10796
الخطبة الإذاعية (23) : خ1 - الأخوة الإيمانية ، خ2 - الجانب العملي للأخوة الإيمانية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1992-01-17
بسم الله الرحمن الرحيم

استفتاح الخطبة:

يا رب، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وجعل طاعته المرجح الوحيد بين خلقه، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات )

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، قال لابنته فاطمة رضي الله عنها:

(( يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أمناء دعوته، وقادة ألويته.

الأخوة الإيمانية:

1 ـ لا ينفع نسب بلا إيمان:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسيدنا سعد بن أبي وقاص، وسيدنا سعد بن أبي وقاص صحابي جليل، هو الصحابي الوحيد الذي قال له النبي يوم أحد:

(( ارْمِ سَعْدُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))

[ الترمذي، ابن ماجه عن سعد ]

وهو الصحابي الوحيد الذي إذا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حيّاه وداعبه، وقال له:

(( هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))

[ الترمذي عن جابر ]

هذا الصحابي الجليل ذاته، قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: << يا سعد، لا يغرَّنَّك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له >>.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأقول لكم: لو أن رجلاً عاصر النبي صلى الله عليه وسلم، واستطاع بذكاء حاد وحُجة قوية، وطلاقة لسان أن ينتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم حكماً في خصومة لصالحه، وهو ليس محقاً لا ينجو من عذاب الله، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

[البخاري]

فالشريعة عدل كلها، مصالح كلها، رحمة كلها، فكل قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

2 ـ الناس من طبيعة نفسية وفطرة واحدة:

الناس على اختلاف أعراقهم من نفس واحدة
أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، الناس مهما اختلفت أعراقهم، وبيئاتهم، ومستوياتهم، وأحوالهم هم من طبيعة نفسية واحدة، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

ولهم فطرة واحدة، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الروم )

ولهم جبلة واحدة، فقد ورد في الحديث القدسي:

(( يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ))

[حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب]

3 ـ الشرع جاء ليحافظ على الأخوة الإيمانية:

فمن لوازم هذه الخصائص المشتركة التي يلتقي عندها بنو البشر أن تسود الأخوة الإنسانية فيما بينهم، لكن الناس وحينما تتحكم أهواؤهم في تصرفاتهم، وتحملهم شهواتهم المستعرة على أخذ ما ليس لهم من أموال الناس، والعدوان على أعراضهم، وتأتي قوى الشر، وعلى رأسها الشيطان لينزغ بينهم، ويوقع العداوة والبغضاء فيما بينهم، عندها تنعدم الأخوة والتعاون، ليحل محلها فيهم العداوة والبغضاء والعدوان.
التشريع الإلهي يحض على الإخوة الإنسانية
لقد جاء التشريع الإلهي ؛ إنْ في الكتاب أو في السنة يحضُّ على الحفاظ على هذه الأخوة الإنسانية، والعمل على تنميتها منطلقاً من وحدة البنية النفسية لبني البشر، ومن أن الإنسان يتكامل في حاجاته الأساسية والثانوية مع أخيه الإنسان، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

( سورة الحجرات )

أما أخوة الإيمان فهي أصل من أصوله وألزم لوازمه، والمظهر الصارخ له، وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل الكبير في العلاقة بين المؤمنين، فقال جلَّ من قائل:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

( سورة الحجرات )

وقفة مع هذه الآية:

العداوة علاقة مرضية بين المؤمنين يجب إصلاحها
وللمفسرين عند هذه الآية وقفات متأنية، جملة اسمية ركناها المبتدأ والخبر، ومن شأن التركيب الاسمي الثبات والاستمرار، ومن شأن التركيب الفعلي الحدوث والانقطاع، في الأعم الأغلب.
و "إن" في صدر الآية تفيد تأكيد الأخوة بين المؤمنين، و "إنما" أداة قصر وحصر، تفيد أن المرء ما لم يشعر بالانتماء لمجموع المؤمنين، وما لم يشعر بالاخوة الصادقة بينه وبينهم فليس مؤمناً على قول، وليس كامل الإيمان على قول آخر، والمؤمنون في الآية إخوة، وليسوا إخواناً، أي أن العلاقة بينهم ترتقي إلى أمتن علاقة، وهي أخوة النسب، بل تفوقها في أكثر الأحيان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(رب أخ لك لم تلده أمك)

، أما العداوة، والبغضاء، والتنافس، والحسد فهي علاقات مَرَضية بين المؤمنين، يجب إصلاحها، لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

( سورة الحجرات )

4 ـ الأخوة الإنسانية:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[رواه البخاري، ومسلم عن أنس ]

وحتى يكره له ما يكره لنفسه، وقد ذكر بعض شُرَّاح الحديث أن كلمة أخيه في الحديث لم تُقيد بصفة تحدُّ إطلاقها، والمُطلق في النصوص المحكمة على إطلاقه.
إذاً فالأخوة التي قصدها المصطفى صلى الله عليه وسلم هي الأخوة الإنسانية، ويؤكد هذا قوله الآخر:

(( الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ، وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ ))

[رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي البزار عن أنس ]

5 ـ الشرع نهى عن كل ما يقوّض الأخوّة كالعداوة وأسبابها:

نهى الإسلام عن السخرية بين المؤمنين
والبيان الإلهي نهى عن كل ما يُقوّض هذه الأخوة بين المؤمنين فنهى عن السخرية، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(11)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحجرات )

والبيان النبوي نهى أيضاً عن أسباب العداوة والبغضاء والتي تُضعف الأخوة بين المؤمنين أو تهدمها، فقد ورد ذلك في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَخُونُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَا هُنَا، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

[رواه البخاري ومسلم، واللفظ للترمذي ]

ولا شك أن النفي في هذه الأحاديث أبلغ من النهي، وأن التركيب الخبري آكد في البلاغة من التركيب الإنشائي.
ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعاطي أسباب العداوة والبغضاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ))

[رواه البخاري ومسلم وغيرهما ]

6 ـ الشيطان يسعى إلى الإفساد بين المؤمنين:

بل إن الشيطان حينما ييأس أن يُعبد غير الله في الأرض يتجه إلى التحريش بين المؤمنين، وإيقاع العداوة والبغضاء فيما بينهم، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))

[ مسلم ]

وقد نُدهش حينما نرى النبي صلى الله عليه وسلم يُبين أن فساد الأخوة بين المؤمنين هي من الخطورة حيث تُفسد عليهم دينهم، وتقطع صلتهم بربهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم:

(( إِيَّاكُمْ وسُوءَ ذَاتِ البَيْن، فَإِنَّهَا الحَالِقَةِ ))

[ أخرجه الترمذي، وصححه]

طُرُق ترسيخ الأخوة الإيمانية:

ولم يكتف التشريع الإسلامي بالنهي عن كل ما من شأنه أن يُضعف الأخوة الإيمانية أو يُقوضها، بل أمر بكل ما من شأنه أن يُرسخ الأخوة الإيمانية، ويمتنها، وينميها، ويطورها.

1 ـ إفشاء السلام:

إفشاء السلام يمتن الروابط بين المؤمنين
فقد أمر الشارع الحكيم بإفشاء السلام، فقال عز وجل:

﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾

( سورة النساء )

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

(( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ))

[حديث صحيح أخرجه الترمذي 1856]

فأعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخلهم من بخل بالسلام.
ومما رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))

[أخرجه ابن ماجه وأحمد ]

ومن خصائص إفشاء السلام بين الأنام أن يعُمَّ السلام، وينحسر الخصام، حيث قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:

(( أَفْشُوا السَّلاَمَ تَسْلَمُوا ))

[ رواه الإمام أحمد في مسنده عن البراء ]

2 ـ عيادة المريض وتفقّد أحواله:

عيادة المريض ترسخ الأخوة الإيمانية
ومما أمر به الشارع الحكيم ترسيخاً للأخوة الإيمانية، وتمتيناً لأواصرها ؛ عيادة المريض، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ ))

[أخرجه البخاري]

ويلحق بعيادة المريض، تفقد أحواله، وتعهده، والتلطف به، وحسبك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

(( يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ... ))

[ رواه مسلم ]

وإضافة المرض إلى ذاته تعالى تشريف للمريض، وتطييب لقلبه، وكلمة وجدتني عنده تشير إلى أن العبد إذا سُلب الصحة مُنح السكينة والقُرب.

3 ـ إجابة الدعوة:

ومما أمر به الشارع الحكيم ترسيخاً للأخوة الإيمانية، وتمتيناً لأواصرها: إجابة الدعوة، فَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ))

[أخرجه أبو داود ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ البخاري ]

4 ـ النصح لكل مسلم:

ومما أمر به الشارع الحكيم ترسيخاً للأخوة الإيمانية، وتمتيناً لأواصرها: النصح لكل مسلم، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَلْنا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَكِتَابِهِ، وَرَسُولِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَامَّتِهِمْ ))

[أخرجه مسلم ]

5 ـ الإحسان إلى الإنسان:

توقير الكبير يقوي الإخوة الإيمانية
وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم تمتيناً لهذه الأخوة، أن نرحم الصغير، ونوقر الكبير، وأن نُعين الضعيف، وأن ننصر المظلوم، وأن نكظم الغيظ، وأن نعفو عن الناس، وأن نُحسن إليهم.
ومُجمل القول أن النبي صلى الله عليه وسلم فضلاً عن أنه نهى عن كل ما من شأنه أن يُضعف الأخوّة الإيمانية أو يقوضها، وأمر بكل ما من شأنه أن يُمتِّن أواصر هذه الأخوّة، فضلاً عن كل ذلك كان الني صلى الله عليه وسلم قُدوة لأصحابه في حياته ولأمته من بعده، ففي موقعة بدر كانت الرواحل قليلة، فقال صلى الله عليه وسلم:

(( كل ثلاثة على راحلة وأنا وعلـي وأبو لبابة على راحلة ، فلما جاء دور النبي صلى الله عليه وسلم في المشي توسَّل صاحباه أن يبقى راكباً فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

[ أحمد ]

وحينما أراد أصحابه أن يعالجوا شاة قال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال آخر: وعليَّ سلخها، وقال ثالث: وعلي طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: " وعليَّ جمع الحطب "، فقال أصحابه: نكفيك ذلك.. قال:

(( أعلم ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

التفسير العلمي للأخوة الحقيقية بين المؤمنين:

وإذا أردنا أن نبحث عن التفسير العلمي للأخوة الحقيقية بين المؤمنين نجد أن في شخصية كلٍّ منا سماتٍ، وصفات، وتصورات، وقيماً، ومبادئ، وأهدافاً، وطباعاً، وأخلاقاً، وعاداتٍ، وتقاليد، وعواطف، ومشاعر، وميولاً، ورغبات، ونوازع، واتجاهات، ويمكن أن ينطوي تحت كل بند من هذه البنود بضع عشرات من الفروع، والأقسام، وما شخصية الإنسان إلا مجموع هذه الملامح والصفات، وبما أن الإيمان الحقيقي يطبع الإنسان بطابع عميق، وراسخ، وصارخ، ومتميز في تصوراته، ومبادئه، وأهدافه، وقيمه، وأخلاقه، وطباعه، وعاداته، وعواطفه، ومشاعره، وميوله، ورغباته، ونوازعه، واتجاهاته، وأنه كلما كثرت الصفات المشتركة والملامح المتوافقة بين شخصيتين ازدادت الألفة والمحبة بينهما، لأن كلاً منهما يرى ذاته، وصفاته في أخيه.
وحدة المبادئ هي التي تؤلف القلوب
لذلك قالوا: في حياة كلٍّ منا شخصية نكونها، وهي شخصيتنا، وشخصية نكره أن نكونها، وهي الشخصية المتنافرة في صفاتها مع شخصيتنا، وشخصية نحبها وهي التي تتوافق في صفاتها مع شخصيتنا، وشخصية نتمنى أن نكونها وهي الشخصية القدوة التي نصبو إليها.
لذلك أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، فبين أن إنفاق أموال الأرض كلها لا يمكن أن يؤلف وحدة القلوب، ولكن وحدة المبادئ والقيم والمشاعر التي تنبع من منهل علوي واحد هي التي تؤلف القلوب وتجمع النفوس قال تعالى:

﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )

ولقد ورد في الحديث الشريف:

(( أن المؤمنين نَصَحَةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقين غششة مُتحاسدون ولو اقتربت منازلهم ))

[كنز العمال 1/757]

الخطبة الثانية:

الجانب العملي للأخوة الإيمانية:

هذه هي مبادئ الأخوة الإيمانية فماذا عن التطبيقات العملية ؟ هذا هو الفكر النظري فماذا عن الممارسة العلمية ؟ وهذه هي المنطلقات فماذا عن الوقائع ؟ هذا هو الإسلام في الكتب، فأين الإسلام في الحياة ؟

1 ـ المؤاخاة بين المهجرين والأنصار:

من أروع صور الأخوة بين المؤمنين: المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، بعد الهجرة إلى المدينة.. فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه اثنين اثنينِ مهاجر وأنصاري، ومن هؤلاء الذين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم: " سعد بن الربيع الأنصاري، وعبد الرحمن بن عوف المهاجر فقال سعد لعبد الرحمن: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالاً، عندي بستانان فانظر أي بستانيَّ أحب إليك حتى أخرج لك عنه ؟ فقال عبد الرحمن لأخيه الأنصاري: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق فدله عليه، فجعل يتَّجر، وطفق يشتري، ويبيع، ويربح، ويدَّخر حتى اجتمع لديه مهر امرأة فتزوج ".

[رواه البخاري]

2 ـ بين أبي بكر وبلالٍ:

ومن أمثلة الأخوة الحقيقية بين المؤمنين التي تنعدم فيها الفوارق الكبيرة بين الطبقات التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي، ما فعله سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما مرَّ بأمية بن خلف وهو يُعذب بلالاً الحبشي، فقال له: ألا تتقي الله عز وجل في هذا المسكين حتى متى تعذبه ؟ فقال أمية: أنقذه مما ترى ؟ فقال أبو بكر: أفعل، خذ أكثر من ثمنه، واتركه حراً، نقد أبو بكر أمية الثمن، وحرر بلالاً من رق العبودية، وتأبط ذراعه، إشعاراً بالمساواة التامة، فقال أمية: خذه فو اللات والعُزى لو أبيت إلا أن تشتريه بدرهم واحد لبعتكه.. فرأى الصديق في هذه مساً بكرامة بلال، فقال له: والله لو طلبت فيه مائة ألف لأعطيتكها.. وسار الصديق متأبطاً ذراع بلال قائلاً: هذا أخي حقاً، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون، إذا ذكروا أبا بكر، هو سيدنا وأعتق سيدنا يعنون بلالاً.
وحينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ذهب بلال إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال: يا خليفة رسول الله أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت قال أبو بكر: ومن يؤذن لنا ؟ فقال بلال، وعيناه تفيضان من الدمع: ما كنت لأؤذن لأحد بعد رسول الله، فقال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال فقال بلال: إن كنت أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له، فقال أبو بكر: بل أعتقتك لله يا بلال، فامض لما أردت.

3 ـ بين أبي بكر جيرانه:

وتتجلى الأخوة الحقيقية بين المؤمنين مع البون الشاسع بين مراكزهم الاجتماعية في هذا الموقف: فقد كان لسيدنا الصديق جيران عجائز مات أزواجهن، أو استشهدوا في سبيل الله، وكان رضي الله عنه، يؤم بيوت جيرانه فيحلب لهن الشياه، ولما آلت إليه الخلافة تناهى إلى سمعه حسرة هؤلاء العجائز، لأنهن سيحرمن من هذه الخدمة الجليلة، التي يؤديها هذا الرجل الصالح، ولكنه أخلف ظنونهن، وفي اليوم التالي لتوليه الخلافة يقرع باب إحدى تلك الدور، وتُسارع فتاة صغيرة لتفتح الباب، ولا تكاد ترى أبا بكر رضي الله عنه، حتى تصيح: جاء حالب الشاة يا أماه.. أتدرون من حالب الشاة ؟ إنه سيدنا الصديق خليفة المسلمين.
لقد وصف الله المؤمنين بأنهم:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر )

4 ـ الإيثار في الماء بين الجرحى في المعركة:

وخير ما يجسد الوصف الرباني لعباده المؤمنين ما رواه حذيفة العدوي حيث قال: انطلقت يوم اليرموك، أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمقٌ سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت له أسقيك ؟ فأشار إلي أن نعم ( والجريح يتحرق على شربة ماء كما هو معروف ) فسمع رجلاً يقول: آه.. فأشار إلي ابن عمي أن انطلق واسقه، فإذا هو هشام بن العاص قلت: أسقيك فأشار إليّ أن نعم، فسمع آخر يقول: آه.. فأشار إلي أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات ".
هذا هو التطبيق العملي، وهذه هي الممارسة الفعلية وهذا هو الإسلام في الحياة.

نعمة الأمطار:

العادة الدعاء بالسقيا:

جرت العادة أيها الإخوة أن ندعو الله بالسقيا في أيام الشتاء، ولا سيما في سنوات الجفاف، ندعوه، ونبتهل إليه أن يسقينا الغيث، رحمة بالشيوخ الركع، وبالأطفال الرضع، والبهائم الرتع، وندعوه أن لا يعاملنا بما يفعل السفهاء منا، وفي السنوات الماضية قلت الأمطار كما تعلمون، وجفـت بعض الأنهار، وغارت أكثر الينابيع، وكاد القنوط يتسلل إلى النفوس، وأوشك اليأس أن يداخل القلوب.

2 ـ إمساك الله للغيث تأديب العباد:

تقنين السماء هو تقنين تأديب وليس تقنين عجز
ويبدو أن الله سبحانه وتعالى، أراد أن يبين لعباده من خلال الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال هذا العام، أن تقنين السماء ليس تقنين عجز ولكنه تقنين تأديب، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الشورى )

وقال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

( سورة الحجر )

وقال تعالى:

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾

( سورة الجن )

وقال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

3 ـ وجوب شكر النعم:

فلك الحمد يا ربنا على هذه الأمطار الغزيرة التي تفضلت بها علينا، لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً بعدد خلقك، وبعدد كل نفس من أنفاسهم.
أيها الإخوة من خلال النشرات الرسمية لكميات الأمطار الهاطلة حتى تاريخ الثالث عشر من الشهر الأول لهذا العام الجديد يتضح أن كمية الأمطار الهاطلة في ثماني محافظات ثلاثة أمثال ما هطل حتى التاريخ نفسه في العام الماضي، وأن نسبة هذه الكميات إلى المعدلات السنوية بلغت من سبعين إلى ثمانين في المائة في خمس محافظات وأما كميات المياه في بعض السدود بلغت ضعف مخزونها في العام الماضي، لك الحمد يا رب حمداً طيباً كثيراً مباركاً.
روي أن سعداً رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يدعو له بأن يكون مستجاب الدعوة، قال له:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الطبراني في المعجم الصغير عن ابن عباس ]

وحين دعانا ربنا في القرآن الكريم أن ندعوه ذكرنا بأنه لا يحب المعتدين، أي لا يستجيب دعاءهم، قال تعالى:

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS