29259
خطبة الجمعة - الخطبة 0989 : خ1 - الحفاظ على البيئة في ضوء الإسلام - خ 2 الانتماء إلى المجموع .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2005-12-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، أخطر شيء في حياة الأمة أن تهزم من الداخل، ألا تثق بمنهجها، ألاّ تثق بدينها، ألاّ تثق أن هذا الوحي وحي السماء نظام كامل صالح لتقدمها وتفوقها.

جهل المسلمين بعناية الإسلام بالبيئة

 كثر الحديث عن البيئة، وعن الحفاظ عن البيئة، وكلما جاءتنا توجيهات من بلاد بعيدة ظننا أن هذه التوجيهات قيمة جداً، وأن ديننا يفتقر إلى مثل هذه التوجيهات، هذه عقدة النقص التي أورثها الغرب.
 أيها الإخوة الكرام، لأننا لا نطلع على ما في هذا الدين من توجيهات متعلقة بالبيئة، والله الذي لا إله إلا هو كدت لا أصدق هذه التوجيهات التي تغطي كل جوانب البيئة، وهذا سبق تشريعي ليس في الأرض حتى الآن تشريعات ترقى إلى هذا المستوى، ولكن هذا ضعف ثقتنا بديننا، وضعف ثقتنا بهذا الدين الذي قال الله عنه:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3]

 أي أن هذا الدين تام عدداً، وكامل نوعاً، فعدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً، وطريقة المعالجة كاملة نوعاً، والذي سكت عنه الدين هناك حكمة من السكوت عنه لا تقلّ عن حكمة الذي شرعه، لأنه دين الله، لأن هذا تشريع السماء، وليس هذا تشريعاً أرضياً، ولا من اجتهاد بشر لهم نظر قاصر، وحاجات مُلحّة، ومصالح واضحة.

أمراض المجتمع الإسلامي

 أيها الإخوة الكرام، لكن المشكلة أن هناك أمراضاً لا تعد ولا تحصى في مجتمعاتنا هي في حقيقتها أعراض لمرض واحد، إنه الإعراض عن الله عز وجل، أنا يمكن أن أقدم لكم صورة تجسد معنى الانتماء الفردي، وتنقض معنى الانتماء الجماعي:
 إن إنسانًا جلس في ظل شجرة تفاح وارفة الظلال، مثقلة بالأحمال، نظر إلى تفاحة بعيدة فأعجبه حجمها، ولونها، ومعه منشار آلي لا يستطيع أن يصل إليها، فقطع الشجرة، ووقعت على الأرض ليلتقط هذه الحبة، فعدم الانتماء إلى المجموع أكبر مرض تعاني منه الأمة، لو سألتني عن تفسير علمي لهذا الانتماء الفردي لا الانتماء إلى المجموع قلت: الحقيقة أيها الإخوة الكرام أن في الإنسان طبع، ومعه تكليف، ودائماً وأبداً الطبع يتناقض مع التكليف، وهذا التناقض ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات]

 سقت هذا الموضوع عشرات المرات: الطبع يقتضي أن تنام، والتكليف أن تستيقظ، الطبع يقتضي أن تأخذ المال، والتكليف أن تدفع المال، الطبع يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن المرأة، والتكليف أن تغض البصر، الطبع يقتضي أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف أن تسكت، والطبع فردي، والتكليف جماعي، أنت تنتمي إلى المجموع بقدر طاعتك لله ومحبتك له وخوفك منه، وتنتمي إلى ذاتك وإلى مصالحك بقدر تفلتك من منهج الله، هي منظومة لا تتجزأ، فإن كنت تخاف الله تخاف أن تؤذي عباده بالبيئة، وتخاف أن تلوث البيئة، وتخاف أن تفسد الأجواء، وتخاف أن تفسد الماء، وتخاف أن تفسد الأخلاق، و تخاف أن تفسد النساء، و تخاف أن تفسد كل شيء.

الحياة بين الوازع والرادع

 أيها الإخوة الكرام، كلمة من القلب إلى القلب: هذه الحياة لا تنتظم إلا بالخوف من الله، وأيّ أداة أخرى لم يثبت نجاحها.
 بشكل مبسط جداً: هذا الراعي الذي امتحنه ابن عمر رضي الله عنه قال له: بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟ هذا هو الدين، هذا الراعي ذو الثقافة المحدودة جداً وضع يده على جوهر الدين، بينما الإنسان إذا شرع قانونًا فالمشرِّع ذكي، والمشرَّع له قد يكون أذكى منه، لذلك في البلاد التي ليس فيها وحي السماء ليس فيها خوف من الله، وثمة معركة طاحنة تمشي في طريق مسدود، كلما شرعنا لشيء جاء المواطن، وأفسد هذا التشريع، واحتال عليه، هي معركة لا تنتهي، والمثل الواضح الذي رأيته بأم عيني أن السرعات في بلاد الغرب يجب أن تكون محدودة، وتضع المؤسسات المرورية إشارات أو أجهزة لكشف السرعات الزائدة، فاخترع المواطن جهازًا يكشف هذه الأجهزة، فانتهى الأمر، وانتهى هذا التشريع، وقس على ذلك ما شئت.
 أضرب لكم بعض الأمثلة: نحن في رمضان يدخل أحدنا إلى بيته، وقد يكون الصيام في أشهر الصيف، حيث يكاد الصائم يموت من العطش، وليس في البيت أحد، فإذا دخل إلى الحمام والماء عذب زلال هل يستطيع أن يضع قطرة ماء في فمه ؟ هذا هو الدين، هذا الذي يضبطك في خلوتك وفي جلوتك، في سرك وفي جهرك، في بيتك وفي عملك، وفي الطريق، الحديث عن أخطاء ترتكب لا تعد ولا تحصى، أخطاء في البيئة، أخطاء في التلوث، ليس هناك وازع، هذا الدين العظيم بني على خوف الله، بني على الوازع، بينما كل الأنظمة الوضعية بنيت على الرادع.
 في بلاد بعيدة، وفيها تقنية عالية جداً لا يمكن أن تخرج من مكان البيع قبل أن تدفع الثمن، لأن أية سلعة ألصقت عليها لصاقة، لو لم تدفع ثمنها لأصدرت أصواتًا، وأغلقت الأبواب، وألقي القبض عليك بالجرم المشهود، إذاً لا أحد يسرق، هذا رادع خارجي، أما حينما انقطعت الكهرباء مرة في مدينة تمت في ليلة واحدة مئتا ألف حالة سرقة، قدرت ببضع مليارات من الدولارات، فالدين مبني على الوازع، والأنظمة التي وضعها الإنسان مبنية على الرادع الخارجي، وأيّ رادع خارجي يُحتال عليه، لكن الله إذا أمرك بأمر لا تستطيع أن تخالفه لا في سرك، ولا في جهرك، ولا في خلوتك، ولا في جلوتك، ولا في كل الأحوال.
 أيها الإخوة الكرام، الذي يلفت النظر أن المشكلات التي تعاني منها الأرض التلوث الهوائي والمائي، وتلوث التربة، ومشكلة التصحر ونقص الغذاء، وانتشار العدوى والأمراض نتيجة عدم النظافة، وانقراض كثير من الأنواع النباتية والحيوانية، وتغير المناخ، وتأثر طبقة الأوزون، هذه مشكلات كبرى، ونسب سرطان الجلد ارتفعت في بعض البلاد إلى سبعين بالمئة بسبب الخلل الذي أصاب طبقة الأوزون، وموضوع البيئة والتلوث هذا أكبر موضوع تعاني منه البشرية اليوم، ويدعى الدعاة إلى الله لمعالجة هذا الموضوع، فإذا في الدين من التوجيهات القرآنية والنبوية ما لا يكاد يصدق.
 أيها الإخوة الكرام، لماذا الدعاة أحياناً يختارون من الموضوعات ما يروق لهم، ويهملون موضوعات عالجها النبي e بشكل واسع جداً، يجب أن تكون أميناً على توجيهات النبي e الذي عالجه في مئات الأحاديث، ينبغي أن تطرحه من ألطف الآيات التي تتحدث عن تلوث البيئة، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة البقرة]

من ظواهر تلوث البيئة

1 - تلوث الهواء

 هذا الهواء النقي لوثته، هذا الماء العذب الزلال لوثته، وإلى بضع عشرات السنين كان أهل دمشق يشربون من الأنهار، لأن الإيمان الذي في قلوب الناس وقتها يردعهم أن يلوثوا هذه المياه، الآن المياه سوداء لا تشرب إطلاقاً.

2 - تقلص المساحات الخضراء والغابات

 أيها الإخوة الكرام، من الحقائق المذهلة أن في الأرض الآن أربعة وعشرين مليون كيلو متر مربع من مساحة اليابسة غابات بعد أن كانت سبعة وثلاثين مليون كيلو متر مربع الآن تقلصت مساحة الغابات في الأرض من سبعة وثلاثين مليون كيلو متر إلى أربعة وعشرين مليون كيلو متر مربع.
 أيها الإخوة الكرام، في كل عام يفقد العالم ثمانية عشر مليون هيكتار من الغابات في كل عام يعني في كل عام نفقد مساحة خضراء تساوي مساحة النمسا.

3 - مشكلة التصحر وآثارها البيئية والمادية

 أيها الإخوة الكرام، تسعون دولة في العالم تعاني من مشكلة التصحر، حيث انخفضت إنتاجية أراضيها خلال عشرين عامًا إلى أربعين بالمئة، والآن تصل نسب الأراضي المزروعة من التي كانت صالحة إلى خمسة وعشرين بالمئة، وهذه أرقام مخيفة.
 أيها الإخوة الكرام، خسائر التصحر كل عام ستة وعشرين ألف مليون دولار، ستة وعشرين مليار كل عام خسائر التصحر تعالوا بنا إلى الدين إلى هذا الدين العظيم شريعة السماء توجيهات الخالق.

من توجيهات النبي في موضوع البيئة

1 - زراعة الأرض وعدم احتجازها

 عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ))

[ متفق عليه ]

 أما أن تحتجز أرضاً صالحة للزراعة تزرع قسماً منها، وتدع الباقي فلا، لأنه

(( مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ ))

 فإما أن يكون معك شريكاً، وهذا حكم المزارعة في الدين، وإما أن تهبها له ليزرعها، فتنتفع الأمة بها.

2 - استصلاح الأراضي

 ومن أروع ما يسمى بالاستصلاح الأراضي ما صح عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

(( مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ فِي خِلَافَتِهِ ))

[ متفق عليه ]

 أيْ أصبحت ملكه، وقد ملّك النبي e صحابته الكرام أراض زرعوها.

3 - غرس الأشجار

 الشيء الدقيق جداً، وهذا الحديث أصل في تحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ خضراء فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ))

[ متفق عليه ]

 أرأيتم إلى هذه التوجيهات ؟ أنا أُعلِمت في بعض بلاد الخليج أن الذي يتسبب بقطع شجرة، ولو بحادث سير يدفع ما يساوي مليون ليرة، لأن أثر الشجر لا يوصف، هذه الغوطة الغناء التي هي مضرب المثل في المنطقة أصبحت قطعاً من الإسمنت، وأصبحت صحراء من الإسمنت.
 أيها الإخوة الكرام، بل من أبلغ ما في الزراعة حديثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

[ أحمد ]

 إذا قامت القيامة، وانتهت الحياة فليغرسها، هذا توجيه السماء:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[ سورة النجم ]

توجيهات القرآن حول البيئة

 أما في القرآن فقال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ﴾

[ سورة الأنعام: الآية 141]

 هذا من فضل الله علينا، قال تعالى:

﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: الآية 20]

 هذا قرآن كريم، الله عز وجل يمتن علينا بشجر الزيتون دائم الخضرة، فيعطي الأوكسجين، ولا يحتاج إلى عناية فائقة، يعطي أثمن ثمرة نحتاجها.
 إن هناك دراسة في بلاد بعيدة تؤكد أن غذاء الشرق الأوسط أعلى غذاء في العالم، لأن في مقدمة هذا الغذاء زيت الزيتون، ولأن الخضار نأكلها طازجة، وفيها السيلولوز الذي يملأ الأمعاء، ويزيد حركتها، ويسهل الهضم، ويمتص الكوليسترول الضار، لأننا فقراء نكثر من البروتين النباتي، وهو أفضل ألف مرة من البروتين الحيواني.

التلوث والتصحر من الفساد في الأرض

 أيها الإخوة الكرام، أما أهل الدنيا الذين عملوا على التصحر والتلوث فقال تعالى عنهم:

﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾

[ سورة البقرة: الآية 205]

 ومن أدق تعريفات الفساد أن يخرج الشيء عن طبيعته، فالماء خلقه الله سائلاً لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، عذباً زلالاً، فأصبح الآن ماء ملوثاً.
 يقول سيدنا الصديق في وصيته لجيوش الفتوح: << لا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة، ولا بعيراً إلا لمأكلة >>.
 أيها الإخوة الكرام، ذكرت أن هناك بلاداً قد أعدمت عشرين مليون رأس من الغنم حفاظاً على أسعارها المرتفعة، وأن هناك بلاداً أتلفت المحاصيل الزراعية، وسممتها كي لا يتسلل الزنوج إليها فيخف الطلب عليها، لكننا كوننا مسلمين ـ والحمد لله ت نحب الخير لكل البشر.
 أيها الإخوة الكرام، ورد في بعض الأحاديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ ))

 سُئِلَ أَبُو دَاوُد عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: << هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ، يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ.

[أبو داود بسند صحيح]

 فهل هناك تشريع في الأرض يرقى إلى هذا المستوى ؟ هذا عن استصلاح الأراضي وهذا عن تحويل الأرض الصفراء إلى أرض خضراء، وحينما يعم اللون الأخضر فهذه حضارة.

توجيهات للحفاظ على المياه والأطعمة

1 - عدم تلويث الماء بالبول فيه

 أيها الإخوة الكرام، أما عن موارد الماء فقد وردت توجيهات رائعة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثمة ظاهرة في بعض الريف المتخلف نهى عنها النبي e، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ))

[مسلم والنسائي، واللفظ للنسائي]

 كما نهى أن يبال في الماء الجاري لا الراكد ولا الجاري.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا ))

[ مسلم، ابن ماجه، النسائي، أحمد أبو داود ]

 أنت أمام كمية ماء تأخذ منها شيئاً فشيئاً، ولا تغسل يديك فيها.

2 - عدم غمس اليدين في الماء بعد الاستيقاظ

 وفي بعض التوجيهات الدقيقة جداً: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

(( إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ))

 وللحديث تتمة.

[ متفق عليه ]

 وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 48]

 وفي آية ثانية:

﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 49]

3 - عدم الشرب في فم السقاء

 الآن نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يشرب من فِي السقاء، لأن ذلك يُنْتِنه، وقد كُشِفتْ حقيقة متطورة جداً وحديثة جداً، وهي أن الناس إذا تبادلوا الشرب من إناء واحد ربما انتقلت العدوى من مريض إلى صحيح، لذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم كأسًا من الخشب يشرب فيه في البيت هو والسيدة عائشة.

4 - تغطية الأواني الطعام وسقاء الماء

 فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ ))

[ متفق عليه ]

 يجب أن تغطي كل شيء، يجب أن تغلق كل شيء متعلق بطعامك أو شرابك.
 ومن أدق الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اتقوا الذر الغبار فإن منه النسمة ))

 أيْ المرض.
 وقد علق بعض الأطباء المحدثين على هذا التوجيه النبوي بقوله: إن بعض الأمراض المعدية تنتقل بالرزاز عن طريق الجو المحمل بالغبار ( الذر )، وإن الجراثيم تتعلق بذرات الغبار، عندها تحملها الريح، وتصل بذلك من المريض إلى السليم عن طريق فمه وأنفه وآنيته، وطعامه وشرابه، فأن تزيل الغبار في أي مكان تجلس فيه فهذا أيضاً حضارة إسلامية.

5 –أجر إماطة الأذى عن الطريق

 أيها الإخوة الكرام، أما النفايات التي تملأ الشوارع والأزقة والحدائق فشيء لا يصدق، ولا يحتمل، وإنّ التقاط الأوراق والبقايا أو النفايات التي تنبعث منها روائح كريهة سلوك حضاري سليم، وقد جاء في الحديث الصحيح ـ دققوا ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ ))

[ متفق عليه ]

 الإنسان يأكل، وهو يقود مركبته، ويلقي في الطريق، هذا سلوك ليس حضارياً، ولا إسلامياً إطلاقاً، أن تلقي كل شيء في الطريق بلا قيد، ولا شرط، ولا قاعدة، ولا نظام، هذا سلوك بعيد عن السلوك الإسلامي الصحيح.
 أيها الإخوة الكرام، دققوا في هذه الأحاديث:

(( وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

(( مَنْ أَمَاطَ أَذًى عَنْ طَرِيقِ المُسْلِمِينَ كُتِبَ لَه حَسَنَةٌ ))

[الجامع الصغير عن معقل بن يسار بسند صحيح]

(( إن المؤمن ليؤجر في إماطة الذي عن الطريق ))

[الترغيب والترهيب بسند فيه ضعف]

(( من سمى الله، ورفع حجراً أو شجراً أو عظماً من طريق الناس مشى وقد زحزح نفسه عن النار ))

[الجامع الصغير عن عائشة بسند صحيح]

 شيء لا يصدق، أحياناً سائقو الشاحنات يصلحون مركباتهم، ويضعون حجراً كبيراً خلف العجلة، وينطلقون، وربما سبّب هذا الحجر هلاك أسرة بأكملها تقود ليلاً، ولم ينتبه السائق إلى هذا الحجر، لذلك إذا عرف الإنسان الله، وأقبل عليه صار انتماؤه للأمة، ومن لوازم الانتماء للأمة أن تحافظ على البيئة.
 أيها الإخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ))

[ متفق عليه ]

 هذا أجر مَن أخّر غصن شوك من طريق المسلمين.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ))

[ متفق عليه ]

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ))

[ متفق عليه ]

 أما هؤلاء المتفلتين فقال تعالى عنهم:

﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾

[ سورة البقرة: الآية 205]

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 85]

دعوة الإسلام إلى النظافة

 أيها الإخوة الكرام، ودعوة الإسلام إلى النظافة تفوق حد الخيال، فعَنْ صَالِحِ ابْنِ أَبِي حَسَّانَ قَال سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ:

(( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ))

[ الترمذي ]

 ومن أدق المعاني التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ما صحّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ ))

[ أبو داود، ابن ماجه ]

 لو أن الإنسان وضع شيئاً يؤذي المسلمين في هذه الأماكن بشكل طبيعي يلعنونه، ما هذه الملاعن الثلاث ؟

(( الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ ))

الإسراف في استهلاك البيئة إهلاك لها

 شيء آخر أيها الإخوة الكرام، إن الذي يهلك البيئة الإسراف في استهلاكها، لذلك قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 67]

﴿ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: الآية 141]

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 27]

 هذه الآيات.

الزجر عن الإسراف في الماء ولو للوضوء

 أما أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام: فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ:

(( مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ ))

[ أحمد، ابن ماجه ]

 مرة توضأ النبي من قعب فضلت فيه فضلة، فقال: ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين، هذا يعبر عنه اليوم بترشيد استهلاك المياه، وترشيد استهلاك الموارد.
 مرة ثانية: التقنين الإلهي تقنين تأديب وتربية لا تقنين عجز وضعف.
 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ:

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ ))

[أبو داود]

الرحمة بالحيوان

 أيها الإخوة الكرام، هذا الحيوان الذي سخره الله لنا، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد ]

 حتى إذا ذبحت الحيوان فهناك توجيه إلهي، هذا هو الدين.
 أيها الإخوة الكرام، لا أبالغ إن قلت: هناك خمسمئة ألف توجيه، خمسة منها عبادات شعائرية، والباقي الدين هو الحياة، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يذبح شاة أمام أختها فغضب غضباً شديداً، وقال: هلا حجبتها عن أختها، تريد أن تميتها مرتين ؟
 ما هذه الرحمة في قلب النبي عليه الصلاة والسلام ؟
 أيها الإخوة الكرام، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ:

(( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ، قَالَ: فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ، فَسَكَتَ، فَقَالَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا ؟‍‍‍! فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ ))

[أبو داود]

 أي تتعبه وتجهده، فخجل الفتى وتغير حاله مع هذا الجمل.
 هناك أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام يعجب الإنسان من دقتها.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ))

[ متفق عليه ]

 لأنه سقا كلباً.
 وعذبت امرأة في هرة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ: فَقَالَ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا، وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))

[ متفق عليه ]

عدم الإزعاج بالضجيج

 بل هناك من يرى أن هناك تلوثاً سمعياً.
 الضجيج أيها الإخوة الكرام يضعف السمع، ويسبب توتراً نفسياً عالياً جداً، وبيوتنا ليست سكناً، بل هي ضجيج، والضجيج سلوك غير حضاري، وغير إسلامي، لذلك قال تعالى:

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[ سورة لقمان: الآية 19]

 مشكلة المشكلات أن بعض الناس يحب أن يسمع شيئاً، ويسمعه مئات من حوله، أما في مجتمعات انتبهت لهذه الناحية فلا تسمع إلا ما تريد أنت، فإذا سافرت إلى حلب، وركبت في المركبة العامة يسمعك السائق ما لا تريد، وبأعلى صوت، ويجعل رحلتك قطعة من الشقاء، لأنه له مزاج خاص يفرضه على كل ركاب الحافلة.
 أيها الإخوة الكرام، موضوع البيئة موضوع دقيق جداً، وفي الإسلام ـ والله ـ هذا غيض من فيض، هذا جزء يسير من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالبيئة، ولكن الشيء الدقيق أيها الإخوة الكرام، أن الإنسان ما لم يخف من الواحد الديان فلن يصون بيئة البشر، بل يفضل أن يحقق مصالحه على مصالح من حوله.
 أنا ذكرت في خطبة سابقة كيف أن الناس في بعض البلاد تهافتوا إلى سلوك يعاكس ما يجري في بلاد أخرى من انتماء للمجموع، هذه علامة طيبة في المجتمع، فأسأل الله لي ولكم أن نكون في حركتنا للحياة مع خير من حولنا وخير هذه الأمة.

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حركة المسلم في الحياة لها هدف

 أيها الإخوة، القضية أحياناً تصل إلى مستوى أن الإنسان يتحرك بلا هدف، ويفعل ما يفعله الناس، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون الواحد منا إمعة، فمَن الإمعة ؟ هو الذي يحسن إذا أحسن الناس، ويسيء إذا أساء الناس، لكن المؤمن الصادق هدفه واضح، وهو إرضاء الله عز وجل، ونيل جنة الله، لذلك حينما يكون الهدف واضحاً جداً يبحث عن وسائل لتحقيق الهدف، من أبرز هذه الوسائل أن يكون معطاءً، أن يكون خيراً، أن يكون محباً لمن حوله، أن يحرص على نظافة البيئة، فقضية البيئة الآن تهدد الناس بالأمراض الوبيلة.

الانتماء للمجموع والحرص على سلامته

 والله أيها الإخوة الكرام، هناك معلومات ـ والله ـ تدعو إلى التشاؤم، ومؤلمة جداً مادام الإنسان يعيش كما يشتهي، ولا ينتمي إلى المجموع، ولا يعبأ بمن حوله والله هناك أخطار تهدد مستقبل هذه الأمة، من الناحية المادية فقط، قبل أن نتحدث عن الضغوط والتهديدات والاجتياحات، نحن في سلوكنا مع من حولنا، في سلوكنا مع ما نستخدم من مواد هناك أكثر من عشرين مادة يستخدمها بعض المزارعين تهريباً، وهي مسرطنة، وممنوع استخدامها في العالم كله، ولا أحد ينتبه، أنا ألح على أن تنتمي إلى المجموع، والانتماء إلى المجموع يحتاج إلى أن تعرف الله، وأن تتقرب إلى الله بخدمة عباده، وبسلامة عباده، لأن الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
 أنا لا أصدق أن تصلح حياتنا من دون خوف من الله، أنا لا أصدق أن يلتزم الإنسان وهو بعيد عن الله، إنه لن يلتزم، يلتزم أمام الناس، أما فيما بينه وبين نفسه فلا يلتزم.
 لذلك أيها الإخوة الكرام، قضية أن يكون الهدف واضحاً، وأن تكون الوسائل نابعة من الهدف هذا شيء يرقى إليه المؤمن، فهو لا يؤذي البيئة إطلاقاً، وكم من إنسان إذا كان في مسبح عام لا يبالي وقد يفرغ مثانته، ولا أحد يدري به، أما المؤمن فيلتزم، وهذا الالتزام علامة المؤمن، المؤمن إنسان لا يؤذي شيئاً، لا ماء، ولا هواء، ولا صوتًا، ولا طعامًا ولا شرابًا، ولا يكذب، لا تصلح حياتنا إلا بالإيمان، والإيمان تقام أمامه السدود والحدود والعقبات والصوارف، فلذلك ما لم نعد إلى هذا الدين العظيم، وما لم نصطلح مع خالق السماوات والأرض، وما لم يكن الهدف واضحاً جداً، وما لم تنبع الوسائل من هذا الهدف العظيم فلن تستقيم حياتنا.
 بربكم لو أن إنساناً مصابًا بمرض كبدي وبائي، التهاب كبد قاتل، وكان هذا الجرثوم عنده ودخل إلى الحمام، ولم ينظف يديه جيداً، وكان يعمل في مطعم، فإنه يمكن أن يصيب ثلاثمئة إنسان بهذا المرض الكبدي القاتل لعدم المبالغة بتنظيف بما تحت أظافره إذا دخل إلى الحمام، وهذا شيء خطير.
 أنا أدعوكم إلى أن تعتنوا بطعامكم، وأن تبتعدوا عن الطعام الملوث، لأن هناك أخطارًا كبيرة جداً.

الدعاء

 أيها الإخوة الكرام، إني داعٍ فأمّنوا، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، وحتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع