27838
التفسير المطول - سورة الإسراء 017 - الدرس (01-13): تفسير الآيات 1 – 10
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-06-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة الإسراء :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

الحكمة من ابتداء السورة بقوله : سُبْحَانَ :

 الموضوع متعلق بمعجزة الإسراء، لماذا بدأت هذه المعجزة بقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ سُبْحَانَ ﴾

( سُبحان ) مصدر بمعنى التنزيه والتقديس والتمجيد :

 سبحان اسم ناب مناب المصدر، والمصدر ناب مناب الفعل، قد تقول: أشكرك، هذا الفعل، وقد تقول: شكراً، هذا مصدر ناب مناب الفعل، سبحان اسم ناب مناب مصدر، والمصدر ناب مناب الفعل، أي: سبّحْ، ومعنى سبحْ أي: نزّه، ومعنى سبّحْ أي: مجّد، نزّه ومجد .

السبب وحده لا يكفي لإحداث  النتيجة :

 ما علاقة التسبيح بهذه المعجزة التي كانت في حق النبي عليه الصلاة والسلام؟ العلاقة أن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الكون، خلقه وفق نظام، وجعل لكل سبب نتيجة، وجعل فيما يبدو لنا الأسباب تؤدي إلى نتائج، لكن الناس بعد أن ألِفوا أن هذه الأسباب تؤدي إلى النتائج، قد يغفلون عن أن مسبب الأسباب هو الله، وأن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة، لذلك قد تأتي النتائج من دون أسباب كافية، وقد تكون الأسباب، ولا تحقق النتائج المتوقعة .
 إذا وجد السبب ولم يحقق النتيجة المتوقعة، كان هذا دليلاً على أن السبب وحده لا يكفي لتحقيق النتيجة، وإذا كانت النتيجة من دون سبب، معنى ذلك أن السبب ليس له دور حقيقي في إحداث النتيجة، لكن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، هذا يتضح بمَثَل :
 الله سبحانه وتعالى جعل توالد البشر عن طريق الزواج، فلا بد من زواج بين رجل وامرأة لتنجب المرأة طفلاً، وهذا هو النظام العام، وهذا هو القانون المفترض، وإذا عطّل الإنسان فكره وتوّهم أن كل زواج يؤدي إلى مولود، عندئذ نجد حالة العقم .
 رجل وامرأة، والرجل و المرأة لا ينجبان طفلاً، وقد خلق الله عز وجل آدم من دون أب ولا أم ! وخلق سيدنا عيسى من دون أب، وخلق السيدة حواء من دون أم، إذاً ما كل سبب يؤدي إلى نتيجة، معنى ذلك : أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، وما هذه الأسباب إلا قرائن رافقت النتائج، لكنها ليست هي الخالقة .
 ثمة مَثَلٌ ضربه علماء التوحيد: أن مصباحاً كهربائياً موصولاً بشريط، والشريط ينتهي بمفتاح، والمفتاح بيد رجل، وهناك مفتاح كهربائي ليس موصولاً بالمصباح، جاء شخص اقترب من المفتاح، وضغطه فتألق المصباح، توهم هذا الداخل أنه هو الذي أشعل هذا المصباح، هذا العمل تكرر كلما وضع يده على هذا الزر، ضغط الرجل الزر الحقيقي فتألق هذا المصباح، إلى أن اعتقد هذا الإنسان بسذاجة وتوهم أنه هو الذي يشعل المصباح، ذات مرة دخل ووضع يده على المفتاح، لم يتألق المصباح، إذاً: هذه الضغطة على الزر غير كافية لتألق المصباح، وفي مرة ثانية تألق المصباح من دون أن يضغط على الزر، استنتجنا أن هناك جهة أخرى هي التي تشعل المصباح، وما هذا الزر إلا ترافق، كلما تألق المصباح رافق ذلك ضغط الزر .
 إنّ السبب وحده غير كاف لإحداث النتيجة، هذا أول معنى، ولذلك فربنا عز وجل من حين لآخر يخرق هذه القوانين، يبطلها أو يعطلها، تأتي النتيجة بلا سبب أي : أبطلها، يكون السبب ولا تكون نتيجة، أي : عطّلها، وأحياناً هذه القوانين تبطل أو تعطل، من أجل أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، وأن الله هو الخالق، وأن السبب وحده لا يكفي لإحداث النتيجة .

تعطُّل قانون الزمان والمكان في معجزة الإسراء والمعراج :

 لذلك أن ينتقل إنسان من مكة إلى بيت المقدس، وأن يعرج إلى السماوات، وأن يصل إلى سدرة المنتهى، وأن يعود إلى مكة في جزء يسير من الليل، هذا فوق طاقة البشر، لا يمكن أن يُحْدِثَ هذا إلا خالق الكون الذي بيده أن يعطل قوانين المكان والزمان، فالزمان له قانون، والمكان له قانون، الله سبحانه وتعالى عطّل قانون المكان، وقانون الزمان، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام، وانتقل بجسده الطاهر وبروحه الشريفة من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى السماء، فالانتقال من مكة المكرمة إلى بيت المقدس إسراء، والانتقال من بيت المقدس إلى السماوات العلا معراج .
 إذاً: جاءت كلمة

( سبحان )

 أي نَزّه هذا الرب، وعظّمه، ومَجَّدَهُ، فهو الذي بيده كل شيء، بيده المكان، ولو شاء لألغى قوانين المكان، وبيده الزمان، ولو شاء لألغى قوانين الزمان، إذاً : ( سبحان ) تعني ما أعظم الخالق الذي بيده كل شيء، الأسباب صور، والنتائج صور، وهو كل شيء .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح : 10 )

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال : 17 )

 لا يحدث شيء إلا بأمر الله وعلمه وقدرته وتقديره .
 إذاً: مناسبة أن تأتي كلمة ( سبحان )في مطلع سورة تشير إلى معجزة تمت للرسول عليه الصلاة والسلام بانتقاله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن المسجد الأقصى إلى السماوات العلا، في جزء يسير من الليل، هذه معجزة فيها خرق لقوانين المكان والزمان، ولا يستطيع أن يفعلها إلا خالق الكون، وخالق المكان، وخالق الزمان .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

 سبّح أيها القارئ، أيها المؤمن، أيها المسلم، ونَزِّه وَمَجِّد وَعَظِّم .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

معنى : أَسْرَى :

 أسرى، يقال : سرى وأسرى، سرى مشى في الليل، سرى مشى في آخر الليل، وأسرى مشى في أول الليل، فإذا قال الله سبحانه وتعالى :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾

 كان المعنى: أنه أسرى بعبده ليلاً .

معنى : لَيْلاً :

المعنى الأول :

 لماذا جاءت كلمة ليلاً؟ العلماء قالوا: جاءت كلمة ليلاً لتؤكد أن الإسراء تم بالليل! كأن تقول :

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾

( سورة النحل : 51 )

 إله تعني أنه واحد، إلهٌ مُفْرَد، لكن تأكيداً على أن المطلوب ليس معنى إثبات الألوهية، بل المقصود إثبات الألوهية والوحدانية .

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾

 اثنين توكيد، وواحد توكيد .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾

 تأكيد على أن هذه المعجزة تمت في الليل، أما كلمة ليلاً جاءت نكرة، ودليل أنها نكرة جاءت مُنَوَّنَة ليلاً، وهذه إشارة إلى أن هذه المعجزة تمت في جزء، هذا التنكير تنكير تبعيض، وهناك تنكير شمول، أو تنكير تمكين، هذا التنكير تنكير تبعيض، أي: لم تستغرق هذه المعجزة الليل كله لا، ليلاً، أي في جزء يسير من الليل .
 كأن تقول :

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾

( سورة الكهف : 58 )

 الرحمة معرفة بأل، أو تقول :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : 159 )

 أي: كل ما في قلبك من الرحمة يا محمد ما هو إلا جزء يسير من رحمة المولى القدير .

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾

 في جزء يسير من الليل انتقلت في البيت الحرام من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى، إلى السماوات العلا، وعدتِ ولا يزال الفراش ساخناً! هذا أول معنى .

المعنى الثاني :

 لماذا قال الله عز وجل :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾

 أن الليل جاء ليؤكد أنه وقت المناجاة والتجلي والاتصال، وبعض العارفين بالله كان يناجي ربه : يا رب، قد هجعت الطيور إلى أعشاشها، وأغلقت الملوك أبوابها، وآوى كل حبيب إلى حبيبه، وأنا واقف ببابك، أرتجي جنابك يا رب .
 الليل وقت المناجاة، ووقت الاتصال، ووقت التهجد، ووقت الإقبال والتضرع، سبحانك لا يطيب الليل إلا بمناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك، لا تطيب الدنيا إلا بذكرك، ولا تطيب الآخرة إلا ببرك .
 إذاً أول معنى: أن الليل تأكيد إلى أن الإسراء تم في الليل .
 والمعنى الثاني: أن ليلاً المنكرة تنكير تبعيض دليل على أن هذه المعجزة التي تحتاج إلى سنوات وسنوات تمت في جزء يسير من الليل !
 القمر يعد أقرب شيء للأرض، يكاد القمر والأرض يكونان كوكباً واحداً ! القمر يبعد عنا ثانية ضوئية، فإذا تألق ضوء في القمر وصل إلينا في ثانية واحدة، والشمس تبعد عنا ثماني دقائق، والمجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة، وطول درب التبانة مئة وخمسون ألف ثانية ضوئية، وبعض المجرات تبعد عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية !

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الواقعة )

 هذا القمر الذي يعد هو والأرض ككوكب واحد، يبعد عنا ثانية ضوئية، والمركبة التي توجهت إليه بقيت ثلاثة أيام بلياليها منطلقة إليه بأقصى سرعة ركبها إنسان، سارت أربعين ألف ميل في الساعة! والطائرة الحديثة جداً سرعتها ألف ميل، طائرات وركاب فسارت ألفًا، وبعضها ستمئة، بعضها تسعمئة، الحديثة ألف، أما هذه المركبة فتسير أربعين ألفاً في الساعة! ومع ذلك احتاجت هذه الرحلة إلى ثلاثة أيام! أما النبي العدنان عليه الصلاة والسلام فأسرِي به من مكة، إلى بيت المقدس، إلى السماوات العلا ذهاباً وإياباً وعودة، والفراش لا يزال ساخناً، وعُطِّلَت قوانين الزمان، وعُطِّلَت قوانين المكان، ولا يفعل هذا إلا الواحد الديان !
 لا يوجد جهة أخرى، مهما كنت ذا قيمة وشأن فمن دمشق إلى حلب بالسيارة تقطعها في أرع ساعات أو ثلاث ساعات، هذه طاقة البشر، في الطائرة نصف ساعة، وهل تستطيع أن تكون في ثانية بحلب؟ كن من تكون فلن تستطيع ذلك! لا يخرق هذه القوانين إلا الله سبحانه وتعالى .
 إذاً :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾

السرُّ في وصف النبي بمقام العبودية :

 أما كلمة ( عبده )فهي أكمل المخلوقات خُلُقَاً وعِلماً، وأكملهم عبودية! وأعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض أن يكون عبداً لله، إذا كمل علمه كملت عبوديته، وإذا قال: أنا فهو جاهل، من أنت؟ كنت لا شيء، فأصبحت به خير شيء، في الورى قد طبعك، إذا قال: أنا ذاكرتي قوية، فالله عز وجل قادر في لمح البصر أن يجمد قطرة دم في بعض شرايين المخ فيفقد ذاكرته! وإذا قال: أنا محاكمتي قوية، جمعت أعلى مجموع في الشهادة الثانوية، فالله عز وجل قادر أن يقوم بانفجار في بعض شرايين المخ فيصبح مجنوناً ونزيلاً في بعض المستشفيات العقلية! وإذا قال: أنا قوي أحمل كذا كيلو، وحَصل على رقم أولمبي مثلاُ، فممكن أيضاً بشريان آخر تأتيه خثرة دموية فيغلق فيصاب الإنسان بالشلل!

أفضل مقامات العبد مقام العبودية :

 إذاً: كمال علمك، يؤدي إلى كمال عبوديتك، وكمال خلقك يؤدي إلى كمال عبوديتك، إذا عرفت نفسك حقيقة فأنت عبد لله، ثلاث كلمات مهلكات: أنا، ولي، وعندي، قال إبليس :

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

(سورة الأعراف)

 فأهلكه الله عز وجل .
 وقال قارون :

(سورة القصص)

 وقال فرعون :

﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

(سورة الزخرف)

 فكلما ارتقى علمك اقتربت من العبودية، وكلَّما ارتقت نفسيتك اقتربت من العبودية، فإذا بلغت قمة الكمال البشري فأنت عندئذ لا تزيد على أن تكون عبداً لله، وإذا كنت عبداً لله رفعك الله، وأعزك الله، وأمدك الله، وأغناك .

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح)

 إذا كنت عبداً لله فأنت عزيز في الدنيا والآخرة، وإذا كنت عبداً لله فأنت غني بكل ما تعني هذه الكلمة، تحس بالغنى والغنى ليس عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغِنى غِنى النفس، لذلك :

اجعل لربك كل عـز  ك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يمو  ت فإن عزك ميت
***

 كلمة ( بعبده )أي: كلما تعمَّقْتَ بالتوحيد اقتربت من العبودية، والعبودية تعني أنك مِنْ أعز الناس، ومن أكرمهم، وأرفعهم شأناً، وهل في الأرض كلها إنسان أعزه الله كهذا النبي العظيم ؟
 قال لي أخ كريم: إنه تمكن قبل سنوات بقدرة قادر، وبشكل غير طبيعي أن يدخل الحجرة النبوية! وأن يغسلها بنفسه! وقيل له: إياك أن تتلف هذه المناشف التي نشفت بها الحجرة، فهذه مباركة، فهذه الحجرة النبوية يتشرف الملوك بتنظيفها! فما قولك بصاحب هذا المقام المحمود والحوض المورود، والشفاعة العظمى؟

هذا من الحمقِ فتنبَّهوا :

 إذا كنت أنت عبداً لله يرفع لك ذكرك، ويرفعك في العالمين، وكلمة عبد أرقى كلمة يوصف بها إنسان! أي: عالم، فلأنه عالم أصبح عبداً، ولو كان متكبراً لكان جاهلاً، فلو قال: أنا، معنى ذلك أنه أحمق وجاهل، لا يفهم شيئاً، ولو قال: عندي، فهذا أحمق، ولو قال: لي فهو أحمق، ولو قال: أنا أفعل كذا، فهو أحمق، إلى أن يقول: لا إله إلا الله، وأنا عبد الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبي الله، ونعم الوكيل، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا معطي يا رب لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا رافع إلا أنت، ولا خافض إلا أنت، ولا رازق إلا أنت .. فعندئذٍ أنت عبد لله، وإذا عرفت حجمك الحقيقي رفعك الله في الدرجات العلا، وأمدّك الله بمددٍ من عنده .
 أي مصلحة إذا قال صاحبها: أنا فَهِمٌ، فلا بد من أن يرتكب حماقة تسحقه، أو لا يوجد مثلي طبيبًا، أو لا يوجد مثلي مهندسًا، أو أنا أنفرد في البلد بهذه الخبرة ... فعندما يقول : أنا، فهو أحمق ! ولا يعرف أن كل ما يملكه بإذن الله عز وجل، فلذلك كلمة ( عبد )تعد قمة العلو البشري .
 يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سدرة المنتهى قال: يا رب، اجعلني عبدك، اجعلني متمثلاً صفات العبودية الحقّ، فالمؤمن متواضع يعرف حده فيقف عنده، ولا يتعدى حدوده، لا يدَّعي ما ليس له، لأنه عالم أصبح عبداً، فالعلم يقودك إلى العبودية، والعبادة أرقى درجات العمل، وأرقى درجات العلم أن تقول: لا إله إلا الله، وأرقى درجات العمل أن تعبد الله، ولذلك فالأنبياء جميعاً ملخص دعوتهم :

﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة الأعراف : 59)

 وهذه آية متكررة جدا .

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة المؤمنون : الآية 32)

 ونهاية العمل أن تعبده، ونهاية العلم أن ترى أن لا إله غيره، لا إله إلا الله فاعبده .

﴿ بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر)

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف)

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

( سورة طه )

 لا يوجد إله غير الله عز وجل .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾

شرفُ إضافة العبد إلى ربِّه :

 بعبده، الهاء ضمير غائب يعود على الله سبحانه وتعالى، هل من تشريف أعظم من أن يضاف العبد إلى سيده؟ ومن أن يضاف إلى خالقه؟ ومن أن يضاف إلى الذات العلية ؟ وإلى صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، وإلى واجب الوجود، وإلى الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وإلى رافع السماوات بغير عمد بعبده، ولذلك عندما يكون قلب الإنسان صاحياً ويقرأ قوله تعالى :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الزمر : 53 )

 أنت نُسِبْتَ إلى الله عز وجل، وأضِفْتَ إليه .
 هذا الضمير المتكلم الذي يعود على الله عز وجل، إذا أضيف العبد إليه فهذا تشريف ما بعده تشريف، وإذا قال لك شخص رفيع المقام: هذا موظف عندي، وهذا لمكتبي الخاص، وهذا أقرب الموظفين إلي، وهذا أعلى مقام، أي أضيف هذا الإنسان إلى هذا الإنسان العظيم، فكيف بالمولى الكريم ؟

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾

الكعبة مسجد حرام أصالة ومآلاً :

 والكعبة كان فيها أصنام، فكيف سميت مسجداً؟ هذا سؤال، والأقصى كان هيكل سليمان، ولم يكن مسجداً، ولم يكن يوجد قبة، ولا محراب، ولا آيات، كما هي الحال اليوم، فكيف سماه الله مسجداً؟ والعلماء قالوا: المسجد مكان السجود، والأصل أن هذه الكعبة المشرفة بناها سيدنا إبراهيم لتكون مسجداً لله عز وجل طهوراً، هُدِمَت، ووُضِعَ فيها الأصنام .
 وشيء آخر، اسمها على أصلها، أصل هذا المكان بني ليكون مسجداً لله عز وجل، وهيكل سليمان عليه السلام بني ليكون مسجداً لله جلّ وعلا .
 إذاً: سمى الله عز وجل هذا المكان مسجداً .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾

معنى : الحرام :

 و معنى الحرام أن هذه الكعبة المشرفة، ومكة المكرمة، جعلها الله بلداً حراماً، يحرم القتال بها في الأشهر الحرم، ويحرم الصيد فيها، ويحرم قطع النبات فيها، لأنها بلد مقدس، ومن أجل أن تكون أمناً للناس، ومثابة، وكذلك المسجد الأقصى، المسجد البعيد، تقول : الشرق الأدنى، والشرق الأقصى، والمسجد الأقصى أي : المسجد البعيد عن أهل مكة، هنا يوجد إشارة إلى أن هذه معجزة .

﴿ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾

بلاد الشام هي مَن حول المسجد الأقصى :

 قالوا : حوله بلاد الشام، لذلك ورد في بعض الأحاديث :

(( الشام صفوة الله من أرضه، وفيها صفوته من عباده، الداخل إليها فبرضائي، والخارج منها فبسخطي، طوبى لمن له فيها مربض شاة ))

[أخرجه الحاكم في المستدرك، والطبراني في الكبير عن أبي أمامة]

 مربض شاة، أي نصف هذه الطاولة، وكأن عمود الإيمان كما قال النبي العدنان عُمِدَ به إلى الشام في آخر الزمان، وما هذه المجالس الطيبة ... إلا دليل أن الله سبحانه وتعالى خصها بعنايته، وحفظها من كل سوء، فطوبى لمن له فيها مربض شاة :

(( الشام صفوة الله من أرضه، وفيها صفوته من عباده ))

 لكن حتى لا يعتقد الإنسان أن دمشق بالتحديد، بل بلاد الشام المقصود بها هذه البلاد التي حول المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، ليس معنى هذا أن كل شيء موجود، الإنسان قد يكون عزيزاً على إنسان آخر، وهو في العناية المشددة، لأنك عزيز على أبيك، فباركنا حوله، القصد إذا كان هناك ضيق فبسبب أن يندفع الإنسان إلى المولى جلّ وعلا، جاء في بعض الآثار: " أن أوحى ربك إلى الدنيا أن تَمرري، وتكَدَري، وتضَيقي، وتَشَددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي " .

﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾

البركة عامة ، دنيوية وأخروية :

 وقد تكون البركات أخروية، ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، قد يتوهم الإنسان أن البركات دنيوية، طبعاً هناك آيات أخرى، قال الله عز وجل :

﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

( سورة هو : 84 )

 العلماء فسروا هذه الآية أن الخير يعني وفرة المواد، ورخص الأسعار، ولكن ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، قد تأتي شدة فترقى بها إلى المولى جلّ وعلا فهذه خير، ومحض خير، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، فالعطاء من العباد منعٌ، والمنع من الله إحسان !

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

(سورة البقرة : 216)

 والإنسان أحياناً يخسر ماله كله، ويقول لك: لم يبق شيء! احترق محله، من أجل أن تنهمر من عينيه دمعة واحدة يندم بها على بعض المعاصي، إذا انتهى فَقْدُ المال كله بتوبة نصوح، فقد ربح ربحاً كثيراً .

(( أحد أصحاب رسول الله اللهم صل عليه في طريق الهجرة أُلقي القبض عليه، فترك في مكة مالاً كثيراً، فمن أجل أن ينجو بحياته، ويلتحق بالنبي الكريم قال لهم : إذا دللتكم على مالي في مكة أتدعونني؟ قالوا: نعم، فدلهم على ماله كله! ونجا بجسده إلى النبي الكريم، وحينما وصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حدثه بما جرى، فقال عليه الصلاة والسلام: ربح البيع أبا يحيى ))

[الحاكم في المستدرك عن صهيب]

 غير أنه ضيّع كل ماله، لكنه نجا، وكسب دينه وآخرته، لذلك من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً! ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، إنسان من دون شدة مستحيل، الشدة دليل، وامتحان لا بد منه .

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

 ولا بد من شدة، فبالشدة تظهر على حقيقتك، إن كنت مُدَّعياً يظهر ذلك، وإن كنت مخلصاً يظهر ذلك، فلذلك ربنا عز وجل يقول :

﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾

المعراج إراءة الآيات للنبي خاصة بعد الشدة والضيق :

 ولدي هنا سؤال! ( لنريه )، إذاً هذه المعجزة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءت بعد سنوات عجاف، بعد امتحان مرير، توفي عمه أبو طالب، وتوفيت زوجته خديجة رضي الله عنها، وكانت مؤنساً له، وخير زوجة مخلصة له .
 وحينما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام في أيام الفتح إلى مكة ما بقي في مكة إنسان إلا ودعاه إلى بيته، أبى‍ ! وقال : انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة! وفاءً لها .
 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ : فَغِرْتُ يَوْمًا ! فَقُلْتُ : مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ ! قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، قَالَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ ))

[مسند الإمام أحمد]

 لا ينسى لها ذلك، كان وفياً، وهذا هو الوفاء، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة، كانت بعمر أمه، هذا الوفاء: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة ، فإذا كان أحدكم متزوجاً امرأة أكبر منه أو بعمره إذا مرضت يتفاءل، ويقول في نفسه: سأتزوج غيرها، يتفاءل، يا ليتها كانت القاضية! أما النبي الكريم فكان وفياً، عليه أتم الصلاة والتسليم .
 إذاً: ( لنريه )بعد الشدة والضيق، والمعارضة والصد، والتآمر من قبل قريش، بلغ الخط البياني الحضيض، فجاء الإسراء والمعراج تسلية لهذا النبي العظيم، وإكراماً له، وتعريفاً بمقامه، وتعريفاً له بأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وما كان يعرف ذلك قبل هذا التاريخ!
 وحينما صلّى بالأنبياء على بعض الروايات في بيت المقدس عرف أنه سيد ولد آدم ولا فخر، وعرف أنه سيد المرسلين، وانه إمام المرسلين، وأنه المخلوق الأول .

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾

( سورة الزخرف)

 أول عابد لله عز وجل هو النبي عليه الصلاة والسلام، يا أول خلقِ الله، ليس أولية زمنية، بل أولية مقامية، من حيث المقام، أول خلق الله.

﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 والله سبحانه وتعالى أطلع هذا النبي الكريم على مقامه العظيم، في هذا الإسراء والمعراج فُرضت الصلاة، التي هي معراج المؤمن، بها يعرج إلى الله عز وجل، كلما استقام قبلها، كلما تقرب إلى الله بفعل الخيرات، وكانت صلاته معراجاً له، وكما منَّ الله على هذا النبي العظيم بالإسراء والمعراج منَّ على سيدنا موسى بالكتاب .

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا

الله يمتنّ على موسى بإنزال التوراة عليه :

 مننا عليك، وعلى موسى، عليك بالإسراء والمعراج، وعلى موسى بالكتاب .

﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾

 فحَوَى الكتاب أن تعبد الله وحده .

﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾

لا تعتمد إلا على الله ، ولا تعبد إلا الله :

 ألا تتخذ من دونه جهة تعتمد عليها، أو تركن إليها، أو تلجأ إليها، أو تقصدها، أو تطيعها.

﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾

 أي: ألاّ تتخذوا من دوني رباً لكم، فربكم الله ولا رب سواه، ومن تضعضع أمام شخص ظاناً أنه ينفعه أو يضره أو يعطيه أو يمنعه، فقد اتخذه رباً، وقد أشرك بالله رب العالمين، لذلك من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه .
 وشيء آخر: اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، له رب، وهذا الرب بيده كل شيء، مطَّلِع عليك، وكلما اعتمدت عليه أكرمك، وكلما التجأت إليه حماك .

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجب نا فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
و لذ بحمانا واحتـم بجنابنـا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***

﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾

 أي : رباً تدعونه، وتلوذون به، وتلتجئون إليه، وتحرصون على رضاه، لا إله إلا الله ولا رب سواه .

﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ

نحن من ذرية مَن حملهم نوح في الفلك :

 هذه الكلمة منصوبة، يا ذرية من حملنا مع نوح، أيها البشر نحن جميعاً ذرية من حملنا مع نوح، فسيدنا نوح هو الذي نجا، والذين آمنوا معه من الطوفان الذي عمّ الأرض، ولذلك لم ينج من طوفان نوح إلا سيدنا نوح ومن معه، ونحن ذرية له .

﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾

 يا ذرية من حملنا مع نوح، يا أيها البشر الذين منَّ الله عليكم، وأنجاكم من الطوفان، وجعلكم أحياء، وخلقكم، وأوجدكم من العدم .

﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾

نوحٌ العبد الشكور، فكونوا يا ذريته من أهل الشكر :

 كونوا كنوح شاكراً .

﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾

 ما لكم لا تشكرون ؟

﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾

 ما لكم لا تعترفون؟ ومالكم لا تطيعون؟ ومالكم لا تحبون ؟

﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾

 يا ذرية من حملنا مع نوح إن جدكم نوح كان عبداً شكوراً، فماذا تفعلون أنتم ؟

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا

هذه الآية لا تتناقض مع مبدأ الاختيار :

 الحديث الآن عن بني إسرائيل: هؤلاء في علم الله وهم مختارون، لا يتناقض أن الإنسان مختار، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون؟ الإمام علي كرم الله وجهه يقول: " علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون "، الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، يعلم بلا كيف، والإنسان مخير، علم الله عز وجل لا يؤثر في اختياره .

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾

عادة اليهود الفساد والعلوّ :

 أول مرة، وثاني مرة .

﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

 علوّ الاستكبار، علوّ الظلم، علوّ أن يبني الإنسان مجده على أنقاض الآخرين .

﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا(4)فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴾

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيد

من سنن الله تسخير عباد لوقف الفساد ، أو العلاج بالمصائب :

 الله عز وجل إذا حصل الفساد يقيض لهذا الفساد رادعاً، يقيض علاجاً، والعلاجات أنواع، قد يكون العلاج في الزلزال! وقد يكون العلاج في الفيضان! وقد يكون العلاج في جدب الأرض، وشحّ السماء! قد يكون العلاج في الطوفان، وفي المرض الشديد، وفي الفقر الشديد، وقد يذيق الله عباده بأس بعضهم بعضاً، وهذا أحد أنواع العلاج !

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل)

 هذا علاج .

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام : 65)

 فهؤلاء بنو إسرائيل بعد أن فسدوا، وطغوا، وعدوا، وتمردوا، وعلوا علواً كبيراً، فبعث الله عليهم عباداً لنا .

﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا ﴾

 أي بأمرنا وبتوجيهاتنا وبعلمنا عباداً لنا،

﴿ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴾

فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا

 قتلوا من قتلوا، ونهبوا ما نهبوا، وسفكوا الدماء، وانتهكوا الأعراض، فَسُحِق بنو إسرائيل .

﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴾

 جاسوا أي : داسوا، هذا الوعد قد نُفِّذ .

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾

 بعد أن جاءت هذه المصيبة الساحقة وهذا الابتلاء العظيم، وهذا القهر تاب هؤلاء، ورجعوا واستقاموا .

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ

الحياة تحوُّل وتغيير ، ولا تستقيم على حال واحدة :

 أعاد الله لهم ملكهم ومجدهم وغناهم، ورزقهم من الأموال والأولاد ما تقر به العيون .

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴾

 الحياة كر وفر، البطل الذي إذا جاءته الدنيا لا يطغى، لأنه إذا طغى سوف يقهره الله سبحانه وتعالى، البطولة أن تكون مع الله وأنت في الرخاء، وأنت في أوج نجاحك، وأنت في أوج صحتك، وأنت في أوج وقوتك، وألا تنسى الله عز وجل، فهذه هي البطولة، أما كل إنسان ضيق الأفق أعمى، إذا جاءته الدنيا، وأصبح قوياً ينسى فيطغى، فيأتيه تأديب الله عز وجل، ضربة قاضية، فهذه سنّة الله في خلقه، يعطي الدنيا، يعطي الأموال، ويعطي الأولاد، والقوة، والخيرات من كل جانب، وهذا الإنسان يعلو فيعلو، فينسى، ويطغى، ويفسد، ويتجبر، ويظلم، فتأتيه ضربة الله القاصمة، فيتوب! ومادام قد تاب يعود الله إلى إكرامه، فإذا رجع إلى معصيته جاءه العلاج، أبداً، إن لكل سيئةٍ عقاباً، ولكل حسنةٍ ثواباً .

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾

( سورة القصص)

 إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني .

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص)

 الظالم سوط الله، ينتقم به، ثم ينتقم منه .

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

 هذا ملخص الآية :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمْ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا(6)إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ﴾

 هذا مبدأ عام، إذا وضع إنسان في الصندوق أموالا، والصندوق مفتاحه معه، وهو ملكه .

﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ﴾

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ

إنْ عملت صالح فلنفسك ، وأسأتَ فعلى نفسك تجني :

 تستقيم لنفسك، تترفع عن المال الحرام لنفسك، تغض بصرك عن محارم الله لنفسك، وسيكون الزواج سعيدًا، تنظر إلى الحرام فزواج شقي! تكسب مالاً حراماً فيدمر المال، تكسبه حلالاً فينمو، تكون صادقاً يرفعك الله عز وجل، تكذب يَحُطُك، تكون أميناً يغنيك، تخون يفقرك، تزني يزنى بزوجتك، من يزن يُزنَ به! تنظر ينظرون إلى زوجتك، تلمس يلمسون، أبداً، حساب دقيق، إن أحسنتم تفكر بالكون، وتتعرف إلى الله عز وجل، وتعيش حياة سعيدة، وتلتفت إلى الدنيا يأتي خريف العمر ويحمل معه الشقاء الكبير .

﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ﴾

 إذا ملك رجل سيارة، وأحضر حجراً وكسر زجاجها، فمن يكون قد آذى؟ ومن غاظ؟ أغاظ نفسه! وإذا اعتنى بها فله، أراحته وأراحها، ووفَّرَت عليه نفقات كثيرة، وإذا أساء لها تسيء له، والقضية بمنتهى البساطة .

﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾

 أي : هنالك نوع من الإيلام والإهانة .

﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾

التتبير هو التخريب والتدمير :

 التتبير هو التخريب، والتدمير، أي أن أعدائكم هم الذين سَيُقَيَّضُون بتأديبكم على فسادكم .

﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾

 وسيهدمون كل شيء .

﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا

 هذه الآية وحدها تكفي، كأن الله عز وجل يخاطب كل واحد منكم .

﴿ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾

قاعدة مهمة : المعاملة بالمثل :

 إن رجعت إلي رجعت إلى إكرامك، وإن نسيتني قيضت لك ما يرجعك، إن رجعت إلي طوعاً رجعت إلى إكرامك ورفع شأنك، وإذا نسيتني وكفرت بي قيضت لك ما يزعجك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد .
 كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك .

﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ﴾

 ولم ترجعوا صار الفساد الثاني، ولم ترجعوا سأقيض لكم عباداً لي يقهرونكم ويذلونكم،

﴿ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾

 يدمرون كل شيء .

﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ﴾

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

 يوجد آية قرآنية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية 11)

 هذا قانون، والله الذي لا إله إلا هو، لو لم يكن في هذا القرآن إلا هذه الآية لكفت!
 رجل وقع في مشكلة لن يغير الله ما به حتى يغير، وحتى يتوب ويرجع إلى الله، ويصلي ويستقيم، ويعمل الصالحات، غيّر حتى يغير، وإذا كنت في بحبوحة وأمن وسلام وصحة وعافية ومكانة، وأنت لم تغير، فالله لا يغير، مهما اشتدت الظروف إن لم تغير فلن يغير غيرت يغير، هذه لها معنى عكسي .

﴿ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾

جهنم مكان يُحصَر فيه الكافر :

 مكان يحصر به الكفرة، ليس القضية يوجد باب مفتوح وتسلل أحدهم من فوق السور لا يوجد ذلك .

﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾

 تحصرهم حصراً .

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 لا يوجد آية أبلغ ولا أجمل من هذه الآية :

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ

المطبِّق للقرآن سعيد في الدنيا والآخرة :

 إن طبقته بزواجك يصبح زواجك سعيداً، وطبقته في صحتك تتمتع بها إلى نهاية الحياة، وطبقته في علاقاتك المالية، ولم تأكل الربا يبارك الله لك في مالك، وطبقته في أمور المعاش في التجارة وفي الصناعة وفي الزراعة .. حيثما طبقت هذا الكتاب يهدك للتي هي أقوم، غضبت من زوجتك فلم تخرجها إلى بيت أهلها، طبقت الآية :

﴿ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾

( سورة الطلاق : 1)

 يمر يوم أو يومان فيصطلحان، وينتهي الأمر، بقيتم في مكانتكم العلية، لا في ساعة غضب نسيت الآية، فطردتها إلى بيت أهلها شهرين أو ثلاثة أو أربعة .. أنت امتلأت وهم امتلئوا غيظاً، التفكير أصبح بالطلاق، ولديك أطفال منها، ولا يوجد من يرعى الأولاد، من غلطة واحدة أصبح الطريق إلى الهاوية مفتوحاً، إن طبق القرآن .

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

( سورة النساء : 34)

 وتكون أعلى منها علماً وخلقاً وأدباً وصلاحاً، وتنفق عليها وتملك القيادة، فإذا كنت دونها ورعاً وعلماً وصلاحاً، وطمعت بمالها كانت لها القيادة عليك! فالقضية واضحة، هذا قرآن كريم، تجعل نفسك فوقها بمئة درجة تعدّ ظالماً، وربنا عز وجل قال :

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

 درجة واحدة، وليس مليون درجة، ليس هي لا شيء، وأنت كل شيء، هي شريكة حياة، لكن القيادة لك .
 أحياناً يلتقي ضابطان بالثكنة بنفس الرتبة، الأقدم يقود السرية أو الكتيبة، ربنا جعل الزوج أقدم دائماً، وأعلى درجة .

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 فيه توجيهات صحية، فالله عز وجل قال :

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 هذه الآية تكفي .
 ذهب رجل إلى دولة أجنبية، وفي أضخم مستشفى كتب باللغة الأجنبية : نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، التوقيع : محمد بن عبد الله.
 قال : هذا الحديث يعد أصلاً في الطب الوقائي، إن طبقت القرآن في الطعام والشراب تقطف ثماره في الدنيا، وإن طبقته في الزواج تقطف ثماره، إن طبقته في التربية تقطف ثماره، وفي العمل وبالتجارة .. وفي أي شيء طبقته قطفت ثماره .

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء)

 أي للتي هي أصلح .

﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الإسراء : الآية 9)

القرآن يبشِّر المؤمن العاملَ للصالحات بأجر عظيم :

من السعادة الدخولُ في الوعد :

 مرة ضربت مثلاً مضحكاً: رجل فقير إلى درجة قصوى، دخله سبعمئة ليرة، عنده اثنا عشر ولداً، بيته بالأجرة في مثل هذه الأيام، له عم غني كبير، ليس له أولاد، توفي فترك ثمانية وخمسين مليوناً! هذه الأموال لهذا الإنسان! وبقي سنتين حتى استطاع أن يقبضها! سنتين بين وفاته وقبضه للمبلغ، هذا الإنسان الفقير هل تغيرت حياته؟ لم تتغير، طعامه تحسن؟ لم يتحسن، بيته غيره؟ لم يغيره، لماذا أصبح سعيداً؟ لأنه دخل في الوعد والأمل .
 وهكذا المؤمن بالدنيا، مهما ضاقت دنياه فهو طامع في الجنة، هذا الإنسان الفقير مادام سيأتيه مبلغ ضخم كلما رأى بيتاً فخماً قال: سأشتريه، كلما رأى مركبة فخمة قال : هذه سأشتريها، وكلما رأى شيئاً جميلاً يقرر شراءه، لأنه أصبح موعوداً بمبلغ ضخم، لكن إجراءات قبض المبلغ تستغرق وقتاً، وهذا المثل لم يقع بل هو من عندي، إنه مثل تركيبي، وليس مثلاً واقعاً، فدخل بالوعد، وأصبح سعيد، وأحد أسباب سعادة المؤمن أن الله عز وجل يعده بالجنة !

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص)

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS