلّ حركاتك مُسجلّة عِندَ الله عزّ وجل .
 حفيظٌ ورقيبُ وبصيرٌ وسميعُ وعليمٌ, الحركة بصير، الكلام سميع، الإضمار ما في الداخل عليم، الحفيظ الأعمال مُسجّلة موثّقة، المُراقب يعني لكَ بالمرصاد .

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾

[سورة الفجر الآية: 1-5]

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

[سورة الفجر الآية: 6-14]

 الآية دقيقة جداً ليس فقط بالمرصاد، يُعاقب على ما اقترفتهُ يداك، معنى بالمرصاد أنه يراكَ وسوفَ يُعاقبُك، الآن: الحاكم يكتفي أن يضبط مخالفات الناس فقط, القضية سهلة جداً, يكفي أن يكتشف أنك تبيع بسعر أعلى, في ضبط, في سجن, وفي حُكم عُرفي، فلما ربنا يقول:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

 من لوازم أنه بالمرصاد .

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾

 من ألطفِ ما وُصِفَت به هذه المنزلة :
 أنَّ مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام, بينَ تعظيمٍ مُذهل, ومُداناةٍ حاملة, وسرورٍ باعث، لاحظ نفسك إذا جاءكَ ضيف, له حجم معين بالمجتمع، صديق يحمل شهادة ثانوية متفوق, فدخلَ عليكَ أستاذ جامعي, لاحظ نفسك, تستقبل الأستاذ الجامعي, وتنظر إليه, وتُحدّثهُ, وتنصرفُ إليه بكليّتك, وتنسى أنَّ في الغرفةِ طالب آخر, ماذا حصل؟ هذا الإنسان الثاني صرفكَ عن الأول, فإذا أنت في بعض ساعاتك, في عملك, في حرفتك, في مكتبك, في متجرك, في معملك, في بيتك, في شيء صرفَكَ عن أنَّ الله يُراقُبك, هذا الحال حالٌ خطيرة .
 من علامة صِدق المُراقبة :
 أن شيئاً مهما بدا عظيماً لك, لا يصرفُكَ عن ملاحظةِ عظمةِ اللهِ لك التي تُراقُبك .
 لذلك : أهل الله، أهلُ القُرب، المؤمنون الصادقون، لا تغيب عظمة الله عن أذهانهم أبداً, بدليل أنَّ هذا الاستعظام للهِ عزّ وجل لا يصرِفهم إلى غير الله .
 فهذه الحال امتلاء القلب من عظمة الله عزّ وجل, بحيثُ يذهلُ عن تعظيم غيره, دخلت غرفة, على الطاولة جريدة تقرؤها، في قطعة ثمينة لا تمسكها, لا تُقلّبُها، في شخص آخر لا تلتفتُ إليه .
 أُلاحظ أحياناً: تُقابل إنساناً في نظرك مهم, تجد الجلسة بأدب, والاتجاه نحوهُ بأدب, لا يعبث بمسبَحة أمامهُ, ولا يقرأ جريدة, لأنه شعرَ أنَّ هذا الذي أمامه شخص مهم, بيده مثلاً قضية أساسية, فلماذا نحنُ مع مخلوق, في مقياس المجتمع عظيم, نقفُ متأدبين, ننصرفُ إليه بكليّتنا, لا نعبثُ بسُبحة, ولا نقرأ جريدة, ولا نلتفتُ عنه إلى غيرهِ؟ .
 لذلك حال المراقبة من لوازمهِ : ألا تنصرفَ عن تعظيم الله عزّ وجل إلى تعظيم من سِواه, من لوازم هذا الحال: سيرٌ إلى الله، متابعةٌ لهذا السير، حضور القلبِ مع ذلك، تعظيم الله عزّ وجل، الذهول بعظمتهِ عمّا سِواه, هذه كلها من لوازم المراقبة, ومن فقرتها الأولى التي هي التعظيم المُذهل.
 تجد ذنبُ المنافق كأنهُ ذُبابة, يقول لك بعد ارتكابه الذنب: ماذا حصل؟ كل المستهترين بالقيم الدينية إذا سألتهم: لماذا فعلتم هذا؟ يجيبون: هل خربت الكرة الأرضية؟ إذا ملأَ عينيه من حرام, وجد مبرراً، المعصية سهلة عندهُ، وكلما ارتقى مقامك عِندَ الله, يُصبحُ الذنب كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدرك، كُلما صَغُرَ الذنبُ في عينيك, كُلما قلَّ مقامُكَ عِندَ الله, وكُلما كانَ الذنبُ كبيراً, كَبُرَ الذنبُ في عينيك, كانَ مقامُكَ عِندَ الله كبيراً, وصَغُرَ هذا الذنب, القضية دقيقة جداً.
 إنسان يرتكب مخالفة، يقترف معصية، وينام مرتاحاً لا يقلق, إذا الإنسان تكلّم كلمة, وشعر بثقلها, ويوجد إنسان سجلّها عليه، لا ينام ليلتها, يتحول, لا حول ولا قوة إلا بالله, أترى أنَّ الله عزَ وجل عظيم عظمةً, بحيثُ لو ابتعدتَ عنهُ, أو وقعتً في معصيتهِ, تشعر كأنكَ سقطتَ من السماءِ إلى الأرض؟ هكذا حال المؤمن .
 الآن :
 في موضوع أتمنى أن لا يبدو لكم خيالياً, قالَ: أن تشعرَ أنَّ الله يُراقُبك, وأنهُ معك, وأنكَ مستقيم على أمره، قال: هذا الشعور يبعثُ في نفسكَ فرحةً عظيمة ولذّةً, لا توجد في أيِّ شيءٍ في الدنيا .
 يعني: اسأل أهل الدنيا, الذين أكلوا أطيب الأطعمة, في أرقى الأماكن, وفي أجمل المناظر، يقول لك: طعام لا يوصف، والذين غَرِقوا في الملذاتِ إلى قِمةِ رأسهم, والذين حصّلوا المجدَ من كلِّ أطرافه, هؤلاءِ لو عَرفوا الله, وذاقوا طعمَ القُرب, يقسمونَ بالله أنَّ كلَّ اللذائذ التي تمتعوا بِها من قبل, لا تَعدِلُ لحظة إقبالٍ على الله عزّ وجل .
 لذلك: إذا المؤمن قال, وحَلَفَ يميناً مُعظّماً: واللهِ ليسَ في الأرضِ من هوَ أسعدُ منّي, إلا أن يكونَ أتقى مني, لا يحنثُ بيمينه، أنتَ حينما تتصل مع الأشياء الجميلة؛ من طعامٍ, من شرابٍ, من جوٍ باردٍ في الصيف, من جوٍ دافئٍ في الشتاء, من مناظر خلاّبة, يعني أيّ شيء الله أعطاه مسحة من الجمال, الله هوَ الجميل .
 أحياناً: ربنا عز وجل يتجلّى على البحر بالجمال, يقول لكَ: سهرنا سهرة على البحر لا أنساها, أمواج لطيفة, نسمات عليلة، تركب بالبحر, تشعر بالسرور, مياه صافية, تكاد ترى قعرَ البحر، صفحة الماء كالزيت، هذا تجلّى الله على هذا البحر باسم الجميل، فإذا تجلّى عليه باسم الجبار, يكادُ القلبُ ينخلع .
أيام ربنا له أفعال, هذه باسم الجميل، تنظر في وجه طفلٍ بريء, لا ترى في هذه الأرض كُلها أجمل من هذا الوجه، كُلُهُ صفاء، كُلُهُ براءة، كُلُهُ ذاتيّة، وأحياناً تنظر إلى وجه كُلُهُ نِقمة، في أفعال, البراكين, يقول لك: 80 ألف إنسان تحت الأنقاض، مدينةٌ أصبحت للأشباح، أصبحت أثراً بعدَ عين، تُحس اسم الجبّار .
 أيام تنظر إلى غابة في الربيع, تسمع أصوات العصافير, تشعر باسم الجميل، فربنا أسماؤه كثيرة جداً, يتجلّى في كلِّ أفعالهِ ببعضِ أسمائهِ، أيام اسم اللطيف يقول لكَ: من هنا مرت الرصاصة, شعري احترق, لكلِّ شيء حقيقة, وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ, حتى يعلم أنما أصابهُ لم يكن ليُخطئهُ .
 وقف في رأس الوادي السحيق، معلوماتهُ بالقيادة ضعيفة, المِقود مضبوط نحوَ الوادي, وقبل أن يُشعل المُحرّك, أرخى المِكبح, فانطلقت نحو الوادي, شخص أعرفهُ, وزرتهُ في البيت, إلى أسفل الوادي, هو وزوجتهُ وأولادهُ, ولم يُصابوا إلا برضوضٍ, وبعض الكسور الخفيفة, ومن ينظر إلى السيارة يقول: أنه لا بدَّ من أن رُكابها ماتوا جميعاً, اسم اللطيف لطف الله عزّ وجل, أيام تجد اسم اللطيف اسماً واضحاً جداً .
 أوضح شاهد على اسم اللطيف: حينما يذوب سِن الطفل الصغير شيئاً فشيئاً، أنت مهما كنت طبيباً ناجحاً, مهما كنت رحيماً, لا بد من إبرة بنج، لا بد من غرز الإبرة بالنيرة، وإذا كان البنج غير ناجح, وأثناء قلع الضرس, وأثناء قطع العصب, يخرج المريض من جلده من الألم, أليسَ كذلك؟ أما ربنا لطيف, انظر كيفَ تُقلعُ أسنان الطفل الصغير الأولى, وهو يأكل, يجد كأنه يوجد في بحصة بفمه, فيكون ضرسهُ, كيف انقطع العصب؟ كيف ذاب السِن؟ اسم اللطيف .
 الهواء يدلُ على اسم اللطيف, بيننا لا يحجُبُنا، يعني لا شيء الهواء، الهواء يحمل طائرة 350 طن، 150طن وزن الطائرة، 150طن وزن الوقود, و50 طن وزن الركاب، وعلى الهواء محمولة، الهواء إذا تحرك يقلع مُدناً بكاملها, عِندي صور مدن كبيرة, أصبحت أثراً بعدَ عين قاعاً صفصفاً .
 مر إعصار سيليكون, سرعته ثمانمئة ميلي بالساعة، واحد كان ساكن ببيت, في مدينة, جاءها إعصار, ما رأى من بيتهِ إلا مُحرّك سيارته بعد 5 كيلو متر, عَرفهُ من الرقم المُحرّك, تَهُب نسمات أحياناً, تشعر بسرور لا يوصف, اسم اللطيف, نفس الرياح، سرعة شديدة تُدمر كلَّ شيء بأمر ربها .

من ثمار المراقبة :

 اسم المُراقبة , إذا أنت شعرت أنَّ الله يُراقِبُك , من ثِمار المُراقبة :
 استقمتَ على أمره تماماً , وأحسنتَ إلى خَلقه , وأقبلتَ عليه .
 يجب أن تشعرَ بسرورٍ ولذةٍ, لا تجدُهما في شيء آخر، فالذين أكلوا أطيب الطعام, والذين سكنوا أفخر البيوت, والذين تزوجوا أجملَ الزوجات, والذين علا شأنُهم, حتى صاروا من عَلية القوم, اسألهم جميعاً, لو أنَّ هؤلاء عَرفوا الله بعدَ ذلك, وأقبلوا عليه, اسألهم وأنتم في أوجِ عظمتكم، وأنتم في أوجِ قوتكم، وأنتم في أوجِ استمتاعِكم بالدُنيا, هل ذُقتم هذه السعادة التي الآن تعيشونها؟ يقولون واللهِ بِملء فمهم: لا والله .
 حتى إنَّ بعضَ البلاد الإسلامية, زارها رجل سائح, فوجئ أنَّ كُلَّ القبور, عليها تواريخ قليلة جداً، هذا عمرهُ سبع سنوات, ماتَ في السنة السابعة، هذا في السنة الخامسة، هذا في السنة السابعة عشر, شيء عجيب! نعرف 80، 65، 40، وستة, هذه القرية لا تؤرّخ حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف الله، هذا عَرَفَ الله في الـ 45, إذاً: الآن بدأت حياتهُ, مات في الـ 55, يعني عمرهُ عشر سنوات، يعني العمر الذي تمضيهِ في الجهل وفي المعصية, حينما تعرفُ الله يتمزق القلب, كيفَ أمضيتَ العمر في المعصية؟ .
 تجدُ اللذّةَ, وفرحة القلب، وقُرّةَ العين، وليسّ له نظيرٌ يُقاس به، وهو حالُ أهلُ الجنة ، حتى قالَ بعضُ العارفين: إنه لَتَمرُ بي أوقاتٌ أقولُ فيها: إن كانَ أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيب .
 حتى إنَّ بعضهم فَهِمَ كلام النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكرٍ في الجنة, ما فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ سوفَ يدخلُ الجنة, فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ: الآن في الجنة، في جنة القُرب، هو سيدخلُها؛ لكن الآن في جنة.
 وأنا أقول لكم: اجهد مع الله في طاعتهِ, وفي التقرّبِ إليه, وفي خدمة عباده, وكل جُهدكَ, وعضلاتكَ, ووقتكَ, وطاقتكَ, وعلمِكَ, وأهلِكَ, أن تَقِفَ كلَّ هذا في سبيل الله، فإذا سمحَ لكَ بالقُرب، إذا تجلّى على قلبك، إذا ألقى في قلبكَ السكينة, عندئذٍ تعرِفُ طرفاً من مقام أهل الجنة .
 وأنا أقول لكم الآن كلمة دقيقة: أحدكم لو التقى بإنسان من أصدقائهِ القُدامى, وجلس معهُ ساعة من حديثهُ, يشعر أنهُ مقهور، أنهُ ضائع، أنهُ تائه، أنهُ شقي، أنهُ خائف، أنهُ متمزق، أنهُ يخافُ كلَّ شيء، أنهُ يُحسُ بالقهر، اجلس مع مؤمن, تجد معنوياته عالية كثيراً، يشعر أنَّ خالقَ الكون يُحبهُ، يشعر أنه في عين الله, في رعايتهِ، يشعر أنَّ الله لن يتخلى عنه، تبدل الضائع, أخي لازم نعمل فحص دوري, بسبب السرطان, شيء يُخيف هذا, لو ليسَ معه سرطان, ولو عاش ثمانين سنة دون سرطان، هذا ذاق طعم السرطان ثمانين سنة، لأنكَ إذا كُنتَ تخافُ شيئاً فأنتَ فيه، أنتَ من خوف المرض في مرض .
 أهلُ الدُنيا, حينما ابتعدوا عن الله عزّ وجل قَلِقوا, يخافون أمراضاً خبيثة، يقول لكَ: أخي في إحصاء مُخيف في أمريكا, كلّ ستة أشخاص, يموت واحد بمرض القلب، ثلث الوفيات من أمراض القلب، وكل النساء يخافون من سرطان الثدي، تجد فحصاً دورياً, شيء يُخيف, وفي أيضاً أمراض الدماغ, يقول لكَ: يخاف انفجار بالدماغ, سُبات, انتهى, إذا كل واحد يقرأ عن الأمراض لا ينام الليل، يخاف من أمراض المعدة والأمعاء، أو أمراض القلب والشرايين، أو أمراض الدماغ والأعصاب، أو يخاف إنساناً في مركبته ينام, يدخل به, يدهسهُ, ينقطع عمودهُ الفقري, يصبح مشلولاً، فإذا الإنسان بَعُدَ عن الله عزّ وجل فالحياة موحِشة، شيء مُخيف جداً، انظر للمؤمن, إذا سافر يقول: يارب أنتَ الرفيق في السفر, والخليفةُ في الأهلِ والمالِ والولد، أحياناً يصاب الابن بحرق, يصبح هذا الابن مصدر شقاء للأسرة كلها, مصدر شقاء طوال حياته, فأنت تخاف من التشوه, يأتيك مولود مشوّه, لمّا تخاف من المرض تمرض ، أما إذا كُنتَ مع الله, الله عزّ وجل يُطمئُنك:

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

.
 أنا أقول لكم: زوال الكون أهون على الله من أن يتخلّى عن مؤمن, أو أن يُضيّعَ مؤمناً, أو أن يجهدَ المؤمنَ في طاعة الله, ويجعلهُ في مؤخرة الركب، ليسَ هذا من أخلاق الله عزّ وجل .
 يا أخوان, كلمة وإن كانت قاسية تحملّوها, قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ، إذا صلاتهُ شكليّة، تِلاوتهُ شكليّة، ولا مرة بكى ولا مرة، ولا مرة قلبهُ اضطرب حُباً لله عزّ وجل، ولا اقشعر جلدهُ ولا مرة شعوراً بخشية الله عزّ وجل، ما شعر أنهُ هو غالٍ على الله، كل العبادات شكليّة يؤديها، قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ, فإنَّ للإيمان حلاوةً, من لم يَذُقها فليرجع, وليقتبس نوراً, يجد به حلاوة الإيمان:

﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾

[سورة الحديد الآية: 13]

 أتحبون الدليل؟: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:

((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

 ذاق, الإيمان له طعم، إذا أكلت قطعة حلوى, من نوع جديد, من الكيلو 350 ل0س, وأكلت فجلة, هل يستويان مذاقاً؟ .

((ذاقَ طعمَ الإيمان؛ من رضيَّ باللهِ رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ رسولاً))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

 إذا ما في ذوق راجع نفسك، أعد حساباتك، راقب أين الخلل؟ أين المعصية؟ أين يوجد الشِرك؟ أين يوجد تعلّق في الدنيا؟ أين التقصير؟ راقب, إذا ما شعرتَ بهذا القُرب, وما شعرتَ بهذا الحُب, وما شعرتَ بهذا السمو, وما شعرتَ بهذه السعادة, راجع حساباتك .
 حديثٌ آخر: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

 إذا واحد من الأخوان المؤمنين, له رفيق لا يُصلّي, وعاصي لله, وهو في أعلى درجات الغِنى والرفاه والبحبوحة، إذا قالَ هذا الصديقُ الأول, المُستقيمُ على أمرِ الله: هنيئاً لفُلان، أقول لكم: إيمانهُ صِفر، لو أنهُ ذاق طعمَ الإيمان, لما تمنىَ أن يكونَ مكانهُ .
 أقول لكم هذا الكلام: إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, وأنتَ في أشدِ حالاتِ الحِرمان من المال, من الصِحة, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, أن تكون مكانَ إنسانٍ صحيح الجسم لكنهُ عاصٍ، قوي الجسم لكنهُ عاصٍ، رفيع المكانة لكنهُ عاصٍ، كثير المال لكنهُ عاصٍ, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة أن تكونَ مكانه، بحالاتهِ، بمعاصيه، اعلم عِلم اليقين أنكَ لا تعرفُ الله, وما ذُقتَ من الإيمانِ شيئاً, وكلُّ عملكَ مردودٌ عليك، هكذا قالَ النبي:

((من كانَ اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سِواهُما))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

 قالت له زوجته: أريد كذا وكذا, قال: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنةٍ من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلهن, أهون من أن أُضحي بِهن من أجلكِ .
 المؤمن حياته غير قابلة للمساومة, لأنَّ اللهَ ورسولهُ أحبُّ إليه مما سِواهُما، مهما أوذي في الله, لا يعصي الله, وتجد إنساناً آخر على كلمة, ترك الصلاة, لا أريد, على كلمة حذّرهُ بها فاسق, تركَ دروسَ العِلم كُلها, يرى ذلك راحة له, قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[سورة الحج الآية: 11]

 ومن كان يُحبُ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله: لكَ أخ تُحِبهُ لله، لستَ زبون عِندهُ, وليسَ هو زبون عِندك, ولا في قرابة, ولا في صداقة, ولا في مصالح، إطلاقاً لا تُحبهُ إلا لله, لا علاقة دنيوية بينكَ وبينهُ, هذه علامة الإيمان .
 ومن يكرهُ أن يعود في الكُفرِ بعدَ إذ أنقذهُ الله, كما يكرهُ أن يُلقى في النار .

الثواب :

 يقول أحد العلماء : إذا لم تجد بالعمل حلاوةً في قلبكَ وانشراحاً فاتهمهُ .
 اتهم قلبك , فإنَ الربَّ تعالى شكور؛ يعني لا بدَّ من أن يُثيب العامل على عملهِ في الدنيا , من حلاوةٍ يجدُها في قلبهِ .
 يمكن وضعنا يدنا على معنى دقيق جداً من معاني الثواب .
 أخي لك ثواب اعمل , شغلة فيها ثواب ، كلمة ثواب يُرددها الناسُ عشرات المرات , بل مئات المرات في اليوم الواحد .
 قبلَ أن ننُهيَّ الدرس , لا بدَّ من توضيح معنى الثواب .
 مرةً ثانية : كلمة الثواب تتناقلها الألسن , كُلَّ يومٍ عشرات, بل مئات المرات، هذه الشغلة فيها ثواب، اعمل هكذا لكَ ثواب، هذا العمل الله يُثيبك عليه، ما معنى الثواب؟ هُنا في معنى دقيق, الله عزّ وجل من أسمائهِ الشكور، معنى شكور: أنكَ إذا عَملتَ عملاً صالِحاً, ألقى في قلبِكَ سروراً وطمأنينةً وسكينةً وسعادةً, كأجرٍ فوريٍّ يُقدمهُ لك مُعجّل، فإذا عَمِلتَ عملاً صالحاً, ولم تشعر بشيء إطلاقاً, فاعلم عِلمَ اليقين: أنَّ هذا العمل فيه خلل، إمّا في النية, أو في القصد, أو في مُطابقتهِ للسُنّة، إن لم تشعر بسعادةٍ لا توصف من خِلال أعمالكَ الصالحة التي تبتغي بها وجهَ الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ أجرَ الله عزّ وجل المُعجّل لم يَصِلك، إذا الأجر لم يصل, معناها العمل لم يُقبل، معناها العمل لم يُرفع إلى الله عزّ وجل.
 فإذا الإنسان ابتغى بعملهِ إرضاء الناس, أو ينتزعَ إعجاب الناس, أو أن يُثني الناسُ عليه, يفعلُ أعمالاً صالحةَ كالجبال, ومعَ ذلك قلبهُ مُتصحّر, والله أخدم كثيراً ولا أُحس بشيء.
 المعنى اللغوي: ما معنى ثابَ إلى رُشدِهِ؟ يعني عادَ الثواب, يعني عادَ، يعني أنتَ إذا فعلت عملاً صالحاً, العائد الذي يعودُ عليك, هو شعوركَ بالسعادة, لذلك المؤمنون الصادقون إذا عَمِلوا الصالحات, تمتلئُ قلوبُهم سعادةً، وما السعادة التي تمتلئُ بها قلوبهم, إلا أجرٌ مُعجّلٌ أعادهُ الله عليهم في الدنيا .
 معنى الثواب: هذه السعادة التي يشعرُ بها المخلِصون المستقيمون المنضبطون, فإذا الإنسان له أعمال صالحة كثيرة وكبيرة, وما شَعَرَ من خِلالِها أنَّ قلبهُ قد اهتز طرباً, وانتشى سعادةً, فليُراجع نفسهُ مرةً ثانية, هذا حال المُراقبة .
 يعني: إذا شعرتَ أنَّ الله يطلّعُ عليك, واستقمتَ على أمرِهِ, وأخلصتَ لهُ, جاءكَ الإحسان، جاءكَ السرور، جاءتكَ السعادة التي هي مُشجعٌ كبير في الدنيا .
 إن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادمٍ إلى منزلة جديدة من منازل مدارج السالكين, في فَهمِ معنى: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS